أصول الفقه - ج ٦

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مكتبة الفقه والأصول المختصّة المطبعة: ستاره ISBN: 978-600-5213-71-3
نسخة غير مصححة

١
٢

[ مباحث القطع ]

قوله : والمراد من المكلّف هو خصوص المجتهد ... الخ (١).

لا يخفى أنّ الواقعة التي يبتلى بها المكلّف إمّا أن تكون من قبيل الشبهات الحكمية ، وإمّا أن تكون من قبيل الشبهات الموضوعية. أمّا الشبهات الحكمية فحاصل الكلام فيها يكون في مقامات أربعة ، لأنّ الجاري فيها إمّا أن يكون من قبيل الأمارات ، وإمّا أن يكون من قبيل الأُصول الاحرازية ، وإمّا أن يكون من قبيل الأُصول الشرعية غير الاحرازية ، وإمّا أن يكون الجاري فيها هو الأُصول العقلية.

أمّا المقام الأوّل ، فمثاله الرواية الدالّة على وجوب السورة وجزئيتها في الصلاة ، فقد قالوا إنّ إعمالها من خصائص المجتهد. ولابدّ من شرح هذا الاختصاص ، فإنّ فيه خفاءً ، حيث إنّ مدلول تلك الأمارة وهو وجوب السورة لا

__________________

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وعليه نتوكّل وبه نستعين. والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين. لقد منّ الله تعالى على هذا العبد باستمرار الدرس من هذه المباحث وإليها ، ونسأله تعالى التوفيق والاستمرار على ذلك ، إنّه هو الموفّق ومنه تعالى نستمدّ المعونة إن شاء الله تعالى. الاثنين ٢٦ جمادى الأُولى سنة ١٣٧٨ الأقل حسين الحلّي.

بسم الله الرحمن الرحيم وبحمد الله وفضله قد استمرّ الدرس منها وإليها ، وشرعنا منها في يوم السبت ٢٨ ربيع الثاني سنة ١٣٨٤ ونسأله تعالى التوفيق إنّه أرحم الراحمين [ منه قدس‌سره ].

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٣.

٣

يختصّ بالمجتهد ، كما أنّ حجّيتها وكشفها التعبّدي عن الواقع المستفادة من مثل آية النبأ أو الروايات أو السيرة الدالّة على ذلك لا يختصّ به أيضاً ، لكن لمّا كان أثر الحجّية وهو تنجيز الواقع فيما أصابت والعذر فيما أخطأت ، وكذلك صحّة الإخبار عن الحكم الواقعي وهو وجوب السورة ، كلّ هذه الآثار متوقّفة على الوصول والعلم بالحجّية المزبورة ، ولا يمكن حصول ذلك إلاّللمجتهد ، كانت تلك الآثار منحصرة بالمجتهد.

ومن هذه الجهة صحّ لنا أن نقول إنّ حجّيتها منحصرة بالمجتهد ، فتلك الأمارة بعد تمامية حجّيتها عند المجتهد تنجّز عليه وجوب السورة فيلزمه العمل على طبقها ، فإن أصابت الواقع كانت منجّزة له ، وإن أخطأت كان معذوراً ، هذا بالقياس إلى عمل نفسه.

وأمّا بالقياس إلى عمل العامي المقلّد له ، فيكون أثر قيام تلك الأمارة عند ذلك المجتهد هو كونها مصحّحة لإخباره عن الحكم الواقعي ، وأنّه هو وجوب السورة حسب قيام تلك الأمارة عنده ، وهذا الاخبار عبارة عن الفتوى ، وهذا الاخبار من المجتهد يكون هو الحجّة على المقلّد له ، ويستحيل في حقّه حجّية نفس تلك الأمارة ، لكون حجّيتها مشروطة بالقيام عنده ووصولها إليه ، وهو عاجز عن ذلك.

ومن ذلك يظهر لك الكلام في المقام الثاني أعني الأُصول الشرعية الاحرازية ، فإنّ المجتهد بعد إعماله لها يكون قد أحرز الواقع ، فيصحّ له الإخبار به اعتماداً عليها ، وهذا الاخبار يكون حجّة على العامي. من دون فرق في ذلك بين كون ذلك التكليف الثابت عند المجتهد بالأمارة أو الأصل الاحرازي مشتركاً بينه وبين مقلّده كما مثّلنا من وجوب السورة ، أو يكون مختصّاً بالمقلّد كما في أحكام

٤

الحيض والنفاس ونحوهما ممّا لا تعلّق له بالمجتهد إلاّباعتبار الأثر الثالث ، وهو صحّة الاخبار عن الواقع الذي أدّت إليه تلك الأمارة ، أو أدّى إليه ذلك الأصل الاحرازي.

أمّا الكلام في المقام الثالث ، وهو موارد الأُصول الشرعية غير الاحرازية مثل البراءة الشرعية ونحوها ، مثل أصالة البراءة عن وجوب الاستعاذة مثلاً قبل الفاتحة في الصلاة ، ومثل أصالة البراءة عن حرمة حمل المصحف للحائض ، فقد يشكل في مثل ذلك بأنّ البراءة إنّما تجري في حقّ الشاكّ الذي يكون متعلّق شكّه تكليفاً راجعاً إلى نفسه دون غيره ، فالبراءة في المثال الأوّل وإن جرت في حقّ المجتهد باعتبار تكليف نفسه ، إلاّ أنّ ذلك لا دخل له بالمقلّد العامي ، لأنّ ذلك التكليف وإن كان تكليفاً للمقلّد أيضاً إلاّ أنّه لا عبرة بشكّه ، فلا يصدق عليه أنّه شاكّ في ذلك التكليف الواقعي كي تجري في حقّه البراءة المذكورة.

أمّا المثال الثاني فبناءً على الإشكال المذكور لا يكون فيه إجراء البراءة ممكناً ، لا بالنسبة إلى المجتهد لأنّه وإن كان شاكّاً إلاّ أنّ متعلّق ذلك الشكّ ليس تكليفاً له ، ولا بالنسبة إلى المقلّد لأنّ متعلّق الشكّ وإن كان تكليفاً راجعاً إليه ، إلاّ أنّه لعدم العبرة بشكّه لا يكون داخلاً في عموم الشكّ وعدم العلم بالحكم الواقعي الذي هو موضوع البراءة الشرعية.

وهذا الإشكال إنّما نشأ من هذه الكلمة وهي أنّه لا عبرة بشكّ العامي الظاهرة في إلغاء شكّه وأنّه لا حكم له لذلك الشكّ ، مع أنّه متحقّق وجداناً ، وأقصى ما في البين هو أنّ كون عدم علمه وشكّه موضوعاً للبراءة الشرعية متوقّف على الفحص ، ولا ريب أنّ الفحص عن الحجّة في قبال البراءة المذكورة ، وتلك الحجّة التي يفحص عنها العامي ليست هي الحجّة الأوّلية على الحكم الواقعي ،

٥

أعني الرواية أو الاستصحاب الجاريين في الحكم المذكور ، لأنّ الحصول على ذلك النحو من الحجّة بل الفحص عنه لا يكون مقدوراً له ، فلا يكون فحصه حينئذ إلاّفحصاً عمّا يمكن أن يكون حجّة عليه ، وذلك منحصر بفتوى المجتهد ، وبعد فرض أنّ ذلك المجتهد الذي يقلّده لا يمكنه الاخبار عن الحكم الواقعي ، لأنّه لم تقم لديه حجّة على وجوده ولا على نفيه واقعاً ، يكون شكّ ذلك العامي وعدم علمه بالحكم الواقعي موضوعاً للبراءة الشرعية ، وعلى هذا الأساس يفتيه بالجواز تسامحاً ، لأنّ ذلك ليس على نحو الحكاية عن أنّ الحكم الواقعي هو الجواز والاباحة ، بل روحه هو جواز الاقدام باعتبار كونه شاكّاً ، وأنّه جواز عذري منشؤه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون » (١). وهكذا الحال في الفتوى بطهارة الحديد استناداً إلى قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية.

لا يقال : لو كان في الأحياء مجتهد آخر قد اقتنع بأحد الأدلّة على ثبوت الحكم في المسألة المزبورة أو على نفيه ، فلِمَ لا يرجع إليه هذا العامي.

لأنّا نقول : إنّه بعد أن كان قد تعيّن عليه الرجوع إلى المجتهد السابق بأحد الوجوه المعيّنة من كونه أعلم ونحوه ، لا يمكنه الرجوع إلى ذلك الآخر ، لأنّ فتوى ذلك الآخر وإخباره عن الواقع حسبما استفاده من الدليل المذكور لا يكون حجّة عليه.

فإن قلت : إن تعيّن الأوّل عليه إنّما هو فيما له فيه فتوى وإخبار عن الحكم الواقعي ، والمفروض أنّه في خصوص هذه المسألة لا فتوى له حاكية ومخبرة عن الواقع ، وحينئذ فيلزمه الرجوع إلى ذلك الآخر.

قلت : إنّ لازم كون الأوّل مجتهداً وأعلم مثلاً هو أنّه لا يرى ذلك الدليل

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٥ : ٣٦٩ / أبواب جهاد النفس ب ٥٦ ح ١.

٦

الذي استند إليه ذلك الآخر دليلاً مصحّحاً للفتوى والحكاية عن الحكم الواقعي ، وفي الحقيقة يكون المجتهد الأوّل مفتياً بعدم ثبوت ذلك الحكم الواقعي ، وهذا المقدار من الإخبار عن الواقع بأنّه لم يثبت يكفي لذلك العامي في عدم وجوب الرجوع إلى المجتهد الآخر ، وإن صحّ له العمل بفتواه من باب الاحتياط ، لكن ربما كان الاحتياط بالخلاف ، كما لو كانت الشبهة في ناحية الأقل والأكثر الارتباطيين كالشكّ في جزئية الاستعاذة ، وكان مجتهده الأوّل قائلاً بلزوم الاحتياط ، وكان المجتهد الآخر قد اقتنع بدليل ينفي الجزئية ، فإنّ رجوعه إلى ذلك الآخر يكون على خلاف الاحتياط.

وهكذا الحال لو كانت الشبهة بدوية تحريمية بأن شكّ في حرمة التنباك ، وكان المجتهد الأوّل قائلاً بالاحتياط الشرعي في الشبهة التحريمية البدوية ، وكان المجتهد الآخر قد قام عنده الدليل الاجتهادي على عدم حرمة التنباك وأنّه حلال ومباح ، ففي هذه الصورة يتعيّن عليه العمل على رأي مجتهده الأوّل ، وأنّ التنباك لا دليل على حرمته ، وأنّ الشاكّ في الشبهة التحريمية يلزمه الاحتياط ، ولا يجوز حينئذ له الرجوع إلى المجتهد الآخر في فتواه الحاكية عن أنّ حكم التنباك واقعاً هو الحلّية وعدم الحرمة.

وأمّا الكلام في المقام الرابع ، وهو موارد الأُصول العقلية مثل مسائل الدوران بين المحذورين الوجوب والحرمة ، ومثل ما لو انتهت النوبة إلى البراءة العقلية ، فحاصل الإشكال فيه أنّ الحكم العقلي لا يجري فيه التقليد ، لاشتراك العامي والمجتهد فيه.

ويمكن الجواب عنه بما حاصله : أنّ ذلك العامي بعد فرض الوصول إلى تلك الدرجة لو كان ممّن يمكن أن يميّز بين قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب

٧

المصلحة ، وقاعدة التخيير العقلي ، بحيث إنّه يحصل له العلم بفساد إحدى القاعدتين في المورد وعدم جريانها فيه ، وأنّ المحكّم فيه هو القاعدة الأُخرى ، لم يصحّ لذلك العامي أن يقلّد في هذه الجهة ، وإن قلّد في تنقيح أنّ ما هو محلّ ابتلائه من صغريات هاتين القاعدتين ، فإنّه في هذه الصورة ليس على المجتهد إلاّ أن يخبره بأنّ هذه المسألة التي هي محلّ ابتلائه ، وأنّ الحكم الواقعي فيها هو أحد الحكمين المذكورين ، ويذره وما يحكم به عقله في تحكيم أيّ منهما.

وهكذا الحال فيما إذا انتهت النوبة إلى قاعدة قبح العقاب من دون بيان ، أو قاعدة دفع الضرر المحتمل ، فإنّ على المجتهد أن يخبره بأنّ محلّ ابتلائه من ذلك القبيل ، ويذره وما يحكم به عقله من تحكيم إحدى القاعدتين على الأُخرى.

لكن أنّى للمقلّد أن يعرف معنى أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ، أو معنى دفع الضرر المحتمل وكونه محكوماً لقاعدة قبح العقاب من دون بيان ، وحينئذ فعليه أن يقلّد أيضاً في هذا الحكم العقلي ، بعد فرض كونه عاجزاً عن حقيقته وتحكيم إحدى قاعدتيه على الأُخرى.

ثمّ إنّك بعد اطّلاعك على هذه التفاصيل التي ذكرناها ، تعرف أنّه لا حاجة في توجيه إجراء المجتهد الأُصول الشرعية في الشبهات الحكمية إلى ما أفاده شيخنا الأُستاذ الأعظم قدس‌سره في أوائل الاستصحاب من قوله : ولا عبرة بيقين المقلّد وشكّه في ذلك ، بل العبرة بيقين المجتهد وشكّه ، وهو الذي يجري الاستصحاب ، ويكون بوحدته بمنزلة كلّ المكلّفين (١) لما عرفت من أنّه أعني المجتهد يصحّ له الإخبار على طبق مؤدّى الاستصحاب ، وذلك هو تحصيل الفتوى ، من دون حاجة إلى دعوى كونه بمنزلة كلّ المكلّفين ، كما أنّه لا حاجة إلى

__________________

(١) فوائد الأُصول ٤ : ٣١٠.

٨

دعوى كونه نائباً عنهم كما نقله (١) عن الشيخ قدس‌سره في التخيير بين الخبرين المتعارضين بعد تكافئهما.

كما أنّه لا حاجة إلى ما تكلّفه صاحب الكفاية قدس‌سره في مبحث الاجتهاد والتقليد من توجيه رجوع المقلّد إلى المجتهد في موارد الأمارات في الشبهات ، بأنّه وإن كان ذلك المجتهد جاهلاً بالحكم الواقعي إلاّ أنّه عالم بموارد قيام الحجّة الشرعية على الأحكام ، فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم (٢).

فإنّك قد عرفت أنّ رجوعه إليه في موارد الأمارات بل والأُصول التنزيلية إنّما هو رجوع إليه باعتبار إخباره عن الحكم الواقعي الذي أحرزه بذلك ، فإنّه يكون عالماً تنزيلاً بالحكم الواقعي بواسطة قيام الحجّة الشرعية عليه عنده ، لا من باب أنّه عالم بموارد الطرق والأمارات ، إذ همّ العامي إنّما هو السؤال عن الحكم الواقعي ، لا السؤال عمّا قامت عليه الأمارة والطرق.

ثمّ إنّه قدس‌سره لم يتعرّض لموارد الأُصول الشرعية ، بل انتقل من الكلام على الطرق والأمارات إلى الأُصول العقلية (٣) ، ولعلّ هذا مأخوذ ممّا أفاده في هذا المقام من جعل القسمة هنا ثنائية مردّدة بين القطع بالحكم الفعلي الشرعي الأعمّ من الواقعي والظاهري وعدم حصول القطع بذلك ، وأنّ المرجع على الثاني هو ما يستقلّ به العقل (٤) ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك.

__________________

(١) راجع ما حرّره عن شيخه قدس‌سرهما في المجلّد الثاني عشر من هذا الكتاب ، الصفحة : ١٧٠ وما بعدها.

(٢) كفاية الأُصول : ٤٦٥.

(٣) كفاية الأُصول : ٤٦٦.

(٤) كفاية الأُصول : ٢٥٧.

٩

وكيف كان ، فإنّه قدس‌سره قد أفاد في مبحث الاجتهاد والتقليد أنّ المقلّد إنّما يرجع إلى المجتهد في فقد الأمارة ، فكأنّه يقلّده في ذلك لا في الحكم الشرعي أو العقلي (١) وقد عرفت أنّ رجوع المقلّد إليه في جميع موارد الشبهات الحكمية إنّما هو من باب الفحص عن الحجّة على التكليف ، وهي فتوى ذلك المجتهد ، فإذا فرضنا أنّ ذلك المجتهد لم تقم عنده الحجّة على إحراز التكليف ، كان ذلك العامي ممّن لم تقم عنده الحجّة على ذلك التكليف ، وحينئذ يكون شكّ ذلك العامي مصداقاً لما هو موضوع الأُصول الشرعية على التفصيل الذي حرّرناه ، من دون حاجة إلى الالتزام بأنّ العامي يكون مقلّداً للمجتهد في عدم قيام الأمارة على التكليف. على أنّك قد عرفت أنّه يمكنه أن يقلّده باخباره عن عدم ثبوت التكليف.

وما أفاده بعض سادة مشايخي قدس‌سرهم فيما حرّرته عنه من أنّه لا دليل على صحّة تقليده في ذلك ، يمكن الجواب عنه بالاستناد إلى إطلاقات التقليد أو مطلق لزوم رجوع الجاهل إلى العالم ، إذ يصدق على ذلك المجتهد أنّه عالم بأنّ ذلك التكليف غير ثابت ، وأنّه لم تقم عليه حجّة شرعية.

وأمّا ما أفاده قدس‌سره بقوله : وأمّا تعيين ما هو حكم العقل ، وأنّه مع عدمها هو البراءة أو الاحتياط ، فهو إنّما يرجع إليه الخ (٢) فقد [ تقدّم ] تفصيل الحال فيه فيما شرحناه في المقام الرابع (٣) ، فراجع وتأمّل.

وينبغي أن يعلم أنّ هذا الذي نقلناه عن الكفاية إنّما هو فيما فرضه من

__________________

(١) كفاية الأُصول : ٤٦٦.

(٢) كفاية الأُصول : ٤٦٦.

(٣) في الصفحة : ٧.

١٠

حجّية الظنّ بمقدّمات الانسداد ، لكنّه بعينه ينبغي أن يلتزم به في حجّية الظنّ الخاصّ ، وأنّه عند فقده يكون المرجع هو الأُصول الشرعية أو العقلية ، وأنّ العامي يكون مقلّداً له في عدم الأمارة ، إلى آخر ما أفاده.

لكن الذي يظهر من الكفاية أنّه لو قلنا بالانفتاح لم يكن إشكال في تقليد العامي لمن فقد الدليل الاجتهادي ، لأنّه يكون عالماً بالحكم الفعلي ، فإنّه قال : فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلاً أو نقلاً في الموارد التي لم يظفر فيها بها ـ إلى قوله ـ كما لا إشكال في جواز العمل بهذا الاجتهاد لمن اتّصف به ، وأمّا لغيره فكذا لا إشكال فيه إذا كان المجتهد ممّن كان باب العلم أو العلمي بالأحكام مفتوحاً له ، على ما يأتي من الأدلّة على جواز التقليد الخ (١) ، فنراه جعل المقامات الأربعة كلّها مورداً للتقليد والفتوى ، وقد عرفت ما في ذلك وأنّ التفصيل هو ما ذكرناه ، فلاحظ.

ومن ذلك كلّه يظهر لك الإشكال فيما ذكره في الكفاية من جعل المقسم هو الحكم الفعلي المتعلّق بالمجتهد أو بمقلّديه ، وأنّه إمّا أن يحصل له القطع به أو لا يحصل (٢) ، فإنّك قد عرفت في هذه المقامات الأربعة أنّ الحكم الذي يكون متعلّقاً بالمقلّد إنّما يكون مربوطاً بالمجتهد باعتبار قيام الأمارة أو الأصل الاحرازي عليه عند المجتهد ، فيصحّ له الإخبار به ، أمّا ما لم يقم عليه شيء من الأمارات ولا الأُصول الاحرازية ، وكان المرجع فيه هو الأُصول الشرعية غير الاحرازية أو الأُصول العقلية ، فقد عرفت أنّ تلك الأُصول إنّما تجري في حقّ تكليف المجتهد نفسه ، وأمّا جريانه في حقّ العامي فإنّما هو في الرتبة المتأخّرة عن عدم إفتاء

__________________

(١) كفاية الأُصول : ٤٦٤.

(٢) كفاية الأُصول : ٢٥٧.

١١

المجتهد وإخباره عن الحكم الواقعي.

وبالجملة : أنّهما لا يتشاركان ابتداءً في الحكم الفعلي كما يعطيه ظاهر قوله : إذا التفت إلى حكم فعلي متعلّق به أو بمقلّديه (١).

ثمّ إنّا لو أسقطنا قوله : أو بمقلّديه ، واقتصرنا على قوله : إنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به ، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا الخ (٢) ، لم يكن ظاهر التقسيم صحيحاً ، لأنّ رتبة الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي ، فالمكلّف إنّما يلتفت أوّلاً إلى نفس الحكم الواقعي ، فإمّا أن يحصل له القطع أو تقوم عليه الأمارة أو يكون شاكّاً فيه ، فإن قامت عليه الأمارة كان حكمه الظاهري على طبقها ، وإن بقي شاكّاً كان حكمه الظاهري على طبق الأُصول الجارية ، فلا يكون تحقّق الحكم الظاهري إلاّبعد مرتبة الحكم الواقعي ومرتبة قيام الأمارة عليه ومرتبة الشكّ ، فلا يمكن أن يكون الحكم الظاهري هو الملتفت إليه أوّلاً في عرض الالتفات إلى الحكم الواقعي ، هذا كلّه.

مضافاً إلى ما حقّق في محلّه (٣) من أنّه لا محصّل للحكم الظاهري وأنّه لا واقعية له ، وأنّه ليس في البين إلاّمحض المنجّزية والمعذورية ، إلاّعلى القول بالسببية فتأمّل. هذا كلّه في الشبهات الحكمية.

وأمّا الشبهات الموضوعية فقد أطلقوا القول بأنّ إجراء الأُصول والقواعد فيها يشترك فيه المجتهد والمقلّد ، وأنّه لا خصوصية فيها للمجتهد. إلاّ أنّ ذلك بعد إثبات أصل تلك الوظائف وتحكيم بعضها على بعض ، وذلك راجع إلى

__________________

(١ و ٢) كفاية الأُصول : ٢٥٧.

(٣) راجع فوائد الأُصول ٣ : ١٠٥ ـ ١١٩ وحواشي المصنّف قدس‌سره على ذلك في هذا المجلّد.

١٢

المجتهد ، كما في تحكيم يد المسلم مثلاً على أصالة عدم التذكية ، وإخبار ذي اليد بالنجاسة على أصالة الطهارة مثلاً ، ومن ذلك تحكيم بعض هذه الأُصول الجارية في الشبهات الموضوعية على بعضها في أبواب الخلل ، بل تحكيم الأصل الواحد على نفسه ، كما في من فاتته سجدتان ولم يعلم أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين ، في أنّ الجاري هو قاعدة الفراغ أو التجاوز في الركعة الأُولى أو الثانية ، أو أنّهما يتعارضان ، كلّ ذلك شغل المجتهد ولا حظّ فيه للمقلّد.

وبالجملة : أنّ في الشبهات الموضوعية عين تلك المقامات الأربعة في الشبهات الحكمية ، فأمارات وأُصول إحرازية ، وأُصول شرعية غير إحرازية ، وأُصول عقلية ، والأمارات مثل إخبار ذي [ اليد ] بنجاسة ما تحت يده ، ومثل اليد في كونها أمارة الملكية ، ومثل الإقرار ، لكن بعد الرجوع إلى المجتهد في مفاده ، لأنّ ذلك راجع إلى إعمال قواعد الظهور اللفظي ، وذلك ممّا يعجز عنه المقلّد ، وبعد تنقيح ظهوره يكون كسائر الأمارات والقواعد والأُصول الجارية في الشبهات الموضوعية ، في أنّ المرجع في تعيين مواردها وتمييز الحاكم منها على المحكوم إنّما هو المجتهد دون المقلّد ، فما أفادوه من [ أنّ ] إعمالها يكون مشتركاً بين المجتهد وغيره ، لا يخلو عن خفاء ، بل قد يكون من خصائص المجتهد ، فتأمّل.

قوله : وإنّما قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة ، ولم نكتف بمجرّد وجودها ـ إلى قوله ـ إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلّية ، أو في خصوص الأحكام الكلّية ، أو في خصوص الشكّ في المقتضي على اختلاف الأقوال فيه ... الخ (١).

لا يخفى أنّ الثاني وهو من لا يعلم بالتكليف أصلاً ولو بجنسه ، لا وجه

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٤ ـ ٥.

١٣

أيضاً لحصر المرجع فيه بالبراءة ، بل هو محلّ خلاف ، فقال المحدّثون إنّ المرجع فيه هو الاحتياط ، فإن كان الخلاف مؤثّراً في الرجوع إلى الاستصحاب فلِمَ لا يؤثّر في الرجوع إلى البراءة. وهكذا الكلام في التخيير فإنّه ربما يقال فيه بالمنع من التخيير ، وأنّ المرجع هو كون دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.

فالأولى أن يقال : إنّ الحالة السابقة يعتبر العلم بها في جريان الاستصحاب ، لأنّ العلم بالحالة السابقة هو الركن في جريان الاستصحاب على نحو جزء الموضوع ، ولا يكفي فيه مجرّد تحقّق الحالة السابقة مع فرض عدم العلم بها ، كما لا يكفي القطع بالحالة السابقة مع عدم تحقّقها واقعاً ، أمّا لحاظ الحالة السابقة فليس هو إلاّعبارة عن نفس الاستصحاب ، لا أنّه مورد للاستصحاب.

قوله : ولا يخفى أنّ الحصر في مجاري الأُصول إنّما يكون عقلياً لدورانه بين النفي والإثبات ، وأمّا حصر الأُصول في الأربع فليس بعقلي ، لإمكان أن يكون هناك أصل آخر وراء هذه الأُصول الأربعة ، ولكن هذا بالنسبة إلى خصوص الاستصحاب حيث إنّ اعتباره شرعي ... الخ (١).

لا يخفى أنّه مع الاعتراف بكون الحصر في الموارد الأربعة عقلياً دائراً بين النفي والإثبات ، لا يمكن القول بامكان زيادة الوظائف المقرّرة لكلّ واحد منها على الأربعة ، إلاّبأن يكون للمورد الواحد من تلك الموارد وظيفتان ، فتكون الوظائف زائدة على الأربع ، بأن يقال إنّ مورد لحاظ الحالة السابقة لو كانت هي الإباحة تكون الوظيفة فيه هي التخيير بين الأخذ بالحالة السابقة والأخذ بضدّها ، أو تعيّن الأخذ بضدّها ، كما أنّه يمكن التنقيص بأن يقال : الوظيفة لمورد العلم

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٥.

١٤

بجنس التكليف مع إمكان الاحتياط ، ولمورد عدم العلم بجنس التكليف هو الاحتياط كما عن الأخباريين ، وحينئذ تسقط البراءة الشرعية والعقلية ، كما أنّه يمكن تبديل التخيير بقاعدة دفع المفسدة ، ولإمكان إسقاط الاحتياط في مورده وتبديله بالبراءة كما ربما قيل بأنّ العلم الاجمالي غير منجّز ، ولإمكان تبديل البراءة العقلية بالاحتياط العقلي ، بدعوى أنّ قاعدة دفع الضرر المحتمل مقدّمة على قاعدة قبح العقاب بدون بيان.

ثمّ إنّ قوله : ولكن هذا بالنسبة إلى خصوص الاستصحاب ، حيث إنّ اعتباره شرعي الخ ، يمكن الخدشة فيه بأنّه لا يختصّ بالشرعية ، بل الشرعية تجري فيه وفي البراءة والاحتياط ، فحصر موارد الشكّ في التكليف بجريان البراءة الشرعية منقوض بأنّه يمكن إبدالها بالاحتياط الشرعي كما ادّعاه المحدّثون.

لكن هذه النقوض الراجعة إلى تكثير الوظائف أو تنقيصها أو تبديل بعضها ببعض ، لا ترد على ما أفاده شيخنا قدس‌سره من الحصر العقلي للأُصول العقلية ، لأنّه قدس‌سره ناظر في هذا الحصر إلى نفس الأصل العقلي في مقام الشكّ مع قطع النظر عن مورده ، بل مع قطع النظر عن الدليل ، وأنّ المنظور في ذلك إنّما [ هو ] عالم الامكان ، ولا ريب في أنّ حكم العقل في مقام الشكّ إمّا أن يكون المنظور فيه مراعاة التكليف من كلّ وجه وهو الاحتياط ، وإمّا أن يكون المنظور هو الاعتناء باحتمال التكليف في الجملة لا من كلّ وجه وهو التخيير ، وإمّا أن يكون المنظور فيه هو عدم الاعتناء باحتمال التكليف وهو البراءة. لكن كون التخيير مراعاة للتكليف في الجملة محلّ تأمّل ، نعم لو حكم العقل في مورد دوران الأمر بين المحذورين بلزوم مراعاة دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ، لكان فيه

١٥

مراعاة للتكليف في الجملة ، أمّا حكمه بالتخيير فليس هو من قبيل مراعاة التكليف ، بل من باب عدم المندوحة ، وأنّه لا حيلة فيه للمكلّف ، فيحكم العقل بالتخيير من أجل ذلك.

ولا يخفى أنّ نفس هذه الأُصول يمكن أن تكون شرعية ، وهي الاحتياط الشرعي ولو في موارد الشبهات البدوية كما يدّعيه الأخباريون ، والبراءة الشرعية كما عليه الأُصوليون ، والتخيير الشرعي بأن يحكم الشارع في موارد دوران الأمر بين المحذورين بالتخيير فيما لو أمكنت المخالفة القطعية ، كما لو كان أحد الأمرين من الفعل والترك عبادياً ، بل حتّى لو كان كلّ منهما توصّلياً ، فإنّ العقل وإن حكم بالتخيير إلاّ أنّه لا يكون مانعاً من حكم الشارع ، كما حكم في الشبهات البدوية بقبح العقاب من دون بيان ، ولم يكن حكمه بذلك منافياً لحكم الشارع بالبراءة ، وحينئذ يكون الحصر في هذه الأُصول الشرعية عقلياً ، على حذو ما قلناه في هذه الأُصول لو كانت عقلية ، بأن يقال : إنّ الأصل الشرعي إمّا أن يكون الملحوظ فيه هو احتمال التكليف ... إلى آخره ، غايته أنّ الثالث لم يقم عليه دليل كالأوّل ، لكن عدم قيام الدليل عليه لا يخرجه عن حيّز الامكان الذي هو الملاك والمنظور إليه في هذا الحصر العقلي.

قوله : إمّا علقة التلازم وإمّا علقة العلّية والمعلولية ، سواء كان الوسط علّة لثبوت الأكبر الذي هو البرهان اللمي ، أو كان معلولاً له الذي هو البرهان الإنّي ... الخ (١).

لم يذكر الوسط الذي يكون هو والأكبر معلولين لعلّة ثالثة ، ولعلّه هو المراد بعلقة التلازم اصطلاحاً ، وإلاّ فإنّ التلازم بين الشيئين يكون لأحد هذه الأُمور

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٧.

١٦

الثلاثة ولا رابع لها حتّى علقة التضايف كالأُبوّة والبنوّة ، فإنّهما معلولان لعلّة ثالثة وهي تولّد هذا من ذاك. ثمّ إنّ تسمية الثالث وهو كونهما معلولين لعلّة ثالثة بالبرهان الإنّي اصطلاح ، وإلاّ فإنّه يشتمل على كلا الانتقالين ، لأنّه يكون الانتقال فيه من الأوسط الذي هو أحد المعلولين إلى علّته ، ثمّ الانتقال من هذه العلّة إلى معلولها الآخر الذي هو الأكبر.

قوله : فإنّ الحجّة باصطلاح الأُصولي عبارة عن الأدلّة الشرعية من الطرق والأمارات التي تقع وسطاً لإثبات متعلّقاتها بحسب الجعل الشرعي ... الخ (١).

الظاهر أنّ الحجّة الأُصولية لا تنحصر بالأدلّة الشرعية ، بل إنّ الحجّة الأُصولية أعمّ شاملة لذلك وللحجّة المنطقية المعبّر عنها بالدليل العقلي ، حيث إنّ أدلّة الفقه أربعة : الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل ، الذي هو مأخوذ من قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، الذي يكون لسانها هو الحسن والقبح العقليين ، فيقال : هذا قبيح عقلاً ، وكلّ ما حكم العقل بقبحه فقد حرّمه الشارع ، وهو استدلال لمّي ، لأنّ القبح العقلي علّة للحرمة الشرعية.

ثمّ بعد بيان مصطلح المنطقيين والأُصوليين في الحجّة ينبغي تحرير البحث في مقامات ثلاثة :

المقام الأوّل : في القطع الطريقي ، ولا ريب في عدم كونه دليلاً لا باصطلاح المنطقيين ولا باصطلاح الأُصوليين.

المقام الثاني : في القطع الموضوعي ، وهو بالنسبة إلى متعلّقه يكون حاله حال القطع الطريقي ، وبالنسبة إلى الحكم المترتّب عليه ، أو عليه وعلى متعلّقه

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ٧.

١٧

يكون دليلاً باصطلاح المنطقيين ، فيتألّف منه الشكل الأوّل ، فيقال هذه الملكية مقطوعة ، وكلّ ما هو مقطوع يجوز الشهادة به. وهو ملحق بالقياس اللمّي ، لأنّ الموضوع بمنزلة العلّة لحكمه.

وينبغي أن يعلم أنّ الكبرى التي يتألّف منها القياس في القطع الموضوعي ، لابدّ أن تكون هي عين الكبرى المجعولة شرعاً ، ففيما كان القطع تمام الموضوع ، لا ريب في صحّة أخذ الكبرى التي يكون القطع فيها منسوباً إلى المكلّف ، فيقال أنا قاطع بملكية الدار ، وكلّ قاطع بملكيتها يجوز له الشهادة بها. أمّا أخذ القطع منسوباً إلى المقطوع به ، بأن يقال هذا مقطوع الخمرية وكلّ مقطوع الخمرية نجس مثلاً ، ففيه تأمّل ، إذ هذه الكبرى لا تطابق الكبرى المجعولة في صورة كون القطع تمام الموضوع ، لأنّ ظاهر الكبرى المذكورة هو أنّ الحكم بالنجاسة لاحق لمصاديق مقطوع الخمرية ، وليس الحكم في الكبرى كذلك ، وإنّما يكون مترتّباً على نفس القطع.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ المراد من كون القطع تمام الموضوع أنّ الحكم بالنجاسة مثلاً يكون على مصاديق مقطوع الخمرية وإن كان خلاً في الواقع ، هذا في القطع الذي أُخذ تمام الموضوع.

وأمّا ما أُخذ فيه جزء الموضوع فلابدّ أن يكون تألّف القياس منه بهذه الصورة : هذا خمر مقطوع الخمرية ، وكلّ خمر مقطوع الخمرية نجس. ويكون الجزء الأوّل من الصغرى وهو الخمرية الواقعية محرزاً بجزئها الثاني وهو مقطوع الخمرية.

وكيف [ كان ] فلا ريب أنّ تأليف القياس من القطع الموضوعي سواء كان تمام الموضوع أو كان جزء الموضوع ، لا يكون فائدته الاحتجاج على الخصم ،

١٨

وإنّما يكون سوقه لإقناع النفس ، فإنّ الحرمة الواقعية لا تكون لاحقة إلاّللقاطع دون غيره. وإن شئت فقل : إنّ مرجع القياس المذكور إلى إثبات الحرمة على نفس القاطع ، فيقول : هذا أنا قاطع بخمريته ، وكلّ ما أنا قاطع بخمريته هو حرام عليَّ.

المقام الثالث : في الأمارات ونحوها من الحجج الشرعية. ولا ريب في كونها دليلاً باصطلاح الأُصوليين ، أمّا باصطلاح المنطقيين وصحّة تألّف الشكل الأوّل منها ففيه تفصيل ، وهو أنّها بالنسبة إلى نفس الواقع يكون حالها حال القطع الطريقي في عدم صحّة تألّف الشكل الأوّل منها ، وأمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فصحّة تألّف الشكل الأوّل منها موقوفة على المبنى في جعل الحكم الظاهري ، فإن قلنا إنّه عبارة عن الحكم على طبق مؤدّى الأمارة ، أو عبارة عن لزوم العمل بها كان حالها بالنسبة إليه حال القطع الموضوعي بالنسبة إلى الحكم المترتّب عليه ، فيصحّ أن يتألّف منها الشكل الأوّل. وإن قلنا إنّه عبارة عن جعل الحجّية بمعنى جعل الكشف كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في كيفية جعل الطرق (١) ، كان حالها بالنسبة [ إلى ] ذلك الحكم الظاهري حال القطع الطريقي في عدم صحّة تألّف الشكل الأوّل منها ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : وكذا يكون طريقاً محضاً بالنسبة إلى الحكم الشرعي المترتّب على ذلك الموضوع (٢).

هذه العبارة لا تخلو من تسامح ، فإنّ العلم المتعلّق بالموضوع وإن كان طريقاً صرفاً بالقياس إليه ، إلاّ أنّه لا ربط لذلك العلم بحكم ذلك الموضوع ، فإنّ العلم المتعلّق بحكم ذلك الموضوع يكون علماً آخر ، وهو أيضاً طريق إلى ذلك

__________________

(١) راجع فوائد الأُصول ٣ : ١٧ و ١٠٥ وما بعدهما.

(٢) فوائد الأُصول ٣ : ١٠.

١٩

الحكم فلاحظ. بل وهكذا الحال في الحكم الذي يكون العلم بالموضوع جزءاً لموضوعه أو تمام موضوعه ، فإنّ العلم بذلك الحكم لا يكون إلاّطريقاً صرفاً ، فلاحظ وتأمّل.

قوله : بل الظاهر أنّه لا يمكن ، من جهة أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه ، وأخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الطريق وذي الصورة ، ويكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم ... الخ (١).

إن كان المراد هو أنّ أخذ العلم طريقاً إلى متعلّقه هو أن يكون المحكوم عليه هو المتعلّق ولم يكن العلم إلاّطريقاً إليه ، ففيه أنّه خلاف الفرض ، لأنّ المفروض هو كون القطع موضوعاً أو جزء الموضوع. مضافاً إلى أنّ لازمه هو عدم إمكان أخذه جزء الموضوع ، وسقوط القطع الطريقي عن الموضوعية بالمرّة.

وإن كان المراد هو أنّ أخذ القطع من حيث الطريقية عبارة أُخرى عن كونه ملحوظاً آلياً ، وهو لا يجتمع مع كونه تمام الموضوع ، لأنّ ذلك يستدعي لحاظه الاستقلالي ، ففيه أوّلاً : أنّ لازم ذلك هو عدم اجتماعه مع أخذه جزء الموضوع ، لأنّ ذلك أيضاً يتوقّف على لحاظه الاستقلالي. وثانياً : أنّ اللحاظ الآلي للقطع الطريقي إنّما [ هو ] في وجوده الواقعي أعني مصاديق القطع ، أمّا مفهومه الكلّي فهو استقلالي وإن كان مصداقه آلياً ، وما ذلك إلاّمثل الابتداء المستفاد من لفظ ( من ) في قولك سرت من البصرة ، والابتداء المستفاد من قولك : الابتداء الآلي معنى حرفي ، هذا كلّه.

__________________

(١) فوائد الأُصول ٣ : ١١.

٢٠