مفاهيم القرآن - ج ٣

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٣

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: إعتماد
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

لقد وافتنا رسائل من الشخصيات البارزة المتبحّرة بعلوم القرآن وتفسيره تشجّعنا على مواصلة العمل ونحن نتقدم إليهم بالشكر وننشر كلماتهم فيما يأتي من الأجزاء مشفوعاً بالتقدير والإكبار.

كلمة قيّمة للمفكّر الإسلامي الكبير والمفسّر القدير العلاّمة السيّد محمد حسين الطباطبائي قدس‌سره مؤلّف الكتاب القيّم « الميزان في تفسير القرآن ».

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصّلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد ، فإنّ الكتاب الذي بين يديك سلسلة بحوث قيّمة في القرآن الكريم وتفسيره على أساس « الوحدات الموضوعية » فيه. ويلاحظ الباحث فيها أنّها تعتمد ، قبل كل شيء على الاستفادة من نفس مفاهيم القرآن الكريم في عرض المواضيع كما يلاحظ الروح الموضوعية الهادفة والاُسلوب الفخم ، والتتبع الدقيق ، والإسهاب في البحث ، والاستيفاء الكامل لكلّ جوانب الموضوع. فأسأل الله أن يوفّق مؤلّفنا الموفّق لتنقيح سائر المواضيع في الأجزاء الآتية ، انّه سميع بصير.

محمد حسين الطباطبائي

عام ١٣٩٣ ه‍

قم ـ إيران

٣

اكبار وتقدير لهذه الموسوعة القرآنية من المحقق المتتبع العلامة الكبير الشيخ محمد تقي التستري دام ظله ، صاحب كتاب « قاموس الرجال ».

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة العلاّمة فخر الأيام الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته.

وصلني كتابكم الميمون ففتح علينا أبواب البهجة والسرور ، كما وصلني مؤلّفكم القيّم « مفاهيم القرآن » وقد طالعته من أوّله إلى آخره والحق أنّكم بحثتم فيه عن موضوعات كثيرة وعالجتم فيه المسائل الإسلامية معالجة جديدة ، بعيدة عمّا حولها من آراء وأفكار مهجورة فجزاكم الله عن الإسلام والدين والعلم خير الجزاء.

والعجب أنّكم رغم نشأتكم فى إيران أخذتم بناصية اللغة العربية كأديب مصري أو بغدادي ، فأتيتم بتعابير عصرية رائجة ، أدام الله في تأييدكم وزاد في تسديدكم.

الشيح محمد تقي التستري

٤

التفاتة كريمة وكتاب مبارك من الاُستاذ الفذ سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد الكرمي دام ظله الوارف نقتطف منه ما يلي :

بسم الله الرحمن الرحيم

هزتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه

كم بت أتململ ساعات طوالاً من الليل ، وآناء كثيرة من أطراف النهار أجول بفكري في غضون الحياة لعلّي أطّلع من بعض منافذها على بصيص أجعله مناراً للخروج من حيرتي لأنّي أعرف للفضيلة مفهوماً ولا أراه بين الناس ، وللدين أهمية عظمى ولا أجدها ظاهرةً بينهم .. نعم قد تقع العين أحياناً على فاضل متزن وكاتب متقن وكتاب متشخّص فيلوح في الآفاق كما تلوح النجمة اللامعة في شاشة الظلام الأدكن ويحصل منها بصيص للدرب يهوّن على سالكه المسير فلا يكون كخابط في ليلة ظلماء.

وفي مثل هذا الوقت المتلوي والظرف الحرج يتحفني صديق لي حميم وهو الاُستاذ جعفر السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي للقرآن الكريم « فهزّتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه » فانّ كل من كتب في التفسير كتب على طبق تسلسل السور من الفاتحة إلى المعوذة بالترتيب الموجود للمصحف الشريف ، أمّا صديقنا الفاضل فقد حاول خطة اُخرى هي بنظري آصل من الخطط الدارجة وهي إلمامه بجميع ما في

٥

القرآن من أهداف وموضوعات تحدّث القرآن الكريم عنها وإشخاص كل هدف في باب خاص والإفاضة عنه بالآيات التي رمت إليه في أيّة سورة كانت.

... لقد أتحفني صديقي السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي فقرأت مقدّمته لأستجلي من مجملها تفاصيل ما دوّن أو يريد تدوينه ، فوقفت على مجمل مفعم بالمطالب الدقيقة وفتحت الكتاب عفواً فوقعت عيني على عنوان أُمّية النبي في القرآن وسرحتها قصداً لترتع في هذه الجنائن الناظرة والحدائق الغنّاء فكان والحق يقال محقّقاً لمادة المطلب مفتشاً على كلّ مظنة توفي بها على ما يوخّى من بحثه وبعد ذلك مطبقاً لما علّق بنظره مبرهناً عليه طارداً للشبه والإشكالات التي توجّه إليه.

فالسبحاني وإن كان كتب في أبواب شتى وطرق مواضيع عديدة وساعدته الظروف فنشر ما كتب إلاّ أنّه في كتابه هذا إذا وفّق لإتمامه على اُسلوب فأنجز منه يكون قد جاء ببيت قصيده وأسعفه الحظ بمقصوده ولا استكثر عليه ذلك.

لقد أتحفني صديقي الفاضل السبحاني كما ذكرت بالجزء الأوّل من موسوعته فرأيت لزاماً علىّ أن أقدم لجزئه الثاني الجاهز للطبع وأعرب عن الحق الذي تضمّنه كتابه لا عن تذوقي وحده. فجدير بالناشئة المؤمنة أن تطالع هذا الكتاب وتشبع بعض نهمتها منه وجدير بالأُستاذ المؤلّف أن يتابع خطوه في إتمام هذه الموسوعة التي تتقاضى منه جداً وجهداً وزمناً وإذا ماطل هذه الصعوبات وانتصر عليها يكون قد فاز برضى من ربّه وهذه هي الجائزة الموقّرة ... والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

محمد الكرمي

٢١ / ج ١ / ١٣٩٤ ه‍

٦

عواطف خالصة يجود بها علينا أخ في الله كريم وعلم من أعلام الفكر والدين فضيلة الشيخ حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف.

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة العلاّمة الجليل المجاهد الكبير سماحة الشيخ جعفر السبحاني المحترم دام حفظه وتأييده.

تحية حب وإخلاص وتقدير وإجلال.

وبعد : فقد وصلتني هديتك الثمينة التي تفضّلت بها « مفاهيم القرآن ». وقد كان لهذه الهدية الفكرية مدلول رائع ومحتوى مزدوج سام ، فهي تعبّر من جهة فكرية عن فكر عميق ونظر دقيق وسعة اطّلاع وفصاحة بيان وسداد منطق كما تعبّر من جهة روحية عن سموّ خلق ودماثة طبع ورحابة صدر وسماحة نفس ، ولهذا وذلك كان لهذه التحفة السنية بما عبّرت عنه ودلّت عليه أبلغ الأثر في نفسي حيث جعلت لك عندي منزلة سامية ومكانة مرموقة تستوجب التقدير والإجلال ، كما بعثت وكوّنت لك في قلبي حبّاً عميقاً وإخلاصاً وثيقاً يجذبني إليك بسلك الوفاء والولاء وقد كان من نتائج هذا التقدير وذلك الحب مقطوعة شعرية نظّمتها بوحي من إعجابي بفضلك وتقديري

٧

لشخصك وإخلاصي لك وهي :

سر للأمام مؤيّداً بعزيمة

كالطود لا تثنى ولا تتقهقر

وانشر من الدين الحنيف معارفاً

غراء تسطع بالرشاد وتزهر

وأكشف دياجير الضلال بساطع

من نور فكرك بالهدى يتموّر

فالليل لايجلوه إلاّ كوكب

بشعاعه ظل الدجى يتبخّر

والغي لا يمحوه إلاّ كاتب

بفنون دستور السما متبحّر

نشر الحقائق في العقول فأشرقت

وعياً وأضحت بالهدى تتنوّر

ليظل دستور العقيدة مشرقاً

تزهو بروعة ما حواه الأعصر

وختاماً أشكر هديتك القيّمة وأُقدر أخلاقك السامية وجهادك المثمر البنّاء والسلام عليك وعلى سائر الأعلام المجاهدين في حوزة قم المقدسة.

حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف

٧ / ربيع الآخر / ١٣٩٤ ه‍

٨

مقدّمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحديث عن التفسير الموضوعي ذو شجون وهو يقابل التفسير الترتيبي الذي يتخذ المفسّر ، القرآن موضوعاً لتفسيره مبتدئاً من سورة الحمد ومنتهياً إلى سورة الناس وربّما لا يرافقه التوفيق لتفسير جميع السور فيكتفي بتفسير البعض.

وأمّا التفسير الموضوعي فيجعل المفسّر الموضوعات الواردة في الكتاب العزيز محوراً للدراسة ويجمع شتيت آياته من السور المختلفة فينظر إلى الكل بنظرة ثاقبة ويخرج بنتيجة واحدة يجعل البعض قرينة للبعض الآخر.

وكان المألوف بين المفسّرين هو النمط الثاني وإن كان النمط الأوّل غير مغفول عنه في بعض صوره ، كالبحث عن الآيات الواردة حول الأحكام الفقهية من الطهارة إلى الديات ، والآيات الواردة حول المثل والأخلاق.

وأوّل من فتح هذا الباب على وجه موجز في غير واحد من المواضيع هو العلاّمة المجلسي قدس‌سره حيث أصدر في موسوعته عن هذا اللون من التفسير في جميع الأبواب في مجالي العقيدة والشريعة والحوادث الكونية غير أنّه لايخرج في تفسيرها عن إطار ما في التفاسير المعروفة كمجمع البيان للطبرسي وأنوار التنزيل للبيضاوي وغيرهما. وممّا يدعو إلى إكبار عمله أنّه قام بجمع آيات الموضوعات الواردة في القرآن الكريم مع عدم توفّر المعاجم الموجودة في عصرنا هذا ، فإنّها بلا شك خير معين لمن يريد الخوض في هذا المجال.

٩

وقد قمت بحمد الله بهذا العبء الفادح حسب المستطاع فجعلت العقيدة هي المحور الأوّل للتفسير مقدماً لها على الأحكام والأخلاق وما يرجع إلى الكون والطبيعة وخلق الإنسان.

والجزء الأوّل يحتوي على مباحث في التوحيد وأقسامه ، والشرك وألوانه ولمّا انتهينا في هذا الجزء إلى التوحيد في الحكومة وأنّه لا حاكم في المجتمع البشري سوى الله سبحانه وانّ حكومة غيره لابدّ أن تكون مستمدة من حكومته سبحانه وتعالى. خصّصنا الجزء الثاني من هذا الموسوعة في الحكومة الإسلامية ، وما ورد حولها من الآيات في مواضيع مختلفة.

وكان الأنسب للبحث في الجزء الثالث هو دراسة أسمائه وصفاته ، ثمّ البحث عن النبوّة العامّة إلى أن ننتهي إلى معالم النبوّة الخاصة ولكن كانت الحاجة في المجتمع الإسلامي ماسّة للبحث عن النبوّة الخاصة ركّزنا البحث على مواضيع ترجع إليها واستغرقت تلك البحوث الجزء الثالث والرابع والخامس نعم درسنا صفاته سبحانه في الجزء السادس دراسة معمّقة تليق بها ودرسنا حياة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القرآن في الجزء السابع.

وما ذكرنا فهرس موجز لهذه الأجزاء السبعة وأرجو منه سبحانه أن يوفّقني لدراسة المواضيع الباقية من العقائد والمعارف. إنّه قريب مجيب.

وها نحن نعيد طبع الجزء الثالث في حلّة قشيبة وقد مضى على الطبع الأوّل قرابة عشرين سنة وما زال الطلب يصل إلينا ويشجعنا على مداومة العمل. واستيعاب المواضيع الباقية في المعارف الواردة في القرآن الكريم ونرجو الله تعالى أن يوفقنا لإكمال هذه الموسوعة التي تهدف إلى التعرّف على الاُصول والعقائد عن طريق الوحي والتنزيل.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام

جعفر السبحاني

٣ شهر رمضان المبارك عام ١٤١٣

١٠

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن

كتاب القرون والأجيال

القرآن معجزة خالدة

لمّا كانت رسالة النبي الكريم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبدية خالدة إلى يوم القيامة ، لأنّها خاتمة الرسالات ، ونبوّته خاتمة النبوّات .. وكانت النبوّة والرسالة الخالدة بحاجة إلى المعجزة الخالدة لاقناع الأجيال المتلاحقة ، امتازت معجزة الرسول الكريم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن معاجز غيره من الرسل الكرام بكونها خالدة خلود النبوّة المحمدية ، باقية بقاء الرسالة الإسلامية ، التي هي خاتمة الرسالات والحلقة الأخيرة المتكاملة في سلسلة الشرائع الإلهية.

وهذا أمر يؤيّده العقل ، ويؤكده البرهان. فالأنبياء والرسل السابقون ، رغم أنّهم كانوا أصحاب معاجز كثيرة وعديدة ، لكن تلك المعاجز كانت مؤقتة ، لأنّ رسالتهم كانت منحصرة على عصورهم وأجيالهم أو تمتد إلى عصور بعدهم بقليل ولذلك كانت معاجزهم باقية في الأذهان بقدر طول مدة نبوّتهم ورسالتهم فكانت تختفي بانتهاء مدة

١١

نبوّاتهم عليهم‌السلام ولم يبق منها إلاّ أخبار وقصص في بطون الكتب ، وطيات التاريخ المدوّن.

أمّا الرسالة التي كلّف بإبلاغها الرسول الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذ لم تكن محدودة بزمن دون آخر ، ولا مقصورة على جيل دون آخر ، فهي الرسالة الخالدة وهي الدعوى الموجهة إلى جميع الأجيال البشرية إلى يوم القيامة ، كان من الضروري والبديهي أن تقترن بمعجزة خالدة ، تشهد على صدق صاحب الدعوة وحامل تلك الرسالة ، في جميع القرون والأعصار ، ولتكون ( حجة ) على جميع الأجيال المخاطبة بها ، والمدعوّة إليها ، لأنّ المعجزة وثيقة إثبات لا يمكن تصديق رسالة ونبوّة بدونها.

وكانت هذه المعجزة الخالدة التي زوّد الله تعالى بها خاتم الأنبياء محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي ( القرآن الكريم ) الذي بقى على مرّ العصور والأزمنة يشهد ـ بقوّة ووضوح ـ على صدق النبوّة المحمدية وعلى صلته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالله سبحانه وتعالى.

والجدير بالذكر أنّ إعجاز القرآن الكريم لا يقتصر على جهة دون جهة ، بل هو معجزة بمجموعه وفي جهات شتى نشير إلى بعضها على سبيل المثال لا الحصر :

أوجه الإعجاز القرآني

انّ القرآن الكريم معجزة مستمرة وخالدة :

أوّلا / من حيث فصاحته وبلاغته التي أخرست البلغاء والفصحاء ، لا في عصر نزوله خاصة ، بل في جميع الأزمنة والدهور ، وأعجزتهم عن معارضته ، وتحدّتهم في معاقلهم ، وعقر دورهم.

ثانياً / من حيث احتوائه على أفضل القوانين والنظم ، وأرقى التشريعات في جميع المجالات الحيوية ، وإتيانه بما عجز عن الإتيان به أرقى الحضارات البشرية حتى يومنا هذا.

ثالثاً / من حيث إخباره بالاُمور المستقبلية واحتوائه على الاُمور الغيبية ، إذ أخبر

١٢

عن وقائع وحوادث مستقبلية تحقّقت بعده حرفاً بحرف.

رابعاً / من حيث سلامته عن التناقض والاختلاف في النظم والاُسلوب ، وفي المعنى والمضمون رغم تدرّجه في النزول على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنزّله في ظروف مختلفة متباينة كيفاً وحالاً ، وخلال ثلاث وعشرين سنة محفوفة بالمشاكل الجسيمة ، والتطورات العنيفة.

خامساً / من حيث تناوله الدقيق للوقائع التاريخية الماضية ، حيث قصّها على نحو خال عن شائبة الأساطير والخرافات ، وهو أمر يمكن معرفته بمقارنة القرآن الكريم مع التوراة والإنجيل.

سادساً / من حيث اشتماله على إشارات رائعة عميقة إلى حقائق كثيرة من العلوم الطبيعية التي توصّل إليها العلم الحديث ـ في هذا العصر ـ بفضل الجهود الطويلة المضنية ، وبواسطة المختبرات ، والوسائل العلمية والتجارب والاختبارات العديدة.

سابعاً / من حيث قوّة احتجاجه على خصومه ومعارضيه ، وما جاء به من حجج لم يسبق لها نظير في علم المناظرة والاحتجاج وكانت ـ ولا تزال ـ أنجح الحجج في إفحام الخصوم وإسكات المجادلين ، والمشكّكين ، بل وهدايتهم في أغلب الأحيان.

ثامناً / من جهة ما جاء به في مجال الأخلاق والتربية الأخلاقية للفرد والمجتمع حيث استقصى الأخلاق الفاضلة وحثّ على التزيّن بها بما توجبه الحكمة من البعث والترغيب ، وأحصى الأخلاق الرذيلة وزجر عن التلوّث بها بما توجبه الحكمة ، ويقتضيه الاصلاح من التخويف والتنفير وسلك في ذلك كلّه طريقة فريدة لها أبلغ الأثر حتى في أشد القلوب قساوة.

تاسعاً / من حيث روحانيته البالغة التي تنفذ إلى الأعماق ، وتأخذ بمجامع القلوب ، وتستميل المشاعر ، فإذا بآياته روح تحيا بها نفوس الخلق ، ونور يضيء الوجود الإنساني كما تضيء الشمس الآفاق ، فتنشط الأحياء ، وتتحرك الطبيعة.

١٣

عاشراً / من حيث تناوله لأدق المعارف العقلية ، والقضايا الاعتقادية الرفيعة التي لا تصل إليها أفكار البشر ، ولا تبلغها علومهم ، ممّا يتعلّق بالله سبحانه وصفاته وأسمائه وأفعاله ، وما أخبر به من عوالم غيبية في الملأ الأعلى ، والنشأة الاُخرى.

إلى غير ذلك من الجهات والوجوه التي يقصر البيان عن الإحاطة بها ، وإحصائها في هذا المختصر.

غير أنّ الجهة الأخيرة من هذه الجهات وهي التي كان يتوجب تناولها بالدراسة الوافية والتحليل الشامل ، وخاصة في عصرنا الحاضر ، قد اُهملت في مؤلّفات المفسّرين غالباً فهم لم يدرسوها بجامعية تليق بالموضوع وتناسب أهميته ، وتعطي حقه من العناية والبحث.

ولعلّ عذرهم في ذلك هو أنّ تفسيرهم للكتاب العزيز كان على وجه التفسير التدريجي للقرآن ، أي التفسير سورة فسورة ، وآية فآية ، ولم يتبادر إلى أذهانهم إنّ هناك نوعاً آخر من التفسير هو التفسير الموضوعي الذي يفسّر الكتاب العزيز حسب المفاهيم والموضوعات ، وهو النمط الذي أشرنا إليه في مقدمة الجزء الأوّل من هذه السلسلة القرآنية.

* * *

لزوم الاهتمام بالمعارف الإلهية

وإنّما ينبغي إعطاء المزيد من الاهتمام بالمعارف الإلهية التي ترتبط بالله سبحانه ، وأسمائه وصفاته وأفعاله وغير ذلك ممّا تناوله القرآن بالدقة المشهودة ، لأنّ تناول القرآن لهذه المعارف بهذا الشكل يدلّ ـ بوضوح لا يقبل الجدل ـ على أنّ النبيّ الاُمّي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأخذ هذه المعارف إلاّ من مستقى ( الوحي ) ، إذ من المستحيل لابن الجزيرة الخالية من أيّة حضارة وثقافة أن يأتي ـ في كتابه ـ بما أبهر عقول الفلاسفة والمفكّرين ، في القديم والحديث ، وذلك من لدن نفسه وصنع فكره ، أو يكون قد تلقّاها في مدرسة ، أو اقتبسها من معلّم في أرض لم يعرف أهلها إلاّ الأوهام ، ولم يؤمنوا إلاّ بالخرافة ، فلا ثقافة

١٤

ولا مثقّفين ، اللّهمّ إلاّ بضعة أشخاص (١) لم ينالوا من الثقافة إلاّ صبابات هي إلى الجهل أقرب منها إلى العلم والمعرفة.

إنّ القرآن جاء بأُصول وأفكار في مجال المعارف العقلية العليا لم يقف عليها حتى النوابغ من الفلاسفة ، في الشرق والغرب ، إلاّ عن طريق ذلك الكتاب الإلهي وهدايته.

إنّ من الظلم الفضيع إهمال دراسة هذه المعارف العليا بحجة أنّها مسائل غيبية يجب الاعتقاد بها إجمالاً ، وترك دراستها ومناقشتها وتحليلها.

والعجب أنّه روي عن الإمام مالك أنّه جاء إليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ( الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) كيف استوى ؟

فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء. ثم قال :

« الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلاّ مبتدعاً ».

فأمر به أن يخرج (٢).

ونحن نعتقد أنّه كان على الإمام أن يجيب على سؤال السائل ويهديه إلى مراده سبحانه من هذه الآية بدل رميه بالابتداع وإخراجه من المجلس.

كما أنّ من الظلم أيضاً ما يرتكبه بعض كتّابنا المسلمين المعاصرين ، حيث أخذ يفسّر هذه المعارف العقلية الإلهية بالأُمور المحسوسة ويحاول تطبيقها على الشؤون المادية فصار فعله بذلك من أوضح مصاديق ( تفسير القرآن بالرأي ) الذي تواترت الأحاديث

__________________

(١) لقد نقل البلاذري في كتابه « فتوح البلدان » أنّ الذين كانوا يعرفون الكتابة في مكة ـ آنذاك ـ لا يتجاوزون سبعة عشر شخصاً ، وفي المدينة أحد عشر شخصاً ، وإليك نصّ ما قاله في هذا المجال :

« دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب » ثمّ عدهم وذكر أسماءهم وقال :

« كان الكتّاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلين ... فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون » ثمّ ذكر أسماءهم راجع فتوح البلدان ص ٤٥٦ ـ ٤٥٩ باب في أمر الخط.

(٢) مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية ، ج ١ ، ص ٤٤٣.

١٥

الشريفة من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نهيه.

من أجل هذا ، ولكي نسلم من التخبّط والعشوائية في معرفة هذه المعارف والقضايا الاعتقادية يتعيّن علينا أن ندرسها بعناية بالغة على نمط ( التفسير الموضوعي ) من دون فرق بين موضوع وآخر ، حتى نقف ـ من هذا السبيل ـ على واحدة من أهم جهات الإعجاز القرآني ، ونكون من المتعمّقين في القرآن ومعارفه. وما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد عليه‌السلام إذ قال ، لمّا سئل عن التوحيد :

« إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) والآيات من سورة الحديد إلى قوله : ( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك ». (١)

أقول : إنّ ما روي عنه عليه‌السلام لا يعني أنّ الإمام أراد حصر الآيات الباحثة عن المعارف والقضايا الاعتقادية في هذه الآيات ، بل لمّا كان ما جاء في هذه الآيات في القمّة من تلك المعارف ، أشار إليها الإمام خاصة دون إرادة الحصر.

ولأجل هذا جعلنا وجهة البحث في تفسيرنا منذ أن شرعنا في هذا النمط صوب : ( المعارف الاعتقادية ) على ضوء القرآن ، مبتدئين بالتوحيد وماضين في هذا السبيل إلى ما شاء الله ...

* * *

تقديم مباحث النبوّة على الصفات

ولمّا انتهى البحث عن ( التوحيد ) وأقسامه في الجزء الأوّل من كتابنا الذي انتشر باسم « معالم التوحيد في القرآن الكريم » ، وفرغنا من عرض أهم أصل من اُصول الدين الإسلامي ، وانجرّ البحث عن توحيد حاكميته سبحانه إلى توضيح صيغة الحكومة الإسلامية وخصصنا لبيانها جزءاً مستقلاً وانتشر باسم : « معالم الحكومة الإسلامية » كان البحث الضروري والمهم بعد ذلك الفصل هو البحث عن معالم النبوّة مطلقاً ، ونبوّة

__________________

(١) الكافي ، ج ١ ، باب النسبة ، الحديث ٣.

١٦

نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة واستعراض ما جاء حولهما من المسائل والمباحث التي يجب الاعتقاد بها حسب نصوص القرآن الكريم وآياته.

نعم كان اللازم بعد البحث عن وجوده سبحانه وتوحيده هو البحث عن سائر صفاته الجمالية من علمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الثبوتية ، أو البحث عن صفاته الجلالية من كونه ليس بجسم ، ولا عرض ، إلى غير ذلك من الصفات السلبية (١).

نعم كان اللازم تقديم البحث عن صفاته على بحث النبوّة ، غير أنّه لما كان أهم صفاته هو التوحيد وقد أشبعنا الكلام فيه ضمن فصول ، قدّمنا بحث النبوّة.

وإنّما اخترنا مبحث النبوّة ، بعد استيفاء البحث في توحيد الله سبحانه ، لأنّه الأصل الثاني لتحقّق الإسلام ، حيث كان الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقبل إسلام من يعترف بالشهادتين : الشهادة بتوحيد الله سبحانه ، والشهادة برسالة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

نعم سنقوم ، بعد استيفاء البحث عن النبوّة ، بالبحث عن ( المعاد في يوم القيامة ) لأنّ أي مسلك ودين لا يمكن أن يصطبغ بصبغة الدين الالهي بدون الاعتقاد ب‍ ( المعاد ).

وتدل على انحصار المهم من الاعتقاد في هذه الاُمور والاُصول الثلاثة روايات وأحاديث منها ما عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :

« لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمد رسول الله بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر » (٢).

كما روي أنّ رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء فقال : « يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه ؟ فقال لها رسول الله :

__________________

(١) خصصنا الجزء السادس بالبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه كما خصصنا الجزء السابع لبيان دعوة النبىّ الأكرم وحياته في القرآن.

(٢) أخرجه الترمذي راجع جامع الاُصول ، ١ ، ص ١٤٥.

١٧

أتشهدين أن لا اله إلاّ الله ؟

قالت : نعم.

قال : أتشهدين أنّ محمداً رسول الله ؟

قالت : نعم.

قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟

قالت : نعم.

قال رسول الله : اعتقها » (١).

مباحث النبوّة

إنّ البحث عن ( النبوّة ) يقع في موردين :

١. النبوّة العامّة.

٢. النبوّة الخاصّة.

والمراد من البحث في ( النبوّة العامّة ) هو دراسة ظاهرة « النبوّة » ، ذلك الفيض الإلهي الجاري من جانب الله سبحانه إلى البشر بواسطة الأنبياء والرسل من آدم عليه‌السلام إلى خاتم النبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وفي مجال النبوّة العامّة لابدّ من البحث في الاُمور التالية التي يتكفل مجموعها شرح هذه الحقيقة الكبرى ، وبيانها :

الأوّل : لزوم بعث الأنبياء إلى البشر.

الثاني : الشرائط العامّة اللازمة في النبي كالعصمة والخلو عن النقص والعيب.

الثالث : كيفية أخذ الأنبياء الأحكام عن الله سبحانه ، وما هو الوحي.

الرابع : ما يعرف به النبي الحقيقي ويمتاز عن مدّعي النبوّة كذباً ، ومنتحلها

__________________

(١) أخرجه صاحب الموطأ راجع ، ج ١ ، ص ١٤٥.

١٨

زوراً ، ويبحث فيه عمّا يسمّى بدلائل النبوّة التي منها « المعاجز ».

تلك هي عناوين الأبحاث في « النبوّة العامّة » التي تعرّض لها القرآن الكريم في مواضع كثيرة من سوره وآياته.

وإنما يجب البحث عن الموضوع الأوّل ( أعني : لزوم إرسال الرسل وبعث الأنبياء ) دفعاً للمزاعم الواهية المنقولة عن البراهمة والبوذيين الذين أنكروا ضرورة إرسال الرسل بوجوه ذكرها علماء الكلام في مؤلّفاتهم الاعتقادية (١).

وأمّا البحث عن الموضوع الثاني فلأجل توضيح أنّ النبوة لا تعطى إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات خاصّة ، ومؤهّلات معيّنة وهو بحث يتطلبه مبحث النبوّة العامّة لمعرفة أهمية مسألة النبوّة ، وأنّه هذا المنصب العظيم لم يعهد إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات معيّنة.

ويتناول العنوان الثالث بالبحث لمعرفة أنّ أهميّة النبوّة وامتيازها عن أيّة ظاهرة فكرية بشرية إنّما هي بالوحي ، الذي هو كيفية اتصال الأنبياء بالله سبحانه ، وهو الأمر الذي يدحض الزعم الباطل القائل بأنّ الأنبياء مجرد نوابغ وأنّ ما يأتي به الأنبياء نظريات بشرية نابعة من صميم أفكارهم.

ويتناول الموضوع الرابع بالدراسة لأنّ معرفة النبىّ الصادق عن المتنبئ الكاذب متوقف على ما يتحقق على يد النبي من معاجز تثبت تأييد الله سبحانه له وإن كانت هناك طرق اُخرى لتمييز النبي الحقيقي عن المتنبئ أيضاً وسيوافيك بيانها في محلها.

وهذه العناوين وإن كان البحث عنها مهماً وضرورياً لمعرفة حقيقة النبوّة بصورة عامة لكنّنا نقدم الحديث عن معالم النبوّة الخاصّة ـ أعني نبوّة الرسول الأعظم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ نظراً لشدة الحاجة إلى ذلك فعلاً ، وسنردف البحث هذا ، بدراسة الفصول ، والمسائل المتعلّقة بالنبوّة العامّة التي ذكرناها عمّا قريب.

__________________

(١) ذكر بعضها المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد وشرحه تلميذه العلاّمة الحلي في كشف المراد راجع ذلك الكتاب ، ص ٢٧٥ ، طبعة صيدا.

١٩

نعم كان الأولى في البحث عن النبوّة الخاصّة تقديم البحث عن دلائل نبوّة سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

غير أنّه لما كتبت في هذا الموضوع مؤلّفات ، ورسائل ، وكان البحث عن إعجاز القرآن بوجوهها العشرة الماضية أحسن دليل على صحة رسالته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد استوفى علماؤنا البحث عن ذلك قديماً وحديثاً وجدنا قرّاءنا في غنى عن تكراره.

ولأجل ذلك طرحنا بحوثاً اُخرى ترجع إلى صفات رسالته ونبوّته أو إلى حالاته الخاصة الواردة في الكتاب العزيز ، والتي لم تبحث إلى الآن بصورة مشبعة ومنقّحة.

فلأجل ذلك نبحث في هذا الجزء عن الاُمور التالية :

١. رسالته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عالمية وليست إقليمية ولا قومية وأنّه مبعوث إلى البشر كافة.

٢. إنّ رسالته خاتمة الرسالات ونبوّته خاتمة النبوّات ، وكتابه خاتم الكتب.

وهذان البحثان يرجعان إلى البحث عن أوصاف رسالته ، من عموميتها وخصوصيتها.

٣. أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان اُمّياً لا يقرأ ولا يكتب.

٤. أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مطّلعاً على الغيب بإذنه سبحانه.

وهذا البحثان يرجعان إلى أوصافه الواردة في القرآن الكريم.

٥. بيان أسمائه وصفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الواردة في القرآن الكريم.

نسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لتوضيح هذه المعالم التي نوّه بها سبحانه وذكرها في كتابه العزيز ، وأن يوفّق قرّاءنا للاستفادة من هذه البحوث القرآنية انّه خير معين.

قم المشرفة

١٠ ربيع الثاني من شهور عام ١٤٠٢

٢٠