دروس تمهيديّة في الفقه الإستدلالي - ج ٤

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

دروس تمهيديّة في الفقه الإستدلالي - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية المطبعة: توحيد
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

كلمة المكتب

الحمدللّه‏ والصلاّة والسلام على أنبياء اللّه‏ ، لاسيما رسوله الخاتم وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.

اما بعد ، لاشك ان اصلاح المناهج الدراسية المتداولة فى الحوزات العلمية والمعاهد الدراسية فى العصر الحاضر ـ الذى عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة ملحّة يقتضيها تطور العلوم وتكاملها عبر الزمان ، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة ، تتوافق مع الطموحات والحاجات الانسانية المتجددة.

وهذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز ، فوضعوا نصب أعينهم اصلاح النظام التعليمى فى قائمة الاولويات بعد ان باتت فاعليته رهن اجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.

ويبدو من خلال هذه الرؤية ان اصلاح النظام الحوزوى ليس امراً بعيد المنال ، إلا انه من دون احداث تغيير فى المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الاصلاحية بالفشل الذريع وستموت فى مهدها.

والمركز العالمى للدّراسات الإسلامية ـ الذّى يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الارض للاغتراف من نمير علوم

٥

أهل البيت ـ عليهم‌السلام ـ شرع فى الخطوات اللازمة لاجراء تغييرات جذرية علي المناهج الدراسية المتبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل ، الامر الذى لاتلبّيه الكتب الحوزوية السائدة؛ ذلك انها لم تؤلف لهدف التدريس ، وانما الفت لتعبر عن افكار مؤلفيها حيال موضوعات مرّ عليها حقبة طويلة من الزمن واصبحت جزءاً من الماضي.

وفضلا عن ذلك فانها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التى يراعى فيها مستوي الطالب ومؤهلاته الفكرية والعلمية ، وتسلسل الأفكار المودعة فيها وأداؤها ، واستعراض الآراء والنظريات الحديثة التى تعبر عن المدى الذى وصلت اليه من عمق بلغة عصرية يتوخى فيها السهولة والتيسير وتذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات وعمق الافكار بعيداً عن التعقيد الذى يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوي.

وانطلاقا من توجيهات كبار العلماء والمصلحين وعلى رأسهم سماحة الامام الراحل ـ قدس‌سره ـ ، وتلبية لنداء قائد الثورة الاسلامية آية ‏اللّه‏ الخامنئى ـ مد ظله الوارف ـ قام هذا المركز بتخويل « مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسية » مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة فى الحوزات العلمية ، ان يضع له خطة عمل لاعداد كتب دراسية تتوفر المزايا السالفة الذكر.

وقد بدت امام المكتب المذكور ـ ولاول وهلة ـ عدة خيارات :

١ ـ اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التى لها مساس بالواقع العملي.

٢ ـ ايجازها وشحنها بآراء ونظريات حديثة.

٣ ـ تحديثها من رأس بلغة عصرية وايداعها افكار جديدة الا ان العقبة الكأداء

٦

التى ظلت تواجه هذا الخيار وقوع القطيعة التامة بين الماضى والحاضر ، بحيث تبدو الافكار المطروحة فى الكتب الحديثة وكأنها تعيش فى غربة عن التراث وللحيلولة دون ذلك ، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة فى قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون وشرحها باسلوب عصرى يجمع بين القديم الغابر والجديد المحدث.

وبناء على ذلك راح المكتب يشمرّ عن ساعد الجدّ ويستعين بمجموعة من الاساتذة المتخصصين لوضع كتب وكراسات فى المواد الدراسية المختلفة ، من فقه واصول وتفسير وكلام ورجال وحديث وأدب وغيرها.

وكانت مادة « الفقه الإستدلالي » بحاجة ماسّة إلى وضع كتاب جديد فيها ، يتناسب مع تطلّعات المركز (للمرحلة التعليمية الأولى بالّلغة العربية) فطلبنا من الأستاذ الكريم ، سماحة الحجّة الشيخ باقر الإيروانى ـ دامت افاضاته ـ تدوين دروس تمهيدية فى الفقه الإستدلالى (٤) ؛ فلبّى رغبتنا مشكوراً وتفضّل بتدوين هذا الكتاب وجعلِه يتوافق مع المطلوب كمّاً وكيفاً.

وختاماً لانشكّ فى أنّ الخطوات الأولى ستصحبها بعض العقبات والنواقص ، إلاّ انّه يمكن تذليلها من خلال البصيرة النافذة وإبداء الآراء البنّاءة من قبل المخلصين من ذوى الخبرة.

المركز العالمى للدراسات الإسلامية

مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسيّة

٧
٨

الأحكام

القضاء

الشهادات

الاقرار

اللقطة

الغصب

الاطعمة والاشربة

الصيد والذباحة

الانفال والمشتركات

الارث

الحدود

القصاص

الديات

٩
١٠

كتاب القضاء

القضاء فى الشريعة

الشروط اللازمة فى القاضى

كيفية القضاء

شروط سماع الدعوى

وسائل الاثبات

احكام عامة فى القضاء

١١
١٢

القضاء فى الشريعة

القضاء واجب كفائي. وهو منصب جليل خطير.

وحكم القاضى نافذ على الجميع ولايجوز نقضه من قبل قاضٍ آخر الاّ مع فرض فقدان الأول للشروط المعتبرة فى القاضي ، أو فرض مخالفة حكمه لما ثبت بنحو القطع من الكتاب والسنّة الشريفين.

والقاضى على نحوين : القاضى المنصوب وقاضى التحكيم. وحكم كليهما نافذ.

وفى جواز أخذ الاُجرة على القضاء خلاف.

والمستند فى ذلك :

١ ـ أمّا أنّ القضاء واجب ، فلتوقف حفظ النظام عليه. مضافاً الى أنّه مقدمة لتحقيق المعروف والانتهاء عن المنكر.

وأما أنّه كفائي ، فلأنّ‏الغرض ـ وهو حفظ النظام ـ يتحقق بتصدى من به الكفاية له.

٢ ـ وأمّا أنّه منصب جليل ، فلأنّه منصب الأنبياء : ( يا داود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) (١) بل هو منصب اشرف الخلق نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنا

__________________

١ ـ سورة ص : ٢٦.

١٣

أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللّه ) (١)

وأما أنّه منصب خطير ، فلما ورد فى حديث النبى صلى‌الله‌عليه‌وآله : « من جُعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين » (٢) و « لسان القاضى بين جمرتين من نار حتى يقضى بين الناس فإما الى الجنة وإما الى النار » (٣).

٣ ـ وأمّا نفوذ حكم القاضى وعدم جواز نقضه حتى من حاكم آخر ، فلمقبولة عمر بن حنظلة : « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة فى دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك؟ قال : من تحاكم اليهم فى حق أو باطل فإنّما تحاكم الى الطاغوت ... قلت : فكيف يصنعان؟ قال : ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فإنّى قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله ... » (٤) ، فإنّ الذيل يدل بوضوح على أنّ الحكم إذا كان على طبق القواعد فعدم قبوله استخفاف بحكم الله سبحانه.

وابن حنظلة وإن لم‏يوثق إلاّ أنّه قد روى عنه صفوان ـ الذى هو أحد الثلاثة ـ بناءً على المشهور من كفاية مثل ذلك. (٥) على أنّ تلقّى الأصحاب للرواية بالقبول قد يورث للفقيه الوثوق بصدورها.

هذا كله إذا لم‏يفترض حلُّ الخصومة بيمين المدّعى عليه ، وإلاّ أمكن أن يضاف الى ذلك التمسك بصحيحة عبد الله بن أبى يعفور عن أبى عبد الله عليه‌السلام : « إذا رضي

__________________

١ ـ النساء : ١٠٥.

٢ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٨ ، باب ٣ من ابواب صفات القاضي ، حديث ٨.

٣ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ١٦٧ ، باب ٢ من ابواب آداب صفات القاضي ، حديث ٢.

٤ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٩٩ ، باب ١١ من ابواب صفات القاضي ، حديث ١.

٥ ـ لاستيضاح الحال راجع كتاب دروس تمهيدية فى القواعد الرجالية : ١٨٤.

١٤

صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أنّ لاحق له قِبَلَهُ ذهبت اليمين بحق المدّعى فلا دعوى له. قلت له : وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال : نعم وإن أقام بعدما استحلفه بالله خمسين قسامة ما كان له وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قِبَلَهُ ممّا قد استحلفه عليه » (١).

٤ ـ وأمّا وجه الاستثناء ، فلأنّ الحكم كلا حكم إذا افترض اختلال الشروط في القاضى أو فى موازين قضائه.

وأما اعتبار أن تكون المخالفة مخالفة لما ثبت اعتباره بنحو القطع ، فلأنّه بدون ذلك يعود الحكم مشمولاً لقوله عليه‌السلام : « فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ... » ، إذ المراد فإذا حكم على طبق الموازين الشرعية التى يؤدى اليها نظره.

٥ ـ وأمّا قسما القاضى ، فيقصد من القاضى المنصوب من كان منصوباً للقضاء من قبل الشرع قبل أن يتراضى عليه المتخاصمان ، ومن قاضى التحكيم القاضى الذي تراضى المتخاصمان على التحاكم اليه وكان نصبه من قبل الشارع فى طول التراضى على التخاصم اليه.

ويدلّ على الاول مقبولة ابن حنظلة المتقدمة حيث قال عليه‌السلام : « فإنى قد جعلته عليكم حاكماً » (٢) وصحيحة أبى خديجة : « .... انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم فإنّى قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه » (٣).

ويدلّ على الثانى صحيح الحلبي : « قلت لأبى عبد الله عليه‌السلام : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة فى الشيء فيتراضيان برجل منّا ، فقال عليه‌السلام : ليس هو ذاك ، إنّما

__________________

١ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ١٧٩ ، باب ٩ من ابواب كيفية الحكم ، حديث ١.

٢ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٩٩ ، باب ١١ من ابواب صفات القاضي ، حديث ١.

٣ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٤ ، باب ١ من ابواب صفات القاضي ، حديث ٥.

١٥

هو الذى يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط » (١).

٦ ـ وأمّا أخذ الاُجرة على القضاء ، فقد قيل بعدم جوازه إما لأنّ القضاء واجب ، وحيثية الوجوب نفسها تمنع من أخذ الاُجرة ، أو لأنّ حيثية القضاء بخصوصها تمنع من ذلك.

أما المنع من الحيثية الاُولي ، فقد ذكرت له عدة تقريبات ، نذكر من بينها ما نقله الشيخ الأعظم فى مكاسبه من أنّ الشيء إذا كان واجباً فهو مملوك لله سبحانه ، ومع كون الشيء مملوكاً للغير فلا يمكن تمليكه لآخر ، إما لأنّ الشيء الواحد لايمكن أن يكون مملوكاً لاثنين فى آنٍ واحد ، أو لأنّ الشخص إذا لم‏يملك فعله ، فلا يمكن أن يملِّكه لغيره ، فإنّ فاقد الشيء لايعطيه. (٢)

وفيه : انّ وجوب الفعل يستدعى الالزام بايجاده دون الملكية الاعتبارية ليلزم ما ذكر.

وأما المنع من الحيثية الثانية فتدل عليه صحيحة عمار بن مروان : « قال أبوعبدالله عليه‌السلام : كل شيء غُل من الإمام فهو سحت. والسحت أنواع كثيرة منها : ما اُصيب من أعمال الولاة الظلمة ، ومنها اُجور القضاء واُجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر ... » (٣).

وقد يضاف الى ذلك أنّه قد علم من مذاق الشارع إرادته لصدور القضاء بنحو المجانية؛ لأنّه من شوؤن تبليغ الرسالة وقد قال تعالي : ( قل لا اسألكم عليه اجراً ... ) (٤).

__________________

١ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٥ ، باب ١ من ابواب صفات القاضي ، حديث ٨.

٢ ـ كتاب المكاسب : ١ / ١٨٦ ـ ١٨٧.

٣ ـ وسائل الشيعة : ١٢ / ٦٤ ، باب ٥ من ابواب ما يكتسب به ، حديث ١٢.

٤ ـ الشورى : ٢٣.

١٦

الشروط اللازمة فى القاضى

يلزم فى القاضي : البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، وطهارة المولد ، والعدالة ، والايمان والاجتهاد ، بل والأعلمية فى قول.

والمستند فى ذلك :

١ ـ أمّا اعتبار البلوغ ، فلأن الوارد فى صحيحة أبى خديجة المتقدمة عنوان الرجل : « قال أبو عبدالله عليه‌السلام : انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ... » (١) ، واللقب وإن لم‏يكن له مفهوم إلاّ أنّه لوروده مورد التحديد لمن نصب شرعاً للقضاء يثبت له ذلك.

٢ ـ وأمّا اعتبار العقل ، فللمقيّد المتصل اللبّي.

٣ ـ وأمّا اعتبار الذكورة ، فلما تقدم فى وجه اعتبار البلوغ.

ولاينبغى أن يفهم من هذا تفضيل الاسلام للرجل على المرأة ، فإنّ الجميع من‏حيث الكرامة بدرجة واحدة ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (٢) ، ( فاستجاب لهم ربُّهم انى لا اُضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو اُنثي ) (٣) ، بل ذلك تمييز فى الوظائف على أساس ما يملكه كلّ واحد من الصنفين من تركيبة طبيعيّة خاصة به.

ويبقى اضافة الى ذلك نظام الاُسرة بحاجة الى حنان الاُم ونشاطها البيتى أكثر من حاجة وظائف الدولة لها بعد إمكان تصدى الرجل لها بشكل أتم.

__________________

١ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ٤ ، باب ١ من ابواب صفات القاضي ، حديث ٥.

٢ ـ الحجرات : ١٣.

٣ ـ آل عمران : ١٩٥.

١٧

٤ ـ وأمّا اعتبار طهارة المولد ، فلا خلاف فيه(١) إما لانصراف صحيحة أبى خديجة المتقدمة الى غير ولد الزنا ـ كما قيل ـ أو لأنّ عدم قبول شهادة ولد الزنا وإمامته فى الصلاة يفهم منه عدم قبول الشارع لقضائه بالأولوية العرفية.

ولا ينبغى أن يفهم من هذا تحميل الاسلام الوزر على الولد البري‏ء ، فإنّ عدم منحه الوظائف إما وليد عدم تفاعل المجتمع مع ولد الزنا الذى هو أثر وضعي للجريمة التى ارتكبها الزاني ، وهو الذى يتحمل وزرها ، أو وليد بعض السلبيات الكامنة فى ولد الزنا التى تسبب الزانى اليها.

٥ ـ وأمّا اعتبار العدالة ، فهو إما لما ذكره السيد اليزدى قدس‌سره وغيره من كون الفاسق ظالماً لنفسه ، والترافع اليه نحو ركون اليه ، وقد قال تعالي : ( ولا تركنوا الى الذين ظلموا ) (٢) ، أو لأنّ القضاء منصب رفيع وخطير لايحتمل منحه لغير العادل الذى لايؤمن انحرافه ، أو لأنّ غير العادل إذا لم‏تقبل شهادته ، فبالأولى لايقبل قضاؤه.

٦ ـ وأمّا اعتبار الإيمان ، فلصحيحة أبى خديجة بل ومقبولة ابن حنظلة المتقدمتين.

٧ ـ وأمّا اعتبار الاجتهاد ، فلأنّ عنوان « روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا » الوارد فى مقبولة ابن حنظلة المتقدمة لايصدق إلاّ على المجتهد.

أجل ، لايبعد فى حالة اتساع دائرة الحكومة الاسلامية وعدم كفاية عدد المجتهدين لإدارة القضاء ثبوت الحق للحاكم الشرعى فى نصب غير المجتهد للقضاء حفظاً للنظام من الاختلال.

__________________

١ ـ جواهر الكلام : ٤٠ / ١٣.

٢ ـ العروة الوثقي : ٣ / ٥.

١٨

بل إنّ فكرة حفظ النظام من الاختلال قد يتمسك بها لإثبات نصب القاضى من قبل الشريعة بلا حاجة الى التمسك بمقبوله ابن حنظلة.

٨ ـ وأمّا اعتبار الأعلمية فهو إما لما ورد فى عهد الإمام عليه‌السلام للأشتر : « اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك » (١) ، أو لأنّ حكم العقل القطعى بترجيح الأعلم أشبه بالقرينة اللبّية المتصلة المانعة من انعقاد الإطلاق فى مثل مقبولة ابن حنظلة ، فيعود نصب غير الأعلم لادليل يدل عليه.

كيفية القضاء

اذا طرحت دعوى فى مال على الحاكم فيلزمه لأجل القضاء فيها تشخيص المدّعى وتمييزه عن المدّعى عليه ، ثم ملاحظة جواب الثاني ، وهو لايخلو :

أ ـ إمّا أنّ يعترف بكون الحق مع المدّعي ، فيُلزمه الحاكم بذلك.

ب ـ أو ينكر فيطالب الحاكم المدّعى بالبينة فإن لم‏يقمها حلف المدّعى عليه وتسقط بذلك الدعوي. وإن لم‏يحلف وردّ اليمين على المدّعى وفرض حلفه تثبت بذلك الدعوي.

وإن نكل عن كلا الأمرين ـ الحلف والرد ـ ففى القضاء عليه بمجرد ذلك أو بشرط ردّ الحاكم اليمين على المدّعى وحلفه خلاف.

ج ـ أو يسكت ـ أى لايعترف ولاينكر ـ فالحكم كما فى حالة الانكار ، بَيْدَ أنّه إذا كان يدّعى الجهل بالحال فبإمكان المدّعى طلب احلافه على نفى العلم إن لم‏يصدقه فى دعواه الجهل.

وفى الحالتين الأخيرتين إذا حلف المدّعى عليه ، فلا تسمع البيّنة بعد ذلك من المدّعي

__________________

١ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ١٦٣ ، باب ٨ من ابواب آداب القاضي ، حديث ٩.

١٩

حتى لدى حاكم آخر ، كما لاتحق له المقاصّة أيضاً.

والحاكم لايحق له طلب الحلف من المدّعى عليه إلاّ بعد طلب المدّعى احلافه.

والمستند فى ذلك :

١ ـ أمّا لزوم تشخيص المدّعى وتميزه عن المدّعى عليه فلكى يطالب المدّعي بالبينة مع فرض انكار المدّعى عليه ، فإن أقامها ثبت ما ادّعاه ، وإلاّ حلف المدّعي عليه وسقطت الدعوي ، لصحيحة جميل وهشام عن أبى عبدالله عليه‌السلام : « قال رسول ‏الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه » (١) وغيرها.

٢ ـ وأمّا أنّ الحاكم يلزم المدّعى عليه مع اعترافه ، فلحجية الاقرار.

٣ ـ وأمّا أنّ الحاكم يطالب المدّعى بالبينة عند انكار المدّعى عليه ، فللصحيحة المتقدمة وغيرها.

٤ ـ وأمّا أنّ المدّعى عليه بالخيار بين الحلف ، فتسقط الدعوى الموجهة اليه وبين ردّه اليمين على المدّعى فيلزم عند حلفه ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام : « الرجل يدعى ولابينة له ، قال : يستحلفه ، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حقّ له » (٢) وغيرها.

٥ ـ وأمّا الخلاف فى القضاء بمجرد النكول عن الأمرين أو بشرط ردّ الحاكم اليمين على المدّعى وحلفه ، فالمعروف فيه هو الاحتمال الثاني.

وقد استدل السيد اليزدى وآخرون على ذلك بالبيانين التاليين :

أ) التمسك بالأصل المقتضى لعدم نفوذ قضاء أى شخص فى حق غيره ، والقدر

__________________

١ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ١٧٠ ، باب ٢ من ابواب كيفية الحكم ، حديث ١.

٢ ـ وسائل الشيعة : ١٨ / ١٧٦ ، باب ٧ من ابواب كيفية الحكم ، حديث ١.

٢٠