نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٢

السيّد علي الحسيني الميلاني

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٢

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: المؤلّف
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

(٤)

مع ابن تيميّة الحرّاني

في كلامه حول حديث « أنا مدينة العلم »

ومن المواضع التي يتبيّن فيها بوضوح نصب ابن تيميّة وعناده للحق وأهله هو : مبحث حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ، فقد بالغ في هذا المقام في الكذب والافتراء ، في سبيل ردّ هذا الحديث الشريف وتكذيبه ، ونحن نذكر أوّلا عبارته ، ثم نتكلّم حولها ، فهذا نصّ عبارته :

« وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها أضعف وأوهى ، ولهذا إنّما يعدّ في الموضوعات ، وإن رواه الترمذي ، وذكره ابن الجوزي وبيّن أن سائر طرقه موضوعة.

والكذب يعرف من نفس متنه ، فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان مدينة العلم ، ولم يكن لها إلاّ باب واحد ، ولم يبلّغ عنه العلم إلاّ واحد فسد أمر الإسلام ، ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم إلاّ واحدا ، بل يجب أن يكون المبلّغون أهل التواتر ، الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب ، وخبر الواحد لا يفيد العلم إلاّ بقرائن ، وتلك قد تكون منتفية أو خفيّة

٥

عن أكثر الناس ، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة.

وإذا قالوا : ذلك الواحد معصوم يحصل العلم بخبره.

قيل لهم : فلا بدّ من العلم بعصمته أوّلا ، وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن تعلم عصمته فإنه دور ، ولا تثبت بالإجماع فإنه لا إجماع فيها ، وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة لأن فيهم الإمام المعصوم ، فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه ، فعلم أن عصمته لو كانت حقّا لا بدّ أن تعلم بطريق آخر غير خبره ، فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلاّ هو لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين.

فعلم أنّ هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنّه مدحا ، وهو يطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام ، إذ لم يبلّغه إلاّ واحد.

ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر ، فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي :

أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما [ فيهم ] ظاهر ، وكذلك الشام والبصرة ، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن عليّ إلاّ شيئا قليلا ، وإنما كان غالب علمه في الكوفة ، ومع هذا فأهل الكوفة كانوا تعلّموا القرآن والسنّة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن علي. وفقهاء أهل المدينة تعلّموا الدّين في خلافة عمر ، وتعليم معاذ بن جبل لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من عليّ ، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر ممّا رووا عن علي ، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقّهوا على معاذ ابن جبل ، ولمّا قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضيا ، وهو وعبيدة السلماني تفقّها على غيره ، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم علي الكوفة » (١).

١ ـ بطلان دعوى ضعف الحديث

نقول : دعوى أن حديث مدينة العلم أضعف وأوهى ، ولهذا إنما يعدّ في

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ١٣٨.

٦

الموضوعات ، إفك فضيح ، لما عرفت سابقا من صحّة هذا الحديث واستفاضته وشهرته بل وتواتره ، حتى تجلّى ذلك كالشمس المنجلي عنها الغمام على رغم آناف المنكرين الطّغام ، فمن العجيب تعامي ابن تيميّة عن جميع تلك النصوص والتصريحات من كبار المحقّقين ، ومشاهير نقدة الأخبار والحديث المعتمدين!!

ثناء ابن تيمية على ابن معين وأحمد

أليس فيمن صحّح حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » يحيى بن معين هذا الرجل الذي أذعن ابن تيميّة نفسه ـ فيمن أذعن ـ بجلالة قدره وسمّو منزلته في علم الحديث ونقده؟ بل لقد عدّه ابن تيميّة فيمن يرجع إليه في التمييز بين الصّدق والكذب حيث قال : « المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل العلم بالحديث ، كما يرجع إلى النحاة في الفرق بين لحن العرب ونحو العرب ، ويرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة ، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك ، فلكلّ علم رجال يعرفون به.

والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء ، وأعظم قدرا ، وأعظمهم صدقا ، وأعلاهم منزلة ، وأكثرهم دينا ، فإنهم من أعظم الناس صدقا ودينا وأمانة وعلما وخبرة بما يذكرونه من الجرح والتعديل ، مثل : مالك ، وشعبة ، وسفيان بن عيينة ، وسفيان الثوري ، ويحيى بن سعيد القطّان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن المبارك ، ووكيع بن الجراح ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، ويحيى ابن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والعجلي ، وأبي أحمد ابن عدي ، وأبي حاتم البستي ، وأبي الحسن الدار قطني.

وأمثال هؤلاء خلق كثير لا يحصى عددهم ، من أهل العلم بالرجال والجرح والتعديل ، وإن كان بعضهم أعلم من بعض ، وبعضهم أعدل من بعض في وزن

٧

كلامه ، كما أنّ الناس في سائر العلوم كذلك » (١).

فإذا كان « يحيى بن معين » في هذه المرتبة من الجلالة والعظمة عند ابن تيميّة ، فلما ذا لا ينظر ابن تيميّة إلى تنصيص يحيى بن معين على صحة حديث مدينة العلم بعين الاعتبار؟ ولما ذا يقول ما لا يفعل؟ والله تعالى يقول : ( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ).

وذكر ابن تيميّة « يحيى بن معين » في موضع آخر من كتابه في جماعة من أئمة أهل السنة ، وصفهم بـ « أئمة الحديث ونقّاده وحكّامه وحفّاظه ، الذين لهم خبرة ومعرفة تامة بأقوال النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وأحوال من نقل العلم والحديث عن النبي من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، ومن بعد هؤلاء من نقلة العلم » وإليك نصّ عبارته كاملة لما فيها من الفوائد في هذا المقام :

« فإن قيل : فهذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسّرين والمصنّفين في الفضائل ، كالثعلبي والبغوي وأمثالهما ، والمغازلي وأمثاله.

قيل له : مجرّد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتّفاق أهل العلم بالحديث ، فإن في كتب هؤلاء من الأكاذيب الموضوعة ما اتّفق أهل العلم على أنه كذب ، والثعلبي وأمثاله لا يتعمّدون الكذب ، بل فيهم من الصلاح والدّين ما منعهم من ذلك ، لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب ، ويدوّنون ما سمعوه ، وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث ، كشعبة ، ويحيى بن سعيد القطّان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وإسحاق بن راهويه ، ومحمّد بن يحيى الذهلي ، والبخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ، وأبي عبد الله بن مندة ، والدار قطني ، وعبد الغني بن سعيد ، وأمثال هؤلاء من أئمة الحديث ونقّاده ...

وقد صنّفوا الكتب الكثيرة في معرفة الرجال الذين نقلوا الآثار وأسمائهم ،

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ١٠.

٨

وذكروا أخبارهم وأخبار من أخذوا عنه ، ومن أخذ عنهم ، مثل : كتاب العلل وأسماء الرجال عن يحيى بن سعيد القطان ، وعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، ومسلم ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والترمذي ، وأبي أحمد ابن عدي ، وأبي حاتم ابن حبان ، وأبي الفتح الأزدي ، والدارقطني ، وغيرهم » (١).

فلما ذا يعدّ حديث مدينة العلم في الموضوعات مع تصحيح يحيى بن معين إيّاه ، وهو كالبخاري ومسلم ومشايخهما وأضرابهما من نقدة الحديث وحفاظه ، والمرجع إليهم في تمييز صدقه من كذبه؟

وفي موضع ثالث يزيد في المبالغة والإغراق في مدح يحيى بن معين فيقول في كلام له :

« ومن أراد أن يعرف فضائلهم ومنازلهم عند النبي صلّى الله عليه وسلّم ، فليتدبّر الأحاديث الصحيحة التي صحّحها أهل العلم بالحديث ، الذين كملت خبرتهم بحال النبي صلّى الله عليه وسلّم ومحبّتهم له وصدقهم في التبليغ عنه ، وصار هواهم تبعا لما جاء به ، فليس لهم غرض إلاّ معرفة ما قاله ، وتمييزه عمّا يخلط بذلك من كذب الكاذبين وغلط الغالطين ، كأصحاب الحديث مثل : البخاري ، ومسلم ، والإسماعيلي ، والبرقاني ، وأبي نعيم ، والدار قطني ، ثم مثل صحيح (٢) ابن خزيمة ، وابن مندة ، وأبي حاتم البستي ، ثم الحاكم ، وما صحّحه أئمة أهل الحديث الذين هم أجلّ من هؤلاء ، أو مثلهم من المتقدمين والمتأخرين ، مثل : مالك بن أنس ، وشعبة بن الحجاج ، ويحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ، وخلائق لا يحصي عددهم إلاّ الله.

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ٨٤.

(٢) لفظة « الصحيح » لا تناسب المقام ، فلعلّها من هفوات القلم.

٩

فإذا تدبّر العاقل للأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم ، عرف الصّدق من الكذب ، فإنّ هؤلاء من أكمل الناس معرفة بذلك ، وأشدّهم رغبة في التمييز بين الصّدق والكذب ، وأعظمهم ذبّا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فهم المهاجرون إلى سنّته وحديثه والأنصار له في الدين ، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس ، وينفون عنه ما كذبه الكاذبون ، وغلط فيه الغالطون ، ومن شركهم في عملهم علم ما قالوه ، وعلم بعض قدرهم ، وإلاّ فليسلّم القوس إلى باريها ، كما يسلم إلى الأطباء طبّهم ، وإلى النحاة نحوهم ، وإلى الفقهاء فقههم ، وإلى الحسّاب حسابهم ، وإلى أهل العلم بالأوقات علمهم » (١).

فهذا الكلام صريح في أنّ « يحيى بن معين » ممّن كملت خبرته ، وكبرت معرفته ، بحال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحديثه ، وأنّ ما صحّحه صدق ، وأنّه لا بدّ من تسليم أمر التمييز بين الصدق والكذب إليه ...

فلما ذا يقف هذا الموقف تجاه حديث مدينة العلم الذي ثبت تصحيح يحيى ابن معين إيّاه؟

وهل هذا إلاّ تهافت؟

وأيضا ، فإنّ من رواة حديث مدينة العلم هو « أحمد بن حنبل » ، وقد عرفت من كلمات ابن تيميّة ثنائه على أحمد أيضا ، إذ قد ذكره في عداد أئمة الحديث ونقدته وحفّاظه ...

لقد روى أحمد بن حنبل حديث مدينة العلم في فضائل ومناقب سيّدنا أمير المؤمنين عليه‌السلام بطرق متعدّدة ، أفهل يعقل أنّ يروي أحمد حديثا موضوعا بطرق عديدة ، ويعدّه من فضائل علي عليه‌السلام ، وهو ومصنّفاته على تلك الجلالة والعظمة التي وصفه بها ابن تيميّة؟

ولو كان حديث أنا مدينة العلم من الموضوعات لجعل ابن تيميّة مصنّفات

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ٢٥٢.

١٠

أحمد كمصنّفات الثعلبي والبغوي وأمثالهما الموصوفة عنده بالاشتمال على الصّدق والكذب ، لكنّه جعل مصنفات أحمد وأمثاله في مقابل مصنفات أولئك ... كما رأيت في عبارته السابقة ، فإن هذا يدل على أنّ أحمد ما كان يدوّن في كتبه كلّ ما سمعه ، فضلا عن تعمّد الكذب ونقل الأحاديث الموضوعة.

فثبت بطلان زعم ابن تيميّة بكلام نفسه حول أحمد بن حنبل ومصنفاته.

بل لقد نصّ ابن تيميّة على أنّ أحمد بن حنبل كان من العلماء الذين لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ، ولا يروون حديثا يعلمون أنه عن كذّاب ، وهذا نصّ كلامه حيث قال :

« والناس في مصنّفاتهم منهم من لا يروي عمّن يعلم أنه يكذب مثل : مالك ، وشعبة ، ويحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل. فإن هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ، ولا يروون حديثا يعلمون أنّه عن كذاب ، ولا يروون أحاديث الكذابين الذين يعرفون بتعمّد الكذب » (١).

فإذا كان هذا حال أحمد بن حنبل في اعتقاد ابن تيميّة ، وقد عرفت أنّ أحمد يروي حديث مدينة العلم بطرق عديدة ، فإن هذا الحديث ليس بموضوع ، وليس رواته غير ثقاة ، وإلاّ لما رواه أحمد.

فظهر خزي ابن تيميّة حسب ما اعترف به في حق أحمد بن حنبل ، والحمد لله ربّ العالمين.

اعتراف ابن تيميّة برواية الترمذي

واعترف ابن تيميّة في كلامه في ردّ حديث مدينة العلم برواية الترمذي إيّاه ، والترمذي من أرباب الصحاح الستّة عند أهل السنّة ، وقد وصفوا جامعه الصحيح بأعلى أوصاف المدح ، وبعجائب المآثر العالية ، وبجّلوه غاية التبجيل ، حتّى لو أنّ

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ١٥.

١١

أحدا حلف على صحّة أحاديثه بالطلاق لم يحنث ، بل زعموا اتّفاق أهل الشرق والغرب على صحّة أحاديث الكتب الستة ومنها كتاب الترمذي ... وقد ذكرنا ذلك مفصّلا في مجلّد حديث الطير.

فحديث مدينة العلم ـ المخرّج عند الترمذي باعتراف ابن تيميّة ـ لا يحنث من حلف على صحته بالطلاق ، ويكون من الأحاديث المجمع على صحتها بين أهل الشرق والغرب ، فمن طعن فيه فهو خارج عن دائرة الإجماع كما قرّروا ، وتكون عاقبته النار وبئس المصير.

ثناء ابن تيميّة على الترمذي واعتماده عليه

هذا كلّه من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ من يلاحظ كلمات ابن تيميّة نفسه في حقّ الترمذي ، واعتماده على رواياته في مواضع عديدة من بحوثه ، يتّضح له شناعة ردّه لحديث مدينة العلم مع اعترافه برواية الترمذي له ، فمن ذلك : عدّه الترمذي في نقدة الحديث وحكّامه وحفّاظه ... وأنّه ليس كالثعلبي وأمثاله ، الذين يروون الأحاديث الموضوعة ، ويدوّنون كلّ ما سمعوه في كتبهم ... وقد تقدّم نصّ كلامه في ذلك قريبا.

وإذا كان هذا شأن الترمذي فإنّ العاقل لا يجوّز الطعن في حديث مدينة العلم ـ الذي اعترف ابن تيميّة رواية الترمذي له ـ ، إذ لو صحّ الطّعن فيه لزم اشتمال كتاب الترمذي على الموضوعات كذلك ، فلا يبقى فرق بينه وبين الثعلبي وغيره ، وهذا ممّا لا يرتضيه ابن تيميّة ، فلا مناص لابن تيميّة من التسليم بصحة حديث مدينة العلم شاء أو أبى.

ومن ذلك قوله :

« قال الرافضي : الثاني ما رووه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. والجواب : المنع من الرواية ، ومن دلالته على الإمامة ، فإن الاقتداء بالفقهاء لا يستلزم كونهم أئمة. وأيضا : فإن أبا بكر

١٢

وعمر قد اختلفا في كثير من الأحكام ، فلا يمكن الاقتدا بهما. وأيضا : فإنه معارض بما رووه من قوله : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ، مع إجماعهم على انتفاء إمامتهم.

والجواب من وجوه أحدها : أن يقال : هذا الحديث أقوى من النص الذي يروونه في إمامة علي ، فإن هذا معروف في كتب أهل الحديث المعتمدة ، رواه أبو داود في سننه ، والإمام أحمد في مسنده ، والترمذي في جامعه. وأمّا النص على علي فليس في شيء من كتب أهل الحديث » (١).

فكتاب الجامع الصحيح للترمذي من كتب أهل الحديث المعتمدة عند ابن تيميّة ، ومن هنا يحتجّ به في مقابلة الشيعة ، ويجعل ما أخرج فيه أقوى من النص على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والعياذ بالله.

وهل يجوز أن يكون هذا الكتاب معتمدا في مورد حديث الاقتداء المزعوم ـ بالرغم من ثبوت وضعه بوجوه عديدة ، وقد طعن الترمذي في بعض طرقه ـ ولا يكون معتمدا في مورد حديث مدينة العلم؟ لكن ابن تيميّة باحتجاجه بكتاب الترمذي قد أفحم نفسه في مورد حديث مدينة العلم الذي اعترف برواية الترمذي له ، وأوضح للملإ أنّ طعنه في هذا الحديث ليس إلاّ للعناد والتعصّب ، نستجير بالله.

ومن ذلك قوله :

« ومع هذا ، فقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم في حق عمر من العلم والدين والإلهام بما لم يخبر بمثله ، لا في حق عثمان ولا علي لا طلحة ولا الزبير ، ففي الترمذي عن ابن عمر : إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. قال : وقال ابن عمر : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلاّ نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. وفي سنن أبي داود عن

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ٢٣٨.

١٣

أبي ذر رضي‌الله‌عنه قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به. وفي الترمذي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب » (١).

فأيّ إنصاف هذا؟! يجعل حديث الترمذي حجة على الشيعة ، ومستندا في إثبات فضيلة لعمر بن الخطاب يدعي أنها لم تكن لغيره ، ويسقط عن الإعتبار والاعتماد في باب فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وحديث مدينة العلم الصحيح الثابت؟!

غلوّ ابن تيميّة في ابن جرير الطبري

ومن رواة حديث مدينة العلم ومصحّحيه هو : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، إذ أخرج هذا الحديث في كتابه ( تهذيب الآثار ) وأثبته وحكم بصحته ، كما عرفت سابقا من عبارة ( جمع الجوامع ) لجلال الدين السّيوطي.

وقد ذكر ابن تيميّة ابن جرير الطبري بما لا يجوز لنا الإذعان به ، بل لا يجوز نقله والتفوّه به ، ولكنّ ضرورة البحث تلجأ إلى إيراد نصّ عبارته هنا ، حتى يتّضح مدى فظاعة ردّه للحديث الذي رواه الطبري ... لقد قال ابن تيميّة ما نصّه :

« وأمّا قوله : ولم يلتفتوا إلى القول بالرأي والاجتهاد ، وحرّموا الأخذ بالقياس والاستحسان ، فالكلام على هذا من وجوه :

أحدها : إن الشيعة في هذا مثل غيرهم ، ففي أهل السنة النزاع في الرأي والاجتهاد والقياس والاستحسان ، كما في الشيعة النزاع في ذلك ، فالزيديّة تقول بذلك وتروي فيه الروايات عن الأئمة.

الثاني : إن كثيرا من أهل السنة العامة والخاصة لا تقول بالقياس ، فليس كلّ من قال بإمامة الخلفاء الثلاثة قال بالقياس ، بل المعتزلة البغداديون لا يقولون

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ١٦١.

١٤

بالقياس ، وحينئذ ، فإن كان القياس باطلا أمكن الدخول في أهل السنة وترك القياس ، وإن كان حقا أمكن الدخول في أهل السنة والأخذ بالقياس.

الثالث : أن يقال : القول بالرأي والاجتهاد والقياس والاستحسان ، خير من الأخذ بما ينقله من يعرف بكثرة الكذب عمّن يصيب ويخطي ، نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم.

ولا يشك عاقل أن رجوع مثل مالك ، وابن أبي ذئب ، وابن الماجشون ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وشريك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وزفر ، وحسن بن زياد اللؤلؤي ، والشافعي ، والبويطي ، والمزني ، وأحمد بن حنبل ، وأبي داود السجستاني ، والأثرم ، وإبراهيم الحربي ، والبخاري ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وأبي بكر بن خزيمة ، ومحمد بن جرير الطبري ، محمد بن نصر المروزي ، وغير هؤلاء إلى اجتهادهم واعتبارهم ، مثل أن يعلموا سنة النبي صلّى الله عليه وسلّم الثابتة عنه ويجتهدوا في تحقيق مناط الأحكام ، وتنقيحها وتخريجها ، خير لهم من أن يتمسّكوا بنقل الروافض عن العسكريين وأمثالهما!!

فإنّ الواحد من هؤلاء أعلم بدين الله ورسوله من العسكريين أنفسهما!! فلو أفتاه أحدهما بفتيا كان رجوعه إلى اجتهاده أولى من رجوعه إلى فتيا أحدهما ، بل هو الواجب عليه!!

فكيف إذا كان ذلك نقلا عنهما من مثل الرافضة.

والواجب على مثل العسكريين وأمثالهما أن يتعلّموا من الواحد من هؤلاء!! » (١).

إن صريح هذا الكلام أعلميّة محمد بن جرير الطبري من الإمامين المعصومين العسكريين ، وهما الإمام علي بن محمد الهادي ، والإمام الحسن بن علي

__________________

(١) منهاج السنة ٤ / ٢٣١.

١٥

عليهما الصلاة والسلام ، وأنّه يجب عليهما أن يتعلّما منه ومن أمثاله ، نعوذ بالله من الضلالة والكفر.

فهذا صريح كلامه في الطبري ، وهو في نفس الوقت لا ينظر إلى تصحيحه لحديث مدينة العلم بنظر الاعتبار ، بل يتجاسر فيعدّه في الأحاديث الموضوعة ، وما هذا إلاّ من شدّة العناد وكثرة التعصّب ...

فالله حسيبه وحسيب أمثاله ، وهو المنتصر من أعدائه بمخزيات عقابه ونكاله.

ثناء ابن تيميّة على الحاكم

وممّن أخرج حديث مدينة العلم وصحّحه هو الحاكم النيسابوري ، لكن ابن تيميّة لا يعتني برواية الحاكم وتصحيحه ومساعيه الجميلة في سبيل إثبات هذا الحديث وتحقيقه على شرط البخاري ومسلم ، بالرغم من علوّ مرتبته في علوم الحديث عند أهل السنّة قاطبة ، وأنّ ابن تيميّة ذكره في أهل العلم بالحديث ، الذين كانوا أكمل الناس خبرة بحال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا أشدهم رغبة في التمييز بين الصدق والكذب ، فهم المهاجرون إلى سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحديثه ، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس ، وينفون ما كذبه الكاذبون ، وغلط فيه الغالطون ، إلى آخر ما قال.

فمن الغريب أمره العاقل بالتدبّر للأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم ، لغرض معرفة الصدق من الكذب ، ثم لا يفعل هو بما أمر به ، وكأنّه ليس من العقلاء!

وعلى الجملة ، فإن دعواه أنّ هذا الحديث الشريف « أضعف وأوهى ، ولهذا إنما يعدّ في الموضوعات » من الأكاذيب الصّريحة الواضحة ، والأباطيل الفضيحة اللائحة ، ووجوه بطلانها لا تعدّ ولا تحصى كثرة ، وقد أشبعنا الكلام في إثبات هذا الحديث وتحقيقه بما لا مزيد عليه ، والحمد لله على التوفيق.

١٦

٢ ـ سقوط التمسّك بقدح ابن الجوزي

وأمّا تمسّك ابن تيميّة بقدح ابن الجوزي في حديث مدينة العلم ، فقد تقدّم الجواب عنه في ضمن ردّ كلام ( الدهلوي ) ، بحيث يذعن كلّ منصف بصحة ما ذكرناه إذا وقف عليه ، ولو تظاهر عظماء العلماء لما تمكّنوا من إنكاره وجحده ، وكيف لا؟ وقد نصّ المحققون من أهل السنّة على تجاسر ابن الجوزي وتهوّره في الحكم على الأحاديث مطلقا ، وأنّ جماعة منهم ردّوا كلامه في خصوص حديث مدينة العلم.

إذن ، لا يجوز الاعتماد على كلام من اشتهر بين علماء أهل السنة وحفّاظهم بهذه الصفة ، وعلى هذا الأساس أعرضوا عن كلماته في الأحاديث ، أو توقّفوا عن قبولها ، وقد بلغ سقوط تقوّلاته في خصوص هذا الحديث إلى حدّ انبرى جماعة من أعلام المحققين للردّ عليه وبيان فساده وبطلانه ، إلاّ أنّ ابن تيميّة لا يستحي من التمسّك بكلام ابن الجوزي الباطل ، و« إذا لم تستح فاصنع ما شئت ».

ونحن كما فنّدنا كلام ابن تيميّة بالنسبة إلى حديث مدينة العلم بكلام نفسه ، نثبت بطلان كلام ابن الجوزي الذي تمسّك به ابن تيميّة في ردّ هذا الحديث مزيدا للإفحام والإلزام ، وذلك أنّ ابن الجوزي يقول في كتابه ( الموضوعات ) : « فمتى رأيت حديثا خارجا عن دواوين الإسلام ، كالموطأ ، ومسند أحمد ، والصحيحين ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، ونحوها ، فانظر فيه ، فإن كان له نظير في الصحاح والحسان فرتّب أمره ، وإن ارتبت به فرأيته يباين الأصول فتأمّل رجال إسناده ، واعتبر أحوالهم من كتابنا المسمّى بالضعفاء والمتروكين ، فإنك تعرف وجه القدح فيه » (١).

ففي هذا الكلام اعتراف بكون ( كتاب الترمذي ) من دواوين الإسلام ،

__________________

(١) الموضوعات ١ / ٩٩.

١٧

وأنّ كلّ حديث مخرج فيه مقبول ومعتبر بلا نظر وتردّد فيه ، بل فيه تصريح بأنّ ما كان خارجا عنه وعن غيره من دواوين الإسلام ، وكان له نظير في الصحاح والحسان المخرجة في هذه الدواوين يرتّب أمره بلا ارتياب ... وهذا مقام جليل ، وشأن عظيم لكتاب الترمذي وأمثاله ... وإذا كان كذلك فلما ذا يرمي ابن الجوزي حديث مدينة العلم المخرج في صحيح الترمذي مع الحكم بالحسن ـ كما مضى بيانه ـ بالوضع؟ هذا من موارد تسرّع ابن الجوزي ، ومن مصاديق التهوّر كما وصفه بذلك كبار المحقّقين المتأخرين عنه.

فاللاّزم من كلام ابن الجوزي نفسه أن يتوب عمّا قال في حديث مدينة العلم ، وبذلك يزيد سقوط تمسّك ابن تيميّة بكلامه وضوحا وظهورا ، ولله الحمد على ما أبان دحوض حجة هذا الناصب العنيد.

ثمّ إنّ قوله : « وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة » كذب آخر ، فإنّ ابن الجوزي لم يذكر جميع طرق حديث مدينة العلم ، وإنما ذكر بعض طرقه التي كان يمكنه الخدشة في أسانيدها بزعمه ، مع أنّ ما قاله بالنسبة إلى تلك الطرق غير مقبول لدى المحققين ، ومن هنا تعقّبوا كلماته فيها. وأمّا سائر طرقه الصحيحة المخرجة في كتب علماء الحديث المعتمدة فلم يذكرها ابن الجوزي أصلا ، فقول ابن تيميّة أنه « بيّن أنّ سائر طرقه موضوعة » إفك صريح ، وكذب فضيح.

٣ ـ قوله : « والكذب يعرف من نفس متنه »

فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كان مدينة العلم ، ولم يكن لها إلاّ باب واحد ، ولم يبلّغ عنه العلم إلاّ واحد ، فسد أمر الإسلام » من الخرافات الواضحة البطلان.

ومن يلاحظ ردود ابن تيميّة على الإمامية ، يرى أنّ كلماته في الغالب تنتهي إلى هدم مباني دين الإسلام ، وتشييد أفكار المنكرين لنبوة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أنّه لفرط نفاقه وشدة شقاقه يسعى في سبيل الردّ على

١٨

الإمامية غير مبال بما يترتّب على أباطيله.

إنّ هذا الذي ذكره ابن تيميّة في جحد حديث مدينة العلم يمهّد الطّريق للكفّار لأن يقولوا : إنّه إذا كان الله عالما بشرائع الدين والأحكام التكليفية للعباد ، ولم يبلّغها من جانبه في كلّ عصر إلاّ واحد ، لفسد أمر الدين وبطلت الشرائع ، لأن التبليغ عن الله في كلّ عصر يلزم أن يكون بواسطة عدد كثير من الأنبياء يبلغون إلى حدّ التّواتر.

وهذا النقض كاف للرد على ما ذكره ابن تيميّة ، لأنّ كلّما أجيب به عنه فهو جوابنا على كلامه الباطل.

وأيضا : كما أنّ نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوحده كاف للإبلاغ عن الله عزّ وجلّ ، وأنّه لثبوت حقّيّته غير محتاج إلى أن يشاركه في الإخبار عن الله غيره ، كذلك يكفي في الإبلاغ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجود سيّدنا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولا حاجة إلى أن يشاركه أحد في الإبلاغ كائنا من كان ، للقطع بحقّيّة ما يبلّغه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وإنّ حديث مدينة العلم ـ بالإضافة إلى غيره من الأدلة ـ شاهد صدق على ذلك. ومن هنا جعل أهل العلم واليقين حديث مدينة العلم من أدلة عصمة أمير المؤمنين ، وقد مرّ التصريح بذلك من نصوص أعاظم المخالفين.

والحاصل : كما لا يضر توحّد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إبلاغه ، بعد ثبوت حقّيّته ، كذلك لا يضرّ توحّد الإمام في تبليغه عن النبي ، بعد ثبوت حقّيّته بالأدلة الكثيرة ومنها حديث مدينة العلم.

٤ ـ بطلان دعوى وجوب أن يكون المبلّغون أهل التواتر

وأمّا قول ابن تيميّة : « ولهذا اتفق المسلمون على أنّه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم واحدا ، بل يجب أن يكون المبلّغون أهل التواتر ، الذين يحصل العلم بخبرهم » فظاهر السقوط جدّا ، لمنافاته لتصريحات أئمة علم أصول الفقه وعلوم

١٩

الحديث ، كما لا يخفى على المتتبّع لها ، فإنّ قاطبة أهل السنة يوجبون العمل بخبر الواحد ، ولم يخالف في هذا الحكم إلاّ شاذ لا يعبأ به ، وإليك نصّ عبارة أبي الحسن البزدوي في هذا المطلب ، ليتّضح بطلان دعوى ابن تيميّة بوجوه عديدة :

قال البزدوي : « باب خبر الواحد (١) ، وهو الفصل الثالث من القسم الأول ، وهو كلّ خبر يرويه الواحد أو الاثنان فصاعدا ، لا عبرة للعدد فيه ، بعد أن يكون دون المشهور والمتواتر ، وهذا يوجب العمل ولا يوجب العلم يقينا عندنا ، وقال بعض الناس : لا يوجب العمل ، لأنه لا يوجب العلم ، ولا عمل إلاّ عن علم. قال الله تعالى : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وهذا لأن صاحب الشرع موصوف بكمال القدرة ، فلا ضرورة له في التجاوز عن دليل يوجب علم اليقين ، بخلاف المعاملات لأنها من ضروراتنا ، وكذلك الرأي من ضروراتنا ، فاستقام أن يثبت غير موجب علم اليقين. وقال بعض أهل الحديث : يوجب علم اليقين ، لما ذكرنا أنه أوجب العمل ، ولا عمل من غير علم ، وقد ورد الآحاد في أحكام الآخرة مثل : عذاب القبر ، ورؤية الله تعالى بالأبصار ، ولا حظّ لذلك إلاّ العلم. قالوا : وهذا العلم يحصل كرامة من الله تعالى ، فثبت على الخصوص للبعض دون البعض ، كالوطء تعلّق من بعض دون بعض ، ودليلنا في أنّ خبر الواحد يوجب العمل واضح ، من الكتاب والسنة والإجماع والدليل المعقول.

أمّا الكتاب : قال الله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ) وكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه ، ولو لم يكن خبره حجة لما أمر ببيان العلم. وقال جلّ ذكره : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) وهذا في كتاب الله أكثر من أن يحصى.

وأمّا السنة : فقد صحّ عن النبي عليه‌السلام قبوله خبر الواحد ، مثل خبر بريرة في الهدية ، وخبر سلمان في الهدية والصدقة ، وذلك لا يحصى عدده ، ومشهور

__________________

(١) في هذه العبارة وأمثالها شيء كثير من الأدلة والوقائع التي لا يصحّحها الاماميّة ، فليتنبّه.

٢٠