من وحي الإسلام - ج ٢

الشيخ حسن طراد

من وحي الإسلام - ج ٢

المؤلف:

الشيخ حسن طراد

المحقق: المترجم:
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع الناشر: دار الزهراء
نسخة غير مصححة

بيان الامور المساعدة على إستجابة الدعاء

ذكروا للدعاء أدابا معينة تساهم بطبعها في استجابة الدعاء وهي كما يلي :

الاول : الطهارة بأن يكون الداعي على وضوء او غسل مغن عنه وذلك لان الطهارة من الحدث نور معنوي ونقاء روحي يساعد على القرب من ساحة الرحمة الإلهية والعناية السماوية.

الثاني : شم الطيب ـ لان شم الطيب المادي يعطي النفس عطرا معنويا وشذا روحيا وهذا امر محبوب لله سبحانه فيقتضي القرب منه والدنو من نيل الرحمة واستجابة الدعوة ولذلك ورد في الروايات استحباب التطيب في الصلاة وان ذلك يزيد في ثوابها.

الثالث : استقبال القبلة لانه رمز توجه الإنسان المؤمن بقلبه ومشاعره الى مصدر الرحمة ومنبع الفيض والعطاء واستجابة الدعاء وحيث ان الدعاء عبادة بل هو مخ العبادة كما قيل ـ فيترجح الحاقه بالصلاة التي هي عمود الدين بالتوجه الى نفس الجهة التي يتوجه اليها بالصلاة.

الرابع : حضور القلب ـ وملاحظة هذا الامر في الدعاء واضحة الاهمية وذلك لان الدعاء رجوع الى مصدر الخير والعطاء وحضور القلب وتوجه النفس الى بارئها العظيم يساهم مساهمة فعالة في القرب من ساحة الرحمة ويمهد لاستجابة الدعوة ـ.

الخامس : حسن الظن بالله سبحانه ـ لما ورد في الحديث القدسي من قوله تعالى : « أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن بي إلاّ خيرا ».

السادس : الصدقة قبل الدعاء ـ وذلك لان الصدقة محبوبة لله فتسبب محبوبية المتصدق بها ويؤكد ذلك الكلمة المشهورة القائلة : « الخلق عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله ».

٢١

وبقدر ما يكون المؤمن محبوبا له سبحانه يكون قريبا من رحمته وعنايته وإجابة طلبه ولذلك كانت مصدرا لدفع البلاء وقد أبرم إبراما.

السابع : ان لا يسأل محرما ولا قطيعة رحم ـ والوجه في ذلك واضح لان نفس هذا السؤال مبغوض لله سبحانه ومبعد عن رحمته فلا يتوقع ترتب اي اثر ايجابي عليه ومساعدة من قبل الله المحرم له والناهي عنه.

الثامن : الالحاح بالدعاء ـ وذلك لان الدعاء نفسه عبادة وتقرب من الله سبحانه وبقدر ما يكثر الدعاء ترقى درجة القرب منه تعالى وذلك يساعد على اجابة الدعاء وتحقق المطلوب ولذلك روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : ان الله يحب السائل اللجوج وروي عن الباقر قوله عليه‌السلام :

لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجة الا قضاها له.

التاسع : تسمية الحاجة ـ لقول الصادق عليه‌السلام : « ان الله يعلم ما يريد العبد اذا دعاه لكنه يحب ان يبث اليه الحوائج فإذا دعوت فسم حاجتك ».

العاشر : الاسرار بالدعاء ليبعده ذلك عن الرياء قال سبحانه :

( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) (١).

وروي عن الرضا عليه‌السلام قوله : « دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية ».

الحادي عشر : التعميم في الدعاء لقول الرسول ( ص ) اذا دعا احدكم فليعمم فإنه اوجب للدعاء ـ ومعنى التعميم في الدعاء ان يشرك معه اخوانه المؤمنين بأن يقول :

« اللهم اغفر لي ولاخواني المؤمنين او يقول : اللهم اغفر لنا ».

__________________

(١) سورة الاعراف ، آية : ٥٥.

٢٢

الثاني عشر : الاجتماع في الدعاء ـ قال الصادق عليه‌السلام ما من رهط مؤمنين اربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله في امر الا استجيب لهم ـ فإن لم يكونوا اربعين فأربعة يدعون الله عشر مرات ـ فإن لم يكونوا اربعة فواحد يدعو الله اربعين مرة فيستجيب الله العزيز الجبار له.

الثالث عشر : تقديم الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال الصادق عليه‌السلام : إياكم اذا اراد احدكم ان يسأل الله شيئا من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله عز وجل والمدحة له والصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يسأل حوائجه.

وقال الصادق عليه‌السلام : لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلي على محمد وآل محمد ،

الرابع عشر : ختم الدعاء بالصلاة على محمد وآل محمد قال الصادق عليه‌السلام من كانت له الى الله حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآل محمد ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد فإن الله عز وجل اكرم من ان يقبل الطرفين ويدع الوسط اذ كانت الصلاة على محمد وآله لا تحجب عنه.

الخامس عشر : الاقسام على الله بمحمد وآله الطيبين الطاهرين.

السادس عشر : ان يعقب بما روي عن الصادق عليه‌السلام من قوله : ما شاء الله لا قوة الا بالله.

السابع عشر : تخليص الذمة من مظالم العباد قال الصادق عليه‌السلام : متحمل مظالم المخلوقين مردود الدعوة.

الثامن عشر : ان يكون في اليد خاتم عقيق او فيروزج.

التاسع عشر : ان يكون بعد الدعاء خيرا منه قبله فإن الذنوب الواقعة بعد الدعاء ربما منعت من تنفيذه ولذلك قال أهل البيت في دعائهم :

« واعوذ من الذنوب التي تحبس القسم » ومعناه النصيب والسهم من

٢٣

العطاء المطلوب.

العشرون : الاقلاع عن الذنوب وترك المحرمات ـ قال الصادق عليه‌السلام : ان من الذنوب التي ترد الدعاء عقوق الوالدين وفسرت بسوء النية وخبث السريرة والنفاق مع الاخوان وتأخير الصلاة المفروضة حتى تذهب اوقاتها.

الواحد والعشرون : ان لا يكون الدعاء ملحونا مهما امكن بل روي ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله تعالى.

والوجه العام لفاعلية وتأثير هذه الامور كلها في استجابة الدعاء غالبا هو انها تجعل المؤمن الداعي على حالة قرب من الله سبحانه نفسيا وروحيا وتزيل بعض الحواجز التي تحول بين العبد ورحمة السماء كما هو مضمون السابع عشر والتاسع عشر والعشرون من الامور المذكورة.

وهناك امور اخرى تساعد على استجابة الدعاء وهي انواع منها ما له علاقة بزمان الدعاء كيوم الجمعة وليلته وآخر ساعة منه وشهر رمضان المبارك وليالي القدر الثلاث ويتأكد في الثالثة والعشرون وليلة عرفة ويومها وليلة المبعث ويومه وليالي الاعياد الثلاثة الغدير والاضحى والفطر وايامها وليلة اول رجب (١) وليلة النصف من شعبان ويوم مولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعند نزول المطر وعند طلوع الفجر الى طلوع الشمس وعند رفع الاذان وغير ذلك. ومنها امور ترجع الى مكان الدعاء كالمسجد والكعبة وعرفات والمزدلفة وعند قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحائر الحسيني وسائر المشاهد المقدسة المنسوبة للانبياء والأئمة عليهم‌السلام ومنها امور ترجع الى الفعل كأعقاب الصلوات والمريض لعائده والسائل لمعطيه ودعوة الحاج لمتلقيه ومنها مايرجع الى حالة الداعي كدعاء الصائم فإنه لا يرد وكذلك المريض والحاج المعتمر ودعاء الوالد لولده اذا ابره وعليه اذا عقه وكذلك دعاء الوالدة والوالد الصالح

__________________

(١) وليلة النصف من رجب ويومها.

٢٤

لوالديه (١).

والادعية المشار اليها وان اختلفت بالخصوصيات وتنوعت بلحاظ الموارد ولكنها تتفق روحا وجوهرا وهو الرجوع الى الله سبحانه بخضوع وانقطاع لتحقيق مطلوب يتعذر او يتعسر على الداعي تحصيله بدون اعانة الله عليه ـ في الغالب وبذلك يظهر الجواب على السؤال الاول وهو لماذا ندعو؟. وبذكر الامور المساعدة على استجابة الدعاء يظهر الجواب على السؤال الثاني وهو كيف ندعو والكيفية التي يطلب ايجادها تمهيدا لاستجابة الدعاء نوعان احدهما ذاتي داخلي وهو يتمثل بالانقطاع الى الله سبحانه والاخلاص له في ذلك بالبناء النفسي على انه سبحانه وحده هو مصدر الخير والعطاء والقادر على كشف البلاء ومن عداه مجرد وسيلة وأداة بيد الارادة الإلهية فإن شاءت تحقق المطلوب واستجيب الدعاء وان شاءت العكس بقي كل شيء على حاله وهذا معنى ما يردده المؤمن وخصوصا وقت اشتداد الازمة من قوله : « لا حول ولا قوة الا بالله ».

ويتمثل العامل الذاتي الداخلي ايضا بالتقوى والاستقامة في خط مرضاة الله سبحانه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وقد صرح الله تعالى بفاعلية هذا العامل بقوله سبحانه :

( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب ) (٢).

والنوع الثاني من الكيفية المؤثرة في استجابة الدعاء خارجي موضوعي ويتمثل بكل واحد من الاسباب والمقدمات الطبيعية التي جرت العادة على اعدادها من اجل التوصل بها الى الهدف المطلوب وبذلك يتحقق التوكل المحبوب لله سبحانه والممدوح في شرعه باعتبار ان الدعاء نوع من التوكل حيث يريد المؤمن بانقطاعه الى الله سبحانه واعتماده عليه حصول مطلوبه

__________________

(١) نقل عن مفتاح الجنات باختصار.

(٢) سورة الطلاق ، آية : ٢ ـ ٣.

٢٥

ومن المعلوم ان مجرد الرجوع الى الله سبحانه والاستعانة به لنيل مراده ـ لا يكفي غالبا في حصول المراد ما لم يوجد الشخص المقدمات الطبيعية العادية وبعد ذلك يلجأ الى الله بالتضرع والدعاء لنجاح سعيه وادراك مطلوبه.

وهذا يفهم بوضوح من قول الإمام علي عليه‌السلام لمن طلب منه ان يدعو لجمله بالشفاء من داء الجرب : لا بأس ان تجعل مقدارا من القطران مع الدعاء.

واذا نظرنا بعين البصيرة الى مجموع الادعية المتعلقة بشهر رمضان المبارك ـ نرى لكل دعاء خصوصيته الايجابية المساهمة في بناء الشخصية الرسالية وذلك بالتركيز على نقطة خاصة مستهدفة به وراء الهدف العام التربوي المقصود من كل واحد منها فدعاء الاستقبال يلحظ فيه انه جاء ليرسم للصائم برنامج عمل يجعله على بصيرة من أمره وان الصوم الذي فرض عليه في شهر رمضان المبارك وطلب منه الامساك فيه عن مفطرات معدودة ضمن مدة محدودة ـ لا يراد منه الاقتصار على ترك تلك المفطرات واكثرها مباحات بل المقصود الاساسي منه التوصل بهذا الصوم الخاص الى الصوم العام المتمثل بالامساك التام عن كل حرام في جميع الشهور والايام وهو المعبر عنه بالتقوى في قوله تعالى :

( يآيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣) ) (١).

وقد اشار الإمام زين العابدين عليه‌السلام بما طلبه في دعائه الذي استقبل به الشهر المبارك ـ من ان يوفقه الله لان يمسك كل عضو من اعضائه عن المحرم الذي يتوقع صدوره منه بواسطته كما يفهم من صريح قوله عليه‌السلام.

« اللهم صل على محمد وآل محمد والهمنا معرفة فضله واجلال حرمته

__________________

(١) سورة البقرة ، آية : ١٨٣.

٢٦

والتحفظ مما حضرت فيه واعنا على صيامه بكف الجوارح واستعمالها فيما يرضيك حتى لا نصغي باسماعنا الى لغو ولا نسرع بابصارنا الى لهو وحتى لا نبسط ايدينا الى محظور » إلخ.

كما اشار عليه‌السلام في دعاء الوداع الى الفائدة المترتبة على تشريع فريضة الصوم المبارك في شهره المبارك وهي التوبة الى الله سبحانه وتطهير النفس من ادناس الذنوب والخطايا بماء المغفرة وقطر العفو والرحمة حيث اعتبر الله سبحانه هذا الشهر فرصة سانحة يتدارك فيها المؤمنون ما فاتهم من الطاعة فيما مضى من الشهور وحمام طهارة ونظافة من اوساخ المعاصي ومهد السبيل لذلك بفتح باب التوبة على مصراعيه في هذا الشهر المبارك وجعل الحسنات تتضاعف وتحصل بكمية كثيرة لا تحصل في غيره من الشهور ومن ذلك انه جعل تلاوة آية من القرآن فيه معادلة في الاجر لثواب تلاوة القرآن كله في غيره من الشهور كما ورد ذلك مفصلا في خطبة النبي التي القاها في اخر جمعة من شعبان وقد ورد في اولها :

« ايها الناس قد اقبل اليكم شهر الله تعالى بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله افضل الشهور وايامه افضل الايام ولياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات وهو شهر قد دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من اهل كرامة الله انفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب ـ فاسألوا الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة ان يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه فإن الشقي من حرم غفران الذنوب في هذا الشهر العظيم » الخ.

والوجه في عمومية بعض الادعية وشمولها لكل الليالي والايام هو ترتب الاثر المطلوب منها فيها كلها بلا قيد ولا تخصيص بزمان معين حسب تقدير الله وحكمته فهو خالق الإنسان والزمان والمكان والعالم بخصوصية كل واحد منها والفائدة المترتبة على كل عبادة من حيث العموم والشمول لكل زمان ومكان ومن حيث الخصوص والاختصاص ببعضها والى هذا المعنى

٢٧

تشير الحكمة المشهورة ( إن لله خواص في الازمنة والامكنة والاشخاص ) وبذلك يعرف الوجه في اختصاص بعض الادعية ببعض الاوقات وقد تحصل من مجموع ما تقدم ان المؤمن يلجأ الى الدعاء بإعتباره الوسيلة التي يقدمها بين يديه الى الله سبحانه ليستعين به على حصول مطلوبه ويحقق شروط التأثير والإستجابة بالإنقطاع الى الله سبحانه والإخلاص في التوكل عليه وإزالة حواجز المعصية المانعة من الاجابة ـ بالتقوى والتوبة النصوح اذا كان مرتكبا ذنبا كما يوجد الاسباب المادية المتعارفة التي يتوقف حصول المطلوب عادة عليها ويقوي هذه الاسباب بايجاد الامور الراجحة والتجمل بالاداب المحبوبة من الداعي وقت دعائه ورجوعه الى الله سبحانه لقضاء حاجته.

وبعد الفراغ من الحديث حول الدعاء وبيان دوره التربوي في حياة الإنسان المسلم مع بيان الامور المساعدة على استجابته وترتب فائدته ـ يأتي دور الشروع بالحديث حول موضوع الكتاب الاساسي الذي انتزع اسمه منه وهو ( فلسفة الصيام في الإسلام ) وقبل الشروع بذلك يترجح التمهيد له بالحديث حول العبادة بمفهومها العام ودورها الايجابي البناء في صياغة الشخصية الإسلامية للفرد المسلم وذلك باعتبار ان الصوم من ابرز مصاديق العبادة فيكون القاء الضوء على مفهومها العام ودورها في صنع الشخصية الإسلامية ـ مساعدا على تصور مفهومه الخاص وادراك فلسفة تشريعه بوضوح وجلاء فنقول :

ان العبادة بما لها من مفهوم اسلامي واسع تعتبر من اهم الموضوعات الجديرة بالبحث والحديث نظرا لما يترتب على ذلك من الفوائد الهامة والمنافع العامة التي تثقف الإنسان فردا ومجتمعا وتمهد له سبيل الوصول الى الاهداف السامية والمراتب العالية التي اراد الله سبحانه وصوله اليها وحصوله عليها من خلال ممارستها على الوجه الشرعي المطلوب ، ويؤكد هذه الحقيقة اعتبار الله لها السبب الباعث والعلة الغائية الداعية لإيجاد هذا الكون العظيم بما فيه الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

٢٨

ويستفاد ذلك ( اي خلق الله الإنسان لعبادته سبحانه ) من صريح قوله تعالى :

( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون (٥٦) ) (١).

وهناك آيات كثيرة تفيد ان الله سبحانه خلق السماوات والارض وما فيهما من اجل خدمه الإنسان من ذلك قوله تعالى :

( الم تروا ان الله سخر لكم ما في السماوات وما في الارض ) (٢).

وقوله تعالى :

( وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه ) (٣).

فالآية الأولى نصت على ان عبادة الله سبحانه هي علة ايجاد الإنسان والآيتان المذكرورتان بعدها تنصان على ان سبب وعلة خلق الله السماوات والارض وما فيهما هي خدمة هذا الإنسان.

فيكون المستفاد من مجموع هذه الآيات الكريمة ان عبادة الله سبحان هي علة ايجاد هذا الكون كله بما فيه الإنسان كما اشرت لذلك في مستهل الحديث ،

ومن اجل بلوغ الهدف المقصود من هذا الحديث حول هذا الموضوع السامي لا بد من بيان المراد من العبادة ـ موضع البحث ـ مع الاشارة الى الفوائد الكبيرة والكثيرة المترتبة على ممارستها ولو اجمالا ويوكل بيان هذه الفوائد على وجه التفصيل الى ابحاث اخرى اوسع تبين فيها تلك الفوائد بحديث اشمل فنقول :

__________________

(١) سورة الذاريات ، آية : ٥٦.

(٢) سورة لقمان ، آية : ٢٠.

(٣) سورة الجاثية ، آية : ١٣.

٢٩

بيان المراد من العبادة بمعناه العام

المراد من العبادة موضوع الحديث ـ الانقياد الكلي والخضوع المطلق لارادة الله سبحانه في كل عمل ارادي وموقف اختياري يصدر من المكلف باردته واختياره سواء كان هذا العمل باطنيا ام ظاهريا ـ ومن ابرز مصاديق القسم الاول وهو العبادة الباطنية ـ هو التفكر في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار وفي الافاق والانفس كما اراد الله سبحانه من اجل تحصيل العقيدة الصحيحة الراسخة والايمان الصادق الجازم بوجود الخالق العظيم لهذا الكون العظيم وبوحدانيته وعدله وضرورة ارساله الانبياء لبيان الغاية من الخلق واتمام الحجة على المخلوق المكلف بتحقيقها على الوجه المطلوب ،

وبذلك ندرك ضرورة تعيينه سبحانه للاوصياء الذين ينوبون عن الانبياء ويمثلون دورهم الرسالي بعد انتقالهم الى جوار الرفيق الاعلى لانه سبحانه اعلم حيث يجعل رسالته كما ندرك ضرورة اعادة الناس الى الحياة من جديد وبعثهم بعد الموت يوم القيامة من اجل ان يحكم بينهم بالعدل ويجازي كل مكلف بما يستحق من النعيم اذا قام بدور العبودية الخالصة ـ او العذاب الاليم اذا انحرف عن خطها القويم ـ عقيدة او سلوكا ـ وقد وعد الله بالثواب واوعد بالعقاب بصريح قوله تعالى :

( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرهُ (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شراً يرهُ (٨) ) (١).

فالتدبر في ايات الكتاب التكويني وهو هذا الكون الفسيح من اجل استلهام العقائد الحقة المذكورة يعتبر عبادة داخلية يمارسها المكلف في مسجد العقل ومحراب النفس انقياداً لارادة الله ذلك كما ان التدبر في ايات الكتاب التشريعي امتثالا لقوله تعالى :

__________________

(١) سورة الزلزلة ، آية : ٧ و ٨.

٣٠

( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) ) (١).

يعتبر عبادة باطنية توصل المكلف الى اساس وروح العبادة الظاهرية التي يتمثل فيها القسم الثاني من العبادة بمفهومها العام.

وبما ذكرناه من المعنى العام للعبادة ندرك سعة دائرتها وامتداد ساحتها لتشمل باطن الإنسان المكلف مضافا الى ظاهره ولتشمل كل عمل اختياري يمارسه وفق ارادة الله سبحانه ولا تنحصر في اطار العبادات الخاصة المعهودة التي ذكرها الفقهاء في مقابل المعاملات وفرقوا بينهما بأن الاولى لا تصح ولا يترتب عليها اثرها الا اذا اتى بها المكلف بقصد التقرب لله سبحانه بخلاف المعاملات المقابلة لها حيث تصح ولو صدرت منه بدون قصد التقرب له سبحانه.

وذلك لان الهدف الاساسي من تشريع العبادات وتقييدها بهذا القيد هو تعميق الصلة الايمانية بالله تعالى لتصبح جزء من فكر ونفس المؤمن العابد فتصحبه وتنطلق معه في سائر التصرفات التي يمارسها على الصعيد العملي بارادته فتصدر منه منسجمة مع الارادة الإلهية التشريعية ويكون بذلك متحركا في نطاق العبودية الكاملة الشاملة التي اراد الله سبحانه ان يصل العبد اليها ويحصل عليها من خلال التزامه بتأدية العبادات الخاصة والاتيان بها بقصد التقرب اليه والتعبد له وحده لا شريك له.

وبهذا البيان يتضح ان تشريع العبادات الخاصة والزام المكلف بإتيانها على الوجه القربي لم يكن الا من اجل ان تكون اعمالا تمرينية ورياضات روحية يمارسها المكلف ليجني فوائدها المعنوية والمادية المترتبة عليها مباشرة وليصل بها الى ملكة العبودية الثابتة التي تضبط تصرفاته وتحصرها في اطار الاطاعة والانقياد لارادة الله سبحانه فلا يفعل الا ما يريد الله منه فعله ولا

__________________

(١) سورة محمد ، آية : ٢٤.

٣١

يترك الا ما يريد الله منه تركه وبهذا الانضباط والارتباط الكلي بالمبدأ الاعلى سبحانه تتحقق الغاية الاساسية المقصودة من تكليف الإنسان بالعبادة بمعناها العام وهي كماله وسعادته في دنياه واخرته باعتبار ان الله سبحانه وهو الحكيم الرحيم لا يأمر المكلف بفعل ايجابا او استحبابا الا اذا كان مشتملا على مصلحة ومنفعة روحية او مادية كما انه لا ينهى عن فعل الاّ إذا كان مؤديا لوقوعه في مفسدة ومضرة معنوية ومادية ـ والمكلف الذي يلتزم بفعل ما ينفع وترك ما يضر ـ يظفر بهدف السعادة والكمال في مختلف المجالات لان هذا الالتزام هو المعبر عنه بالتقوى التي تثمر لصحابها كل خير وفضيلة وتنأى به عن كل شر ورذيلة ومن المعلوم الواضح ان الشخص الذي يتوفق للاستقامة على خط التقوى بالمعنى المذكور ـ يدخل جنة الدنيا ومنها ينطلق الى جنة الآخرة :

( يوم لا ينفع مال ولا بنون (٨٨) الاّ من اتى الله بقلب سليم (٨٩) ) (١).

وقد بين الله سبحانه النتيجة الايجابية المباركة المترتبة على عبادته تعالى وتقواه بصريح قوله :

( ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (٩٦) ) (٢).

وقوله تعالى :

( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (٢) ويرزقه من حيث لايحتسب ) (٣).

وتتجلي هذه الحقيقة بوضوح من خلال المقارنة بين وضع الامة قبل بزوغ فجر الرسالة المحمدية حيث كانت تتخبط في دياجير الجهالة وظلمات الضلالة وتعاني بسبب ذلك من كل انواع البؤس والشقاء والتعب والعناء.

__________________

(١) سورة الشعراء ، آية ٨٨ و ٨٩.

(٢) سورة الاعراف ، آية : ٩٦.

(٣) سورة الطلاق ، آية : ٢ و ٣.

٣٢

ووضعها بعد دخولها في دين الله افواجا حيث تحولت من عبادة الاوثان والاصنام الى عبادة الله الواحد العلام وطبقت النظم الإلهية الكاملة العادلة فخرجت بذلك من الظلمات الى النور واصبحت خير امة اخرجت للناس تأمر بالمعروف بعد فعله وتنهى عن المنكر بعد تركه وادركت بهذا وذاك العزة والكرامة ونالت سعادة الدنيا والآخرة.

وحيث انها اعرضت مؤخرا عن شريعة الخالق الرحمن وطبقت النظم المستوردة من الشرق والغرب ـ وقعت في نفس المآسي التي اصيبت بها ايام الجاهلية الاولى ولا مجال لخلاصها منها وعودتها الى سابق مجدها وقوتها وعزتها التي ادركتها بالإسلام وتطبيق تعاليمه الا بالعودة اليه من جديد بالايمان الصادق والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر كما صرح الله سبحانه بذلك في سورة العصر قال تعالى :

( والعصر(١) ان الإنسان لفي خسر (٢) الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (٣) ) (١).

وقد اشرت الى هذا المضمون بالأبيات التالية :

والعصر إن المرء في خسـران

وشقاوة ومــذلة وهــوان

الا الألى عرفوا الإله وطبـقوا

نهج الهدى وشريعة القـرآن

وغدا يوصي بعضهم بعضا هنا

بالحق والصبر الجميل الباني


وبعد ذكر هذا الحديث التمهيدي الذي كتب ونشر سنة ١٩٩٢ م الموافق : ١٣ ـ ٦ ـ ١٤١٣ هـ في مجلة الايمان التي كانت تصدر في كندا ـ ترجح لدي ذكر حديثين اخرين كتبا ونشرا في نفس المجلة ونفس السنة ـ وذلك لاني كتبتهما حول موضوع الصوم ودوره التربوي في سلوك المسلم فيكونان بذلك منسجمين مع موضوع الكتاب وداخلين في جوهر بحثه وقد

__________________

(١) سورة العصر ، آية : ١ ـ ٣.

٣٣

حذفت من كل منهما مقدمته وخاتمته لخروجهما عن محل البحث وارتباطهما ببعض خصوصيات المجلة ـ وفيما يلي اهم ما ورد في الحديث الاول.

عندما اقتضت الحكمة الإلهية ان توجد الإنسان لعبادته سبحانه وحده لا شريك له بصورة مستمرة ومسيرة ثابتة وكان ذلك متوقفا على قوة روحية وصلابة ايمانية تساعده على الاستقامة في خط العبودية القويم وعدم الانحراف عنه تحت تأثير الاغراءات الكثيرة والضغوطات العديدة ـ فقد جاء التكليف بالعبادات الخاصة والاتيان بها على وجهها الخاص من اجل ان تكون رياضة روحية تساهم في تقوية الروح المعنوية لدى المكلف وتصليب ارادته لينهض بمسؤليته العبادية بقوة وثبات يشد العبد المخلوق الى خالقه ويربطه به فكريا من خلال التأمل في عظمته العظيمة ونفسيا من خلال امتلاء قلبه بالخشوع امام هذه العظمة ـ وعمليا من خلال التزامه بسلوك خطه القويم وصراطه المستقيم الذي يؤدي به الى سعادة الدارين.

والاستمرار على ممارسة العبادة بهذا الخشوع النفسي وذلك الالتزام العملي ـ يعطي المكلف الملتزم قوة روحية تسدد خطاه وتثبتها على خط الاستقامة في سبيل العبودية المطلوبة وبذلك يظهر السر في اعتبار الشارع المقدس قصد التقرب في العبادات شرطا في صحتها لأن توفير هذا الشرط هو الذي يؤدي في النهاية الى تحقيق ملكة العبودية والتقوى المستهدفة من تشريع تلك العبادات الخاصة على هذا الوجه الخاص.

٣٤

دور الصيام في ترسيخ الإيمان والتقوى

وتأتي فريضة الصوم في الدرجة الثانية بعد فريضة الصلاة في ترسيخ ملكة التقوى في نفس المؤمن بسبب ما تقتضيه من كبح لجماحها ومنع لها من تناول ما هي بحاجة ماسة له من الطعام والشراب والمعاشرة الخاصة المعهودة او اصبح حاجة ملحة لها بسبب تعودها عليه وصعوبة تركها له.

وعندما تنتصر النفس في معركة جهادها الاكبر على تلك الميول والحاجات والتقاليد والعادات نتيجة اعتصامها بحبل الله وامتثالها تكليفه خلال ايام شهر رمضان فهي تخرج من هذه المعركة منتصرة وقادرة على الاحتفاظ بهذا النصر بالاستمرار على كبح جماح هوى النفس الامارة بالسوء في كل الشهور والاوقات والاعراض عن كل المحرمات في شهر رمضان وخارجه كما كانت تمتنع عن المفطرات ايام الصيام ـ لان الدافع لامتثال امر الله سبحانه بالصوم والمانع من مخالفته وهو تقواه سبحانه وخوف عقابه مع رجاء ثوابه ـ هو نفسه يبقى مع المكلف دافعا ومانعا بعد ان تترسخ ملكة التقوى في نفسه وتصبح جزءاً من كيانه وقد صرح الله سبحانه في كتابه الكريم بأن الغاية من تشريع فريضة الصوم هي التوصل الى هذه الملكة الثابتة حيث قال سبحانه :

( يايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣) ) (١).

__________________

(١) سورة البقرة ، آية : ١٨٣.

٣٥

كما صرح سبحانه بأن الغاية من تشريع فريضة الصلاة هو التوصل الى قوة روحية مانعة من ارتكاب الفحشاء ومخالفة احكام الله تعالى حيث قال :

( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون (٤٥) ) (١).

وهنا سؤال يطرح نفسه ويطلب الاجابة عليه لبيان الحقيقة وكشف الشبهة وحاصل هذا السؤال.

انه كيف نوفق بين القول بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وان الصوم يؤدي الى التقوى واجتناب معصية الله سبحانه كما هو صريح الايتين المباركتين مع ما نراه من حصول عكس ذلك من الكثيرين ممن يصومون ويصلون ولا ينتهون عن الفحشاء والمنكر ولا نرى اثرا للتقوى في سلوكهم الخارجي.

وحاصل الجواب : ان هؤلاء لم يأتوا بالصلاة الحقيقية والصوم الواقعي بل اختصروا على الشكل والصورة المجردة عن الجوهر والحقيقة لان الصوم الحقيقي ينطلق اولا من داخل النفس متمثلا بالتجرد عن كل صفة ذميمة واخطرها صفة الرياء والنفاق وبالتحلي بكل مزية حميدة وابرزها الايمان الصادق والاخلاص لله سبحانه في النية وما يترتب عليها ـ ليكون الصوم بذلك التجرد وهذا التحلي امساكا كاملا عن كل ما يبعد عن الله سبحانه من النية السيئة وما يترتب عليها من الانحراف في السلوك والبعد عن المثل السامية والقيم الرفيعة.

ومن الواضح ان الصوم عندما يكون كذلك يصبح ملازما لصفة التقوى ومستلزما لكل ما يقرب من الله تعالى من فعل المحبوب له المقرب منه وترك المبغوض لديه المبعد عنه.

__________________

(١) سورة العنكبوت ، آية : ٤٥.

٣٦

وهكذا الصلاة عندما تنطلق من فكر واع مستنير بضوء العقيدة الصحيحة الراسخة فهي تكون صلة وثيقة بمبدأ الكون والإنسان وصلاة له في محراب القلب السليم من الشك والنفاق تثمر الخشوع في النفس وخضوعها لارادة الله سبحانه فلا تتحرك الا في اطار الارادة الإلهية المترجمة بالوظائف الشرعية المتنوعة تبعا لتنوع الملاكات والمقتضيات الداعية لتشريعها ومن المعلوم ان الصلاة عندما تكون كذلك تصبح باعثة بطبعها لفعل المعروف المقرب من الله تعالى وناهية رادعة عن ارتكاب الفحشاء والمنكر المبعد عنه.

واذا اتفق عدم ترتب الاثر المطلوب من هاتين الفريضتين فلم يكن الصوم مثمرا للتقوى والاستقامة في خط السماء ولم تكن الصلاة ناهية عن المنكر والفحشاء ـ في بعض الاحيان نتيجة عدم العصمة فلا يكون ذلك كاشفا عن فقد صفة التقوى والعدالة بالكلية اذا كان الطابع العام للمسلم المصلي الصائم هو الاستقامة في درب الهدى وصراط الشرع المستقيم وكان مبادرا للعودة الى الله سبحانه من باب التوبة التي تمحو الذنب وتجعل صاحبه بمنزلة غير المذنب للحديث المروي عن اهل البيت عليهم‌السلام.

« التائب من الذنب كمن لا ذنب له » كما تعيده الى محبة الله ورضوانه لقوله تعالى :

( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (٢٢٢) ) (١).

واما اذا استرسل العاصي في معصيته ولم يبادر الى توبته بشروطها المقررة المحررة في موضعها فذلك يكشف عن عدم تحقق صفة التقوى في نفسه من الاساس وان صلاته وصومه كانا مجرد ممارسة ظاهرية بدنية صادرة بباعث العادة او المحاكاة والتقليد للآخرين من دون نفوذ روحها الى روحه وفلسفتها الى فكره ووعيه ومن الواضح ان العبادات عامة وهاتين الفريضتين

__________________

(١) سورة البقرة ، آية : ٢٢٢.

٣٧

بصورة خاصة لا تحقق اهدافها في حياة الإنسان المسلم الا اذا نفذت معانيها السامية ومفاهميها التربوية الهادفة ـ الى الفكر لتنوره والى القلب لتضيئه بنور التقوى وتكون النتيجة المترتبة عليها بعد ذلك هي استقامة السلوك في خط الشرع ومنهج العبودية ـ واما اذا وقفت عند الظاهر واختص تأثيرها بالجسم ليكون الصوم مجرد امساك عن تلك المفطرات المعدودة واكثرها مباحات في نفسها من دون ان يثمر للصائم صفة الامساك العام عن كل حرام في كل الاوقات فإن هذا الصوم يكون بمنزلة العدم ويكون صاحبه مصداقا لما روي عن الرسول الاعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله :

رب صائم ليس له من صيامه الا الظمأ ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر.

وكذلك الصلاة التي لا تؤدي الى الغاية المنشودة منها تكون جسما بلا روح ويكون صاحبها مصداقا لما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله :

« من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد عن الله الا بعداً ». والى ذلك الصوم الناقص وتلك الصلاة البتراء اشار ابو العلاء بقوله :

ما الدين صوم يذوب الصائمون له

ولا صلاة ولا صوف على الجسد

وإنما الدين ترك الشر مطــرحا

ونفضك الصدر من غل ومن حسد

كما اشار بالبيتين التاليين الى المتعبد الجاهل الذي جهل فلسفة العبادة وحكمتها وهي تهذيب النفس وتعديل السلوك مع الخالق والمخلوق واقتصر على الظاهر والصورة المجردة عن روح العبادة وجوهر الحقيقة وهما قوله :

صل وصم وطف بمكة ناسـكا

سبعين لا سبعا فلست بناسك

جهل الديانة من اذا عرضت له

شهواته لم يلف بالمتمـاسك

وقد اشرت الى ذلك كله بمقطوعة شعرية هي جزء من قصيدة نظمت والقيت في النجف الاشرف بمناسبة دينية في السبعينات على ما اذكر.

٣٨

وهي ما يلي :

يا أيها السـاري وفي افـــكاره

شبه يظن بها الهجين اصيلا

حكم ضميرك في المسائل والتمس

للحق من وحي السماء دليلا

لا يخـــدعنك مظهر متــأنق

يعطيك لونا رائعا مقبــولا

فلربما انكشف الغطاء ولم تجــد

الا سرابا لا يبل غـــليلا

ليس التديــن ان تحـج لتشتري

لقبا وتـدرك بالمظاهر سولا

ليس التدين ان تجوع مـــغادرا

بصيامك المشروب والمأكولا

وتؤدي الصلوات في اوقـــاتها

لتنال ذكرا بالثناء جــميلا

وتحالف السـوداء تسبيحا بــها

وتكرر التكبـير والتهــليلا

ان التدين ان تــحقق غـــاية

بعث الإله بها النبي رسـولا

ان تتبع الحق الصراح ولا تـرى

لهداه في هذي الحياة بـديلا

.

وفيما يلي نص الحديث الثاني الذي نشر في مجلة الايمان حول موضوع الصوم

الصوم ودوره التربوي في سلوك المسلم

قد بينت في الحديث السابق ابرز الفوائد المترتبة على تأدية فريضة الصوم وهي التقوى المتمثلة بالاستقامة على خط الشرع القويم وصراطه المستقيم وعدم الانحراف عنه تحت تأثير العوامل الضاغطة بطبعها على ارادة الإنسان وكان حاصل ما ذكرته توجيها لترتب هذه الصفة المباركة على تأدية تلك الفريضة المقدسة ان الإنسان اذا التزم بتأدية فريضة الصيام تاركا ما يميل اليه بطبعه من الطعام والشراب ونحوهما من الحاجات الحياتية الاساسية او اصبحت حاجة له بالعرف والاعتياد كالتدخين ونحوه واستمر على هذا الترك مخالفا لهواه ممتثلا لامر مولاه لا يدفعه لذلك سوى رجاء ثوابه او خوفه من عقابه اجل اذا التزم المكلف بذلك واستمر عليه طيلة شهر رمضان المبارك

٣٩

فهو يخرج من مدرسة هذا الشهر متمتعا بقوة مراقبة وصفة محاسبة للنفس تضبط تصرفاتها وتحصرها في اطار الوظيفة الشرعية فلا تفعل الا ما يريد الله منها فعله ولا تترك الا ما يريد منها تركه لنفس السبب الذي كانت تترك المفطرات ايام الصيام امتثالا لأمره سبحانه.

وهذه الصفة الثابتة والملكة الراسخة التي تثبت في نفس الصائم نتيجة ممارسته لهذه العبادة الصامتة هي المعبر عنها بالتقوى وحيث انها من ابرز الفوائد المترتبة عليها فقد نص الله سبحانه عليها بالخصوص في قوله تعالى :

( يايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣) ) (١).

ومن جملة الفوائد المترتبة على تأدية فريضة الصيام تحصيل صفة الصبر وقوة الارادة وذلك لان الإنسان يولد ضعيفا جسميا وروحيا فيحتاج الى ما ينميه ويقويه من الغذاء والرياضة وكما طلب الشرع المقدس ممن يتولى تربية الطفل ان يقدم له الغذاء والماء لينمو جسمه وتحفظ حياته المادية ورجح له تدريبه على بعض الحركات الجسمية الرياضية ليتصلب عوده وتقوى عضلات بدنه كذلك طلب منه ان يقدم له الغذاء الروحي المتمثل بالعلم والمعرفة الصحيحية لينمو عقله وتسمو روحه وكل كيانه المعنوي وطلب منه ايضا ان يعوده على ممارسة الشعائر الدينية والفرائض الإسلامية وخصوصا فريضتي الصوم والصلاة لتقوى بها ارادته وتتصلب عضلاته الروحية وبعد بلوغه عاقلا يتوجه اليه التكليف على وجه الالزام بالاستمرار على تأدية الفرائض لما يترتب عليها من تقوية روح العبودية وصلابة الارادة الذاتية.

وتأتي فريضة الصوم في الطليعة من بين الفرائض والعبادات نظرا الى ما يترتب عليها من حبس النفس عما هي محتاجة اليه ومتعودة عليه فإذا انقادت

__________________

(١) سورة البقرة ، آية : ١٨٣.

٤٠