بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الحديث وعلومه الناشر: مؤسسة الوفاء
نسخة غير مصححة

« إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (١) قال علي بن إبراهيم إلى الإمام المستقيم.

« قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » (٢) في الكافي (٣) عن الباقر عليه السلام قال : أتدري من هم قيل أنت أعلم قال « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » المسلمون إن المسلمين هم النجباء وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال : لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي فقالت : « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » الآية.

وأقول تدل الآيات على اشتراط تأثير الإيمان في دخول الجنة بالأعمال وإن أمكن تأويلها بما سيأتي وكذا قوله تعالى « وَيَقُولُونَ آمَنَّا » إلى آخر الآيات تدل على بعض شرائط الإيمان وأن من لم يتحاكم إلى الرسول ولم يرض بحكمه فليس بمؤمن.

« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ » (٤) حمل على الكاملين في الإيمان « الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ » أي من صميم قلوبهم « وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ » كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور « حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ » أي الرسول صلى الله عليه واله « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ » أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك تنبيها على كونه مصداقا لصحة الإيمان ومميزا للمخلص عن المنافق وتعظيما للجرم.

« فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ » (٥) قيل عسى تحقيق على عادة الكرام أو ترجي من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.

« وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ » (٦) أي لا يختبرون وفي المجمع (٧) عن الصادق عليه السلام

__________________

(١) الحج : ٥٤.

(٢) المؤمنون : ٥١.

(٣) الكافي ج ١ ص ٣٩١ وبعده : فالمؤمن غريب فطوبى للغرباء ، ورواه في المحاسن ص ٢٧٢.

(٤) المؤمنون : ٦٢.

(٥) القصص : ٦٧.

(٦) العنكبوت : ١ ـ ٣.

(٧) مجمع البيان ج ٨ ص ٢٧٢.

٤١

معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم. وعن النبي صلى الله عليه واله أنه لما نزلت هذه الآية قال لا بد من فتنة يبتلى بها الأمة ليتعين الصادق من الكاذب لأن الوحي قد انقطع وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.

وفي الكافي (١) عن الكاظم عليه السلام أنه قرأ هذه الآية ثم قال ما الفتنة قيل الفتنة في الدين فقال يفتنون كما يفتن الذهب ثم يخلصون كما يخلص الذهب.

« فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا » أي في الوجود بحيث يتميز الذين صدقوا في الإيمان والذين كذبوا فيه بعد ما كان يعلمهم قبل ذلك أنهم سيوجدون ويمتحنون.

وفي المجمع (٢) عن أمير المؤمنين والصادق عليه السلام أنهما قرءا بضم الياء وكسر اللام فيهما من الإعلام أي ليعرفنهم الناس.

وأقول تدل على أن الإقرار الظاهري غير كاف في الإيمان الواقعي.

« أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ » (٣) أي أحسن جزاء أعمالهم.

« لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ » (٤) أي في جملتهم أو في زمرتهم في الجنة « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ » بلسانه « فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ » أي في دينه أو في ذاته « جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ » أي تعذيبهم وأذيتهم « كَعَذابِ اللهِ » فيرجع عن الدين كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله « وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ » أي فتح وغنيمة « لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ » في الدين فأشركونا فيه والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين ويؤيد الأول « أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ » أي من الإخلاص والنفاق « وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا » بقلوبهم « وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ » فيجازي الفريقين.

« وَقُولُوا » (٥) أي لأهل الكتاب في المجادلة وفي الدعوة إلى الدين فلا

__________________

(١) الكافي ج ١ ص ٣٧٠.

(٢) مجمع البيان ج ٨ ص ٢٧١.

(٣) العنكبوت : ٧.

(٤) العنكبوت : ٩ ـ ١١.

(٥) العنكبوت : ٤٦ و ٤٧.

٤٢

يدل على اشتراط الإيمان بالقول « فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » أي علمه أي مؤمنو أهل الكتاب « وَمِنْ هؤُلاءِ » يعني من العرب أو من أهل مكة أو ممن في عهد الرسول صلى الله عليه واله من أهل الكتاب « مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ » أي بالقرآن « وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا » مع ظهورها وقيام الحجة عليها « إِلاَّ الْكافِرُونَ » المتوغلون في الكفر.

« يُتْلى عَلَيْهِمْ » (١) أي تدوم تلاوته عليهم « إِنَّ فِي ذلِكَ » أي الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة مبينة « لَرَحْمَةً » أي لنعمة عظيمة « وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » أي تذكرة لمن همه الإيمان دون التعنت.

« لَنُبَوِّئَنَّهُمْ » (٢) لننزلنهم « مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » المخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله وهو الجنة أو الغرف « الَّذِينَ صَبَرُوا » على المحن والمشاق في الدين « وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » أي لا يتوكلون إلا على الله.

« فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ » (٣) قيل أي أرض ذات أزهار وأنهار « يُحْبَرُونَ » أي يسرون سرورا تهللت له وجوههم وقال علي بن إبراهيم أي يكرمون.

« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً » (٤) قيل أي مائلا مستقيما عليه وقيل هو تمثيل للإقبال واستقامة عليه والاهتمام به وقال علي بن إبراهيم أي طاهرا وروى هو والكليني (٥) عن الباقر عليه السلام أنه قال : هو الولاية وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام قال : أمره أن يقيم وجهه لقبلة ليس فيه شيء من عبادة الأوثان.

« فِطْرَتَ اللهِ » نصب على الإغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها « الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » أي خلقهم عليها قيل وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها.

__________________

(١) العنكبوت : ٥١.

(٢) العنكبوت : ٥٨ و ٥٩.

(٣) الروم : ١٥.

(٤) الروم : ٣٠ ـ ٣٢.

(٥) الكافي ج ١ ص ٤١٩.

٤٣

وفي الكافي (١) عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما تلك الفطرة قال هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » (٢) وفيهم المؤمن والكافر.

وفي كثير من الأخبار (٣) فطرهم على التوحيد وفي بعضها فطرهم على الولاية وفي بعضها فطرهم على التوحيد ومحمد رسول الله صلى الله عليه واله وآله وعلي أمير المؤمنين عليه السلام (٤).

وعن الباقر عليه السلام (٥) فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة أنه ربهم قال لو لا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم وقد مضت الأخبار والأقوال في ذلك في كتاب العدل.

« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ » أي لا يقدر أحد أن يغيره أو لا ينبغي أن يغير « ذلِكَ » إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة « الدِّينُ الْقَيِّمُ » أي المستوي الذي لا عوج فيه « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » أي استقامته « مُنِيبِينَ إِلَيْهِ » أي راجعين إليه مرة بعد أخرى « مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ » أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم وقرأ حمزة والكسائي فارقوا أي تركوا « وَكانُوا شِيَعاً » أي فرقا يشايع كل إمامها الذي أصل دينها « كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » أي مسرورون ظنا بأنه الحق (٦).

« لِلدِّينِ الْقَيِّمِ » أي البليغ الاستقامة « لا مَرَدَّ لَهُ » لتحتم مجيئه « يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ » أصله يتصدعون أي يتفرقون « فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ».

__________________

(١) الكافي ج ٢ ص ١٢.

(٢) الأعراف : ١٧٢.

(٣) راجع الكافي كتاب الإيمان والكفر باب فطرة الخلق على التوحيد.

(٤) راجع الكافي ج ١ ص ٤١٢ وتراه في كشف الحق بروايته عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ج ١ ص ٩٣.

(٥) تفسير العياشي ج ٢ ص ٤٠.

(٦) الروم : ٤٣.

٤٤

« لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ » (١) قيل أي لهم نعيم جنات فعكس للمبالغة.

« خالِدِينَ فِيها » حال من الضمير في لهم أو من جنات النعيم « وَعْدَ اللهِ حَقًّا » مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لأن قوله « لَهُمْ جَنَّاتُ » وعد وليس كل وعد حقا « وَهُوَ الْعَزِيزُ » الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده « الْحَكِيمُ » الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.

« بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً » (٢) أي على سائر الأمم أو على أجر أعمالهم « وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » أي لا تعب فيه ولا من عليه.

« وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » (٣) أي الكافر والمؤمن « وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ » أي ولا الباطل ولا الحق « وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ » أي ولا الثواب ولا العقاب ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد والحرور من الحر غلب على السموم.

وقال علي بن إبراهيم : الظل الناس والحرور البهائم وكأنهم إنما سموا ظلا لتعيشهم في الظلال والبهائم حرورا لتعيشهم فيها وفي بعض النسخ للناس وللبهائم وهو أصوب وفي بعضها ولا الحرور والحرور السمائم وهو أظهر منهما.

« وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ » تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل للعلماء والجهلاء « إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ » هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته « وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ » أي المصرين على الكفر.

وقال علي بن إبراهيم قال هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع من في القبور.

« مَنْ كانَ حَيًّا » (٤) قال ره يعني مؤمنا حي القلب وفي المجمع عن

__________________

(١) لقمان : ٨ و ٩.

(٢) الأحزاب : ٤٧.

(٣) فاطر : ١٩.

(٤) يس : ٧٠.

٤٥

أمير المؤمنين عليه السلام أي عاقلا « وَيَحِقَّ الْقَوْلُ » أي تجب كلمة العذاب « عَلَى الْكافِرِينَ » (١).

« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ » (٢) أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله وتعظيما لأهله « وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » في الأخبار الكثيرة للذين آمنوا بولايتهم عليهم السلام « رَبَّنا » أي يقولون ربنا « وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً » أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء « فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ » قيل أي للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق « وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ».

« رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ » أي إياها « وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ » عطف على هم الأول أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » الذي لا يمتنع عليه مقدور « الْحَكِيمُ » الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ومن ذلك الوفاء بالوعد.

« وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ » أي العقوبات أو جزاء السيئات أو المعاصي في الدنيا لقوله « وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ » أي ومن تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة « وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما.

« وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ » (٣) قيل أي بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله ورحمة ولعل جعل العمل عمدة والإيمان حالا للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك.

« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا » (٤) قيل أي بالحجة والظفر والانتقام من الكفرة « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » الأشهاد جمع شاهد والمراد بهم من يقوم

__________________

(١) مجمع البيان ج ٨ ص ٤٣٢.

(٢) المؤمن : ٦ ـ ٩.

(٣) المؤمن : ٤٠.

(٤) المؤمن : ٥١.

٤٦

يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.

وقال علي بن إبراهيم هو في الرجعة إذا رجع رسول الله صلى الله عليه واله والأئمة عليهم السلام وروى بإسناده عن الصادق عليه السلام قال : ذلك والله في الرجعة أما علمت أن أنبياء الله كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا والأئمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا وذلك في الرجعة.

« وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » (١) أي الجاهل والمستبصر « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ » أي ولا يستوي المؤمن المحسن والمسيء مؤمنا كان أو غيره « قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ » أي تذكرا ما قليلا تتذكرون.

« فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا » (٢) أي عذابنا النازل بهم قال في المجمع (٣) أي عند رؤيتهم بأس الله وعذابه لأنهم يصيرون عند ذلك ملجئين وفعل الملجإ لا يستحق به المدح « سُنَّتَ اللهِ » نصبها على المصدر أي سن الله هذه السنة في الأمم الماضية كلها إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب والمراد بالسنة هنا الطريقة المستمرة من فعله بأعدائه الجاحدين « وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ » بدخول النار واستحقاق النقمة وفوت الثواب والجنة.

وفي العيون (٤) عن الرضا عليه السلام أنه سئل لأي علة غرق الله فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده قال لأنه آمن عند رؤية البأس والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله عز وجل « فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا » الآيتين (٥).

__________________

(١) المؤمن : ٥٨.

(٢) المؤمن : ٨٤ و ٨٥.

(٣) مجمع البيان ج ٨ ص ٥٣٥.

(٤) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ج ٢ ص ٧٧ ـ ط دار العلم قم.

(٥) قال بعد ذلك : ولعلة أخرى أغرق الله عز وجل فرعون وهي انه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله ، فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى لم تغث فرعون لانك لم تخلقه ، ولو استغاث بى لاغثته. أقول : العلة الأولى لعدم قبول ايمانه ، وهذه وجه عدم اغاثته ونجاته من الغرق.

٤٧

وقال الرازي في تفسيره فإن قيل اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه حتى يكون المرء مختارا أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا ينفع.

قوله « غَيْرُ مَمْنُونٍ » (١) أي لا يمن به عليكم أو غير مقطوع.

« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ » (٢) أي قرر لكم دين نوح ومحمد ومن بينهما من أرباب الشرائع عليهم السلام وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله « أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ » وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله « وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » أي ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ».

« كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ » أي عظم عليهم « ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » من التوحيد (٣) « اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ » أي يجتلب إليه والضمير لما تدعوهم أو للدين « وَيَهْدِي إِلَيْهِ » بالإرشاد والتوفيق « مَنْ يُنِيبُ » أي يقبل إليه.

وقال علي بن إبراهيم (٤) هم الأئمة الذين اختارهم واجتباهم وعن الصادق عليه السلام « أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ » قال الإمام « وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » كناية عن أمير المؤمنين « ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » من ولاية علي عليه السلام « مَنْ يَشاءُ » كناية عن علي عليه‌السلام وسيأتي خبر طويل في تأويل هذه الآية.

__________________

(١) فصلت : ٨.

(٢) الشورى : ١٣.

(٣) في الكافي ج ١ ص ٤١٨ في حديث الرضا عليه‌السلام أن المراد كبر على المشركين بولاية علي عليه‌السلام ما تدعوهم إليه يا محمد من ولاية على ، هكذا في الكتاب مخطوطة.

(٤) وهكذا رواه في كنز جامع الفوائد ص ٢٨٤.

٤٨

« فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ » (١) قيل أي في أطيب بقاعها وأنزهها « لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ » أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم « ذلِكَ » إشارة إلى ما للمؤمنين « هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ » الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا « ذلِكَ الَّذِي » أي ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد أو « ذلِكَ » التبشير « الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ.

«وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا » (٢) قيل أي يستجيب الله لهم فحذف اللام والمراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة أو يستجيبون الله بالطاعة إذا دعاهم إليها وفي المجمع (٣) عن ابن عباس في حديث طويل أن الأنصار عرضوا على النبي صلى الله عليه واله أموالهم فنزلت « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » فخرجوا من عنده مسلمين وقال المنافقون إن هذا الشيء افتراء وساق إلى قوله وقال « وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا » وهم الذين سلموا لقوله.

وفي الكافي (٤) عن الباقر عليه السلام قال : هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك آمين ويقول العزيز الجبار ولك مثلا ما سألت لحبك إياه.

وفي المجمع (٥) عن النبي صلى الله عليه واله قال : « وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن إليهم في الدنيا.

« الَّذِينَ آمَنُوا » (٦) صفة للمنادي في قوله « يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ تُحْبَرُونَ » أي تسرون أو تزينون أو تكرمون إكراما يبالغ فيه.

« فِي رَحْمَتِهِ » (٧) التي من جملتها الجنة « ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ » لخلوصه

__________________

(١) الشورى : ٢٢ و ٢٣.

(٢) الشورى : ٢٦.

(٣) مجمع البيان ج ٩ ص ٢٩.

(٤) الكافي ج ٢ ص ٥٠٧.

(٥) مجمع البيان ج ٩ ص ٣٠.

(٦) الزخرف : ٦٩ ـ ٧٠.

(٧) الجاثية : ٣٠.

٤٩

عن الشوائب.

« قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا » (١) قيل أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل وثم للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد وقال علي بن إبراهيم استقاموا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام « فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » من لحوق مكروه « وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » على فوات محبوب.

« وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ » (٢) قال علي بن إبراهيم نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله الذين ارتدوا بعده وغصبوا أهل بيته حقهم وصدوا عن أمير المؤمنين وعن ولاية الأئمة عليهم السلام « أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ » أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله صلى الله عليه واله من الجهاد والنصر.

وروي عن الصادق عليه السلام في قوله « وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ » قال بما نزل على محمد في علي هكذا نزلت « كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ » قال نزلت في أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد لم ينقضوا العهد قال « وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ » أي أثبتوا على الولاية التي أنزلها الله « وَهُوَ الْحَقُ » يعني أمير المؤمنين عليه السلام « بالَهُمْ » أي حالهم.

« ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ » قال وهم الذين اتبعوا أعداء رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وروي عن الصادق عليه السلام قال : في سورة محمد صلى الله عليه واله آية فينا وآية في أعدائنا (٣).

« مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا » (٤) أي ناصرهم على أعدائهم وقال علي بن إبراهيم يعني الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام « لا مَوْلى لَهُمْ » فيدفع العذاب عنهم.

__________________

(١) الأحقاف : ١٣.

(٢) القتال : ١ ـ ٣.

(٣) راجع مجمع البيان ج ٩ ص ٩٥ ، ورواه في كنز جامع الفوائد ص ٣٠٢ و ٣٣٤ عن علي عليه‌السلام.

(٤) القتال : ١١.

٥٠

« لِيُدْخِلَ » (١) قيل أي فعل ما فعل ودبر ما دبر ليدخل « وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ » أي يغطيها ولا يظهرها « فَوْزاً عَظِيماً » لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر.

« وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » (٢) أي أنزل عليهم الثبات والوقار « وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى » أي كلمة بها يتقى من النار أو هي كلمة أهل التقوى وقال الأكثر هي كلمة الشهادة وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه واله وعن الصادق عليه السلام هي الإيمان وعن النبي صلى الله عليه واله في وصف علي عليه السلام هو الكلمة التي ألزمتها المتقين (٣).

وفي أخبار كثيرة عنهم عليهم السلام نحن كلمة التقوى أي ولايتهم « وَكانُوا أَحَقَّ بِها » أي بتلك الكلمة من غيرهم « وَأَهْلَها » أي المستأهل لها « وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » فيعلم أهل كل شيء وييسره له.

« حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ » (٤) أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته وبما وعد من الثواب عليه « وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » بالألطاف الداعية إليه وفيه إشعار بأن الإيمان من فعل القلب « وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ » بما وصف من العقاب عليه وبوجوه الألطاف الصارفة عنه « وَالْفُسُوقَ » أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي « وَالْعِصْيانَ » أي جميع المعاصي وقيل الفسوق الكذب وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (٥).

وفي الكافي وغيره (٦) عن الصادق عليه السلام أن الإيمان أمير المؤمنين عليه السلام والثلاثة

__________________

(١) الفتح : ٥.

(٢) الفتح : ٢٦.

(٣) منها ما تراه في ج ٣٥ ص ٣٠٠ من هذه الطبعة في روايات المعراج ، وتراه في ج ٣٦ ص ٥٥ باب أنه عليه‌السلام كلمة الله أحاديث في ذلك.

(٤) الحجرات : ٧ و ٨.

(٥) رواه الطبرسي في مجمع البيان ج ٩ ص ١٣٣.

(٦) راجع الكافي ج ١ ص ٤٢٦ ، مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٣٤٣ تفسير القمي ص ٦٤٠.

٥١

الثلاثة على الترتيب وفي المحاسن (١) عنه عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية وقيل له هل للعباد فيما حبب الله صنع قال لا ولا كرامة.

وفي الكافي (٢) عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الحب والبغض أمن الإيمان هو فقال وهل الإيمان إلا الحب والبغض ثم تلا هذه الآية.

« أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » يعني أولئك الذين فعل بهم ذلك هم الذين أصابوا الطريق السوي.

« إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ » (٣) أي في محمد صلى الله عليه واله شاعر أو مجنون أو منكم مكذب ومنكم مصدق ومنكم شاك أو في القرآن أنه سحر أو كهانة أو ما سطره الأولون « يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » الضمير للرسول صلى الله عليه واله أو القرآن أو الإيمان أي من صرف عنه صرف عن الخيرات كلها أو لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسبة إليه أو يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه.

« تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » (٤) أي من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بصيرة.

« مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ » (٥) أي من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي حقيقة له لا لكم أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها « وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ » أي أيما عذر لكم في ترك الإيمان « وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ » إليه بالحجج والبينات « وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ » أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه « مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

__________________

(١) المحاسن : ١٩٩.

(٢) الكافي ج ٢ ص ١٢٥. وتراه في المحاسن ص ٢٦٢.

(٣) الذاريات : ٨ و ٩.

(٤) الذاريات : ٥٥.

(٥) الحديد : ٧ ـ ٩.

٥٢

« يَسْعى نُورُهُمْ » (١) قيل أي ما يهتدون به إلى الجنة « بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » من حيث يؤتون صحائف أعمالهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين « بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ » أي يقولون لهم من يتلقاهم من الملائكة « بُشْراكُمُ » أي المبشر به جنات أو بشراكم دخول جنات « ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » إشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة.

« أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ » (٢) في التهذيب عن السجاد عليه السلام إن هذه لنا ولشيعتنا وفي المحاسن (٣) عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال : ما من شيعتنا إلا صديق شهيد قيل أنى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فرشهم فقال أما تتلوا كتاب الله في الحديد « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ » قال لو كان الشهداء ليس إلا كما يقولون كان الشهداء قليلا.

أقول سيأتي أخبار كثيرة في ذلك وقد مر بعضها.

« لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ » أي أجر الصديقين والشهداء ونورهم.

« سابِقُوا » (٤) أي سارعوا مسارعة السابقين في المضمار « إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » أي إلى موجباتها « كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » قيل أي كعرض مجموعهما إذا بسطتا.

« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » (٥) أي بالرسل المتقدمة « اتَّقُوا اللهَ » فيما نهاكم عنه « يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ » أي نصيبين « مِنْ رَحْمَتِهِ » لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله « وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » قيل يريد المذكور في قوله « يَسْعى نُورُهُمْ » أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس.

وقال علي بن إبراهيم (٦) « كِفْلَيْنِ » نصيبين « مِنْ رَحْمَتِهِ » أحدهما أن

__________________

(١) الحديد : ١٢.

(٢) الحديد : ١٩.

(٣) المحاسن : ١٦٣. والحديث عن زيد بن أرقم عن الحسين بن على عليهما‌السلام وفيه قال : قلت جعلت فداك أنى يكون ذلك إلخ.

(٤) الحديد : ٢١.

(٥) الحديد : ٢٨.

(٦) تفسير القمي : ٦٦٦.

٥٣

لا يدخله النار وثانيهما أن يدخله الجنة « وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً » يعني الإيمان.

وعن الصادق عليه السلام (١) « كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ » قال الحسن والحسين و « نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » يعني إماما تأتمون به وفي المناقب قال : والنور علي عليه‌السلام.

« لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ » (٢) « الْجَنَّةِ » قيل أي لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار « هُمُ الْفائِزُونَ » بالنعيم المقيم.

« تُؤْمِنُونَ » (٣) استئناف مبين للتجارة وهو الجمع بين الإيمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم والمراد به الأمر وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك « ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ » يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله.

« يَغْفِرْ لَكُمْ » جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر أو بشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره إن تؤمنوا وتجاهدوا أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم « ذلِكَ » إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.

« وَأُخْرى » أي ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى وقيل مبتدأ خبره « نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ » فتح مكة وفي تفسير علي بن إبراهيم يعني في الدنيا بفتح القائم عليه السلام « وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » عطف على محذوف مثل قل يا أيها الذين آمنوا وبشر أو على تؤمنون به فإنه في معنى الأمر.

« مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ » (٤) أي من جندي متوجها إلى نصرة الله والحواريون أصفياؤه « فَآمَنَتْ طائِفَةٌ » أي بعيسى « فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا » أي بالحجة أو بالحرب وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام « فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ » أي فصاروا غالبين.

« وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ » (٥) أي لله الغلبة والقوة ولمن أعزه

__________________

(١) الكافي ج ١ ص ٤٣٠ ، كنز جامع الفوائد : ٣٣٤.

(٢) الحشر : ٢٠.

(٣) الصف : ١٠.

(٤) الصف : ١٤.

(٥) المنافقون : ٨.

٥٤

من رسوله والمؤمنين « وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ » من فرط جهلهم وغرورهم.

« وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا » (١) ذهب أكثر المفسرين إلى أنه القرآن وقال علي بن إبراهيم (٢) النور أمير المؤمنين عليه السلام وفي الكافي (٣) عن الكاظم عليه السلام الإمامة هي النور وذلك قوله تعالى : « فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا » قال النور هو الإمام.

وعن الباقر عليه السلام (٤) أنه سئل عن هذه الآية فقال النور والله الأئمة الخبر والأخبار في ذلك كثيرة أوردناها في كتاب الإمامة (٥).

« يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ » (٦) لأجل ما فيه من الحساب والجزاء والجمع جمع الأولين والآخرين « ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ » يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس وفي معاني الأخبار (٧) عن الصادق عليه السلام يوم يغبن أهل الجنة أهل النار.

« وَيَعْمَلْ صالِحاً » أي عملا صالحا « ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » إشارة إلى مجموع الأمرين ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.

« يَهْدِ قَلْبَهُ » (٨) قيل أي للثبات والاسترجاع عند حلول المصيبة وقال علي بن إبراهيم أي يصدق الله في قلبه فإذا بين الله له اختار الهدى ويزيده الله كما قال « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ».

وفي الكافي (٩) عن الصادق عليه السلام قال : إن القلب ليترجج فيما بين الصدر

__________________

(١) التغابن : ٨.

(٢) تفسير القمي ص ٦٨٣.

(٣) الكافي ج ١ ص ١٩٦.

(٤) الكافي ج ١ ص ١٩٤ و ١٩٥ حديثان.

(٥) راجع ج ٣٢ ص ٣ ـ ٣٢٥.

(٦) التغابن : ٩.

(٧) معاني الأخبار ص ١٥٦.

(٨) التغابن : ١١.

(٩) الكافي ج ٢ ص ٤٢١.

٥٥

والحنجرة حتى يعقد على الإيمان فإذا عقد على الإيمان قر وذلك قول الله عز وجل « وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ».

أقول : كأنه عليه السلام قرأ بالهمز ورفع قلبه كما قرأ في الشواذ (١) منسوبا إلى عكرمة وعمرو بن دينار أو هو بيان لحاصل المعنى فيوافق القراءة المشهورة أيضا أي يهدي الله قلبه فيسكن.

« ذِكْراً رَسُولاً » (٢) عن الرضا عليه السلام أن الذكر هنا هو الرسول (٣) ونحن أهل الذكر.

وقال البيضاوي يعني بالذكر جبرئيل عليه السلام لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر وهو القرآن أو لكونه مذكورا في السماوات أو ذا ذكر أي شرف أو محمدا صلى الله عليه واله لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه.

وعبر عن إرساله بالإنزال ترشيحا أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه وأبدل عنه رسولا للبيان أو أراد به القرآن ورسولا منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكرا والرسول مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة « مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » من الضلالة إلى الهدى « قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً » قيل فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب.

« وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » (٤) عطف على النبي صلى الله عليه واله إحمادا لهم وتعريضا لمن ناواهم وقيل مبتدأ خبره « نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ».

في المجمع (٥) عن الصادق في هذه الآية قال يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة وروى علي بن

__________________

(١) راجع مجمع البيان ج ١٠ ص ٢٩٩.

(٢) الطلاق : ١٠ ـ ١١.

(٣) وذلك لان « رسولا » بيان أو بدل عن « ذكرا » ولا يلزم كون الرسول منزلا فان التقدير انا انزلنا اليكم ذكرا بل انا أرسلنا اليكم رسولا ».

(٤) التحريم : ٩.

(٥) مجمع البيان ج ١٠ ص ٣١٨ وهكذا رواه علي بن إبراهيم في تفسيره ص ٤٥٩.

٥٦

إبراهيم مثله وعن الباقر عليه السلام فمن كان له نور يومئذ نجا وكل مؤمن له نور « يَقُولُونَ » إذا طفئ أنوار المنافقين. « رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا » وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا.

« أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا » (١) يقال كببته فأكب وهو من الغرائب أي يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه ولذلك قابله بقوله « أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا » أي قائما سالما من العثار « عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » أي مستوي الأجزاء أو الجهة.

والمراد تشبيه المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين وقيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب وبالسوي البصير وقيل من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.

وفي الكافي (٢) عن الكاظم عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي عليه السلام كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره وجعل من تبعه « سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » والصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه‌السلام.

« أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ » (٣) إنكار لقولهم إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا « ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » التفات فيه تعجيب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.

« فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً » (٤) أي نقصا في الجزاء أو أن يرهقه ذلة وقال علي بن إبراهيم البخس النقصان والرهق العذاب.

__________________

(١) الملك : ٢٠.

(٢) الكافي ج ١ ص ٤٣٣.

(٣) القلم : ٣٥.

(٤) الجن : ١٣.

٥٧

وفي الكافي (١) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال : قلت قوله « لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ » قال الهدى الولاية آمنا بمولانا فمن آمن بولاية مولاه « فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً » قلت تنزيل قال : لا تأويل.

« يَضْحَكُونَ » (٢) أي يستهزءون « وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ » أي يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم « انْقَلَبُوا فَكِهِينَ » أي ملتذين بالسخرية منهم.

وقال علي بن إبراهيم « إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا » الأول والثاني ومن تبعهما « يَتَغامَزُونَ » برسول الله إلى آخر السورة.

وفي المجمع (٣) قيل نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآيات قبل أن يصل علي وأصحابه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وعن ابن عباس (٤) « إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا » منافقو قريش و « الَّذِينَ آمَنُوا » علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

« وَإِذا رَأَوْهُمْ » (٥) أي وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال « وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ » أي على المؤمنين « حافِظِينَ » يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » حين يرونهم أذلاء مغلولين في النار.

وروي (٦) أنه يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم أخرجوا إليها فإذا

__________________

(١) الكافي ج ١ ص ٤٣٣ ، في حديث.

(٢) المطففين : ٢٨.

(٣) مجمع البيان ج ١٠ ص ٤٥٧.

(٤) رواه أيضا في المجمع عن أبي القاسم الحسكانى في كتاب شواهد التنزيل.

(٥) المطففين : ٣٢.

(٦) رواه الطبرسي عن أبي صالح ج ١٠ ص ٤٥٧.

٥٨

وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم « هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ » أي أثيبوا وجوزوا « ما كانُوا يَفْعَلُونَ » من السخرية بالمؤمنين والاستفهام للتقرير.

« غَيْرُ مَمْنُونٍ » (١) أي غير مقطوع أو ممنون به عليهم كما مر « ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ » (٢) إذ الدنيا وما فيها يصغر دونه.

« وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » (٣) أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله تعالى والمرحمة الرحمة على عبادة أو بموجبات رحمة الله « أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ » أي اليمين أو اليمن وقال علي بن إبراهيم أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام.

« وَالْعَصْرِ » قيل أقسم بصلاة العصر أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » أي في خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم « إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية « وَتَواصَوْا بِالْحَقِ » بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب.

وفي الإكمال عن الصادق عليه السلام قال : « الْعَصْرِ » عصر خروج القائم عليه السلام « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » يعني أعداءنا « إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا » يعني بآياتنا « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » يعني بمواساة الإخوان « وَتَواصَوْا بِالْحَقِ » يعني الإمامة « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » يعني بالعشرة.

وقال علي بن إبراهيم « إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا » بولاية أمير المؤمنين عليه السلام « وَتَواصَوْا بِالْحَقِ » ذرياتهم ومن خلفوا بالولاية تواصوا بها وصبروا عليها.

وفي المجمع (٤) عن علي عليه السلام وعلي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام أنهما قرءا « وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » وإنه فيه إلى آخر الدهر.

__________________

(١) الانشقاق : ٢٥ والتين ٦.

(٢) البروج : ج ١٢.

(٣) البلد : ١٧.

(٤) مجمع البيان ج ١٠ ص ٥٣٦.

٥٩

الأخبار

١ ـ ع : علل الشرائع عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن عفان عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن على الله فيجيز أمانه (١).

بيان : يؤمن على الله أي يدعو ويشفع لغيره في الدنيا والآخرة فيستجاب له وتقبل شفاعته فيه وسيأتي التخصيص بالأخيرة.

٢ ـ سن : المحاسن عن ابن يزيد عن مروك بن عبيد عن سنان بن طريف عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : لم سمي المؤمن مؤمنا فقلت لا أدري إلا أنه أراه يؤمن بما جاء من عند الله فقال صدقت وليس لذلك سمي المؤمن مؤمنا فقلت لم سمي المؤمن مؤمنا قال إنه يؤمن على الله يوم القيامة فيجيز أمانه (٢).

٣ ـ ع : علل الشرائع عن أبيه عن الحميري عن هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله ألا أنبئكم لم سمي المؤمن مؤمنا لإيمانه الناس على أنفسهم وأموالهم ألا أنبئكم من المسلم من سلم الناس من يده ولسانه الخبر (٣).

بيان : فيه إيماء إلى أنه يشترط في الإيمان أو كماله أن لا يخافه الناس على أنفسهم وأموالهم وكذا الإسلام.

٤ ـ شي : تفسير العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قول الله « بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » (٤) قال هي الإيمان بالله يؤمن بالله وحده (٥).

__________________

(١) علل الشرائع ج ٢ ص ٢١٩.

(٢) المحاسن : ٣٢٩.

(٣) علل الشرائع : ٢١٩.

(٤) البقرة : ٢٥٦.

(٥) تفسير العياشي ج ١ ص ١٣٨.

٦٠