البراهين القاطعة - ج ١

محمّد جعفر الأسترآبادي

البراهين القاطعة - ج ١

المؤلف:

محمّد جعفر الأسترآبادي

المحقق: مركز العلوم والثقافة الإسلامية المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: مؤسسة بوستان كتاب المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي ISBN: 964-371-377-6
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

دليل الكتاب

تصدير........................................................................ ٧

مقدّمة التحقيق................................................................. ٩

التمهيد.................................................................... ١١

المبحث الأوّل : حول الطوسي ومتن التجريد................................. ١٣

المبحث الثاني : حول الأسترآبادي و « البراهين القاطعة »..................... ٢٣

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

المقصد الأوّل : في الأمور العامّة............................................... ٧٧

الفصل الأوّل : في الوجود والعدم.......................................... ٨١

الفصل الثاني : في الماهيّة ولواحقها.......................................... ١٨٣

الفصل الثالث : في العلّة والمعلول.......................................... ٢٢٧

المقصد الثاني : في الجواهر والأعراض......................................... ٢٥٩

الفصل الأوّل : في الجواهر................................................ ٢٦١

الفصل الثاني : في الأجسام................................................ ٢٩٣

الفصل الثالث : في بقيّة أحكام الأجسام.................................... ٣١٩

الفصل الرابع : في الجواهر المجرّدة.......................................... ٣٣٣

الفصل الخامس : في الأعراض............................................. ٣٧٧

٥
٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تصدير

الحمد لله والحمد حقّه كما يستحقّه حمدا كثيرا ، وصلاته على نبيّه المصطفى ورسوله المجتبى محمّد ، وعلى آله الهداة الميامين وصحبه المنتجبين.

وبعد فإنّ الفكر الكلامي ـ الذي هو ثمرة لجهود ثلّة من العلماء ـ يمثّل أعظم ثروة تشهد بعظمة هؤلاء العلماء ، الذين دافعوا عن العقيدة بأقلامهم ، ودحضوا شبه المبطلين والمغرضين.

وقد كثرت الدعوات لإنشاء علم كلام في أسلوب حديث يتناغم وظروف العصر الحاضر ويكشف الحقيقة ويدفع الشبهات عن العقيدة الإسلامية ، الأمر الذي تشتدّ معه حاجة الباحثين إلى أن يتّجهوا صوب الذخائر الإسلامية « المخطوطات » ليستمدّوا منها ما يحقّق انطلاقتهم المباركة في هذا المجال.

وهذه الموسوعة الكلاميّة في شرح تجريد العقائد تمثّل كنزا من كنوز تراثنا الخالد ، وإخراجها وجعلها بين أيدي العلماء والباحثين يفتح آفاقا رحبة للبحث العلمي ، ويملأ فراغا في المكتبة الكلاميّة.

كلمة شكر وثناء :

وختاما فإنّنا نقدّم جزيل الشكر وجميل الثناء لكافّة الإخوة الأفاضل الذين ساهموا في تحقيق وإخراج هذا الكتاب ، ونخصّ بالذكر :

١. الإخوة الأفاضل : السيّد حسين بني هاشمي ، والسيّد خليل العابديني ، وطه نجفي ،

٧

وحسان فرادى ، وإسماعيل بيك المندلاوي ، والشيخ محمّد ربّاني ، والشيخ ولي قرباني والأخ جواد فاضل بخشايشي على مقابلتهم النسخ الخطّية وتخريج مصادر الكتاب.

٢. فضيلة الشيخ محمّد حسين مولوي الذي تصدّى لمسئوليّة تحقيق الكتاب وتقويم نصّ بعض المجلّدات وكتابة مقدّمة التحقيق.

وكذا فضيلة الشيخ غلامرضا نقي ، والشيخ غلام حسين قيصري ها اللذين ساهما في تقويم نصّ الكتاب.

٣. الاستاذ الأديب أسعد الطيّب ، والشيخ نعمت الله جليلي ، والشيخ محمّد باقري ، والسيّد عبد الرسول حامدي ، والشيخ علي أوسط ناطقي ، الذين قاموا بمراجعة الكتاب علميّا وأدبيّا وفنّيا.

٤. الإخوة في مركز النشر ونخصّ بالذكر الشيخ عبد الهادي أشرفي والأخ رمضان علي قرباني والأخ عبد الوهاب درواژ.

اللهمّ تباركت أن توصف إلاّ بالإحسان ، وكرمت أن يخاف منك إلاّ العدل ، صلّ على محمّد سيّدنا ونبيّنا وعلى الهداة الطاهرين من آله والمنتجبين من صحبه ، إنّك أنت المنّان.

قسم إحياء التراث الإسلامي

مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية

٨

مقدّمة التحقيق

وفيها تمهيد ومبحثان :

الأوّل : حول الطوسي ومتن التجريد

الثاني : حول الأسترآبادي و « البراهين القاطعة »

٩
١٠

التمهيد

إنّ علم الكلام من العلوم الإسلاميّة التي يبحث فيها عن العقيدة الإسلاميّة وما ينبغي الاعتقاد به والاستدلال على ذلك والدفاع عنه.

وقد صنّفت التعاليم الإسلامية إلى أصناف ثلاثة :

١. الأحكام ، وهي أمور تتعلّق بالأفعال وترتبط بعمل الإنسان ، ومن خلالها يعرف كيف يؤدّي الواجبات المناطة به من الناحية الشرعية ، كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد والبيع والزواج ... والعلم الذي يعنى بذلك هو « علم الفقه ».

٢. الأخلاق ، وهي عبارة عن الصفات الروحية التي ينبغي أن يتّصف بها المسلم ، كالصدق والاستقامة والأمانة والإخلاص والورع ... والعلم الذي يبحث في ذلك يسمّى بـ « علم الأخلاق ».

٣. العقائد ، وهي عبارة عن أمور يجب معرفتها والإيمان بها ، مثل التوحيد والعدل وصفات الله تعالى والنبوّة والإمامة ... وهي التي يعبّر عنها بـ « أصول الدين ».

والعلم الذي يبحث في ذلك يسمّى بـ « علم أصول الدين » أو « علم الكلام ».

وبما أنّ هذا العلم يتولّى مهمّة الدفاع عن العقيدة الإسلامية ، لذلك أولاه علماء المسلمين أهمّية خاصّة ، وكتبوا وصنّفوا كثيرا في هذا المجال ؛ فللعقيدة دور كبير في تحديد مسيرة الفرد والمجتمع ، وهي التي توصلهم إلى السعادة أو الشقاء.

والمصنّفات الكلامية كثيرة جدّا ، والمكتبة الإسلامية زاخرة بها عبر العصور الإسلامية المتتالية ، ولا زالت المنهل الذي ينتهل منه الباحثون والمحقّقون ، وكفانا فخرا أنّنا نمتلك هذا التراث الضخم الذي يدلّ على جلالة قدر أسلافنا ودورهم المتميّز في إثراء الفكر الإنساني.

أمّا من يدّعي الحداثة والتجديد ويذمّ كلّ قديم لمجرّد قدمه فهو ليس على صواب ؛ لأنّ

١١

من لا قديم له لا جديد له وأنّ أيّ أمّة تنكّرت لماضيها فليس لها حاضر ولا مستقبل ، ويكفينا ما حصل لأمّتنا الإسلامية عند ما تخلّت عن ذلك الماضي المشرق الذي بناه أسلافنا بجهودهم وتضحياتهم ، فصرنا نقتات على موائد غيرنا ونستورد أفكارهم.

إنّ التطوّر العلمي الهائل الذي وصلت إليه أوربّا إنّما كان بفضل علماء المسلمين ومفكّريهم ، فقد قام علماؤهم وكتّابهم بالاهتمام بآثارنا وتدوين تراثنا ، فالذي يراجع فهارس المكتبات العامّة في أوربّا يجد أسماء لامعة لشخصيّات شرقية من قبيل ابن سينا والكندي ونصير الدين الطوسي والفخر الرازي والعلاّمة الحلّي والغزالي وغيرهم.

ولم يكتف الأوربيّون بجمع مخطوطاتنا ، بل عملوا على تحقيق بعضها وطباعتها طباعة حديثة سهّلت على باحثيهم الاستزادة من أغنى وأغلى الأفكار الإنسانية.

إنّ الحضارة الإسلامية التي برزت إلى الوجود منذ أربعة عشر قرنا كانت حضارة العلم والعقل والتفكير ولم تكن حضارة الحروب. وإنّ تلك المدنيّة التي انتشرت في معظم أرجاء العالم ووصلت إلى أقصى الصين شرقا وأقصى أوربّا غربا لم تكن مدنيّة السيف والرمح أو السلاح النووي ، بل كانت مدنيّة القلم والقرطاس والكتاب والدرس والبحث عن الحقيقة.

لذا أرى لزاما علينا أن نعمل جاهدين على إحياء آثار أسلافنا والإشادة بفضلهم ، ونشر كتبهم وشرحها وتحليل مضامينها ؛ فإنّ الفضل في الحياة العقلية المعاصرة يعود إليهم.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وكتاب « البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة » هو لواحد من أولئك الأعلام ، الذين عاشوا في القرن الثالث عشر ، وهو المولى محمّد جعفر بن سيف الدين الأسترآبادي.

ويضمّ هذا الكتاب أربعة أجزاء ، والذي بين يدي القارئ العزيز هو الجزء الأوّل منه ، على أمل أن يتمّ إكمال تحقيق الأجزاء الباقية بعونه تعالى.

وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

١٢

المبحث الأوّل :

حول الطوسي ومتن التجريد

ميلاده

ولد أبو جعفر محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي ، المعروف بـ « المحقّق الطوسي » في مدينة طوس ، واختلف في سنة ولادته ، والأغلب ـ كما في أعيان الشيعة (١) ـ على أنّه ولد سنة ٥٩٧ ، وتوفّي ببغداد في يوم الغدير سنة ٦٧٢ ، ودفن في مدينة الكاظمين عليهما‌السلام.

والده

هو محمّد بن الحسن ، الذي يعدّ من الفقهاء والمحدّثين ، حيث تربّى أبو جعفر في حجره ونشأ على يديه.

قالوا عنه :

« وكان هذا الشيخ أفضل أهل زمانه في العلوم العقليّة والنقليّة » (٢).

« كان رأسا في علم الأوائل لا سيّما في الأرصاد والمجسطي » (٣).

« هو أستاذ البشر والعقل الحادي عشر » (٤).

« حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة ، كان يقوّي آراء المتقدّمين ويحلّ شكوك

__________________

(١) « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٤.

(٢) انظر : « الأسرار الخفيّة في العلوم العقلية » : ٢٠ ، هامش ٢.

(٣) « الوافي بالوفيات » ١ : ١٧٩.

(٤) ذكره في « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٥ ونسبه إلى العلاّمة الحلّي قدس‌سره.

١٣

المتأخّرين والمؤاخذات التي وردت في مصنّفاتهم » (١).

« المولى الأعظم والحبر المعظّم ، قدوة العلماء الراسخين ، أسوة الحكماء المتألّهين ، نصير الحقّ والدين محمّد بن محمّد الطوسي قدّس الله نفسه وروّح رمسه » (٢).

دراسته

درس علوم اللغة في صغره ، ثمّ علوم القرآن الكريم ، وأمره والده بعد ذلك بدراسة الرياضيات على كمال الدين الحاسب ، ثمّ درس على والده الحديث والأخبار والفقه ، ودرس المنطق والحكمة على خاله ، وقد أتقن العلوم الرياضيّة وهو ما زال في عنفوان شبابه.

انتقل بعد وفاة والده إلى نيسابور ـ التي كانت من الحواضر العلمية آنذاك ـ فلقي فيها سراج الدين القمري وقطب الدين السرخسي وفريد الدين الداماد وأبا السعادات الأصفهاني وفريد الدين العطّار ، وفي نيسابور تفجّرت طاقته وظهرت قدرته على الإبداع وبان نبوغه وتفوّقه ، فكان ممّن يشار إليه بالبنان.

الطوسي والإسماعيليّين

كان زحف المغول مقترنا بوجود المحقّق الطوسي في نيسابور حيث اجتاح جنكيز خان بلاد خراسان وهرب السلطان محمّد خوارزم شاه ، وهرب الناس وتوزّعوا على الفلوات والمدن الآمنة والقلاع ، وبقيت القوّة الوحيدة متمثّلة بالإسماعيليّين الذين تحصّنوا بقلاعهم (٣). وخلال هذه المحنة لم يدر الطوسي أين يولّي وجهه ، فكان والي الإسماعيليّين ـ ناصر الدين ـ قد ولي بلدة قهستان ، وكان ذا فضل وعلم ومهتمّا بالعلماء ، وقد تناهت إليه أخبار الطوسي ومكانته العلميّة وشيوع صيته في الآفاق ، فدعاه إلى قهستان ، وهناك ترجم كتابا لأبي عليّ مسكويه الرازي وزاد عليه مطالب جديدة وسمّاه « أخلاق ناصري » تكريما

__________________

(١) « مختصر الدول » لابن عبري ، نقلا عن « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٤.

(٢) القوشجي في « شرح تجريد العقائد » : ٢.

(٣) وأشهر هذه القلاع القلعة المسمّاة بـ « ألموت ». وهي كلمة فارسية مكوّنة من مقطعين : أله + موت ، وتعني وكر العقبان.

١٤

لناصر الدين.

ولمّا سمع علاء الدين محمّد زعيم الإسماعيليّين بنزول الطوسي على واليه ناصر الدين طلبه ، فأجاب المحقّق الطوسي دعوته ، واستقبله الزعيم الإسماعيلي استقبالا حافلا بالتكريم والحفاوة.

بقي الطوسي مع ركن الدين بعد وفاة والده علاء الدين في قلعة ألموت إلى أن استسلم الإسماعيليون للمغول ، حيث سار علاء الدين بصحبة أولاده ونصير الدين الطوسي والوزير مؤيّد الدين والطبيبان ، وقتل هولاكو علاء الدين ومن معه إلاّ الطوسي والطبيبين (١).

الطوسي والمغول

لمّا صار الطوسي تحت قبضة هولاكو فكّر في أن يعمل شيئا ، فعزم على أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من التراث العلمي وأهل العلم ، فاستطاع بحنكته أن يحوّل هؤلاء المتوحّشين ـ الذين قصدوا إشاعة الدمار والخراب في البلدان الإسلامية ـ إلى أناس يعتنقون الإسلام ويدعون له.

يقول الدكتور علي أكبر فيّاض :

« وكانت النهضة الإسماعيليّة في قمّة نشاطها في ذلك العصر ، وكانت لهم مشاركة تامّة في دراسة الفلسفة والنهوض بها ؛ للاستفادة منها في تقرير أصولهم وإثبات دعاويهم ، وقد أسّسوا لهم في قلعة ألموت في جبال قزوين مكتبة عظيمة بادت على أيدي المغول. وكان يعيش في رعاية الإسماعيليّين رجل يعدّ من أكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا ، ألا وهو نصير الدين الطوسي ، قدّر لهذا الرجل العظيم أن يقوم بإنقاذ التراث الإسلامي من أيدي المغول ... لقد فرض إليه هولاكو أمر أوقاف البلاد فقام بضبطها وصرفها على إقامة المدارس والمعاهد العلمية ، وجمع العلماء والحكماء وتعاون معهم في إقامة رصد كبير في مراغة بآذربيجان ومكتبة بجانبه يقال : إنّها كانت تحوي ٤٠٠ ألف من المجلّدات » (٢).

__________________

(١) انظر « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٦ ـ ٤١٨ والطبيبان هما : موفّق الدولة ، ورئيس الدولة.

(٢) « محاضرات عن الأدب الفارسي والمدنيّة الإسلامية » نقلا عن « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٦.

١٥

الطوسي والعلم والعلماء

إنّ الذي كان يشغل بال المحقّق الطوسي إبّان عصر المغول هو أنّه كيف ينقذ العلماء من محنتهم ، وكيف يحفظ التراث الضخم من أيدي المغول. فلم يكن بمقدور الطوسي وغيره مواجهة الطغاة بقوّة السلاح ، بل لا بدّ من وضع خطّة ذكيّة لاستيعاب الموقف وكسر شوكة المغول أو تحييدهم أو أسلمتهم.

فبعد أن اطمأنّ هولاكو للمحقّق الطوسي وكبر في عينه حاول الطوسي إقناعه بإقامة مرصد فلكي في مراغة قائلا له : « إنّ القائد المنتصر يجب أن لا يقنع بالتخريب فقط » فأدرك المغولي المغزى ، وخوّله بناء مرصد عظيم على تلّ شمالي « مراغة » وتمّ هذا العمل في ١٢ سنة ... وقد أظهر خطأ أربعين دقيقة في موضع الشمس في أوّل السنة على حساب الأزياج السابقة ، وجمع مكتبة عظيمة ضمّ إليها ما نهب من الكتب في بغداد.

وهكذا تسنّى للمحقّق نصير الدين أن يؤسّس أكبر جامعة علمية في مراغة ، استقطب فيها العلماء والحكماء ، الذين توافدوا على مراغة من كلّ أصقاع العالم. يقول محمّد مدرّسي زنجاني في كتابه « سرگذشت وعقائد فلسفى خواجه نصير الدين طوسى » :

« فضلا عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجيّا على عقله ، وأن يروّض شارب الدماء فيوجّهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية والثقافية والفنّية ، فأدّى الأمر إلى أن يوفد هولاكو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي إلى البلاد العربية وغيرها ، ليحثّ العلماء الذين فرّوا بأنفسهم من الحملة المغولية فلجئوا إلى أربل والموصل والجزيرة والشام ، ويشوّقهم إلى العودة ، وأن يدعو علماء تلك البلاد ـ أيضا ـ إلى الإقامة في مراغة » (١).

وكان فخر الدين حسن التدبير كيّسا ، فاستطاع أن يؤدّي مهمّته على أحسن وجه.

وقد استجاب للطوسي علماء البلاد العربية وغيرها ، فرحلوا إلى مراغة ، واجتمع هناك علماء من دمشق والموصل وقزوين وتفليس وغيرها.

__________________

(١) انظر : « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٧.

١٦

الطوسي في الميزان

غالبا ما يصنّف العلماء تبعا لاختصاصاتهم ، فيقال : هذا عالم فقه وهذا عالم كيمياء وهذا عالم أخلاق ، إلاّ أنّ المحقّق نصير الدين الطوسي قد تعدّدت مشاربه وأخذ من كلّ علوم عصره ، فهو وإن كان مشهورا في مجال الحكمة والكلام ، إلاّ أنّ له باعا طويلة في مختلف الاختصاصات ، فهو الرياضي والفلكي والفقيه والعالم الأخلاقي ، فقد مدحه أحد مساعديه في مرصد مراغة ، وهو العالم الدمشقي مؤيّد الدين العرضي بقوله :

« وكذلك (١) كلّه بإشارة مولانا المعظّم والإمام الأعظم ، العالم الفاضل المحقّق الكامل ، قدوة العلماء وسيّد الحكماء ، أفضل علماء الإسلاميّين بل المتقدّمين ، وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرّق في كافّة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة ، وحسن السيرة ، وغزارة الحلم ، وجزالة الرأي ، وجودة البديهة ، والإحاطة بسائر العلوم ، فجمع العلماء إليه وضمّ شملهم بوافر عطائه ، وكان بهم أرأف من الوالد على ولده ، فكنّا في ظلّه آمنين وبرؤيته فرحين كما قيل :

نميل على جوانبه كأنّا

نميل إذا نميل على أبينا

ونغضبه لنخبر حالتيه

فنلقى منهما كرما ولينا

وهو المولى نصير الملّة والدين محمّد بن محمّد الطوسي أدام الله أيّامه » (٢).

ونقل عنه ما يدلّ على كمال عقله وسعة حلمه ، وهو أنّه أرسلت إليه ورقة من شخص ضمّنها كلاما بذيئا قال فيه للطوسي : « يا كلب يا ابن الكلب » فكان جواب الطوسي له : وأمّا قوله : كلبا ، فليس بصحيح ؛ لأنّ الكلب من ذوات الأربع ، وهو نابح طويل الأظفار ، وأمّا أنا فمنتصب القامة ، بادي البشرة ، عريض الأظفار ، وناطق ضاحك. فهذه الفصول والخواصّ غير تلك الفصول والخواصّ. وأطال في نقض ما ذكره كاتب الرسالة ، ولم تصدر منه كلمة بذيئة قطّ.

وذكر عنه تلميذه العلاّمة الحلّي في إجازته لبني زهرة أنّه « ... كان أشرف من شاهدناه

__________________

(١) كذا في « أعيان الشيعة » ولعلّ الصحيح : « وكان ذلك كلّه … ».

(٢) « رسالة شرح آلات مرصد مراغة وأدواته » نقلا عن « أعيان الشيعة » ٩ : ٤١٧.

١٧

في الأخلاق » (١).

وقال عنه الصفدي : « وكان حسن الصورة ، سمحا كريما جوادا حليما ، حسن العشرة ، غزير الفضائل ، جليل القدر ، داهية » (٢).

آثاره

شملت آثار المحقّق نصير الدين معظم علوم عصره ومعارفه ، كالرياضيات والهيئة والطبّ والمنطق والفلسفة والأخلاق والفقه وغيرها ، ولست بصدد الخوض في ذلك ، فقد كفانا السيّد محمّد جواد الجلالي هذه المهمّة حيث قام بتصنيف مؤلّفات الطوسي حسب العلوم التالية :

١ ـ العلوم العقلية كالفلسفة والكلام والمنطق والسياسة والأخلاق.

٢ ـ العلوم الصرفة كالهندسة والرياضيات والجبر والمثلّثات والفيزياء.

٣ ـ العلوم الدينيّة كالفقه والتفسير والعقيدة والأدعية والأذكار.

٤ ـ العلوم الفلكية كالفلك والرصد والتقويم والاسطرلاب والجفر والرمل.

٥ ـ العلوم الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا والشعر والموسيقى والتربية والتعليم.

٦ ـ العلوم الطبيعية الأخرى كالطبّ والجواهر.

وهذا التصنيف يعتبر أفضل من الترتيب الألفبائي ، ويسهّل على الباحث الوصول إلى ما يبتغيه.

ومن أراد الاطّلاع على تفصيلات آثار المحقّق الطوسي فليراجع مقدّمة « تجريد العقائد » (٣).

حول التجريد وشروحه

أشار المحقّق نصير الدين في أوائل هذا الكتاب إلى أهمّيته ومنهجيّته في البحث مع ذكر

__________________

(١) « بحار الأنوار » ١٠٤ : ٦٢.

(٢) « الوافي بالوفيات » ١ : ١٧٩.

(٣) « تجريد العقائد » : ٣٦ ـ ٦٨ ، مقدّمة التحقيق.

١٨

السبب الذي دعاه إلى تصنيفه فقال : « أمّا بعد حمد واجب الوجود ـ إلى ـ فإنّي مجيب إلى ما سئلت من تحرير مسائل الكلام وترتيبها على أبلغ نظام ، مشيرا إلى غرر فرائد الاعتقاد ونكت مسائل الاجتهاد ، ممّا قادني الدليل إليه وقوي اعتقادي عليه ، وسمّيته تجريد العقائد ».

وهذا الكتاب ممّا تناقلته الأيدي واعتنى به رجالات الفكر الكلامي وناقشوا فيه بين قبول وردّ ، ولا زال يعتبر من أمّهات الكتب الكلاميّة رغم وجازته.

ولتجريد العقائد شروح كثيرة وحواش على تلك الشروح :

فأوّل شروحه هو « كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد » الذي هو شرح لتلميذه العلاّمة الحلّي ، ويعتبر من أكمل الشروح وأوفاها.

والشرح الثاني الموسوم بـ « تشييد القواعد » لشمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني المتوفّى سنة ستّ وأربعين وسبعمائة ، ويعرف بـ « الشرح القديم ». وعليه حاشية للسيّد الشريف الجرجاني المتوفّى سنة ستّ عشرة وثمانمائة ، واشتهر هذا الكتاب بين علماء الروم بـ « حاشية التجريد » والتزموا تدريسه.

وقد كثرت الحواشي على « حاشية الجرجاني » فمن تلك الحواشي حاشية محيي الدين محمّد بن حسن السامسوني المتوفّى سنة ٩١٩ ، وحاشية شجاع الدين إلياس الرومي المتوفّى سنة ٩٢٩ ، وحاشية سنان الدين يوسف المعروف بـ « عجم سنان » المتوفّى مفتيا في « أماسيا ». إلى عشرات الحواشي الأخر.

والشرح الثالث هو للمولى علاء الدين عليّ بن محمّد المشهور بـ « القوشجي » المتوفّى سنة ٦٧٩ ، وهو شرح مزجيّ لخّص فيه فوائد القدماء على أحسن وجه ، وأضاف إليها ما توصّل إليه هو ، كتبه بكرمان وأهداه إلى السلطان أبي سعيد خان.

وقد اشتهر هذا الشرح بـ « الشرح الجديد » وفي هذا الشرح امتدح القوشجي في مقدّمته ـ بعد مدح المصنّف الطوسي ـ كتاب « تجريد الاعتقاد » بقوله : « تصنيف مخزون بالعجائب ، وتأليف مشحون بالغرائب ، فهو وإن كان صغير الحجم ، وجيز النظم ، فهو كثير العلم ، جليل الشأن حسن النظام ، مقبول الأئمّة العظام ، لم يظفر بمثله علماء الأعصار ، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأمّهات ، مملوء بجواهر كلّها كالفصوص ، متضمّن لبيانات معجزة في عبارات موجزة.

١٩

يفجر ينبوع السلاسة من لفظه

ولكن معانيه لها السحر يسجد

فهو في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، تداولته أيدي النظّار ، ثمّ إنّ كثيرا من الفضلاء وجّهوا نظرهم إلى شرح هذا الكتاب » (١).

وقد كثرت الحواشي ـ أيضا ـ على هذا الشرح ، وأهمّها « الحاشية الجلالية » القديمة ، نسبة إلى الفاضل جلال الدين محمّد بن أسعد الدواني المتوفّى سنة ٩٠٧.

ثمّ كتب المولى صدر الدين محمّد الشيرازي المتوفّى سنة ٩٣٠ حاشيته على الشرح الجديد وأهداها إلى السلطان بايزيدخان ، وفيها اعتراضات على حاشية جلال الدين الدواني ، وظلّت المعركة الكلامية سجالا بين الدواني والصدر ، فكلّما كتب أحدهم شيئا ردّ عليه الآخر ، وكان آخر الردود لغياث الدين الحسيني ابن السيّد الصدر ، حيث صدّر خطبته بالتعريض والنيل من جلال الدين الدواني قال : « ربّ يسّر وتمّم ، قد كشف جمالك على الأعالي كنه حقائق المعالي ، وحجب جلالك الدواني عن فهم دقائق المعاني ، فأسألك التجريد من أغشية الجلال بالشوق إلى مطالعة الجمال » إلى آخر ما قال ، وسمّى ذلك الكتاب بـ « تجريد الغواشي ».

وهناك حواشي كثيرة على الشرح القديم والحاشية القديمة ، مثل حاشية المحقّق ميرزا جان حبيب الله الشيرازي المتوفّى سنة ٩٩٤ ، وحاشية فخر الدين محمّد بن الحسن الحسيني الأسترآبادي ، وحاشية المدقّق عبد الله النخجواني ، وحاشية المحقّق حسن جلبي ابن الفناري المتوفّى سنة ٨٨٦ ، وحاشية العلاّمة شمس الدين الخفري.

ومن شروح التجريد الأخرى : شرح أبي عمرو أحمد بن محمّد المصري المتوفّى سنة ٧٥٧ سمّاه « المفيد » ، وشرح العلاّمة محمّد بن محمود البابرتي المتوفّى سنة ٧٨٦ وشرح الفاضل خضر شاه بن عبد اللطيف المنتشوي المتوفّى سنة ٨٥٣ ، وشرح قوام الدين يوسف بن حسن المعروف بـ « قاضي بغداد » المتوفّى سنة ٩٢٢ ، ومنها « تسديد النقائد في شرح تجريد العقائد » الذي ذكر الأصل ثمّ الشرح وميّز لفظ الأصل والشرح بالمداد الأحمر.

إلى غير ذلك من الشروح والحواشي المذكورة في كتب التراجم (٢).

__________________

(١) « شرح تجريد الاعتقاد » للقوشجي : ٢.

(٢) راجع « كشف الظنون » ١ : ٣٤٦ ـ ٣٥١ ؛ و « الذريعة » ٦ : ١١٣ ـ ١١٩ و ١٣ : ١٣٨ ـ ١٤٠.

٢٠