بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الحديث وعلومه الناشر: مؤسسة الوفاء
نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

٤٩

(باب )

* ( نادر في ذكر مذاهب الذين خالفوا الفرقة المحقة في القول ) *

* ( بالائمة الاثنى عشر صلوات الله عليهم ) *

قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول فيما نقل عنه السيد المرتضى : الامامية هم القائلون بوجوب الامامة والعصمة ووجوب النص ، وإنما حصل لها هذا الاسم في الاصل لجمعها في المقالة هذه الاصول ، فكل من جمعها إمامي ، وإن ضم إليها حقا في المذهب ـ كان ـ أم باطلا ، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الائمة وفي فروع ترجع إلى هذه الاصول وغير ذلك فأول من شذ (١) عن الحق من فرق الامامية الكيسانية وهم أصحاب المختار ، وإنما سميت بهذا الاسم لان المختار كان اسمه أولا الكيسان ، وقيل : إنه سمي (٢) بهذا الاسم لان أباه حمله وهو صغير ، فوضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه‌السلام قالوا : فمسح يده على رأسه وقال : كيس كيس ، فلزمه هذا الاسم ، وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين عليه‌السلام وأمره بالطلب بثاراته ، وسماه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه ، وهذه الحكايات في معنى اسمه في الكيسانية خاصة ، وأما نحن فلا نعرف لم سمي بهذا (٣) ولا نتحقق معناه.

____________________

(١) أى خالف.

(٢) في المصدر : انما سمى.

(٣) في المصدر : وهذه الحكايات في اسمه عن الكيسانية خاصة ، فأما نحن فلا نعرف له الا أنه سمى بهذا.

١

وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين عليه‌السلام ابن خولة الحنفية ، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر بالحق (١) ، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين عليه‌السلام له يوم البصرة : أنت ابني حقا ، وأنه كان صحاب رايته كما كان أمير المؤمنين عليه‌السلام صاحب راية رسول الله (ص) ، وكان ذلك عندهم دليلا (٢) على أنه أولى الناس بمقامه ، واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لن تنقضي ، الايام والليالي حتى يبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، واسم أبيه اسم أبي ، يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا « قالوا : وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه‌السلام عبدالله بقوله : « أنا عبدالله وأخو رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر » وتعلقوا في حياته أنه إذا ثبت إمامته بأنه القائم فقد بطل أن يكون الامام غيره ، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الارض من حجة ، ولابد (٤) على صحة هذه الاصول من حياته.

وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا كان الامام بعد الحسن والحسين عليهما‌السلام وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول : إن محمدا كان الامام بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام ويبطل إمامة الحسن والحسين ، ويقول : إن الحسن إنما دعا في باطن الدعون إلى محمد بأمره! وإن الحسين ظهر بالسيف بإذنه ، وإنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله! وحكي عن بعضهم أن محمدا رحمه‌الله عليه مات وحصلت الامامة من بعده في ولده ، وأنها انتقلت من ولده إلى ولد العباس بن عبدالمطلب ، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول : إن عبدالله بن محمد حي لم يمت (٥) وأنه القائم ، وهذه حكاية شاذة ، وقيل : إن منهم من يقول : إن محمدا قد مات وإنه يقوم بعد الموت وهو المهدي ،

____________________

(١) في المصدر : حتى يظهر الحق.

(٢) في المصدر : وكان ذلك عندهم الدليل ا ه.

(٣) في المصدر : وأخو رسول الله.

(٤) في المصدر : فلابد.

(٥) في المصدر : لا يموت.

٢

وينكر حياته ، وهذا أيضا قول شاذ ، وجميع ما حيكينا بعد الاول من الاقوال هو حادث ألجا القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم الحق ، والاصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد أخويه عليهما‌السلام والقطع على حياته وأنه القائم ، مع أنه لا بقية للكيسانية جملة ، وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته.

وكان من الكيسانية أبوهاشم إسماعيل بن محمد الحميري رحمه‌الله (١) ، وله في مذهبهم أشعار كثيرة ، ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه (٢) ودان بالحق ، لان أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما‌السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته ، فاستجاب له وقال بنظام الامامة ، وفارق ما كان عليه من الضلالة ، وله في ذلك أيضا شعر معروف ، فمن بعض قوله في إمامة محمد ومذهب الكيسانية قوله :

ألا حي المقيم بشعب رضوى

وأهدله بمنزلة السلاما (٣)

أضر بمعشر والوك منها

وسموك الخليفة والاماما

وعادوا فيك أهل الارض طرا

مقامك عندهم سعبين عاما

لقد أضحى بمورق شعب رضوى

تراجعه الملائكة الكلاما

وما ذاق ابن خولة طعم موت

ولا وارت له أرض عظاما

وإن له بها لمقيل صدق

وأندية يحدثه الكراما

وله أيضا ـ وقد روى عبدالله بن عطاء بن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنه قال : أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفضت يدي من تراب قبره فقال ـ :

نبئت أن ابن عطاء روى

وربما صرح بالمنكر

لما روى أن أبا جعفر

قال ولم يصدق ولم يبرر

____________________

(١) في المصدر : الحميرى الشاعر رحمه‌الله.

(٢) في المصدر : وتبرأ منه.

(٣) رضوى ـ بفتح اوله وسكون ثانية ـ جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع على مسيرة يوم منها يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية مقيم به حى يرزق ـ هدل الشئ : ارسله إلى اسفل وارخاه. وفى المصدر : وأهله. وفيه بعد هذا البيت :

وقل يا ابن الوصى فدتك نفسى

أطلت بذلك الجبل المقاما

٣

دفنت عمي ثم غادرته (١)

صفيح لبن وتراب ثرى

ما قاله قط ولو قاله

قلت اتقاء من أبي جعفر

حواست جمع كن

حواست جمع كن

حواست جمع كن

حواست جمع كن

وله عند رجوعه إلى الحق (٢)

تجعفرت باسم الله والله أكبر

وأيقنت أن الله يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت دانيا

به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت له هبني تهودت برهة

وإلا فديني دين من يتنصر

فلست بغال ما حييت وراجعا (٣)

إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر

ولا قائلا قولا لكيسان بعدها

وإن عاب جهال مقالي وأكبروا

ولكنه عني مضى لسبيله

على أحسن الحالات يقفى ويؤثر (٤)

وكان كثير عزة كيسانيا ومات على ذلك ، وله في مذهب الكيسانية قوله :

ألا إن الائمة من قريش

ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه

هم الاسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط أيمان وبر

وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى

يقود الخيل يقدمها اللواء

يغيب فلا يرى فيهم زمانا

برضوى عنده غيل وماء (٦)

قال الشيخ أدام الله عزه : وأنا أعترض على أهل هذه الطائفة مع اختلافها في مذاهبها بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني الحجاج دون استيعاب ذلك وبلوغ الغاية ، إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب الشاذة

____________________

(١) غادره : تركه وأخفاه. (٢) في المصدر بعد ذلك : وفراقه الكيسانية.

(٣) غادره : وراجع. (٤) في المصدر بعد ذلك : ولكنه من قد مضى لسبيله.

(٥) هو كثير بن عبدالرحمان بن الاسود بن عامر الخزاعى ، اخباره مع عزة بنت جميل الضمرية كثيرة حتى انه انتسب اليها واشتهر بهذا الاسم ( الاغانى ٢٥٨ ).

(٦) الغيل : الماء الجارى على وجه الارض وسيأتى له معنى آخر في البيان. وفى المصدر : عسل وماء.

٤

النظام عن الامامة (١) في هذا الكتاب ، وإنما غرضي حكايتها ، فأحببت أن لا اخليها من رسم لمع من الحجج (٢) على ما ذكرت وبالله التوفيق.

مما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رحمة الله عليه أنه لو كان على ما زعموا إماما معصوما يجب على الامة طاعته ، لوجب النص عليه أو ظهور العلم الدال على صدقه ، إذا العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة ، وإنما تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر (٣) أو بدليله على ذلك ، وفي عدم النص على محمد من الرسول (ص) أو من أبيه عليه‌السلام أو من أخويه عليهما‌السلام أيضا (٤) دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته ، وكذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته أن لو كان ادعاها (٥) برهان على ما ذكرناه ، مع أن محمدا لم يدع قط الامامة لنفسه ، ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك فيه ، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثار الحسين عليه‌السلام وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته ، عن ذلك وصحته ، فأنكره وقال لهم : والله ما أمرته بذلك لكني لا ابالي أن يأخذ بثارنا كل أحد ، وما يسوؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا ، فاعتمد السائلون له على ذلك ـ وكانوا كثيرة قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعيينه على ما ذكره أهل السير ـ ورجعوا ، فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام ولم ينصروه على القول بإمامة أبي القاسم ، ومن قرأ الكتب وعرف الآثار وتصفح الاخبار وما جرى عليه أمر المختار لم يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه ، فكيف يصح القول بإماة محمد مع ما وصفناه؟

فأما ما تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين عليه‌السلام له يوم البصرة وقد أقدم بالراية : « أنت ابني حقا » فإنه جهل منهم بمعاني الكلام وعجرفة في النظر

____________________

(١) في المصدر : الشاذة عن النظام عن الامامة.

(٢) في المصدر : يبلغ من الحجج.

(٣) في المصدر : المطلع على السرائر.

(٤) ليست كلمة « ايضا » في المصدر.

(٥) كذا في النسخ ، وفى المصدر. اذ لو كان ادعاؤها برهانا اه.

٥

والحجاج ، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان ، ولا من تأويله على شئ من اللغات ، ولا فصل بين من ادعى أن الامامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد منه وبين من زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه ، إذ تعريه من الامرين جميعا على حد واحد.

فإن قال منهم قائل : إن أمير المؤمنين عليه‌السلام لما كان إماما وقال لابنه محمد : « أنت ابني حقا » دل ذلك (١) على أنه إنما شبهه به في الامامة لا غير وكان (٢) هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما رتبناه ، قيل له : لم زعمت (٣) أنه لما أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد التشبيه له بنفسه في الامامة دون غير هذه الصفة من صفاته عليه‌السلام وما أنكرت (٤) أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما ذكرت؟ فإن قال : إنه لم يجر في تلك الحال (٥) ذكر الصورة ولا ما يقتضي (٦) أن يكون أراد تشبيهه به فيها بالاضافة التي ذكرها ، فكيف يجوز حمل كلامه على ذلك؟ قيل له : وكذلك لم يجر في تلك الحال للامامة ذكر فيكون إضافته له إلى نفسه (٧) بالذكر دليلا على أنه أراد تشبيهه به فيها (٨).

على أن لكلامه عليه‌السلام معنى معقولا لا يذهب عنه (٩) منصف ، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى كشف أهل البصرة فأبان من شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا سر بذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام فأحب أن يعظمه (١٠) ويمدحه على فعله فقال له : « أنت ابني حقا » يريد عليه‌السلام به أنك أشبهتني في الشجاعة والبأس والنجدة (١١) ، وقيل

____________________

(١) في المصدر : دل ذلك.

(٢) في المصدر : فكان.

(٣) في المصدر : على حسب ما بيناه ، قيل لهم : لم زعمتم اه.

(٤) اى : لم أنكرت ، وكذا فيما سيأتى ( ب ).

(٥) في المصدر : في تلك الحالة.

(٦) اى ولم يجر في المقام ما يقتضى. وفى المصدر : ولا يقتضى.

(٧) في المصدر : فتكون اضافته إلى نفسه.

(٨) اى في الامامة.

(٩) أى لا يعرض عنه.

(١٠) في المصدر : ان يعظمه بذلك.

(١١) النجدة : الشجاعة. الشدة والبأس.

٦

من أشتبه أباه (١) فما ظلم ، وقيل : إن من نعمة الله (٢) على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه ، فكان الغرض المفهوم من قول أمير المؤمنين عليه‌السلام التشبيه لمحمد به في الشجاعة ، والشهادة له بطيب المولد ، والقطع على طهارته ، والمدحة له بما تضمنه الذكر من إضافته ، ولم يجر للامامة ذكر ولا كان هناك سبب يقتضي حمل الكلام على معناها ، ولا تأويله على فائدة يقتضيها ، وإذا كان الامر على ما وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب.

ثم يقال لهم : فإن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال في ذلك اليوم بعينه في ذلك الموطن نفسه بعد أن قال لمحمد المقال الذي رويتموه (٣) للحسن والحسين عليهما‌السلام وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه لمحمد : « وأنتما ابنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » فإن كان إضافة محمد رحمه‌الله إليه بقوله : « أنت ابني حقا » يدل على نصه عليه فإضافة الحسن والحسين إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يدل على أنه قد نص على نبوتهما! إذ كان الذي أضافهما إليه نبيا ورسولا وإماما ، فإن لم يجب ذلك بهذه الاضافة لم يجب بتلك ما ادعوه ، وهذا بين لمن تأمله.

وأما اعتمادهم على إعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير المؤمنين عليه‌السلام عند ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته فإن فعل النبي (ص) ذلك وإعطاءه أمير المؤمنين عليه‌السلام الراية لا يدل على أنه الخليفة من بعده ، ولو دل على ذلك لزم (٤) أن يكون كل من حمل الراية في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منصوصا عليه بالامامة! وكل صاحب راية كان لامير المؤمنين عليه‌السلام مشارا إليه بالخلافة! وهذا جهل لا يرتكبه عاقل ، مع أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد إماما للحسن والحسين عليهما‌السلام وأن لا تكون لهما إمامة البتة ، لانهما لم يحملا الراية وكانت الراية له دونهما ، وهذا قول لا يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ما حكيناه ، وقول اولئك ينتقض (٥) بالاتفاق على قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحسن والحسين : « ابناي هذان إماما قاما أو قعدا » وبالاتفاق على وصية أمير المؤمنين

____________________

(١) في المصدر : وقد قيل : إن من أشبه أباه اه.

(٢) في المصدر : إن من نعم الله.

(٣) في المصدر : رسموه.

(٤) في المصدر : لوجب.

(٥) في ( م ) و ( د ) منتقض. وفى المصدر : منقوض.

٧

إلى الحسن ووصية الحسن إلى الحسين عليهم‌السلام وبقيام الحسن عليه‌السلام بالامامة بعد أبيه ، ودعائه الناس إلى بيعته على ذلك ، وبقيام الحسين عليه‌السلام من بعده وبيعة الناس له على الامر (١) دون محمد حتى قتل ، من غير رجوع من هذا القول ، مع قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيهما الدال على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول : « ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ».

وأما تعلقهم بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لن تنقضي الايام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي » إلى آخر الكلام فإن بإزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ، وهم أولى به منهم ، لان أبا محمد كان اسمه المعروف به عبدالله ، وكان أمير المؤمنين اسمه عليا ، وإنما انضاف إلى الله بالعبودية (٢) ، وإن كان لاضافته في هذا الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه ، ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه في حجاج هؤلاء القوم ، مع أن الامامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع ، لان صاحبهم اسمه اسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنيته كنيته ، وأبوه عبد من عبيد الله ، وهم يقولون بالعصمة وجميع اصول الامامة ، ويضمون مع الاخبار الواردة بالنصوص على الائمة ، وينقلون فضائل من تقدم القائم من آبائه عليهم‌السلام ومعجزاتهم وعلومهم التي بانوابها من الرعية ، ولا يدفعون ضرورة من موت حي ، ولا يقدمون على تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل ، والكيسانية بالضد (٣) مما حكيناه ، فلا معتبر بتعلقهم بظاهر لفظ قد تحدثته الفرق ، إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ولم يأت القوم بشئ منه فيكون عذرا لهم فيما صاروا إليه.

وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم على ذلك أنه القائم من آل محمد فإنا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه ، فسقط بسقوطه وبطلانه ، ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على ابنه الصادق عليهما‌السلام بالامامة ،

____________________

(١) في المصدر : بالامر.

(٢) في المصدر بعد ذلك : كما انضاف جميع العباد إلى الله بالعبودية.

(٣) في المصدر : على الضد.

٨

ونص الصادق على ابنه موسى ، (١) ونص موسى على علي ، وبظاهر الخبر عمن ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم ، والمعجزات المنبئة عن حقهم (٢) وصدقهم ، مع الخبر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنص عليهم من حديث اللوح ، وما رواه عبدالله بن مسعود ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم ، وقد أجمع من ذكرناه بأسرهم والائمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت أبي القاسم ، وليس يصح أن يكون هؤلاء باطلا ، ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم يقطع العذر بنقله ، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم ، بل لا نجد أحدا منهم جملة ، وإنما مع الناس (٣) الحكاية عنهم خاصة ، ومن كان بهذه المنزلة لم يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا ، لانه لو كان كذلك لما بطلت الحجة عليه بانقراض أهله ، وعدم تواترهم ، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل لم يحتج الله به على أحد ، ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه.

قال الشيخ أدام الله عزه : ثم لم تزل الامامة على القول بنظام الامامة حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما‌السلام فقال فرقة منها : أن أبا عبدالله حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، لانه القائم المهدي وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبدالله عليه‌السلام أنه قال : « إن جاءكم من يخبركم عني بأنه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه » وهذه الفرقة تسمى الناووسية ، وإنما سميت بذلك لان رئيسهم في هذه المقالة رجل من أهل البصرة يقال له عبدالله بن ناووس.

وقالت فرقة اخرى : إن أبا عبدالله عليه‌السلام توفي ونص على ابنه إسماعيل بن جعفر ، وإنه الامام بعده ، وهو القائم المنتظر ، وإنما لبس على الناس في أمره لامر رآه أبوه.

____________________

(١) في المصدر : على ابنه الكاظم.

(٢) في المصدر : عن حقوقهم.

(٣) في المصدر : وانما يقع من الناس.

٩

وقال فريق منهم : إن إسماعيل قد كان توفي على الحقيقة في زمن أبيه ، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد ، وكان (١) الامام بعده ، وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية ، فنسبهم إلى القرامطة برجل من أهل السواد يقال له قرمطويه ، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر ، والقرامطة أخلاف المباركية والمباركية سلفهم.

وقال فريق من هولاء : إن الذي نص على محمد بن إسماعيل هو الصادق عليه‌السلام دون إسماعيل ، وكان ذلك الواجب عليه ، لانه أحق بالامر بعد أبيه من غيره ، ولان الامامة لا يكون في أخوين بعد الحسن والحسين ، وهؤلاء الفرق الثلاث هم الاسماعيلية ، وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة إسماعيل ، فأما علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا : كان إسماعيل أكبر ولد جعفر ، وليس يجوز أن ينص على غير الاكبر ، قالوا : وقد أجمع من خالفنا على أن أبا عبدالله نص على إسماعيل ، غير أنهم ادعوا أنه بدالله فيه ، وهذا قول لا نقبله منهم.

وقالت قرقة اخرى : إن أبا عبدالله توفي وكان الامام بعده محمد بن جعفر ، واعتلوا في ذلك بحديث تعلقوا به ، وهو أن أبا عبدالله على ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو صبي صغير ، فعدا إلى فكبا (٢) في قميصه ووقع لوجهه (٣) ، فقام إليه أبوعبدالله فقبله ومسح التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال : سمعت أبي يقول : إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي ، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى سنته (٤) ، وهذه الفرقة تسمى السبطية (٥) لنسبتها إلى رئيس لها كان يقال له : يحيى بن أبي السبط (٦).

____________________

(١) في المصدر : فكان.

(٢) اى انكب.

(٣) في المصدر : ووقع لحر وجهه.

(٤) بعد ذلك : وشبيه على.

(٥) بعد ذلك : الشمطية ( السمطية خ ل ).

(٦) بعد ذلك : لنسبتها إلى رجل يقال له يحيى بن ابى السمط وهو رئيسهم.

١٠

وقالت فرقة اخرى : إن الامام بعد أبي عبدالله ابنه عبدالله بن جعفر ، واعتلوا في ذلك بأنه كان أكبر ولد أبي عبدالله ، وأن أبا عبدالله عليه‌السلام قال : الامامة لا تكون إلا في الاكبر من ولد الامام! وهذه الفرقة تسمى الفطحية ، وإنما سميت بذلك لان رئيسا لها يقال له عبدالله بن أفطح ، ويقال : إنه كان أفطح الرجلين (١) ، ويقال : بل كان أفطح الرأس ، ويقال : إن عبدالله كان هو الافطح.

قال الشيخ أدام الله عزه : فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبدالله عليه‌السلام ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة ، لان العلم بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله ، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين لوفاة أمير المؤمنين عليه‌السلام وبين من أنكر مقتل الحسين عليه‌السلام ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم ، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبدالله عليه‌السلام ، وأما الخبر الذي تعلقوا به فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ، ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات ، على أنه يقال لهم : ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما صدر من أبي عبدالله عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم من موته في تلك الاحوال ، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق ، ويحذرهم من قبول أقوال المرجفين به (٢) المؤدية إلى الفساد ، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع الازمان ، وأن يكون على العموم في كل حال ، ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون بعده وأنه يتأخر عنهم فقال : « من جاءكم من هؤلاء » فقد جاء في بعض الاسانيد « من جاءكم منكم » وفي بعضها « من جاءكم من أصحابي » وهذا يقتضي الخصوص.

وله وجه آخر وهو أنه عنى بذلك كل الخلق ما سوى الامام القائم من بعده لانه ليس يجوز أن يتولى غسل الامام وتكفينه ودفنه إلا الامام القائم مقامه عليه‌السلام إلا أن تدعو ضرروة إلى غير ذلك ، فكأنه أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع القائم من بعده عن

____________________

(١) الافطح : العريض.

(٢) أرجف : خاض في الاخبار السيئة والفتن قصد أن يهيج الناس.

١١

تولي أمره بنفسه ، وإذا كان الخصوص قد يكون في كتاب الله عزوجل مع ظاهر القول للعموم وجاز أن يخص القرآن ويصرف عن ظواهره على مذهب أصحاب العموم بالدلائل فلم لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبدالله عليه‌السلام إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء باب الضرورات ، وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله ، مع أنه لا بقية للناووسية ، ولم يكن في الاصل أيضا كثرة ، ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم ، ولا قرئ لهم كتاب ، وإنما هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض ، وفي هذا كفاية عن الاطالة في نقضه.

وأما ما اعتلت به الاسماعيلية من أن إسماعيل ـ رحمه‌الله ـ كان الاكبر وأن النص يجب أن يكون الاكبر فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الاكبر باقيا بعد الوالد ، فأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده فليس يجب ما ادعوه ، بل لا معنى للنص عليه ، ولو وقع لكان كذبا ، لان معنى النص أن المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به ، وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة ، ويكون (١) النص حينئذ عليه كذبا لا محالة ، وإذا علم الله سبحانه أنه يموت قبل الاول وأمره باستخلافه كان الامر بذلك عبثا مع كون النص كذبا ، لانه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب.

وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه فإنهم ادعوا في ذلك باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأن أبا عبدالله عليه‌السلام نص على ابنه إسماعيل ، ولا روى راو ذلك في شاذ من الاخبار ولا في معروف منها ، وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبدالله ينص عليه لانه أكبر أولاده ، وبما كانوا يرونه من تعظيمه ، فلما مات إسماعيل زالت ظنونهم وعلموا أن الامامة في غيره فتلعق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا ، وادعوا أنه قد وقع النص ، وليس معهم في ذلك خبر ولا أثر (٢) يعرفه أحد من نقله الشيعة ، وإذا كان

____________________

(١) المصدر : فيكون.

(٢) المصدر : أثر ولا خبر.

١٢

معتمدهم على الدعوى المجردة عن البرهان فقد سقط بما ذكرناه.

فأما الرواية عن أبي عبدالله عليه‌السلام من قوله : « ما بدالله في شئ كما بداله في إسماعيل » فإنها على غير ما توهموه أيضا من البداء في الامامة ، وإنما معناها ما روي عن أبي عبدالله عليه‌السلام أنه قال : « إن الله عزوجل كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين ، فسألته فيه فرقا (١) ، فما بداله في شئ كما بداله في إسماعيل » يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا فصرفه عنه بمسألة أبي عبدالله عليه‌السلام فأما الامامة فإنه لا يوصف الله عزوجل بالبداء فيها (٢) وعلى ذلك إجماع فقهاء الامامية ، ومعهم فيه أثر عنهم عليهم‌السلام أنهم قالوا : « مهما بدالله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ عهده بالايمان عن إيمانه » وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد بطل أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه وجعلوه دلالة على نص أبي عبدالله عليه‌السلام على إسماعيل.

فأما من ذهب إلى إمام محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فإنه منتقض القول فاسد الرأي ، من قبل أنه إذا لم يثبت لاسماعيل إمامة في حياة أبي عبدالله عليه‌السلام لاستحالة وجود إمامين بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في زمان واحد لم يجز أن يثبت إمامة محمد ، لانها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام ، وذلك فاسد في النظر الصحيح.

وأما من زعم بأن أبا عبدالله عليه‌السلام نص على محمد بن إسماعيل بعد وفاة أبيه فإنهم لم يتعلقوا في ذلك بأثر ، وإنما قالوه قياسا على أصل فاسد ، وهو ما ذهبوا إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل (٣) ، فزعموا أن العدل يوجب بعد موت إسماعيل النص على ابنه لانه أحق الناس به ، وإذا كنا قد بينا عن بطلان قولهم فيما ادعوا من النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا عليه الكلام ، على أنه لو ثبت ما ادعوه من نص ابي عبدالله على ابنه إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من بعده ، لان الامامة والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الاموال ولو كانت كذلك

____________________

(١) في المصدر : فعفا عن ذلك.

(٢) المصدر : وأما الامامة فانه لا يوصف الله عزوجل فيه بالبداء.

(٣) المصدر : على ابنه إسماعيل. فيكون مرجع الضمير أبا عبدالله عليه‌السلام.

١٣

لاشترك فيها ولد الامام ، وإذا لم تكن موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن أوجبت المصلحة إمامته فقد بطل أيضا هذا المذهب.

وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر ، عليه‌السلام بعد أبيه فإنهم شذاذ جدا ، قالوا بذلك زمانا مع قلة عددهم وإنكار الجماعة عليهم ، ثم انقرضوا حتى لم يبق منهم أحد يذهب إلى هذا المذهب ، وفي ذلك بطلان مقالتهم (١) ، لانها لو كانت حقا لما جاز أن يعدم الله تعالى أهلها (٢) كافة حتى لم يبق (٣) منهم من يحتج بنقله ، مع أن الحديث الذي رووه لا يدل على ما ذهبوا إليه لو صح وثبت ، فكيف وليس هو حديثا معروفا ولا رواه محدث مذكور ، وأكثر ما فيه عند ثبوت الرواية أنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا يقطع على الله عزوجل بصحتها ، ولو كان صحيحا أيضا لما كان من متضمنه (٤) دليل الامامة ، لان مسح أبي عبدالله التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ولا عادة. وكذلك قوله : « إن أبي أخبرني أن سيولد لي ولد يشبهه ، وإنه أمره بتسميته باسمه ، وإنه أخبره أنه يكون على سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) » ولا في مجموع هذا كله دلالة على الامامة في ظاهر قول وفعل ولا في تأويله ، وإذا لم يكن في ذلك في دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه ، مع أن محمد بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته ، وتسمى بإمره المؤمنين! ولم يتسم بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب ، ولا خلاف بين أهل الامامة أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام فقد أتى منكرا ، فكيف يكون هذا على سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٦) ، لو لا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمد الكذب.

وأما الفطحية فإن أمرها أيضا واضح ، وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمن تأمله ، وذلك أنهم لم يدعوا نصا من أبي عبدالله عليه‌السلام على عبدالله ، وإنما عملوا على ما رووه من أن

____________________

(١) في المصدر : ابطال مقالتهم.

(٢) في المصدر : لما جاز لله أن يعدم أهلها.

(٣) في المصدر : لا يبقى.

(٤) في المصدر : في متضمنه.

(٥) في المصدر : على شبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(٦) في المصدر : شبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

١٤

الامامة تكون في الاكبر ، وهذا حديث لم يرو قط إلا مشروطا ، وهو أنه قد ورد أن الامامة تكون في الاكبر ما لم تكن به عاهة ، وأهل الامامة القائلون بإمامة موسى عليه‌السلام متواترون بأن عبدالله كان به عاهة في الدين ، لانه كان يذهب إلى مذهب المرجئة الذين يقفون في علي عليه‌السلام وعثمان ، وأن أبا عبدالله عليه‌السلام قال وقد خرج من عنده عبدالله : « هذا مرجئ كبر؟ » وأنه دخل عليه يوما (١) وهو يحدث أصحابه فلما رآه سكت حتى خرج ، فسئل عن ذلك فقال : أو ما علمتم أنه من المرجئة؟ هذا مع أنه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة ، ولا روي عنه شئ من الحلال والحرام ، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الاحكام ، وقد ادعى الامامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها ولا تأتى للجواب ، فأي علة أكثر مما ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل؟ مع أنه لو لم يكن علة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النص عنه ، ولو لم يكن قد صرفه عنه لاظهر فيه ، ولو أظهر لنقل وكان معروفا في أصحابه ، وفي عجز القوم عن التعلق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه.

قال الشيخ أدام الله عزه : ثم لم تزل الامامية بعد من ذكرناه على نظام الامامة حتى قبض موسى بن جعفر عليهما‌السلام فافترقت بعد وفاته فرقا ، قال جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ودانوا بالنص على وسلكوا الطريقة المثلى (٢) في ذلك ، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي حسن موسى عليه‌السلام ، وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر وقال فريق منهم : أنه قد مات وسيبعث وهو القائم بعده ، واختلفت الواقفة في الرضا عليه‌السلام ومن قام من آل محمد بعد أبي الحسن موسى عليه‌السلام (٣) فقال بعضهم : هؤلاء خلفاء أبي الحسن وامراؤه وقضاته إلى أوان خروجه ، وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا الامامة قط ، وقال الباقون : إنهم ضالون مخطؤون ظالمون ، وقالوا في الرضا عليه‌السلام خاصة قولا عظيما ، وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده! وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى

____________________

(١) في المصدر : وانه دخل عليه عبدالله يوما.

(٢) مؤنت الامثل : الافضل.

(٣) في المصدر : واختلفت الواقفة في الرضا عيله السلام بعد أبيه أبى الحسن موسى عليه‌السلام.

١٥

قول سخيف جدا ، فأنكروا موت أبي الحسن وحبسه وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس! وادعوا أنه حي غائب وأنه هو المهدي ، وزعموا أنه استخلف على الامر محمد بن بشير (١) مولى بني أسد ، وذهبوا إلى الغلو والقول بالاتحاد (٢) ، ودانوا بالتناسخ.

واعتلت الواقفة فيما ذهبت إليه بأحاديث رووها عن أبي عبدالله عليه‌السلام منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر عليه‌السلام دخل أبوعبدالله عليه‌السلام على حميدة البربرية أم موسى عليه‌السلام فقال لها : يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك ، قالوا : وسئل عن اسم القائم فقال : اسمه اسم حديدة الحلاق ، فيقال : لهذه الفرقة ما الفرق بينكم (٣) وبين الناووسية الواقفة على أبي عبدالله عليه‌السلام والكيسانية والواقفة على أبي القاسم بن الحنيفة ، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبدالله الحسين الدافعة لقتله ، والسبأية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين عليه‌السلام المدعية حياته ، والمحمدية النافية لموت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المتدينة بحياته؟ وكل شئ راموا به كسر مذاهب من عددناه (٤) فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال مقالتهم.

ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الاول : ما أنكرتم أن يكون الصادق عليه‌السلام أراد بالملك الامامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الامر والنهي؟ وأي دليل في قوله لحميدة : « حل الملك في بيتك » على أنه نص على أنه القائم بالسيف؟ أما سمعتم الله تعالى يقول : « فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٥) » وإنما اراد ملك الدين والرئاسة على العالمين (٦) ، وأما قوله : وقد سئل عن القائم (٧) فقال : اسمه اسم حديدة الحلاق فإنه إن صح ذلك (٨) ـ على أنه غير معروف ـ

____________________

(١) في المصدر : محمد بن بشر وسيأتى ترجمته في البيان.

(٢) كذا في ( ك ) و ( ت ) وفى غيره من النسخ وكذا المصدر : والقول بالاباحة.

(٣) في المصدر : ما الفصل بينكم.

(٤) في المصدر : من عددناهم.

(٥) سورة النساء : ٥٤.

(٦) في المصدر : والرئاسة فيه على العالمين.

(٧) في المصدر : عن اسم القائم.

(٨) في المصدر : ان صح وثبت ذلك.

١٦

فإنما أشاربه إلى القائم بالامامة بعده ، ولم يشر إلى القائم بالسيف ، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالامر بعد أبيه ، فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب؟ على أنه يقال لهم (١) : ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى عليه‌السلام؟ وما البرهان على أن أباه نص عليه؟ فبأي شئ تعلقوا في ذلك واعتمدوا عليه أريناهم بمثله إمامة الرضا عليه‌السلام (٢) وثبوت النص من أبيه عليه‌السلام ، وهذا ما لا يجدون منه مخلصا.

وأما من زعم أن الرضا عليه‌السلام ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن موسى عليه‌السلام ولم يدعوا الامر لانفسهم فإنه قول مباهت لا يفكر في دفعه بالضرورة (٣) ، لان جميع شعية هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق بالنظر يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الامامة ، وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم من الناس ، ولا فصل بين هذه (٤) في بهتها وبين الفرقة الشاذة من الكيسانية فيما ادعوه من أن الحسن والحسين عليهما‌السلام كانا خلفاء محمد ، وأن الناس لم يبايعوهما على الامامة لانفسهم! وهذا قول وضوح فساده بغني عن الاطناب فيه.

وأما البشيرية (٥) فإن دليل وفاة أبي الحسن وإمامة الرضا عليهما‌السلام وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرائع وفساد الغلو والتناسخ يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه.

قال الشيخ أدام الله عزه : ثم إن الامامية استمرت على القول باصول الامامة طول أيام أبي الحسن الرضا عليه‌السلام فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر عليه‌السلام وله عند وفاة أبيه سبع سنين اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق : فرقة مضت على سنن القول في الامامة ودانت

____________________

(١) في المصدر : مع أنه يقال لهم.

(٢) في المصدر : صحة امامة الرضا عليه‌السلام.

(٣) كذا في ( ك ) ، وفى ( م ) و ( د ) : لا ينكر في دفع الضرورة. وفى المصدر : لا يذكر في دفع الضرورة.

(٤) في المصدر : ولا فصل بين هذه الفرق.

(٥) في المصدر : وأما البشرية.

١٧

بإمامة أبي جعفر عليه‌السلام ونقلت النص عليه ، وهم أكثر الفرق (١) عددا ، وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا عليه‌السلام ، وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى وزعموا أن الرضا عليه‌السلام كان وصى إليه ونص بالامامة عليه ، واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الامامة بصغر سن أبي جعفر عليه‌السلام وقالوا : ليس يجوز أن يكون الامام (٢) صبيا لم يبلغ الحلم فيقال لهم ما سوى الراجعة إلى مذاهب الوقف (٣) كما قيل للواقفة : دلوا بأي دليل شئتم إلى إمامة الرضا عليه‌السلام حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر عليه‌السلام ، وبأي شئ طعنتم على نقل النص على أبي جعفر عليه‌السلام ، فإن الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ولا فصل في ذلك.

على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر فإنه بين الفساد ، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله مع الصغر السن ، قال الله عزوجل : « قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (٤) » فخبر عن المسيح بالكلام في المهد ، وقال في قصة يحيى : « وآتيناه الحكم صبيا (٥) » وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا عليا صغير السن (٦) ، ولم يدع من الصبيان غيره ، وباهل بالحسن والحسين عليهما‌السلام وهما طفلان ، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالاطفال ، وإذا كان الامر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه بطل ما تعلق به هؤلاء القوم ، على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات عن الائمة عليهم‌السلام وخرق العادات لهم وفيهم بطل أصلهم الذي اعتمدوا (٧) في إنكار إمامة أبي جعفر عليه‌السلام ، وإن أبوا ذلك لحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجزات (٨) إلا على الانبياء عليهم‌السلام،

____________________

(١) في المصدر : وهى اكثر الفرق.

(٢) في المصدر : أن يكون إمام الزمان اه.

(٣) في المصدر : إلى التوقيف.

(٤) سورة مريم : ٢٩ و ٣٠.

(٥) سورة مريم : ١٢.

(٦) في المصدر : وهو صغير السن.

(٧) في المصدر : اعتمدوا عليه.

(٨) في المصدر : في انكار المعجز.

١٨

وكلموا بما يكلم به إخوانهم من أهل النصب (١) ، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه.

قال الشيخ أدام الله عزه : ثم ثبتت الامامية القائلون بإمامة أبي جعفر عليه‌السلام بأسرها على القول بإمامة أبي الحسن علي بن محمد عليه‌السلام من بعد أبيه ، ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم ، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبي الحسن علي بن محمد عليه‌السلام ، ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق ، ودانوا بإمامة علي بن محمد ، ورفضوا القول بإمامة موسى بن محمد ، وأقاموا جميعا على إمامة أبي الحسن عليه‌السلام ، فلما توفي تفرقوا بعد ذلك فقال الجمهور منهم بإمامة جميعا على محمد الحسن بن علي عليه‌السلام ونقلوا النص (٢) وأثبتوه ، وقال فريق منهم : الامام (٣) بعد أبي الحسن محمد بن علي أخو أبي محمد ، وزعموا أن أباه عليا نص عليه في حياته ، وهذا محمد كان قد توفي في حياة أبيه ، فدفعت هذه الفرقة وفاته ، وزعموا أنه لم يمت وأنه حي ، وهو الامام المنتظر! وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الاصل أن الامام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى أخوه جعفر بن علي ، وزعموا أن أباه نص عليه بعد محمد (٤) ، وأنه قائم بعد أبيه ، فيقال لهذه الفرقة الاولى (٥) ك لم زعمتم أن الامام بعد أبي الحسن ابنه محمد؟ وما الدليل على ذلك؟ فان ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه ، ولن يجدوا لفظا يتعلق به (٦) في ذلك ولا تواترا يعتمدون عليه ، لانهم أنفسهم من الشذوذ ، والقلة على حد ينفي عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد ، مع أنهم قد انقرضوا فلا بقية لهم ، وذلك مبطل أيضا ما ادعوه ، ويقال لهم في ادعاء حياته ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة ، ويعارضون بمن ذكرناه (٧) فلا يجدون فصلا ،

____________________

(١) في المصدر : من أهل النصب والضلال.

(٢) في المصدر : ونقلوا النص عليه.

(٣) في المصدر : ان الامام.

(٤) في المصدر : بعد مضى محمد.

(٥) في المصدر : للفرقة الاولى.

(٦) في المصدر : يتعلقون به.

(٧) في المصدر : بما ذكرناه.

١٩

فأما أصحاب جعفر فأمرهم (١) مبني على إمامة محمد ، وإذا سقط قول هذا الفريق لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد عليه‌السلام فقد بان فساد ما ذهبوا إليه.

قال الشيخ أدام الله عزه : ولما توفي أبومحمد الحسن بن علي عليه‌السلام افترق أصحابه بعده ـ على ما حكاه أبومحمد الحسن بن موسى رحمه‌الله ـ (٢) أربع عشرة فرقة ، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر (٣) ، وأثبتوا ولادته ، وصححوا النص عليه ، وقالوا : هو سمي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومهدي الانام ، واعتقدوا أن له غيبتين إحداهما أطول من الاخرى ، فالاولى منهما هي القصرى ، وله فيها الابواب (٤) والسفراء ، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أباه الحسن عليه‌السلام أظهره لهم وأراهم شخصه ، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه ، فقال كثير منهم : كان سنه إذ ذاك خمس سنين ، لان أباه توفي سنة ستين ومائتين ، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين ، وقال بعضهم : بل كان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين وكان سنه عند وفاة أبيه ثمان سنين ، وقالوا : إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب ، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة ، إذ كان خاتم الحجج ووصي الاوصياء وقائم الزمان ، واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة لقوله تعالى (٥) في قصة عيسى : « ويكلم الناس في المهد وكهلا (٦) » وفي قصة يحيى « وآتيناه الحكم صبيا (٧) » وقالوا : إن صاحب الامر حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام حتى يملا الارض عدلا وقسطا (٨) كما ملئت ظلما

____________________

(١) في المصدر : فان أمرهم.

(٢) سيأتى ترجمته في البيان.

(٣) في المصدر : ابنه القائم المنتظر.

(٤) في المصدر : النواب خ ل.

(٥) في المصدر : وبقوله تعالى.

(٦) سورة آل عمران : ٤٦.

(٧) سورة مريم : ١٢.

(٨) في المصدر : قسطا وعدلا.

٢٠