مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المطبعة: مهر
نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

وبه نستعين

الحمد لله المحمود لآلائه ، المشكور لنعمائه ، المعبود لكماله ، المرهوب لجلالة ، الذي ارتفع شأنه عن مشابهة الأنام ، وتقدّس بكمال ذاته عن إحاطة دقائق الأفهام ، وتعالى في عظمته عن أن تبلغ كنه حقيقته الأوهام ، وأفاض سحائب الإفضال على جميع البرية فشملهم سوابغ الأنعام أحمده على ما منحه من إرشاده وهدايته ، وأسأله العصمة من الشيطان الرجيم وغوايته. وأصلي على أشرف من بعثه ببرهانه وآيته ، وجعله سيد متحملي رسالته ، سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صاحب شريعته ودلالته ، وعلى ابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، المختار لأخوّته ووصيته وخلافته ، وعلى الأئمّة من ذريته وعترته وسلالته.

وبعد فإنّ أحقّ الفضائل بالتعظيم ، وأحراها باستحقاق التقديم ، وأتمّها في استجلاب ثوابه الجسيم هو العلم بالأحكام الشرعية والوظائف الدينية ، إذ به تحصل السعادة الأبدية ، ويتخلص من الشقاوة السرمدية ، فوجب على كل مكلّف صرف الهمة‌

٣

إليه وإنفاق هذه المهلة اليسيرة عليه ، هذا وإنّ الله يقول في كتابه المكنون ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (١).

وكما ان كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام من مصنفات الإمام المحقق ، والنحرير المدقق ، أفضل المتقدمين والمتأخرين ، نجم الملة والدين ـ سقى الله ضريحه مياه الرضوان ورفع قدره في فراديس الجنان ـ من أشرف الكتب الفقهية ، وأحسن المصنفات الفرعية ، لما فيه من التنبيهات الجليلة الجلية ، والتلويحات الدقيقة الخفية ، كذلك شرحه للمولى الأعظم والإمام المعظم ، قدوة العلماء الراسخين وأفضل المتأخرين ، جدي العلامة الشهيد الثاني ـ قدس الله نفسه الزكية وأفاض على تربته المراحم الربانية ـ كتاب جليل الشأن ، رفيع المكان ، لم ير مثله في كتب الأولين ، ولم تسمح بما يدانيه أفكار المتأخرين ، ولذلك تداولته الفضلاء في جميع الأمصار ، واشتهر بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار.

غير أنّه ـ قدس‌سره ـ سلك في أوائله (٢) مسلك الاختصار ، فبقيت رموز تلك المحال مستورة على حالها ، ومخفيات كنوزها لم يظفر ناظر بمحالها ، فالتمس منّي بعض إخواني في الدين أن أفصّل ما أجمله ، واستوفي ما أهمله ، فاستخرت الله تعالى ، وبادرت إلى مقتضى إرادته ، خوفا من الإخلال بمفترض إجابته.

وكان غاية مقصودي في هذا التعليق إنما هو تحرير المسائل الشرعية ، واستخراجها من أدلتها التفصيلية ، معرضا عن تطويل المقال بما يرد على العبارات من القيل والقال ، راجيا من الله تعالى حسن التوفيق ، وإصابة الحق بالتحقيق.

__________________

(١) الذاريات : (٥٦).

(٢) في « م » : أوله.

٤

كتاب الطّهارة

______________________________________________________

قوله ـ قدس الله نفسه وطهر رمسه ـ : كتاب الطهارة.

الكتاب مصدر ثالث لكتب (١) من الكتب وهو : الجمع قال جمع من المفسرين (٢) : المراد بقوله سبحانه ( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ) (٣) جمعه في قلوبهم حتى (٤) آمنوا بجميع ما يجب عليهم أي : استكملوا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون ( نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) (٥).

وهو هنا إما بمعنى المفعول مثل : خلق الله أي مخلوقة ، فيكون بمعنى المكتوب في الطهارة. ( أو بمعنى ما يفعل به ، كالنظام لما ينظم به ، فيكون بمعنى ما يجمع به الطهارة ) (٦) أو يكون منقولا ( عرفيا ) (٧).

وقد عرّفه شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في بعض فوائده بأنه اسم لما يجمع به المسائل المتحدة بالجنس المختلفة بالنوع.

قال : والمقصد اسم لما يطلب فيه المسائل المتحدة في النوع المختلفة في الصنف ، ومثله الباب والفصل. والمطلب هو المائز بين المسائل المتحدة في الصنف المختلفة في الشخص.

وما ذكره ـ رحمه‌الله ـ غير مطرد. والحق أنّ هذه أمور اصطلاحية ومناسبات‌

__________________

(١) أي أحد المصادر الثلاثة لكتب ، قال في الصحاح ( ١ : ٢٠٨ ) كتبت كتبا ، وكتابا ، وكتابة.

(٢) منهم القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ( ١٧ : ٣٠٨ ).

(٣) المجادلة : (٢٢).

(٤) في « س » : حين.

(٥) النساء : (١٥٠).

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٧) ليست في « م ».

٥

______________________________________________________

اعتبارية لا ينبغي المشاحة فيها. وغاية ما يستفاد من ملاحظة استعمالاتهم (١) أنّ المناسبة المعتبرة بين مسائل المقصد والفصل والمطلب ينبغي أن تكون أتم مما يعتبر بين مسائل الكتاب.

والطهارة لغة : النظافة والنزاهة ، قال الله تعالى ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢).

ذكر المفسرون : أن الطهارة هنا تأكيد للمعنى المستفاد من ذهاب الرجس ، ومبالغة في زوال أثره بالكلية (٣). والرجس في الآية مستعار للذنوب ، كما أنّ الطهارة مستعارة للعصمة منها.

وقد استعملها الشارع في معنى آخر مناسب للمعنى اللغوي مناسبة السبب للمسبب ، وصارت حقيقة عند الفقهاء ، ولا يبعد كونه كذلك عند الشارع أيضا على تفصيل ذكرناه في محله.

واختلف الأصحاب في المعنى المنقول إليه لفظ الطهارة عندهم ، فمنهم من أطلقها على المبيح للعبادة من الأقسام الثلاثة ، دون إزالة الخبث ، لأنه أمر عدمي ، والطهارة من الأمور الوجودية (٤). ومنهم من أطلقها على إزالة الخبث أيضا. وربما ظهر من كلام بعض المتقدمين إطلاقها على مطلق الوضوء والغسل والتيمم ، سواء كانت مبيحة أم لا (٥). والأكثرون على الأول.

__________________

(١) في « س » : اصطلاحهم.

(٢) الأحزاب : (٣٣).

(٣) لاحظ تفسير غرائب القرآن ( هامش جامع البيان للطبري ) ( ٢٢ : ١٠ ) ، وتفسير أبي السعود ( ٧ : ١٠٣ ).

(٤) منهم المحقق في الشرائع ( ١ : ١ ) ، والعلامة في التحرير : (٤) والشهيد الثاني في المسالك ( ١ : ٢ ).

(٥) كما في السرائر : (٦).

٦

الطهارة اسم للوضوء أو الغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة. [١] وكل واحد منها ينقسم إلى واجب ومندوب.

______________________________________________________

ومن الإشكال العام أنهم يعتبرون في التعريف قيد الإباحة ثم يقسّمون الطهارة إلى واجبة ومندوبة ، ويقسّمون المندوبة إلى ما ( ترفع وما لا ترفع ، وما ) (١) تبيح وما لا تبيح فيدخلون في التقسيم ما لا يدخلونه في التعريف ، واللازم من ذلك إما اختلال التعريف أو فساد التقسيم ، ولا مخلص من ذلك إلاّ بالتزام كون المقسم أعم من المعرف.

وكيف كان فالأمر في ذلك هيّن ، إذ لا جدوى له فيما يتعلق بالعمل إلاّ فيما ندر ، كالنذر على بعض الوجوه.

وإنما المهم في هذه المسألة بيان المبيح من الأنواع الثلاثة ، وسيأتي البحث فيه مفصلا إن شاء الله تعالى.

قوله : الطهارة اسم للوضوء أو الغسل أو التيمم ، على وجه له تأثير في استباحة الصلاة.

يلوح من قوله : « اسم » أنّ التعريف لفظي على قانون أهل اللغة ، وهو تبديل اسم باسم آخر أظهر منه.

وربما ظهر من التعريف مقولية الطهارة على جزئياتها بطريق الاشتراك ( لا الحقيقة والمجاز ، ولا التواطؤ والتشكيك ) (٢) وإن احتملتهما أيضا على بعد.

وقد أورد على هذا التعريف أمور :

منها : أنه مشتمل على الترديد ، وهو مناف للتحديد.

وجوابه : أن الترديد إنما يوجب نقصا في التعريف إذا كان بمعنى أنّ الحد إما هذا أو ذاك ، والترديد هنا في أقسام المحدود لا في نفس الحد.

__________________

(١) ما بين القوسين من « ق » و « ح ».

(٢) بدل ما بين القوسين في « م ، ح ، ق » : أو الحقيقة والمجاز لا التواطؤ والتشكيك.

٧

فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة ،

______________________________________________________

وتحقيق ذلك : أنّه إذا وقع في الحد ترديد وتقسيم فإن أريد به أنّ حد هذا الشي‌ء إما هذا المفهوم أو هذا المفهوم (١) فهو معيب عندهم ، وإن أريد به أنّ حد هذا الشي‌ء هو هذا المفهوم ، لكن ما يصدق عليه هذا الحد قسمان أو أكثر ، وأشير إلى ذلك في ضمن التحديد ، فهو مقبول عندهم.

والحاصل : أنّ الحد في الحقيقة هو مفهوم أحدها ولا ترديد فيه.

ومنها : أنّ الطهارة جنس لكل واحد من الأنواع الثلاثة ، فتعريفها بها تعريف للجنس بالنوع ، وهو دور.

وجوابه ـ بعد تسليم الجنسية ـ أنّ التعريف لا يعتبر فيه أخذ الجنس إلاّ إذا أريد به التحديد ، أما مطلق التعريف الشامل للرسم فلا ، وحينئذ فيمكن رسم النوع على وجه لا يتوقف على الجنس ، فينتفي الدور.

ومنها : أنه إن أراد بكل من الثلاثة موضوعه الشرعي أغنى عن قيد التأثير ، لأنه لا يكون إلاّ مؤثرا ، وإن أراد اللغوي استعمل المجاز الشرعي.

وجوابه : اختيار الشق الأول ومنع الحصر. وفي المقام أبحاث قليلة الفائدة بالنظر إلى ما هو المقصود من هذا التعليق.

قوله : فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة.

إنما قيّد الصلاة بالواجبة ، لعدم وجوب الوضوء للنافلة وإن كان شرطا فيها ، إذ لا يتصور وجوب الشرط لمشروط غير واجب ، ولأنه يجوز تركه لا إلى بدل ، ولا شي‌ء من الواجب كذلك.

وقد توهم بعض من لا تحقيق له وجوب الوضوء للنافلة ، لتوجه الذم إلى تاركه إذا أتى‌

__________________

(١) كذا في الأصل ، والأنسب : أمّا هذا المفهوم أو ذاك.

٨

______________________________________________________

بالنافلة في تلك الحال. وهو خطأ ، فإنّ الذم إنما يتوجه إلى الفعل المذكور لا الترك ، وأحدهما غير الآخر.

نعم قد يطلق على هذا النوع من الندب اسم الواجب تجوّزاً ، لمشابهته الواجب في أنه لا بد منه بالنسبة إلى المشروط ، وإن كان في حد ذاته مندوبا ، ويعبر عنه بالوجوب الشرطي إشارة إلى علاقة التجوّز.

وهذا الحكم ـ أعني وجوب الوضوء للصلاة الواجبة ـ مجمع عليه بين المسلمين ، بل الظاهر أنه من ضروريات الدين. ويندرج في الصلاة الواجبة ، اليومية وغيرها من بقية الصلوات الواجبة. ولا حاجة إلى استثناء صلاة الجنازة من ذلك ، إذ الحق أنّ اسم الصلاة إنما يقع حقيقة على ذات الركوع والسجود ، أو ما قام مقامهما ، كما سيجي‌ء بيانه إن شاء الله تعالى.

وألحق بالصلاة أجزاؤها المنسيّة ، لأنّ شرط الكل شرط لجزئه وسجود السهو ، لأنه مكمّل للصلاة ، وهو أحوط ، وإن كان في تعيّنه نظر ، لضعف مأخذه.

واعلم : أنّ المعروف من مذهب الأصحاب أنّ الوضوء إنما يجب بالأصل عند اشتغال الذمة بمشروط به ، فقبله لا يكون إلاّ مندوبا ، تمسكا بمفهوم قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) (١) وليس المراد نفس القيام وإلاّ للزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وهو باطل بالإجماع ، بل المراد ـ والله أعلم ـ : إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، إطلاقا لاسم المسبب على السبب ، فإنه مجاز مستفيض.

وقول أبي جعفر عليه‌السلام في صحيحة زرارة : « إذا دخل الوقت وجب الطهور‌

__________________

(١) المائدة : (٦).

٩

______________________________________________________

والصلاة » (١) والمشروط عدم عند عدم الشرط.

ويتوجه على الأول : أنّ أقصى ما تدل عليه الآية الشريفة ترتب الأمر بالغسل والمسح على إرادة القيام إلى الصلاة ، والإرادة تتحقق قبل الوقت وبعده ، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام إلى الصلاة ، وإلاّ لما كان الوضوء في أول الوقت واجبا بالنسبة إلى من أراد الصلاة في آخره.

وعلى الثاني : أنّ المشروط وجوب الطهور والصلاة معا ، وانتفاء هذا المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزأيه ، فلا يتعين انتفاؤهما معا.

وحكى الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى قولا بوجوب الطهارات أجمع بحصول أسبابها ، وجوبا موسعا لا يتضيق إلاّ بظن الوفاة ، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها (٢).

ويشهد له إطلاق الآية وكثير من الأخبار ، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : « إنّ عليا عليه‌السلام كان يقول : من وجد طعم النوم قاعدا أو قائما فقد وجب عليه الوضوء » (٣).

وصحيحة زرارة حيث قال فيها : « فإن نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء » (٤).

وموثقة بكير بن أعين ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه قال : « إذا استيقنت أنك‌

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ٢٢ ـ ٦٧ ) ، التهذيب ( ٢ : ١٤٠ ـ ٥٤٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٦١ ) أبواب الوضوء ب (٤) ح (١).

(٢) الذكرى : (٢٣). قال : والراوندي وجماعة على وجوبه ( الغسل ) لا بشرط ـ إلى أن قال ـ وربما قيل بطرد الخلاف في كل الطهارات لأن الحكمة ظاهرة في شرعيتها مستقلة.

(٣) الكافي ( ٣ : ٣٧ ـ ١٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٨ ـ ١٠ ) والاستبصار ( ١ : ٨٠ ـ ٢٥٢ ) مع اختلاف يسير ، الوسائل ( ١ : ١٨١ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (٩).

(٤) التهذيب ( ١ : ٨ ـ ١١ ) مع اختلاف يسير ، الوسائل ( ١ : ١٧٤ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (١).

١٠

أو طواف واجب ،

______________________________________________________

أحدثت فتوضأ » (١).

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، إنه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك؟ فقال عليه‌السلام : « إذا فرغ فليغتسل » (٢).

وصحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال : « إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة ، فإن خرج فيها شي‌ء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم تر شيئا فلتغتسل » (٣).

ويؤيده خلو الأخبار بأسرها من هذا التفصيل مع عموم البلوى به ، وشدة الحاجة إليه. ولو قلنا بعدم اشتراط نية الوجه ـ كما هو الوجه ـ زال الإشكال من أصله ، وعندي أن هذا هو السر في خلو الأخبار من ذلك ، فتأمل.

قوله : أو طواف واجب.

هذا الحكم إجماعي أيضا على ما نقله جماعة (٤) ، ويدل عليه روايات كثيرة ، كصحيحة محمد بن مسلم قال : سألت أحدهما عليهما‌السلام عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهر قال : « يتوضأ ويعيد طوافه ، وإن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين » (٥)

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٣٣ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٠٢ ـ ٢٦٨ ) بلفظ آخر ، الوسائل ( ١ : ١٧٦ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (٧).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٧٢ ـ ١١٣٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠١ ) أبواب الجنابة ب (٢٥) ح (٤).

(٣) الكافي ( ٣ : ٨٠ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ١٦١ ـ ٤٦٠ ) ، الوسائل ( ٢ : ٥٦٢ ) أبواب الحيض ب (١٧) ح (١).

(٤) منهم الشيخ في الخلاف ( ١ : ٤٤٦ ) ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : (٥٧٨) ، والعلامة في المنتهى : (٦٩٠).

(٥) الكافي ( ٤ : ٤٢٠ ـ ٣ ) ، الفقيه ( ٢ : ٢٥٠ ـ ١٢٠٢ ) ، التهذيب ( ٥ : ١١٦ ـ ٣٨٠ ) ، الإستبصار ( ٢ : ٢٢٢ ـ ٧٦٤ ) ، الوسائل ( ٩ : ٤٤٤ ) أبواب الطواف ب (٣٨) ح (٣).

١١

أو لمسّ كتابة القرآن إن وجب. والمندوب ما عداه.

______________________________________________________

واستدل عليه جماعة من المتأخرين (١) بقوله عليه‌السلام : « الطواف بالبيت صلاة » (٢) وهو غير جيد ، لأن سنده قاصر ومتنه مجمل.

ويستفاد من الرواية المتقدمة : عدم توقف الطواف المندوب على الطهارة ، وهو كذلك على الأصح.

قوله : أو لمسّ كتابة القرآن إن وجب.

لمّا ثبت أنّ وجوب الوضوء لغاية إنما يكون مع وجوبها ، وكانت هذه الغاية لا تجب غالبا إلاّ بسبب من قبل المكلف ، كنذر وما يجري مجراه ، شرط المصنف في وجوبه وجوبها ، تنبيها على ندور الفرض.

ولا يخفى أنّ وجوب الوضوء للمسّ مبني على القول بتحريمه على المحدث ، وسيأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى.

قوله : والمندوب ما عداه.

لم يتعرض المصنف ـ رحمه‌الله ـ لبيان ما يستحب له الوضوء ، والذي يجتمع من الأخبار (٣) وكلام الأصحاب أنه يستحب للصلاة والطواف المندوبين ، ومسّ كتاب الله تعالى ، وقراءته ، وحمله ، ودخول المساجد ، واستدامة الطهارة ، وهو المراد بالكون عليها ، وللتأهب لصلاة الفريضة قبل دخول وقتها ليوقعها في أول الوقت ، وللتجديد ، وصلاة الجنازة ، وطلب الحوائج ، وزيارة قبور المؤمنين ، وما لا يشترط فيه الطهارة من مناسك الحج ، وللنوم ويتأكد في الجنب ، وجماع المحتلم قبل الغسل ، وذكر الحائض ، وجماع المرأة الحامل ، مخافة مجي‌ء الولد أعمى القلب ، بخيل اليد بدونه ، وجماع غاسل الميت ولما‌

__________________

(١) كما في التذكرة ( ١ : ٣٦١ ) ، والروض : (١٤).

(٢) عوالي اللئالي ( ٢ : ١٦٧ ) ، وسنن النسائي ( ٥ : ٢٢٢ ) ، وسنن الدارمي ( ٢ : ٤٤ ).

(٣) الوسائل (١) : أبواب الوضوء ب ( ٤ ، ٦ ، ٨ ) إلى (١٤).

١٢

______________________________________________________

يغتسل ، وإذا كان الغاسل جنبا ، ولمريد إدخال الميت قبره ، ووضوء الميت مضافا إلى غسله على قول (١) ، ولإرادة وطء الجارية بعد وطء اخرى ، وبالمذي في قول قوي (٢) ، والرعاف ، والقي‌ء ، والتخليل المخرج للدم إذا كرهها الطبع ، والخارج من الذّكر بعد الاستبراء ، والزيادة على أربعة أبيات شعر باطل ، والقهقهة في الصلاة عمدا ، والتقبيل بشهوة ، ومس الفرج ، وبعد الاستنجاء بالماء للمتوضئ قبله ولو كان قد استجمر.

وقد ورد بجميع ذلك روايات (٣) ، إلاّ أنّ في كثير منها قصورا من حيث السند. وما قيل من أنّ أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه ، لأن الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الأحكام ، وتفصيل القول في ذلك يقتضي بسطا في الكلام وسيجي‌ء جملة منه إذا اقتضاه المقام إنشاء الله تعالى.

والمستفاد من الأخبار الصحيحة المستفيضة (٤) رجحان المسارعة إلى فعل الطهارة المائية متى حصل شي‌ء من أسبابها ، وأنه لا يعتبر فيها قصد شي‌ء سوى امتثال أمر الله تعالى بها خاصة.

واعلم : أنّ الظاهر من مذهب الأصحاب جواز الدخول في العبادة الواجبة المشروطة بالطهارة بالوضوء المندوب الذي لا يجامع الحدث الأكبر مطلقا (٥) ، وادّعى بعضهم عليه‌

__________________

(١) كما في القواعد ( ١ : ١٨ ).

(٢) كما في المختلف : (١٨).

(٣) الوسائل ( ١ : ١٨٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٦) ، وص (١٩٠) ب (٨) ، وص (١٩١) ب (٩) ، وص (١٩٥) ب (١٢) ، وص (١٩٩) ب (١٣) ، وص (٢٠٩) ب (١٨).

(٤) الوسائل ( ١ : ٢٦٨ ) أبواب الوضوء ب (١١) وفي ص (٤٦٩) أبواب الجنابة ب (٦) ، إرشاد القلوب : (٦٠) ب (١٣) ، أمالي المفيد : (٦٠) ( المجلس السابع ).

(٥) ذكر هذا القيد لأجل إخراج مثل وضوء الحائض والجنب وغيرهما من الوضوءات التي تجامع الحدث الأكبر.

١٣

______________________________________________________

الإجماع (١) ، واستدل عليه بأنه متى شرع الوضوء كان رافعا للحدث ، إذ لا معنى لصحة الوضوء إلاّ ذلك ، ومتى ثبت ارتفاع الحدث انتفى وجوب الوضوء قطعا.

وفيه بحث ، لجواز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه وإن لم يقع رافعا ، كما في الأغسال المندوبة عند الأكثر (٢). ( ويعضده عموم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « وإنما لكل امرئ ما نوى » (٣) ) (٤).

والأجود الاستدلال عليه بعموم ما دلّ على أنّ الوضوء لا ينتقض إلاّ بالحدث ، كقوله عليه‌السلام في صحيحة إسحاق بن عبد الله الأشعري : « لا ينقض الوضوء إلاّ حدث » (٥) وفي صحيحة زرارة : « لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من طرفيك ، والنوم » (٦) وغير ذلك من الأخبار الكثيرة (٧).

ويؤيده ما رواه عبد الله بن بكير في الموثق عن أبيه ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ ، وإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت » (٨).

__________________

(١) منهم ابن إدريس في السرائر : (١٧) ، والعلامة في المنتهى ( ١ : ٧٣ ).

(٢) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط ( ١ : ٤٠ ) ، والعلامة في تحرير الأحكام ( ١ : ١١ ) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (١٨) ، والسيوري في التنقيح الرائع ( ١ : ١٢٩ ).

(٣) التهذيب ( ١ : ٨٣ ـ ٢١٨ ) مع اختلاف يسير ، الوسائل ( ١ : ٣٤ ) أبواب مقدمة العبادات ب (٥) ح (١٠) ، وأيضا ( ٧ : ٧ ) باب وجوب النية ب (٢) ح (١٢).

(٤) ما بين القوسين ليس في « س » و « ق ».

(٥) التهذيب ( ١ : ٦ ـ ٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٧٩ ـ ٢٤٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٠ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٤).

(٦) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٦ ـ ٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٧٩ ـ ٢٤٤ ) الوسائل ( ١ : ١٧٩ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (١).

(٧) الوسائل ( ١ : ١٧٩ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣).

(٨) الكافي ( ٣ : ٣٣ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٠٢ ـ ٢٦٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٦ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (٧).

١٤

والواجب من الغسل ما كان لأحد الأمور الثلاثة ، أو لدخول المساجد أو لقراءة العزائم إن وجبا.

______________________________________________________

قوله : والواجب من الغسل ما كان لأحد الأمور الثلاثة ، أو لدخول المساجد أو لقراءة العزائم إن وجبا.

لا يخفى أنّ الغسل إنما يجب لدخول المساجد الواجب إذا حصل معه اللبث ، في غير مسجد مكة والمدينة ، لما سيأتي إن شاء الله تعالى من إباحة الاجتياز للجنب في المساجد عدا هذين المسجدين.

وربما ظهر من إطلاق العبارة : وجوب الغسل لهذه الأمور الخمسة في جميع الأحداث الموجبة له ، وهو مشكل.

وتفصيل المسألة : إنه لا خلاف في وجوب غسل الجنابة لكل من هذه الأمور الخمسة على ما نقله جماعة (١).

كما أنه لا خلاف في وجوب غسل الحيض للغايات الثلاث المتقدمة. والمشهور من مذهب علمائنا وجوبه لدخول المساجد ، وقراءة العزائم أيضا استصحابا للمنع من ذلك إلى أن يتحقق الجواز ، وتمسكا بإطلاق الروايات المانعة من ذلك.

وقوى بعض متأخري الأصحاب عدم الوجوب واكتفى في جواز ذلك لها بانقطاع الدم ، لانتفاء التسمية بعده عرفا ، بل ولغة أيضا ـ وإن قلنا أن المشتق لا يشترط في صدقه بقاء أصله ـ كما في مثل الكافر والمؤمن ، والحلو والحامض ، كما قرر في محله ( قال : ولهذا جاز طلاقها قبل الغسل ، ووطؤها ، وصومها في قول قوي ) (٢) (٣).

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : (١٦) ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ( ١ : ٧٠ ).

(٢) لم نعثر على هذا النص ويستفاد ذلك المعنى من مجمع الفائدة ( ١ : ١٥٠ ) حيث قال فيه : وأما عدم صحة الطلاق مع الشرط المذكور ، فالظاهر أنه حال الدم. وكذا تحريم اللبث. وكذا تحريم قراءة العزائم.

(٣) ما بين القوسين زيادة من « م » و « ح ».

١٥

وقد يجب إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه بقدر ما يغتسل الجنب ،

______________________________________________________

وما ذكره غير بعيد إلاّ أنّ المشهور أقرب.

وأما النفساء فقيل : إنها كالحائض إجماعا.

وأما غسل الاستحاضة ، فوجوبه للصلاة والطواف موضع وفاق. وفي المس قولان ، أظهرهما العدم ، وفي دخول المساجد وقراءة العزائم إشكال ، والأصح عدم توقفهما على الغسل ، لأنه الأصل ، ولدلالة بعض الأخبار عليه ، كما سيجي‌ء بيانه إن شاء الله تعالى.

وأما غسل المس فلم أقف على ما يقتضي اشتراطه في شي‌ء من العبادات ، ولا مانع من أن يكون واجبا لنفسه ، كغسل الجمعة والإحرام عند من أوجبهما. نعم إن ثبت كون المس ناقضا للوضوء اتجه وجوبه للأمور الثلاثة المتقدمة ، إلاّ أنه غير واضح.

وقد استدل عليه (١) بعموم قوله عليه‌السلام : « كل غسل قبله وضوء إلاّ غسل الجنابة » (٢) وهو مع عدم صحة سنده (٣) غير صريح في الوجوب كما اعترف به جماعة من الأصحاب (٤) ، ومعارض بما هو أصح منه ، وسيجي‌ء تتمة الكلام في هذه المسائل مفصلا إن شاء الله تعالى.

قوله : وقد يجب إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه بمقدار ما يغتسل الجنب.

أشار بقوله : « وقد يجب » إلى أنّ وقوع ذلك نادر ، وذلك لأن ضبط المكلف الوقت‌

__________________

(١) كما في التذكرة ( ١ : ٥٩ ) ، ومجمع الفائدة ( ١ : ١٢٦ ).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٥ ـ ١٣ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٩ ـ ٣٩١ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٦ ـ ٤٢٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٥١٦ ) أبواب الجنابة ب (٣٥) ح (١).

(٣) لعل وجه عدم صحة السند هو الإرسال وإن كان المرسل هو ابن أبي عمير ، وقد صرح بذلك في ص (٣٥٨) من هذا الكتاب.

(٤) منهم المحقق في المعتبر ( ١ : ٢٥٨ ) ، والعلامة في المختلف : (٤٢) ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ( ١ : ١٢٨ ).

١٦

______________________________________________________

على هذا الوجه من الأمور النادرة.

ومقتضى العبارة : أنّ المكلف إذا أراد تقديمه وكانت ذمته بريئة من مشروطة بالطهارة ، نوى الندب إن اعتبرنا الوجه. وهو كذلك بناء على القول بأنّ وجوبه لغيره.

ورجح بعض مشايخنا المعاصرين جواز إيقاعه بنية الوجوب من أول الليل وإن قلنا بوجوبه لغيره ، وكأنه أراد به الوجوب الشرطي ، وإلاّ فالوجوب بالمعنى المصطلح منتف على هذا التقدير قطعا.

وهذا الحكم أعني : وجوب الغسل للصوم مذهب أكثر علمائنا (١) ، ويدل عليه روايات كثيرة ، كصحيحة أحمد بن محمد ، عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان ، أو أصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا ، قال : « يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه » (٢).

وصحيحة معاوية بن عمار ، عن الصادق عليه‌السلام ، قال ، قلت : فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح ، قال : « فليقض ذلك اليوم عقوبة » (٣) ، ونحوه روى الحلبي (٤) ، ومحمد بن مسلم في الصحيح أيضا (٥) عن الصادق عليه‌السلام.

ونقل عن ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ القول بعدم الوجوب (٦) ، ومال إليه شيخنا‌

__________________

(١) منهم الشيخ في المبسوط ( ١ : ٢٧١ ) ، وابن إدريس في السرائر : (٨٤) ، والعلامة في القواعد ( ١ : ٢ ) ، والشهيد الأول في البيان : (٣) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (١٦).

(٢) التهذيب ( ٤ : ٢١١ ـ ٦١٤ ) ، الإستبصار ( ٢ : ٨٦ ـ ٢٦٨ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤٢ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٥) ح (٤).

(٣) التهذيب ( ٤ : ٢١٢ ـ ٦١٥ ) ، الإستبصار ( ٢ : ٨٧ ـ ٢٧١ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤١ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٥) ح (١).

(٤) الكافي ( ٤ : ١٠٥ ـ ١ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤٢ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٦) ح (١).

(٥) الكافي ( ٤ : ١٠٥ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ٤ : ٢١١ ـ ٦١٣ ) ، الإستبصار ( ٢ : ٨٦ ـ ٢٧٠ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤١ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٥) ح (٣).

(٦) الفقيه ( ٢ : ٧٤ ـ ٣٢٢ ).

١٧

______________________________________________________

المعاصر (١) ، تمسكا بظاهر قوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ) (٢) الآية. وصحيحة حبيب الخثعمي ، عن الصادق عليه‌السلام قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ، ثم يجنب ، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر » (٣).

وجوابه : أنّ ظاهر الآية مخصوص بما نقلناه من الأخبار. والرواية المذكورة محمولة على التقية ، لأنه عليه‌السلام أسند ذلك إلى عائشة على ما ورد في بعض الأخبار (٤) ، أو التعجب. ويمكن حمل الفجر فيها على الأول. وكيف كان فالمذهب هو الأول.

وأورد على العبارة أمران :

الأول : إن مقتضى العبارة وجوب الغسل لصوم الجنب مطلقا وليس كذلك ، فإن من نام بنية الغسل حتى طلع الفجر لا يخاطب بوجوب الغسل ، ومثله من لم يعلم بالجنابة قبل طلوعه ، أو تعذر عليه الغسل.

وجوابه : انتفاء ما يدل على العموم في العبارة فلا محذور. أو يقال : أنّ الوجوب إنما يتوجه إلى من كان متأهلا له ، والنائم وغير العالم ومن تعذر عليه الغسل لا يمكن توجه الخطاب إليهم بذلك في تلك الحال.

والثاني : صوم الحائض والنفساء ـ في إيجاب الغسل ـ كصوم الجنب سواء ، فلا وجه لتخصيص الجنب بالذكر.

__________________

(١) مجمع الفائدة ( ١ : ٧١ ).

(٢) البقرة : (١٨٧).

(٣) التهذيب ( ٤ : ٢١٣ ـ ٦٢٠ ) ، الإستبصار ( ٢ : ٨٨ ـ ٢٧٦ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤٤ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٦) ح (٥).

(٤) التهذيب ( ٤ : ٢١٠ ـ ٦١٠ ) ، الاستبصار ( ٢ : ٨٥ ـ ٢٦٦ ) ، ورواية أخرى في ص ( ٨٨ ـ ٢٧٥ ) الوسائل ( ٧ : ٣٩ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (١٣) ح (٦).

١٨

ولصوم المستحاضة إذا غمس دمها القطنة. والمندوب ما عداه.

______________________________________________________

وجوابه : أنّ من يجب عليه الغسل غير مذكور في العبارة صريحا ، فيمكن تناوله للجميع. مع أنّ المصنف في المعتبر تردد في مساواتهما للجنب في ذلك (١) ، نظرا إلى ضعف النص الوارد به وهو رواية أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إن طهرت بليل من حيضها ، ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت ، عليها قضاء ذلك اليوم » (٢). وسيجي‌ء تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

قوله : ولصوم المستحاضة إذا غمس دمها القطنة.

التقييد بالغمس يشمل حالتيها الوسطى والعليا ، ويخرج القليلة.

والمشهور بين الأصحاب (٣) توقف صومها على الأغسال النهارية ، أعني غسل صلاة الفجر وغسل صلاة (٤) الظهرين ، سواء حدث الموجب له قبل الفجر أم بعده. وعدم توقف الصوم الماضي على غسل الليلة المستقبلة لسبق انعقاده. وفي توقفه على غسل الليلة الماضية احتمالات ثالثها : إن قدمت غسل الفجر ليلا أجزأها عن غسل العشاءين ، وإلاّ بطل الصوم.

والأصل في هذه الأحكام ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار ، قال ، كتبت إليه : امرأة طهرت من حيضها ، أو من دم نفاسها في أول شهر رمضان ، ثم استحاضت وصلّت وصامت في شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين ، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ قال : « تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأمر فاطمة عليها‌السلام

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ٢٢٦ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٩٣ ـ ١٢١٣ ) ، الوسائل ( ٧ : ٤٨ ) أبواب ما يمسك عنه الصائم ب (٢١) ح (١).

(٣) منهم المحقق في المعتبر ( ٢ : ٦٨٣ ) ، والشهيد الأول في الذكرى : (٣١) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (٨٦).

(٤) ليست في « ح ».

١٩

والواجب من التيمم ما كان لصلاة واجبة عند تضيّق وقتها ، وللجنب في أحد المسجدين ليخرج به ،

______________________________________________________

والمؤمنات من نسائه بذلك » (١).

ويمكن الطعن في هذه الرواية من حيث السند بجهالة المكتوب إليه ، ومن حيث المتن بمخالفتها لما عليه الأصحاب من

وجوب قضاء الصوم دون الصلاة ، ومع ذلك فإنما تدل على وجوب قضاء الصوم بترك جميع الأغسال.

وظاهر الشيخ في المبسوط التوقف في هذه الأحكام (٢) ، حيث أسندها إلى رواية الأصحاب ، وهو في محله.

قوله : والواجب من التيمم ما كان لصلاة واجبة عند تضيق وقتها.

سيأتي تردد المصنف في اشتراط تضيّق الوقت ، وأنّ الظاهر جوازه مع السعة إذا كان العذر غير مرجو الزوال. ولا يخفى أنّ الصلوات الواجبة غير المؤقتة خارجة من العبارة ، فلو أسقط الظرف وما بعده كان أشمل.

قوله : وللجنب في أحد المسجدين ليخرج به.

هذا مذهب أكثر علمائنا (٣) ، ومستنده صحيحة أبي حمزة قال ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : « إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم ، ولا يمر في المسجد إلاّ متيمّما » (٤).

ونقل عن ابن حمزة القول بالاستحباب (٥) ، وهو ضعيف.

__________________

(١) التهذيب ( ٤ : ٣١٠ ـ ٩٣٧ ) ، الوسائل ( ٢ : ٥٩٠ ) أبواب الحيض ب (٤١) ح (٧).

(٢) المبسوط ( ١ : ٦٨ ).

(٣) منهم العلامة في القواعد ( ١ : ٣ ) ، والشهيد الأول في الدروس : (١) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (١٩).

(٤) التهذيب ( ١ : ٤٠٧ ـ ١٢٨٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٥ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (٦).

(٥) الوسيلة : (٧٠).

٢٠