المعجم الأصولي - ج ٢

الشيخ محمّد صنقور علي البحراني

المعجم الأصولي - ج ٢

المؤلف:

الشيخ محمّد صنقور علي البحراني

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: منشورات نقش المطبعة: عترت ISBN: 964-7606-16-8
نسخة غير مصححة

للمتكلّم وأنّه لا يقصد العموم رغم استعماله للفظ يعبّر عن العموم وهو لفظ « كلّ ». ومنشأ التعبير عن هذه القرينة بالمتّصلة هو وقوعها في سياق كلام المتكلّم واتّصالها به.

وبما ذكرناه يتّضح أنّ مجيء القرينة المتّصلة يمنع من التمسّك بالظهور الأوّلي للكلام حيث أنّ الظهور الأوّلي للكلام ـ لو لا القرينة ـ يقتضي لزوم إكرام جميع العلماء إلاّ أنّ هذا الظهور ينتهي بمجرّد مجيء القرينة المتّصلة ، وينعقد فيما يناسب القرينة وذي القرينة أي ملاحظة مجموع المستثنى والمستثنى منه في المثال.

ويمكن أن نمثّل للقرينة المتّصلة غير اللفظيّة بما لو قال المولى لعبده « أطعم كلّ أولادي من اللحم » فإنّ هذا الكلام ظاهر في إيجاب إطعام الأولاد غير الرضّع منهم إذ من الواضح أنّ الرضيع لا يسعه أو لا يناسبه عرفا تناول اللحم.

فالمتكلّم وإن لم يكن قد صرّح بالاستثناء إلاّ أنّ المناسبة العرفيّة أو العقليّة أعطت نتيجة التصريح بالاستثناء المتّصل ، ولذلك لا يكون للمولى في المثال مساءلة عبده عن عدم إطعام الرضّع لحما وإن كان لكلامه ظهور أوّلي في العموم.

* * *

٤٨٠ ـ القرينة المنفصلة

المراد من القرينة المنفصلة هو كلّ لفظ أو فعل وقع في خطاب أو مقام آخر إلاّ أنّه لو فرض متّصلا بالكلام الأوّل لأوجب انصراف الكلام الأوّل عن ظهوره الأوّلي إلى ظهور آخر متناسب مع مجموع الخطابين أو مجموع الخطاب الأوّل والفعل في المقام الثاني.

ومثاله قول المتكلّم « أكرم كلّ العلماء » ثمّ يقول في خطاب آخر « لا تكرم فسّاق العلماء » فالخطاب الثاني يكون قرينة منفصلة يتحدّد بها المراد الجدّي من الخطاب الأوّل ، ذلك لأنّه لو فرض الخطاب الثاني متّصلا بالخطاب الأوّل لصرف ظهوره في

٣٨١

إرادة العموم إلى الظهور في إرادة ما عدا الفسّاق من العلماء.

فالقرينة المنفصلة وإن لم تكن مانعة عن انعقاد الظهور في العموم إلاّ أنّها منتجة لعدم حجّيّة هذا الظهور ، ذلك لأنّ الظهور الحجّة هو المعبّر عن المراد الجدّي للمتكلّم ، ومن الواضح أنّ المراد الجدّي بعد ملاحظة الخطاب الثاني متعيّن في إرادة ما عدا الفسّاق.

ويمكن التمثيل للقرينة المنفصلة غير اللفظيّة بما لو قال الإمام عليه‌السلام « صلّ المكتوبة جماعة » فإنّ الظهور الأوّلي لهذا الخطاب هو وجوب أداء المكتوبة جماعة وإنّ ذلك لازم في مطلق الحالات إلاّ أنّنا حين نجد أنّ الإمام يصلّي بعض الأحيان المكتوبة فرادى دون عذر قاهر نعرف أنّ مراده من الخطاب الأوّل لم يكن الوجوب ولو كان مراده الوجوب فإنّه لا يريد الإطلاق المستظهر بدوا من الخطاب الأوّل.

فأداء الإمام الصلاة فرادى هو القرينة المنفصلة غير اللفظيّة التي يلزم ملاحظتها عند إرادة استظهار المراد الجدّي لخطابه الأوّل.

* * *

٤٨١ ـ القضايا الخارجيّة والقضايا الحقيقيّة

المراد من القضيّة الخارجيّة هي القضيّة التي يكون الحكم فيها واقعا على أفراد محقّقة الوجود بنظر مؤلّف القضيّة ، وهذا ما يستوجب التحقّق من وجود الأفراد أولا وقبل الحكم عليها.

ثمّ انّ الحكم في القضيّة الخارجيّة مجعول على الأفراد ابتداء ، وجعله على الجامع انّما هو لغرض التعبير عن الأفراد ، وليس له دور آخر غير هذا الدور بخلاف القضيّة الحقيقيّة كما سيتّضح ان شاء الله تعالى.

فحينما يقال : « هلك كلّ من في العسكر » يراد منه جعل الحكم ابتداء على كلّ فرد فرد من أفراد العسكر إلاّ انّه توسّل لذلك بصيغة كلّيّة هي قوله « كلّ من في العسكر » وإلاّ فمراده هو

٣٨٢

انّ زيدا هلك وانّ عمروا هلك وهكذا.

ولهذا لا فرق في القضيّة الخارجيّة بين أن يكون موضوعها متحدا في شخص واحد أو أن يكون موضوعها كليّا صورة ، ففي تمام الحالات يكون موضوع القضيّة الخارجيّة هو الفرد. ثم انّ هنا أمرا تتميّز به القضايا الخارجيّة وهو انّ اتّحاد موضوعاتها في الحكم لا يعبّر عن وحدة المناط بل انّ مناط ثبوت الحكم لموضوع في هذه القضيّة يختلف عن مناط ثبوت الحكم في القضيّة الاخرى ، فالاتّحاد بين بعض القضايا الخارجيّة من حيث الحكم انّما هو اتفاقي ، ولا يعبّر عن وجود جامع مناطي اقتضى اتّحاد القضايا الخارجيّة في الحكم.

وهذا الكلام لا يختلف الحال فيه بين أن تكون صيغ القضايا متعدّدة كأن يقال : « مات زيد ، مات عمرو » « ومات خالد » وبين أن تكون القضايا مؤلّفة في قضيّة خارجيّة واحدة صورة ، كأن يقال : « مات كلّ من في الدار » ، إذ انّ هذه القضيّة تنحلّ روحا الى قضايا بعدد أفراد من في الدار ، والجامع الكلّي انّما اريد منه التعبير عن الأفراد.

وكيف كان فاتّحاد الأفراد في الحكم انّما هو اتّفاقي وليس ناشئا عن جامع مناطي اقتضى اتّحادهم في الحكم ، فمناط ثبوت الموت لزيد ليس هو مناط ثبوت الموت لعمرو وهكذا ، ولهذا لا يكون ثبوت الموت لزيد كاشفا عن ثبوته لعمرو ، وذلك لعدم وجود جامع مناطي لهما يقتضي استكشاف ثبوته لمن توفر على ذلك المناط ، وهذا بخلاف القضيّة الحقيقيّة.

ومن هنا قالوا بأنّ القضايا الخارجيّة لا تصلح لأن تكون كبرى في القياس المنطقي حتى لو كانت القضيّة الخارجيّة كليّة ، وذلك لسببين :

الأوّل : انّ كبرى القياس المنطقي لا بدّ وأن تكون صالحة لأن يستنتج عنها ثبوت الحكم الثابت في الكبرى للمجهول التصديقي ، ومن الواضح انّ

٣٨٣

ذلك يتوقّف على أن يكون المناط الموجب لثبوت الحكم في الكبرى متوفرا في المجهول التصديقي حتّى يمكن استنتاج ثبوت الحكم للمجهول التصديقي ، وقد قلنا انّ اتّحاد الحكم في القضايا الخارجيّة لا يعبّر عن وحدة المناط ، ومن هنا لا يمكن استنتاج ثبوت نفس الحكم للمجهول التصديقي بواسطة ثبوته لموضوع القضيّة الخارجيّة.

الثاني : انّ القضيّة الخارجيّة الكليّة لا تكون ـ كما ذكرنا ـ إلاّ بعد احراز تمام الأفراد المجعول عليها الحكم ، فلا يفترض في موردها الجهل بحال فرد من أفراد القضيّة الخارجيّة الكليّة ، ولو اتّفق الجهل بحال فرد فإنّه لا يصحّ جعل الحكم على تمام الأفراد ، ومن هنا لا يكون هناك معنى لتشكيل قياس لغرض استكشاف حال فرد ، وذلك لأنّ تمام الأفراد لا بدّ وأن تكون معلومة حين جعل الحكم على موضوع كلّي.

فحينما يقال : « هلك كلّ من في الدار » فإنّ هذا يقتضي لزوم العلم بتمام الأفراد الموجودين في الدار وإلاّ لم يصحّ الحكم على كلّ من في الدار بالهلاك ، ومع علمه بذلك لا معنى لافتراض الجهل بحال واحد من أفراد من في الدار ، ولو اتّفق الجهل فإنّه لا يصحّ جعل القضيّة الخارجيّة كليّة ، ولو صيغت والحال هذه فإنّها لا تكشف عن حال الأفراد المجهولة الحال ، لأنّ أصل الكليّة مجهول ، والمجهول لا ينتج معلوما كما هو واضح.

ومن هنا لو شكّل قياسا كبراه قضيّة خارجيّة لما كان نافعا بعد افتراض العلم بحال تمام الأفراد ، فلا نجهل بحال فرد حتى ندفعه بواسطة القياس ومع افتراض الجهل بحال بعض الأفراد لا تكون القضيّة الخارجيّة الكليّة منتجة بعد افتراض انّها مجهولة وغير محرزة.

ثمّ انّ كلّ ما ذكرناه لا يختلف الحال فيه بين القضايا الخبريّة والقضايا الإنشائيّة مثل : « أكرم كلّ

٣٨٤

من في الدار » فإنّ خارجيّة هذه القضيّة منوط بالتحقّق من كلّ من في الدار ثمّ جعل الحكم بالوجوب ، كما انّ اتّحادهم في الحكم لا يعبّر عن وحدة المناط ، كما لا يثبت الحكم لمن دخل في الدار بعد ذلك ، إذ انّ هذا الحكم منحل روحا على الأفراد المحقّقة الوجود حين صدور الخطاب فلا يشمل غيرهم.

وأمّا المراد من القضيّة الحقيقيّة فهو القضيّة التي يكون الحكم فيها مجعولا على موضوعها المقدّر الوجود.

وبتعبير آخر : القضيّة الحقيقيّة هي القضيّة التي يكون فيها الحكم واقعا على الطبيعة باعتبارها مرآة لافرادها على أن يكون جعل الحكم على الطبيعة بغرض التعبير عن انّ الطبيعة هي مناط الحكم في القضيّة ، وهذا ما يقتضي انّ الحكم ليس مجعولا على الأفراد ابتداء كما في القضيّة الخارجيّة بل هو مجعول على الطبيعة ابتداء ولكن من حيث انّها مرآة لأفرادها ، وهو ما يصحّح اتّحاد أفراد الطبيعة في المناط الموجب لثبوت الحكم لها ، إذ انّ افتراض جعل الحكم على الطبيعة باعتبارها مرآة لافرادها المقدّرة الوجود معناه اتّحاد أفراد الطبيعة في المناط الموجب لجعل الحكم عليها.

ومن هنا صحّ وقوع القضايا الحقيقيّة كبرى في القياس المنطقي لغرض التعرّف على حال مجهول تصديقي ، فيقال مثلا : زيد مستطيع ، والحجّ واجب على كلّ مستطيع ، فالنتيجة هي انّ الحجّ واجب على زيد ، فالقضيّة الحقيقيّة وهي وجوب الحجّ على كلّ مستطيع انتجت بواسطة وقوعها كبرى في القياس انتجت وجوب الحجّ على زيد.

وبما ذكرناه يتّضح عدم اعتبار وجود أفراد خارجيّة للقضيّة الحقيقيّة حين تأليفها بل يمكن أن لا يتّفق تحقّق أفراد خارجيّة لها أبدا ، وذلك لأنّ موضوع القضيّة الحقيقيّة انّما هو الطبيعة المقدّرة الوجود ، نعم تحقّق الفعليّة للقضيّة الحقيقيّة منوط بتحقّق الطبيعة في ضمن فرد خارجي ، وذلك

٣٨٥

لأنّ الحكم في القضيّة الحقيقيّة انّما رتّب على الطبيعة المقدّر وجودها في ضمن فرد لها في الخارج ، وهذا ما يستوجب عدم الفعليّة لو لم يقدر الوجود للطبيعة في ضمن واحد من أفرادها باعتبار انّ وجودها انّما هو بوجود أفرادها خارجا.

ويتّضح أيضا انّ انشاء الحكم في القضيّة الحقيقيّة لا يساوق فعليّته بل قد يتّفق تأخّر الفعليّة عن زمن الإنشاء ، وهذا بخلاف القضيّة الخارجيّة فإنّ إنشاءها يساوق فعليّتها ، فحينما يقال : « أكرم من في الدار » فإنّ الفعليّة تترتّب من حين إنشاء الحكم ، وذلك لأنّ موضوع القضيّة الخارجيّة هي الأفراد المحقّقة الوجود.

وباتّضاح المراد من القضيّة الخارجيّة والقضيّة الحقيقيّة يمكن استنتاج مجموعة من الفوارق بين القضيّتين تعرف بالتأمّل فيما ذكرناه ، نذكر بعضها :

الأوّل : انّ القضيّة الخارجيّة تكون دائما في قوّة الجزئيّة وانّ كليّتها انّما هي صوريّة بمعنى انّها اتخذت وسيلة للتعبير عن أفراد معيّنة محقّقة الوجود.

وهذا بخلاف القضيّة الحقيقيّة فإنّ موضوعها دائما يكون كليّا.

الثاني : انّ المتصدّي لتنقيح الموضوع في القضايا الخارجيّة هو نفس المؤلّف للقضيّة ، فهو بنفسه يتحقّق من وجود الموضوع ثمّ يجعل عليه الحكم.

وأمّا القضايا الحقيقيّة فالمتصدّي لتنقيح موضوعها هو المتلقّي للخطاب ، وأمّا المؤلّف للقضيّة فهو يجعل الحكم على الموضوع المقدّر الوجود ، فيبقى التحقّق من وجود الموضوع لغرض ترتيب الحكم من وظيفة المتلقّي للخطاب بالقضيّة الحقيقيّة.

وهناك فوارق اخرى أوضحناها فلا معنى للإعادة.

* * *

٤٨٢ ـ القطع

المراد من القطع هو الانكشاف التام

٣٨٦

والرؤية الواضحة لمتعلّقه والتي لا يشوبها أدنى شكّ مهما تضاءل ، وهو تعبير آخر عن الجزم والعلم واليقين ، فليس للاصوليين معنى خاصّ يختلف عن المعنى المتعارف للفظ القطع في اللغة وفي المتفاهم العرفي ، فهو الجزم الذي لا يشوبه احتمال الخلاف بقطع النظر عن منشأ الجزم وانّه نشأ عن برهان أو عن مبرّرات عقلائيّة أو شخصيّة.

نعم القطع المنطقي يختلف عن القطع الاصولي بنحو ما ، وقد أوضحنا الفرق بينهما تحت عنوان اليقين المنطقي واليقين الاصولي.

ثمّ انّ القول بأنّ القطع هو الرؤية التامّة لمتعلّقه لا يستوجب خروج العلم الإجمالي عن أقسام القطع ، وذلك لتوفّره هو أيضا على هذه الحيثيّة ، إذ انّ متعلّق العلم الإجمالي هو الجامع ، والجامع المعلوم ليس محلا للشك والتردّد ، والذي هو محلّ للتردّد في حالات العلم الإجمالي انّما هو منطبق الجامع ، وأمّا الجامع والذي هو متعلّق العلم الإجمالي فهو معلوم تفصيلا للعالم بالإجمال.

فحينما يعلم المكلّف بوقوع النجاسة في أحد الإنائين فهو يعلم تفصيلا بالجامع وهو وقوع النجاسة في أحد الإنائين والتردّد انّما هو في متعلّق الجامع المعبّر عنه بمنطبق الجامع ، فمنطبق الجامع مردّد بين الإناء الأوّل والإناء الثاني.

وبهذا يتّضح انّ العلم الإجمالي متوفّر على الحيثيّة المذكورة للقطع ولمزيد من التوضيح راجع عنوان « العلم الإجمالي والتفصيلي ».

وأمّا أقسام القطع فقد شرحناها تحت عناوينها ، وكذلك الحديث عن حجيّة القطع ذكرناه تحت عنوانه.

* * *

٤٨٣ ـ القطع الشخصي

وهو القطع الذي ينشأ عن مبرّرات غير عقلائيّة ، بمعنى انّ العقلاء لو اطّلعوا على مبرّرات هذا القطع لما أوجبت لهم القطع ، فالقطع الشخصي

٣٨٧

تعبير آخر عن قطع القطاع ، وقد أوضحنا ذلك تحت عنوان « قطع القطاع ».

* * *

٤٨٤ ـ القطع الطريقي

المراد من طريقيّة القطع هو كاشفيّته عن متعلّقه ، فهو وسيلة من الوسائل الإثباتيّة والتي يكون لها دور الكشف عن الواقع الثابت في نفس الأمر بقطع النظر عن انكشافه وعدم انكشافه.

فالقطع كسائر الوسائل الإثباتيّة لا دخل له في واقع الأشياء الثابتة في نفس الأمر ، بمعنى انّ وجودها وعدم وجودها ليس منوطا بتعلّق القطع بها ، فدور القطع الطريقي يتمحّض في الكشف عنها دون أن يكون له تأثير عليها وجودا أو عدما ، كما هو الحال في المرآة ، فكما انّ المرآة لا تغيّر من واقع الأشياء ولا تولّد واقعا ليس موجودا ولا تضفي على الواقع شيئا زائدا عمّا هو عليه وانّما يتمحّض دورها في عكس الواقع فكذلك القطع الطريقي فإنّه لا يثبت الوجود لشيء كما لا يثبت شيئا لشيء ولا ينفي شيئا عن شيء وانّما يكشف عن ثبوت الشيء أو عن ثبوت شيء لشيء أو انتفاء شيء عن شيء.

ثمّ انّه قد ذكرنا في بحث الحجيّة الذاتيّة انّ حجيّة القطع لو كان المراد منها الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات فإنّه لا ريب في ذاتيّة الحجيّة للقطع وانّ ذلك ليس محلا للنزاع بين الأعلام ، وذلك لأنّ المراد من القطع هو الانكشاف التام والإراءة التامّة ، فالقطع هو عين الكشف والإراءة والطريقيّة وليس شيئا ثبت له الكشف والطريقيّة ، ولمزيد من التوضيح راجع عنوان « الحجيّة الذاتيّة ».

والمتحصّل انّ القطع الطريقي هو ما يكون وسيلة للكشف عن الواقع ، وهذا ما يقتضي تأخّره عن متعلّقه ، إذ انّ الكشف عن الواقع فرع وجود المنكشف في مرتبة سابقة ، ومن هنا قالوا انّ القطع من العناوين ذات

٣٨٨

الإضافة كما سيتّضح ذلك تحت عنوان « القطع من الصفات ذات الإضافة ».

* * *

٤٨٥ ـ قطع القطّاع

المراد من القطع في عنوان قطع القطّاع هو عينه المراد من القطع ، وانتساب القطع الى القطّاع انّما هو بلحاظ موضوع القطع والذي هو القاطع ، فالقاطع قد يتّصف بكونه قطّاعا إذا كانت قطوعاته تنشأ عن مبرّرات غير عقلائيّة ؛ بمعنى انّ العقلاء لو اطلعوا على مبرّرات قطعه لما حصل لهم القطع بسببها.

ومن هنا يتّضح انّ المراد من القطّاع هو من يحصل له القطع باسباب لا تورث القطع عند نوع العقلاء ، وهذا ما يحصل عادة عند سوقة الناس واللذين لا يفرقون بين البرهان والمغالطة وبين الدليل والخطابة ، فالقطع ينشأ عندهم نتيجة عوامل نفسية أو نتيجة الانبهار بالشخصيّات أو الكلمات المسيجة.

وبهذا تعرف انّه ليس المراد من القطّاع هو كثير القطع لو كانت قطوعاته ناشئة عن مبرّرات عقلائيّة توجب القطع لهم لو اتّفق اطّلاعهم عليها بل المراد من القطّاع هو من يحصل له القطع بأسباب لا تورث بطبعها القطع عند نوع العقلاء.

ثمّ انّ البحث هنا عن انّ الحجيّة الثابتة للقطع هل هي ثابتة لقطع القطّاع أو لا؟

نسب الى الشيخ الكبير كاشف الغطاء رحمه‌الله القول بعدم حجيّة قطع القطّاع إلاّ انّ المعروف بين الاصوليين هو عدم التفصيل في حجيّة القطع ، فالقطع حجّة مطلقا سواء نشأ عن عوامل شخصيّة أو نوعيّة ، وذلك لأنّ حجيّة القطع ذاتيّة ، فكما انّ ثبوت الحجيّة للقطع لا تخضع للجعل فكذلك المنع عن الحجيّة ، إذ لا يمكن نفي الذاتي عن ذاته ، كما انّه لا يمكن منع القاطع عن العمل بقطعه لأنّه يرى خطأ كلّ ما ينافي قطعه ، والتفاته لكونه قطاعا وانّ مجموعة من قطوعاته منافية للواقع إذا

٣٨٩

لم تؤثر في انهدام قطعه فإنّ هذا العلم الإجمالي بمنافاة بعض قطوعاته للواقع لا يصلح لتوجيه القطاع الى انّ هذا القطع بخصوصه باطل ، فهو حينما يتوجّه لكلّ قطع بخصوصه فإنّه يقطع بمطابقته للواقع وانّ العلم الإجمالي بمنافاة بعض قطوعاته للواقع لا يشمل هذا القطع الذي هو محلّ التوجّه فعلا وبهذا لا يمكن منعه عن العمل بقطعه.

إلاّ انّ البحث عن انّ هذا القطع هل ينفي عنه عقوبة مخالفة الواقع أو لا؟ وعلى فرض صلاحيّته لنفي العقوبة على مخالفة الواقع فهل انّ القطّاع يعاقب على تعريض نفسه للقطوعات التي يعلم اجمالا بمنافاة بعضها للواقع أو لا؟

أمّا البحث الأوّل : فإنّه يقال انّ القطع لا ينفي عقوبة المخالفة للواقع ، وذلك بناء على ما هو مذكور من انّ الامتناع بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وان كان ينافيه خطابا ، بمعنى انّ العجز عن امتثال التكليف وان كان يمنع عن مخاطبة المكلّف بالتكليف وبعثه نحو امتثاله ـ لأنّه لغو لافتراض عجزه عن الامتثال وان كان العجز ناشئا عن سوء الاختيار ، بمعنى انّه ناشئ عن تعجيز المكلّف نفسه إلاّ انّ ذلك لا ينفي عن المكلّف عقوبة مخالفة الواقع ، وذلك لأنّ العجز عن امتثال التكليف انّما نشأ عن سوء اختياره ، فتوسّط المكلّف في الأرض المغصوبة عن اختيار يصيّره عاجزا عن الخروج منها دون التصرّف الزائد وهو التصرّف الخروجي إلاّ انّ عجزه لا يبرّر سقوط العقوبة عنه ، بمعنى انّه يستحقّ العقاب حتّى على تصرّفه الزائد والذي يكون وسيلة للخروج من الأرض المغصوبة ، وذلك لأنّ فقد القدرة على الخروج دون التصرّف الزائد انّما نشأ عن سوء اختياره فقد كان بإمكانه ان لا يدخل فلا يضطرّ للتصرّف الخروجي بعد ذلك. وقد بحثنا هذه القاعدة تحت عنوان « الامتناع بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار ».

وكيف كان فالمقام من هذا القبيل

٣٩٠

فإنّ القطع نتيجة قهريّة لاسبابه ، فمتى اتّفق حصول أسباب وعلل القطع فإنّ حصول القطع يكون حتميّا إلاّ انّ أسباب القطع غالبا ما تكون اختياريّة للمكلّف ، ومن هنا يمكن للمكلّف ان لا يتعرّض لموجبات القطع ، وحينئذ لا يحصل له القطع.

وإذا اتّضح ذلك نقول : انّ القطاع لو كان يعلم إجمالا بأنّ بعض قطوعاته منافية للواقع ، وذلك لمعرفته بأنّ قطعه غالبا ما ينشأ عن مبرّرات لا تورث القطع عند نوع العقلاء ، فهو إذن مبتل بضعف في مداركه واضطراب في نفسه ، ومن هنا لا يجوز له التعرّض لأسباب القطع ، وذلك لمنجزيّة العلم الإجمالي بفساد بعض قطوعاته ، فلو عرّض نفسه لأسباب القطع وترتّب على ذلك حصول القطع فإنّ هذا القطع أمر قهري لا يمكن المنع عنه لعدم توجّه القاطع حينئذ للمنع ، لأنّه يرى انّ كلّ ما ينافي قطعه فهو باطل إلاّ انّ هذه الحالة القهريّة التي يكون عليها القاطع نشأت عن سوء اختياره ، إذ كان بامكانه عدم التعرّض لأسباب القطع فلا يقع بعد ذلك تحت هيمنته إلاّ انّه وبسوء اختياره أقدم على أسباب القطع فوقع تحت سلطانه.

ومن هنا يكون القاطع مستحقّا للعقاب لو اتّفق أن كان قطعه منافيا للواقع ، أي منافيا للتكاليف الإلزاميّة الأعم من الجوارحيّة من الجوارحيّة والجوانحيّة ، وذلك لأنّ وقوعه تحت سلطان القطع انّما نشأ عن سوء اختياره ، والاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا.

هذا اذا كان التسبيب للوقوع في مخالفة الواقع حصل في زمان الواجب ، كما لو عرّض القطّاع نفسه لأسباب القطع بعد دخول وقت الصلاة فنشأ عن ذلك القطع بعدم وجوبها أو عرّض نفسه للشبهات المثارة من قبل المضلّين مع معرفته بضعف مداركه وانّه يحصل له القطع بما يناسبها لو اطّلع عليها ، فإنّ حصول القطع انّما نشأ في زمان الواجب ، إذ انّ الإيمان باصول العقائد ليس من

٣٩١

الواجبات الموقّتة ، ومن هنا يكون التعرّض لما يوجب القطع بما ينافيها واقعا دائما في زمان الواجب.

وأمّا لو كان التعرّض لأسباب القطع حصل قبل زمان الواجب فإنّ هنا تقريب آخر يمكن بواسطته إثبات استحقاق القطاع للعقوبة على مخالفة الواقع ، وحاصله :

انّه بناء على وجوب المقدّمات المفوتة والتي يكون عدم التحفّظ عليها مقتضيا لتفويت القدرة على امتثال الواجب في وقته كما لو كان للمكلّف ماء قبل دخول الوقت وكان يعلم انّه إذا أتلفه لم يتمكّن من الصلاة عن طهارة مائيّة في وقتها ، فهنا لو قلنا بوجوب المقدّمات المفوّتة وذلك للتحفّظ على أغراض المولى اللزوميّة في وقتها وعدم تعريضها للضياع بواسطة التسبيب لانتفاء مناط فعليّتها لو قلنا بذلك فإنّه يمكن سحب الكلام إلى محلّ البحث وهو تعريض النفس لأسباب القطع رغم العلم الإجمالي بأنّ بعض القطوعات التي يقع فيها منافية للواقع وموجبة لتفويت أغراض المولى اللزوميّة.

وهنا يستقلّ العقل بحرمة تعريض النفس لأسباب القطع خصوصا في الموارد التي تكون الأغراض المولويّة بالغة الأهميّة في نظر المولى والتي لا يرضى بتفويتها في حال من الأحوال ، وذلك مثل ما لو علم بأن تعريض نفسه لأسباب القطع سيؤدي الى القطع بما ينافي اصول العقائد والضرورات الدينيّة ، فلا فرق بين هذه الصورة وبين ما لو علم المكلّف بأنّ بيضة الاسلام سوف تتعرّض للخطر وانّه لو عجّز نفسه قبل تحقّق هذا المحذور فإنّه لن يتمكّن من الدفاع عن بيضة الإسلام فإنّ العقل حينئذ يستقل بلزوم التحفّظ على القدرة حتّى يتمكّن من امتثال الواجب في حينه ، وتبحث هذه المسألة تحت عنوان وجوب التعلّم ، وهي من ذيول مسألة « المقدّمة المفوّتة ».

وأمّا البحث الثاني : فلا يكون له موقع بناء على انّ القطّاع مستحقّ

٣٩٢

للعقوبة على مخالفة الواقع إلاّ انّه لو افترضنا عدم تماميّة ما تقدّم في البحث الأوّل فإنّه مع ذلك يكون المكلّف مستحقا للعقاب على أصل تعريض نفسه لأسباب القطع المفوت لأغراض المولى اللزوميّة ، وذلك بناء على اتّساع حقّ الطاعة وشمولها لحالات تعريض النفس للوقوع في منافاة الواقع وانّ حقّ الطاعة لا يختصّ بالتكليف الواصل بل يقتضي عدم القيام بما يوجب سقوط التكليف بواسطة تعريض النفس للقطع بخلافه ، ومن هنا يكون حقّ الطاعة موجبا للزوم التحرّز عن أسباب القطع.

لا يقال : انّه وان كانت البراءة العقليّة غير جارية في المقام بناء على هذا المبنى إلاّ انّ البراءة الشرعيّة جارية باعتبار انّ هذا الحقّ كما هو ثابت في محلّه معلّق على عدم الترخيص الشرعي ، وأدلّة البراءة الشرعيّة قاضية بذلك.

فإنّه يقال : انّ المقصود من شمول حقّ الطاعة لهذا المورد هو انّ التعرّض لأسباب القطع المنافي لأغراض المولى مناف لحقّ الطاعة ، أي انّه خروج عن حدود العبوديّة بمقتضى الوجدان والعقل العملي ، وليس له اتّصال بأصالة الاشتغال العقلي في التكاليف المحتملة ، بمعنى انّ التعرّض لمناقضة أغراض المولى حرام قطعا باستقلال ما يدركه العقل العملي.

ويمكن تأييد ذلك بالروايات الناهية عن الولوج في بعض المطالب كالقضاء والقدر ، وكذلك ما دلّ على لزوم اتلاف كتب الضلال.

* * *

٤٨٦ ـ القطع من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة

أمّا معنى انّه من الصفات الحقيقيّة فهو انّه من الامور الواقعيّة المتأصّلة والثابتة في نفس الأمر والواقع ، أي انّه من الامور التي لها ما بإزاء في الواقع ، وذلك في مقابل الامور الانتزاعيّة والتي لا وجود لها والموجود انّما هو

٣٩٣

منشأ انتزاعها ، وفي مقابل الامور الاعتباريّة والتي يكون وعاء وجودها هو الاعتبار وليس لها وراء اعتبار المعتبر وجود ، كما أوضحنا ذلك تحت وعنوان « الاعتبار ».

فالقطع من قبيل الجواهر والأعراض والتي هي من الامور المتأصّلة والواقعيّة ، غايته انّ الامور المتأصّلة تارة تكون من الأعيان الخارجيّة وتارة تكون من الوجودات النفسانيّة ، والقطع من النحو الثاني مثل البغض والحبّ والخوف ، فإنّها من الامور الواقعيّة ، نعم القطع وان كان من الامور المتأصّلة إلاّ انّه ليس من قبيل الجواهر ، وذلك لافتقاره الى المحلّ « الموضوع » بخلاف الجوهر ، فإنّه كما قيل موجود لا في موضوع ، فالقطع من قبيل الأعراض والمفتقرة الى محلّ وموضوع.

فكما انّ البياض والسواد لا يوجد إلاّ في موضوع فكذلك القطع فإنّه لا يوجد إلاّ في موضوع وهو القاطع ، فالقطع صفة واقعيّة قائمة بالنفس كما هو الحال في الحبّ والبغض فإنّهما من الصفات الواقعيّة والمتقرّرة في نفس الأمر والقائمة بالنفس.

وأمّا معنى انّه من الصفات ذات الإضافة فلأنّ وجودها مفتقر الى متعلّق ، وهذه هي الجهة المميزة لها عن الأعراض الغير المفتقرة الى متعلّق مثل البياض والسواد ، فإنّهما وان كانا يفتقران الى موضوع باعتبارهما من الأعراض إلاّ انّهما لا يفتقران الى متعلّق ، وأمّا القطع فهو صفة قائمة بالنفس ـ فنفس القاطع هي موضوع القطع ـ وصفة مفتقرة الى متعلّق وهو المقطوع ، وهذا هو معنى انّه من الصفات ذات الإضافة ، إذ لا يتصوّر قطع دون أن يكون له مقطوع قد تعلّق القطع به ، فكما انّ القدرة لا تتعقّل دون أن يكون ثمّة مقدور ، والظنّ لا يكون إلاّ أن يكون هناك مظنون به ، والإدراك والتصوّر لا يتعقلان إلاّ أن يكون لهما مدرك ومتصور ، فكذلك القطع إذ القطع معناه الكشف وهذا متوقّف على أن يكون ثمّة منكشف.

٣٩٤

فالصفات ذات الإضافة هي الصفات المنوط تحقّقها بوجود متعلّق لها.

* * *

٤٨٧ ـ القطع الموضوعي

المراد من القطع الموضوعي هو القطع الواقع موضوعا لحكم من الأحكام بنحو يكون ترتّب الحكم منوطا بتحقّق القطع خارجا ، كما لو قيل : « إذا قطعت بنجاسة المائع حرم عليك بيعة » فهنا اعتبر القطع موضوعا لحرمة البيع ، ومن هنا كان ترتّب الحكم بالحرمة منوطا بتحقّق القطع خارجا ، فالقطع هنا مؤثر في توليد الحكم شأنه شأن سائر الموضوعات بالنسبة للأحكام المجعولة عليها ، فكما انّ الحرمة المجعولة على الخمر مترتّبة على تحقّق الخمر خارجا فكذلك القطع إذا اعتبر موضوعا لحكم من الأحكام.

وبهذا نستنتج انّ القطع الموضوعي يختلف عن القطع الطريقي من جهتين :

الجهة الاولى : انّ القطع الطريقي ليس له دخل في ترتّب الحكم على موضوعه وانّما له دور الكشف عن ثبوت الحكم لموضوعه شأنه شأن سائر الوسائل الإثباتيّة.

وأمّا القطع الموضوعي فإنّه مؤثر في ترتّب الحكم ومولّد له شأنه شأن سائر موضوعات الأحكام ، فهو لا يكشف عن ثبوت الحكم لموضوعه وانّما يولّد الحكم ويحقّقه ، ولهذا لو لم يتحقّق القطع بنجاسة المائع في المثال المذكور لا يكون بيعه حراما وذلك لافتراض اناطة الحرمة بالقطع بالنجاسة ، والأحكام تابعة لموضوعاتها ثبوتا وانتفاء.

الجهة الثانية : انّ القطع الطريقي يكون متأخرا عن ثبوت الحكم لموضوعه ، وذلك لأنّه كاشف عن الثبوت ولا يمكن أن يكون الكاشف متقدّما عن منكشفه.

وأمّا القطع الموضوعي فهو متقدّم دائما ـ ولو رتبة ـ على ترتب الحكم ، إذ هو المؤثر في توليد الحكم فأولا يتقرّر الموضوع خارجا وعندئذ يترتّب الحكم.

٣٩٥

والمتحصّل انّ القطع الموضوعي هو القطع المعتبر موضوعا أو جزء موضوع لحكم من الأحكام.

ثم انّ هنا تنبيها ذكره السيّد الخوئي رحمه‌الله لا بدّ من بيانه : وهو انّ القطع الموضوعي هو ما كان دخيلا في ترتّب الحكم واقعا ، وليس القطع الموضوعي هو ما اخذ موضوعا في لسان الدليل ولو لم يكن موضوعا واقعا ، أي ليس له دخالة في ترتّب الحكم ، إذ قد يؤخذ القطع موضوعا في لسان الدليل ولا يكون الغرض من ذلك سوى التعبير عن انّه الوسيلة في الكشف عن ثبوت الحكم لموضوعه كما في قوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (١) ، فإنّ التبيّن وهو القطع أخذ موضوعا في وجوب الإمساك إلاّ انّ موضوعيّته غير مرادة ظاهرا بل انّ الغرض من ذكر التبيّن هو التعبير عن وسيلة التعرّف على تحقّق طلوع الفجر والذي هو موضوع وجوب الإمساك ، فموضوع وجوب الإمساك متمحّض في طلوع الفجر والتبيّن انّما هو وسيلة الكشف والتحقّق من طلوع الفجر.

وبتعبير آخر : انّ وجوب الإمساك مترتّب على واقع طلوع الفجر والتبيّن انّما هو طريق للتحقّق من طلوع الفجر أو أحد الطرق لذلك ، وذكره دون غيره باعتباره أجلى الوسائل وأوضحها.

وهذا بخلاف القطع بعدد الركعات في صلاتي المغرب والصبح فإنّه قطع قد اخذ واقعا في موضوع الصحّة لصلاتي المغرب والصبح ، ولهذا لو شك المكلّف في عدد ركعات صلاة الصبح كما لو شكّ بين الاولى والثانية فبنى على الثانية برجاء أن يكون ذلك هو الواقع وانكشف له بعد الانتهاء من الصلاة انّه كان في الثانية واقعا وانّ ما بنى عليه هو المطابق للواقع فإن ذلك لا يصحّح الصلاة ، لأنّ صحّة صلاة الصبح ليس موضوعها الإتيان بركعتين واقعا فحسب بل موضوعها هو القطع بالإتيان بالركعتين ، والمفترض انّ

٣٩٦

جزء الموضوع وهو القطع لم يكن متحقّقا فلا يترتّب الحكم وهو الصحّة.

وبما ذكرناه يتّضح انّ القطع الموضوعي مؤثر واقعا في ترتب الحكم ، وهذا ما يعني انّ موضوعيّته للحكم واقعيّة لا أنّ موضوعيّته تنشأ من مجرّد أخذه في لسان الدليل.

ثمّ انّ القطع الموضوعي ينقسم الى قسمين ، الاوّل يعبّر عنه بالقطع الموضوعي الصفتي ، والثاني يعبّر عنه بالقطع الموضوعي الطريقي ، وبيان المراد من هذين القسمين وما ينقسمان عليه يتمّ تحت عنوان كلّ من القسمين.

* * *

٤٨٨ ـ القطع الموضوعي الصفتي

ذكرنا تحت عنوان « القطع من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة » انّ للقطع حيثيّتين :

الحيثيّة الاولى : انّه من الصفات الواقعيّة المتأصّلة والقائمة بالنفس.

الحيثيّة الثانية : هي حيثيّة كشفه عن متعلّقه ، وهذا هو مبرّر التعبير عنه بأنّه من الصفات ذات الإضافة.

والقطع الموضوعي الصفتي هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم بلحاظ انّه صفة حقيقيّة قائمة بالنفس لا بلحاظ انّه كاشف عن متعلّقه ، فالكاشفيّة ليست ملحوظة في القطع المأخوذ في الموضوع باعتباره صفة نفسانيّة ، فأخذ القطع بنحو الصفتيّة كأخذ الخوف في موضوع حكم ، فكما انّ الخوف قد يؤخذ في موضوع حكم فيكون الحكم مترتّبا على تحقّق الخوف في النفس فكذلك أخذ القطع في الموضوع بنحو الصفتيّة فإنّ الحكم حينئذ يكون مترتبا على تحققه في النفس بقطع النظر عن صلاحيّته للكشف عن متعلّقه.

ثمّ انّ القطع الموضوعي الصفتي ينقسم كما ذكر صاحب الكفاية رحمه‌الله الى قسمين ، إذ تارة يكون القطع الصفتي مأخوذا على انّه تمام الموضوع للحكم وتارة يؤخذ على انّه جزء الموضوع للحكم.

٣٩٧

ومعنى أن يكون القطع الصفتي تمام الموضوع للحكم هو انّ الحكم لا يناط ترتّبه بغير تحقّق القطع في النفس سواء طابق القطع الواقع أو لم يطابقه فانّ تمام الموضوع هو حصول القطع في النفس ، والمفترض حصوله.

فمثلا : عند ما يقال : إذا قطعت بكسوف الشمس وجبت عليك صلاة الآيات ، وافترضنا انّ هذا القطع هو تمام الموضوع لوجوب صلاة الآيات ، فحينئذ يجب على المكلّف أداء الصلاة بمجرّد القطع بكسوف الشمس سواء كانت الشمس منكسفة واقعا أو لا.

وأمّا معنى أن يكون القطع الصفتي جزء الموضوع للحكم فهو انّ الحكم وان كان مترتبا على تحقّق القطع إلاّ انّه ليس مترتبا عليه وحده بل هو مترتّب عليه وعلى مطابقة القطع للواقع ، بمعنى انّه لو تحقّق القطع واتّفق عدم مطابقته للواقع فإنّ الحكم لا يكون مترتّبا واقعا ، كما انّ العكس كذلك ، فلو كان متعلّق القطع متحقّقا واقعا إلاّ انّ المكلّف غير قاطع بذلك فإنّ الحكم أيضا لا يكون مترتّبا.

مثلا : لو قال المولى : إذا قطعت بدخول الوقت وجبت عليك الصلاة ، وعلمنا انّ القطع اخذ في الموضوع على انّه جزء له وكان الجزء الآخر هو دخول الوقت واقعا ، فإنّ المكلّف لو قطع بدخول الوقت ولم يكن الوقت قد دخل واقعا فإنّ وجوب الصلاة لا يكون فعليا ، فلذلك لو صلّى فإنّ عليه اعادة الصلاة بعد دخول الوقت.

* * *

٤٨٩ ـ القطع الموضوعي الطريقي

قلنا انّ للقطع حيثيتين : الاولى انّه من الصفات الواقعيّة القائمة بالنفس ، والحيثيّة الثانية انّه كاشف عن متعلّقه ، والقطع الموضوعي الطريقي هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم بلحاظ انّه كاشف عن متعلّقه وطريق للتحقّق من وجوده ، وهذا ما يقتضي أن يكون الواقع المنكشف دخيلا في ترتّب الحكم بالإضافة الى القطع ، فالقطع الموضوعي الطريقي هو ما يكون

٣٩٨

الكاشف والمنكشف دخيلين في ترتّب الحكم.

ومن هنا أورد السيّد الخوئي رحمه‌الله على صاحب الكفاية رحمه‌الله في تقسيمه للقطع الموضوعي الطريقي الى القطع الموضوعي الطريقي المأخوذ على انّه تمام الموضوع والقطع الموضوعي الطريقي المأخوذ جزء الموضوع ، أورد عليه بأن ذلك مستحيل ، فالقطع الموضوعي الطريقي دائما يكون مأخوذا بنحو جزء الموضوع ، وذلك لأنّ معنى القطع الموضوعي الطريقي هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم على انّه طريق للواقع.

وهذا ما يستوجب أن يكون الواقع دخيلا بالإضافة للقطع في ترتّب الحكم ، وإذا كان شيء آخر غير القطع دخيلا في ترتّب الحكم فهذا معناه انّ القطع ليس تمام الموضوع للحكم بل انّه جزء الموضوع والجزء الآخر هو الواقع.

وافتراض انّ القطع الموضوعي الطريقي تمام الموضوع معناه انّ الحكم يترتّب بمجرّد تحقّق القطع سواء طابق الواقع أو لم يطابقه ، وهذا يقتضي عدم أخذ القطع في الموضوع بنحو الطريقيّة ، إذ معنى أخذه بنحو الطريقيّة أخذه بما هو كاشف عن متعلّقه ، فمتعلّقه وهو الواقع دخيل في ترتب الحكم ، ومن هنا كان افتراض أخذه بنحو الطريقيّة وانّه تمام الموضوع من الجمع بين المتنافيين.

وذلك لما ذكرناه من انّ أخذه بنحو الطريقيّة معناه ملاحظته بما هو كاشف وطريق للواقع ، فالواقع إذن معتبر في موضوع الحكم ، وهذا ما يقتضي انّ القطع انّما يكون جزء الموضوع ، فإذا افترضناه تمام الموضوع كان ذلك مؤدّيا إمّا للتنازل عن أخذه بنحو الطريقيّة وأمّا الجمع بين المتنافيين وهو أخذ القطع تمام الموضوع وأخذه جزء الموضوع.

ومثال ذلك لو قال المولى : إذا قطعت بدخول الوقت وجبت عليك الصلاة ، وافترضنا انّ القطع هنا أخذ في الموضوع بنحو الطريقيّة والكاشفيّة عن متعلّقه « الواقع ».

فهذا يقتضي انّ وجوب الصلاة

٣٩٩

يكون مترتبا على أمرين ، الأوّل هو القطع بدخول الوقت ، والثاني هو دخول الوقت واقعا ، فلو قطع المكلّف بدخول الوقت إلاّ انّ الوقت لم يدخل واقعا فإنّ الوجوب لا يترتّب ، وذلك لأنّ القطع انّما اخذ طريقا للواقع ، ومعنى أخذه طريقا للواقع هو انّ المولى لاحظ القطع واعتبره في الموضوع باعتباره الوسيلة للوقوف على الواقع ، فالواقع في حالات أخذ القطع بنحو الطريقيّة محلّ لاهتمام المولى ، وإذا كان كذلك فالقطع لا يكون تمام الموضوع.

وبهذا يتّضح انّ القطع الموضوعي الطريقي لا يكون له إلاّ فرض واحد وهو أخذه جزء في موضوع الحكم ، ويكون الجزء الآخر هو متعلّق القطع والذي هو الواقع.

* * *

٤٩٠ ـ القطع النوعي

وهو القطع الذي ينشأ عن مبرّرات عقلائيّة ، بمعنى انّ العقلاء لو اطّلعوا على مبرّرات هذا القطع لأوجبت هذه المبرّرات لهم القطع أيضا ، واتّفاق عدم حصول القطع لهم انّما ينشأ عن عدم اطلاعهم على مبرّراته.

وبهذا يتّضح انّ المبرّرات لو كانت تقتضي بنظر العقلاء حصول الاطمئنان أو الظنّ القوي فإنّ حصول القطع معها لا يكون نوعيا بل يكون من القطع الشخصي ، فلا بدّ في القطع النوعي من أن تكون مبرّراته علة تامة لحصول القطع أو قل انّ القطع النوعي لا بدّ وأن يكون نتيجة واقعيّة حتميّة للمبرّرات المتاحة وإلاّ لا يكون نوعيا ، وهذا هو أحد معاني اصابة القطع للواقع.

فإنّ اصابة القطع للواقع تارة يكون بمعنى مطابقة متعلّق القطع للواقع ، وتارة يكون بمعنى انّ القطع نتيجة حتميّة لمبرّراته.

* * *

٤٩١ ـ القول بعدم الفصل

حينما يكون لمسألة من المسائل

٤٠٠