بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

حسن بن محمد تقي الجواهري

بحوث في الفقه المعاصر - ج ١

المؤلف:

حسن بن محمد تقي الجواهري

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار الذخائر
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

٤ ـ صحيحة معاوية بن وهب قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ قال عليه‌السلام : ما لم يكن كيل او وزن فلا تبعه حتى تكيله او تزنه الا أن توليه الذي قام عليه » (١).

٥ ـ صحيحة منصور بن حازم قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن رجل اشترى بيعاً ليس فيه كيل ولا وزن أَلهُ أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ فقال : لا بأس بذلك ما لم يكن كيل ولا وزن ( كما لو بيع بالمشاهدة ) فان هو قبضه فهو أبرأ لنفسه » (٢) أي أن غير المكيل والموزون اذا قبضه ثم باعه فهو أبرأ لنفسه.

٦ ـ صحيحة علي بن جعفر عن اخيه الامام موسى بن جعفر قال : « سألته عن رجل اشترى بيعا كيلاً او وزناً هل يصلح بيعه مرابحة ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس ، فان سميّ كيلاً او وزناً فلا يصلح بيعه حتى تكيله او تزنه » (٣).

وظاهر هذه الروايات عدم صحة بيع المكيل والموزون قبل قبضه الا تولية ، ولا فرق في هذا البيع بين كونه شخصيّاً او كليّاً الذمة او في المعيَّن.

٧ ـ موثقة سماعة قال : « سألته عن الرجل يبيع الطعام او الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها ؟ قال عليه‌السلام : لا حتى يقبضها الا أن يكون معه قوم يشاركهم

__________________

(١) المصدر السابق ، ح ١١ ، تنبيه : ذهب المالكية الى منع بيع الطعام قبل قبضه ، أما إذا لم يكن طعاماً فيجوز بيعه قبل قبضه ، وتبيّن من النص الثالث المتقدّم أنَّ العبرة بالطعام لأنّه قال : إنّ هذا ليس بمنزلة الطعام إنَّ الطعام يكال ، فيكون ذكر الكيل اشارة الى أنّ المبيع طعام ولكن بقيت الروايات ذكرت الكيل أو الوزن من دون اشارة الى كون العبرة بالطعام فيؤخذ بها وبإطلاقها وقد يقال : إن الجمع بين الروايات يفهم منه عدم صحة بيع مال السلم إذا كان طعاماً مكيلا أو موزوناً ، وأما إذا لم يكن طعاماً أو لم يكن مكيلا أو موزوناً فيجوز بيعه قبل قبضه.

(٢) المصدر السابق ، ح ١٨.

(٣) المصدر السابق ، ح ٢٢.

٢٠١

فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح او يوليه بعضهم فلا بأس » (١). وهذه الرواية جوّزت بيع الثمرة او الطعام على غير بائعها تولية ، كما جوزت بيع نصف الحصة التي لم يقبضها من البائع فيشترك معه غيره.

اقول : ان هذه الروايات التي منعت من بيع المكيل او الموزون على غير بائعه قبل القبض الا تولية او شركة هل هي قاعدة مستفادة من الادلة العامة او استثناء ؟

الجواب : ان هذا استثناء على خلاف القاعدة ، حيث ان المشتري للمكيل او الموزون اذا ملك بواسطة العقد ، يتمكن من بيعه قبل القبض حسب القواعد العامة القائلة بتسلط الناس على اموالهم ، ولكن الروايات المتقدمة منعت عن البيع في خصوص المكيل او الموزون ، فنتعبد بها ونقتصر على موردها ، وموردها هو : « البيع بغير التولية وغير التشريك على طرف ثالث اذا كان المبيع مكيلاً او موزوناً ».

هل هناك حكمة من اشتراط القبض قبل البيع

وللجواب عن هذا السؤال نستعرض ما يمكن ان يقال في كونه حكمة لنرى مدى صحة ذلك او عدمه فنقول :

١ ـ قد ندعي ان الحكمة المتوخاة في نظر الشارع هي عدم جواز الربح بدون تحمل الخسارة ، ومادامت السلعة المشتراة لم يقبضها المشتري ، فخسارتها على بائعها لقاعدة « إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه » فلا يجوز للمشتري أن يربح بدون تحمل للخسارة اذا حصلت في سلعته. وكأن هذا هو الميزان العدل في المنظار الاقتصادي والشرعي القائل : « من كان له الغُنم فعليه الغُرم » فينبغي ان يكون من يربح اذا باع هو الذي يخسر اذا تلفت السلعة ، اما هنا فان السلعة

__________________

(١) المصدر السابق ، ح ١٥.

٢٠٢

ما دامت عند البائع وقبل قبض المشتري فخسارتها شرعاً على البائع ، فلا يجوز لمالكها ان يربح فيها.

ويشهد لهذه الحكمة جواز بيعها على شخص ثالث تولية.

ولكن رغم معقولية هذا القانون ، لم يدل عليه اي دليل شرعي ، بل نراه غير مرعيّ فيما اذا كان المشترى غير مكيل او موزون كما لو كان المشترى ثوباً او داراً ، فان المشتري يحق له أن يبيعه ويربح فيه قبل قبضه مع ان المشتري لا يخسر اذا تلف.

وكذا قد تخلف هذا القانون في موارد اُخر كالثمار بعد بدوّ الصلاح ، فان المشتري له حق ان يبيعها وهي على الشجر ، ولكن اذا اصابتها جائحة رجع على البائع ، وكذا منافع الاجارة ، فان المستأجر له الحق في أن يؤجر ما استأجره ويتصرف فيه ويربح بقسم كبير منه اذا عمل فيه عملاً ، ولكن اذا حدث تلف في المستأجَر ، فيرجع على المؤجر بمقدار ما تلف.

فتبين من هذه الاحكام ومن غيرها كما سيأتي ( وهو جواز بيع المكيل والموزون على بائعه بربح مع ان تلفه يكون على البائع ) ان هذه الحكمة ليست هي صحيحة بالنسبة لمنع بيع المكيل او الموزون قبل قبضه. قد يقال ان الأمر الوارد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في النهي عن ربح ما لم يضمن (١) هو الدليل على هذه الحكمة للمنع من بيع مال السلم قبل قبضه. ولكن هذا باطل حيث ان الأثر الوارد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ينهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن فيبدو أن ربح مالم يضمن الذي هو مورد النهي غير بيع الطعام قبل قبضه الذي وقع مورد النهي ايضاً وليس احدهما علّة للآخر كما هو واضح. هذا بالاضافة الى الرواية المروية.

٢ ـ هل يمكن ان تكون الحكمة هي القدرة على التسليم ؟ فاذا باعه قبل قبضه فلا يقدر على التسليم لإحتمال عدم تسليم البائع الاول أو هلاك المحل بخلاف ماذا

__________________

(١) المغني لأبن قدامة ، ج ٤ ، ص ٣٣٤.

٢٠٣

باعه بعد القبض ، وهذا قول ذهب اليه الحنفيّة والشافعية والحنابلة والزيدية وابن تيمية. (١)

والجواب بالعدم اذ القدرة على التسليم قد تكون موجودة حتى مع عدم قبض المشتري ، كما انها قد لا تكون موجودة حتى مع قبضه كما لو غُصبت بعد القبض.

٣ ـ هل يمكن ان تكون الحكمة هي الوقوف ضدّ المعاملات الوهمية التي لا قصد اليها كما هو الواقع في اسواق البورصة العالمية التي يكون القصد فيها غالباً هو انتظار تقلبات الاسعار للحصول على ربح ، وهو ما يسمى بالمضاربة الاقتصادية ؟

والجواب : ان كلامنا هو في صورة القصد الى البيع الحقيقي لإخراج كل البيوع التي لا قصد فيها الى تسلّم المثمن كما هو الجاري في البورصات العالمية التي لا يكون التسليم والتسلم فيها الا بمقدار ١ % كما اتضح هذا عند المناقشات التي جرت في مجمع الفقه الاسلامي في دورات سابقة. بالاضافة الى انتقاض هذا ببيع غير المكيل او الموزون قبل قبضه كما جوزت ذلك الروايات السابقة.

٤ ـ وقد يقال (٢) : إن الحكمة في النهي عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه هو التيقن من حصول القصد الحقيقي للبيع ، فإنَّ قبض السلعة ووضعها في المخازن يجعل المشتري في حالة من الجدية بحيث لا يشك احد في وجود قصده الحقيقي للشراء ، بينما عدم القبض لم يجعل قصده واضحاً للآخرين وإن دفع الثمن ، حيث

__________________

(١) راجع الصدّيق الضرير ، رسالة في السلم ، ص ٢٧.

(٢) هذا القول ذهب اليه المالكية ، وقد ذهب اليه من قبلهم ابن عباس حين قال في بيع الطعام قبل قبضه ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ ( اي مؤجّل ، من الارجاء والتأخير ) ( صحيح البخاري ٣ / ٦٨ ) كما ذهب اليه زيد بن ثابت وابوهريرة حين قالا لمروان أحللت بيع الربا ، عندما رأيا الناس يتبايعون صكوك الطعام قبل أن يستوفوها. راجع الموطّأ مع المنتقى ج ق ، ص ٢٨٥ و صحيح مسلم مع شرح النووي ، ج ١٠ ، ص ١٧١. وهذا التعليل ـ كما يقول الشوكاني ـ أجوَد ما علال به النهي لأنّ الصحابة اعرف بمقاصد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، راجع الصديق الضرير ، رسالة في السلم عن نيل الاوطار ، ج ٥ ، ص ١٦٩ الخ.

٢٠٤

يتهم بان قصده الحقيقي هو الربا ، فيدفع الثمن ليشتري بأقل من القيمة مؤجلا ويبيعها قبل قبضها بعد الاجل فيكون قد دفع مائة واستلم مائة وعشرين وقد منع منه الشارع لكونه فائدة مستترة تحت البيع.

ويؤيدهذه الحكمة هوجواز بيع السلعة على شخص ثالث تولية ( بدون ربح ).

ولكن يرد على هذه الحكمة :

١ ـ انها ليست مطردة في بيع البضاعة قبل قبضها اذا لم تكن السلعة مكيلة او موزونة بل جوزت الروايات بيعها قبل قبضها مرابحة كما سبق ، وما قيل من وجود نهي عن بيع كل مالم يقبض فهو لم يثبت (١).

٢ ـ ان كلامنا في القصد الحقيقي للبيع والشراء الذي قد تلازمه الخسارة او عدم الربح ، بخلاف الربا الذي هو ربح مضمون دائماً من دون الدخول في المعاملات ، فاذا دخل الانسان في المعاملة التي قد تربح وقد تخسر ، من دون اشتراط ارجاع ماله اليه مع الزيادة فهي معاملة بعيدة عن الربا حتى وإن حصل الربح قبل القبض بواسطة البيع الحقيقي.

والخلاصة : اننا لم نجد حكمة معقولة لشرط قبض المكيل او الموزون قبل البيع ، فلابدّ من التعبد بالحكم مقتصرين على مورده رغم وجود روايات ترخّص في بيع المكيل والموزون قبل قبضه ، الا أنها ضعيفة السند او مطلقة للبيع تولية

__________________

(١) اقول : لم يثبت وجود رواية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نقول : « لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه » وانما روي عن ابن عباس رحمه‌الله : عن أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « نهى عن بيع الطعام قبل قبضه » وقال : « ولا أحسبُ كل شيء الا بمنزلة الطعام ». وقد روى هذه الرواية البخاري ، كتاب البيوع ، باب بيع الطعام قبل ان يقبض ج ٤ ، ٣٤٩ ومسلم ٣ / ١١٥٩. وواضح ان هذه الرواية ليست كلها قد صدرت من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل إن الصادر هو الفقرة الاولى وهي النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، اما الفقرة الثانية فهي من اجتهاد ابن عباس. وعلى هذا فان صدر الرواية يُقيّد بالروايات الناهية عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه او يُفسر بها. اما ما لا كيل له ولا وزن فقد اجازت الروايات بيعه قبل قبضه مرابحة. راجع الروايات المفصلة بين عدم جواز بيع المكيل او الموزون قبل قبضه وجواز بيع ما عداهما.

٢٠٥

وغيره ، فتقيدها الروايات المانعة للبيع قبل الكيل او الوزن الا تولية او على سبيل الشركة ببيع نصف ما اشتراه قبل القبض مثلاً.

تنبيهات :

١ ـ ان المبيع اذا كان غير مكيل أو غير موزون ( كالمعدود والمذروع ، والمشاهد ) يجوز بيعه قبل قبضه ( سلماً او استصناعاً او غيرهما ) طبقاً للقاعدة القائلة : « الناس مسلطون على اموالهم » مع ورود الرخصة في بيع هذا في نفس الروايات المانعة من بيع المكيل والموزون قبل القبض ، ففي ذيل صحيحتي منصور ابن حازم المتقدمتين : « فان لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه » ، وكذا في رواية ابي حمزة عن الامام الباقر عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل اشترى متاعاً ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس » (١) وغيرها.

٢ ـ الثمن اذا كان مكيلاً او موزوناً والمبيع عروضاً فيتمكن البائع من بيع الثمن المكيل والموزون قبل قبضه طبقاً للقاعدة وعدم المانع ، فان الدليل اللفظي الدال على منع بيع المكيل والموزون قبل كيله او وزنه مختص بالمثمن ، فتعديته الى الثمن تحتاج إلى دليل لفظي عام او مطلق ، او اطمئنان بان الملاك واحد فيهما ، وبما أنه لا يوجد اطلاق ولا عموم ولا يوجد اطمئنان بالملاك فيهما حيث ان الحكم تعبدي على خلاف القاعدة ، فنقتصر على مورد المنع ، ونتمسك بدليل ( أحلّ الله البيع ) لصحة بيع الثمن اذا كان مكيلاً او موزوناً قبل قبضه.

نعم : من علل عدم جواز بيع المبيع اذا كان مكيلاً او موزوناً قبل القبض بضعف ملكية المشتري اذ يحتمل ان يتلف الطعام وتنحل المعاملة ، فان هذا الوجه الاستحساني موجود في الثمن الموزون او المكيل قبل القبض.

ولكن هذا الوجه ضعيف ، اذ لا يكون الملك ضعيفاً قبل القبض ، ولأن هذا

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ١٦ من احكام العقود ، ح ٨.

٢٠٦

الوجه يقول بعدم جواز البيع حتى تولية ولغير المكيل والموزون ، ولا أحسب ان يقول بنتيجته احدٌ.

٣ ـ إن الحكم بعدم جواز بيع المكيل او الموزون قبل قبضه مختص بالبيع ، وعلى هذا فللمشتري أن يصالح عليه قبل قبضه ، وله أن يؤجره قبل قبضه اذا كانت له منفعة يستفاد منها مع بقاء العين ، لصحة الصلح والاجارة قبل القبض ، ومع الشك في صحة الصلح والاجارة عليه ، فنتمسك باطلاق صحة الاجارة والصلح جائز بين المسلمين. او اطلاق ( إلا ان تكون تجارة عن تراض ).

٤ ـ إذا اشترى مكيلاً او موزوناً ومات المشتري قبل قبضه ، فهل يجوز للوارث البيع قبل القبض ؟ وكذا اذا اشترى ذهبا موزوناً من الصائغ ثم جعله مهراً لزوجته فهل يجوز للزوجة بيع هذا الذهب قبل القبض ؟

وكذا اذا ملكت المكيل والموزون بواسطة الصلح ، فهل يجوز بيعه قبل قبضه ؟

الجواب : إن الروايات المانعة تخاطب المشتري ، فبناء عليها يجوز بيع الوارث والزوجة والمصالح ، لعدم صدق عنوان المشتري عليهم ، ولكن توجد صحيحة معاوية بن وهب تمنع من بيع المكيل او الموزون قبل قبضه بدون مخاطبة المشتري ، وبهذا نفهم ان مخاطبة المشتري ليس لها خصوصية ، بل المنع لكل من انتقل اليه المبيع المكيل والموزون ، واليك الصحيحة : قال سألت الامام الصادق عليه‌السلام : « عن الرجل يبيع البيع قبل ان يقبضه ؟ فقال : ما لم يكن كيل او وُزِن فلا تبعه حتى تكيله او تزنه الا أن توليه الذي قام عليه » (١).

فكرة السلم الموازي :

وهي فكرة يراد بها شيئان :

__________________

(١) المصدر نفسه ، ح ١١.

٢٠٧

١ ـ التخلص من ( عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه ).

٢ ـ التخلص من ( عدم جواز بيع البضاعة السلمية قبل حلول الاجل ).

وهذا البحث الذي نريد ان نطرقه يفيدنا في التخلص من عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه الذي دلت عليه الروايات المتقدمة وتعبدنا في الأخذ بها كما يفيدنا من عدم جواز بيع البضاعة السلمية قبل حلول أجلها الذي دلّ عليه الاجماع المتقدم ، ولذا سوف نتكلم في الموضوع الاول ولكن البحث يسري بأكمله في الموضوع الثاني أيضاً. فنقول :

بما ان النهي عن بيع المكيل والموزون قبل قبضه تعبد محض كما تقدم ، فإذا أردنا ان نصل إلى نتيجة بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ولكن لا عن طريق البيع المنهي عنه ، فهل هو جائز ؟

الجواب : إن العلة في منع المكيل والموزون قبل قبضه لم تعرف لدينا ، ولهذا يكون النهي تعبدياً ، فلا نتعدى إلى غير ما دلّ الدليل اللفظي عليه ، وعلى هذا فإذا وجد طريق لا يشمله النهي وأدّى إلى نفس نتيجة بيع المكيل والموزون قبل قبضه بدون البيع ، فلا بأس به ويكون جائزاً.

اما ما هي الوسيلة التي تخلصنا من « عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه » ؟

الجواب : هنا وسيلتان.

الوسيلة الاولى :

( الوكالة في القبض ) « أو فكرة السلم الموازي ».

بمعنى ان المشتري للمكيل أو الموزون ( إذا لم يقبضه من البائع ، أو لم يحل الاجل ) يتمكن ان يبيع في الذمة مكيلاً أو موزوناً من نفس النوع ، ثم بعد تمامية بيعه يوكل المشتري ( في أخذ المبيع من البائع الذي اشترى منه ، ولم يقبضه أو لم يحل الاجل ) بوكالة غير قابلة للعزل ، وقد يعكس الامر بان يبيع كلياً في الذمة مكيلاً أو

٢٠٨

موزوناً ، وهو يخشى من ارتفاع قيمته فيما بعد أو يريد السفر حين حلول الاجل أو قبله ، فيتمكن ان يشتري مقداره سلماً إلى حين الاجل وقبل قبضه أو قبل الاجل يتمكن ان يوكل المشتري في اخذه من البائع ، وهذه الوكالة منجّزة يكون متعلقها حلول الاجل كما في الوكالة المنجّزة في الطلاق في حالة معينة أو يوم معين. وهذه الطريقة لا تشملها الروايات المانعة ، لانها تمنع من العقد الثاني إذا جرى على ما جرى عليه العقد الاول « لا تبعه حتى تكيله أو تزنه ». وإذا نظرنا إلى استثناء بيع التولية نقطع بان الممنوع هو البيع الثاني إذا جرى على ما وقع عليه البيع الأول حيث إنّ التولية هي « أن يبيع ما اشتراه أولاً برأس ماله ». أما هنا فلم يبع ما جرى عليه العقد الاول ، بل وكَّل دائنه في أخذ المبيع من مدينه فهو استيفاء ، وفائدته سقوط ما في ذمته منه.

لكن هذه الطريقة التي قلناها هنا ، لا نقولها في مورد نفهم الملاك من المنع ، كما إذا حلف انسان أو نذر عدم بيع بيته وكان السبب في ذلك هو ان لا يبقى بدون مأوى هو وعائلته رغم الظروف التي يمرّ بها ، ففي هذه الصورة إذا باع بيتاً كليّاً في الذمة ثم قال للمشتري : اُعطيك بيتي وفاءً لما في ذمتي ، فان العرف يرى أنه ممنوع من هذا العمل بواسطة حلفه أو نذره ، وذلك لعلمنا بالملاك الذي دعاه للحلف أو النذر بعدم بيع داره ، وهو اعم من البيع بحيث يشمل اعطاء داره وفاءً لبيع بيت كلي.

ومثال اوضح لذلك : هو النهي عن بيع امهات الأولاد في الشريعة الاسلامية ، كما ورد عن علي عليه‌السلام ، فالنهي وضعي يدل على البطلان ، والملاك والغاية منه هو تحرر الأمة ( ام الولد ) من نصيب ولدها إذا مات سيدها ، وحينئذ يرى العرف أن بيع امة على الغير بنحو الكلي في الذمة ثم يعطي أمته وفاءً عما في ذمته مشمول للنهي ، وذلك لان العلة التي أوجبت الحكم عامة تشمل هذه الصورة. وهذا يختلف عما نحن فيه حيث ان العلة المانعة من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه غير معلومة لنا ، فلا يكون المنع شاملاً لهذه الصورة.

٢٠٩

ولا اشكال في هذه الوسيلة الاولى الا أن يكون القابض والمقبض متحداً ، وهو ليس فيه أي محذور ، إذ يكون قابضاً بالوكالة عن المشتري الاول ومقبضاً لنفسه بالاصالة. بالاضافة الى وجود صحيحة شعيب بن يعقوب كما يرويها الصدوق ( ولكن صاحب الوسائل توهم فرواها عن الحلبي ) قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن رجل ... وسألته عن الرجل يكون له على الآخر أحمال من رطب او تمر فيبعث إليه بدنانير فيقول : اشتر بهذه واستوف منه الذي لك ؟ قال عليه‌السلام : لا بأس إذا ائتمنته » (١). فهنا المديون الذي اعطى الدراهم إلى الدائن واشترى الدائن بها رطباً للمديون ، فإذا استوفى الدائن دينه بعد الشراء فقد برئت ذمة المديون قبل قبضه ، ولكن قد يقال إن الوكالة في الشراء الموجود في الرواية هي وكالة في القبض عرفاً ، فحينئذ تكون الرواية دالة على استيفاء الدين بعد القبض للمكيل والموزون ، لا قبل القبض. الا أن الرواية شاملة باطلاقها لما إذا اشترى رطباً سَلماً ووكَّله في أخذه عند حلول الأجل.

ثم لا يتوهم ان هذه الطريقة فيها منع بواسطة صدر رواية شعيب المتقدمة عن الامام الصادق عليه‌السلام حيث جاء فيها : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن رجل اسلفه دراهم في طعام ، فلما حلّ طعامي عليه بعث اليّ بدراهم وقال : اشتر لنفسك طعاماً واستوف حقك ؟ قال عليه‌السلام : ارى ان تولي ذلك غيرك وتقوم معه حتى تقبض الذي لك ولا تتولى انت شرائه » وكذا موثقة عبدالرحمن بين أبي عبدالله عن الامام الصادق عليه‌السلام قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن رجل أسلف دراهم في طعام ، فحلّ الذي له ، فأرسل إليه بدراهم فقال : اشترِ طعاماً واستوفِ حقك ، هل ترى به بأساً ؟ قال عليه‌السلام : يكون معه غيره يوفيه ذلك » (٢).

وسبب عدم التوهم : هو أن النهي في هاتين الروايتين عن الشراء الذي هو

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٣ باب ١٢ من السلف ، ح ١.

(٢) المصدر السابق ، ح ٢.

٢١٠

مورد تهمة وسوء ظن ، فان الدائن هنا هو المشتري وقد يتّهم في صورة شرائه لنفسه ، فيعلم ان النهي كراهتي حيث يجوز ان يكون الدائن هو المشتري لمدينه بلا إشكال.

الوسيلة الثانية ( الحوالة )

كما إذا كان المشتري للسلم قد احتاج إلى المال فيبيع سلماً الى مابعد ذلك الاجل ، ثم يحوّل المشتري على البائع الذي باعه قبل الاجل أو قبل القبض. وكذا إذا باع سلماً مكيلاً أو موزوناً وأراد أن يتخلص من هذا الدين لأي سبب كان ، فيتمكن ان يشتري البائع سلماً مماثلاً ثم يحوّل المشتري الذي كان مديناً له على البائع الذي اشترى منه سلماً. وبما أن الحوالة ليست بيعاً ولا معاوضة ، بل هي تعيين الدين الذي في ذمة المديون بحال في ذمة فرد آخر ، وهو عقد مستقل ، فلا يشملها النهي عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه أو قبل حلول الاجل.

ويمكن الاستدلال لجواز هذه الحوالة « مضافاً الى اقتضاء القاعدة والعمومات لذلك » بموثقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال : « سألت الامام الصادق عليه‌السلام عن رجل عليه كرّ من طعام ، فاشترى كراً من رجل آخر فقال للرجل انطلق فاستوفِ كرّك قال عليه‌السلام : لا بأس به » (١) فالرواية شاملة لما إذا كان الكرّ في ذمة الانسان بالشراء أو القرض ، وشاملة لما إذا كان في ذمة المحيل معوّض أو عوض ، وشاملة لكون المبيع كلياً في الذمة أو شخصيّاً ، فتكون دليلاً لما نحن فيه.

وهنا لا اشكال على هذه الوسيلة اصلاً إذا كان المال المحال عليه أو به حالاً ومستقراً (٢) ، أي بعد الاجل وقبل القبض. اما الحوالة إذا كانت بمال غير حال أو

__________________

(١) المصدر نفسه ، باب ١٠ من السلف ، ح ٢.

(٢) الاحالة بمال السلم كما لو أحال البائع المشتري سلماً على من له عليه قرض أو اتلف مال البائع واما الاحالة على مال السلم كما إذا احال المشتري شخصاً آخر على البائع ليأخذ مقدار السلم ، كما يمكن الاحالة بمال السلم على مال السلم.

٢١١

على مال غير حال كما في الحوالة بدين السلم أو على مال السلم قبل حلول الاجل فسنتكلم عنها الآن.

الاشكال على الحوالة بدين السلم أو على دين السلم :

وقد استشكل البعض في هذه الحوالة بثلاثة اشكالات :

الاشكال الاول : هو أن الحوالة بيع من البيوع كما عن الامام مالك (١) وعلى هذا فلا تجوز الحوالة ببضاعة السلم قبل حلول الاجل لانها عبارة عن بيع بضاعة السلم قبل حلول الاجل وهو مورد المنع.

الاشكال الثاني : ما نسب إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله : « مَنْ أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره » (٢).

ولكن بما أن الجمهور والامامية يعتقدون بان الحوالة ليست بيعاً وانما هي عقد مستقل ـ كما هو الصحيح ـ فقد ارتفع الاشكال الاول. هذا مضافاً الى ان الحوالة حتى لو سلّمنا كونها بيعاً ، فلفظ البيع الوارد في الروايات الناهية عن البيع قبل القبض منصرف عن الحوالة الى البيع المتعارف.

واما الرواية النبوية فقد يناقش في متنها فضلاً عن سندها ، إذ لعل المراد هو النهي عن بيعه قبل الاجل لا النهي عن الحوالة على مال السلم بحيث يتمكن من أخذه في وقته وبعد الاجل. واما من ناحية السند ، فالحديث روي بثلاثة طرق في باب السلف يحوّل وفي باب من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ، وفي كل الاسناد عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف (٣).

الاشكال الثالث : وقد ذكر الامام مالك اشكالاً آخر في المقام ، وخلاصته :

__________________

(١) المدونة ، ٤ ، ٣٤ ـ ٣٥.

(٢) المغني ٥ / ٥٥.

(٣) نظر ترجمة عطية في تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال.

٢١٢

« اشتراط ان تكون الحوالة بدين حال » (١) اما الدين في بيع السلم إذا كان مؤجلاً فهو ليس بحال فلا تجوز الحوالة.

وقد أجاب الشوكاني عن هذا الاشكال فقال : « واستقرار الدين على المحال عليه ... فلا ادري لهذا الاشتراط وجهاً ، لأن من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته ويسلّم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب لان به يحصل المطلوب بدين المحال ، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين » (٢).

وبعبارة اخرى ، الحوالة هي : « تحويل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه » (٣) ، فإذا كان زيد وهو الذي احتاج إلى النقد بعد شرائه البضاعة السلمية قد باع سلماً إلى شخص آخر ، فهو قد انشغلت ذمته بمقدار معين موصوف إلى المشتري الجديد ، وبما أنه يطلب البائع الذي باعه بتلك الكمية ، فيتمكن أن يحوّل ما في ذمته الى ذمة البائع ، فإن قبل المشتري الجديد ( المستحق ) وقبل المستحق عليه وهو البائع ، فلا يوجد أي مانع من صحة هذه الحوالة وتنفذ عند الاجل والاستحقاق ، وأي مانع في أن أقول للذي يستحق عليه المال بعد مدة : ادفع ما يستحق عليك في وقته إلى فلان الذي يطلبني قدره ؟!

نعم : إن صحة الحوالة بعد عملية السلم الموازي أو صحة الوكالة كذلك منوطة بان لا يُفسخ احدُ عقدي السلم المنفصلين ، فإذا فسخ العقد الاول فتبطل الحوالة لان العقد هنا هو : ان يتسلم المحال له بضاعة السلم التي كنتُ قد اشتريتها سابقاً ، فإذا بطل عقد السلم الاولي فلا يستحق المشتري إلاّ ثمنه ، فلا توجد بضاعة سلم يستحقها المشتري. كما أنه لو بطل عقد السلم الثاني فتبطل الحوالة أيضاً حيث ان العقد هو : أن يتسلّم المشتري الثاني ما استحقه بعقد السلم الثاني من البائع الذي

__________________

(١) المغني ٥ / ٥٥ ، وبدائع الصنائع ٦ / ١٦.

(٢) السيل الجرار المتدفق على حدائق الازهار ٤ / ٢٤٢.

(٣) اللمعة الدمشقية ، ج ٤ / ١٤٢.

٢١٣

يستحق عليه المشتري الاول البضاعة السليمة. وبعد ان بطل عقد السلم الثاني ، فإن المشتري الثاني لا يستحق إلا ثمنه فلا يستحق بضاعة على بائعه ، وعلى هذا فيبقى حق المحال كما هو من دون ضياع ، لان الحوالة التي هي عبارة عن براءة ذمة المحيل وانتقال المال إلى المحال له انما يكون في صورة صحة الحوالة وعدم بطلانها ، اما إذا بطلت فيبقى حق المحال بحاله على ذمة المحيل. على أنه يمكن للشخص الثالث وهو المحال اشتراط عدم براءة ذمة المحيل الا في صورة تسلمه للبضاعة ، فانه شرط صحيح لا يخالف كتاباً ولا سُنّة حيث ان براءة ذمة المحيل على القول بها هي في صورة عدم وجود شرط على خلافها في صورة معينة.

وأما القسم الثاني (١) : بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه على البائع فقد جوزته الروايات ما لم يستلزم الربا وتفصيله يذكر في امور :

الأمر الأول : إذا باع المشتري ما اشتراه قبل القبض ( سواء كان كلياً أو شخصياً ) بجنس آخر على البائع فهو جائز بلا كلام وذلك لان الروايات المانعة من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه وإن كانت مطلقة لكل بيع ، إلا ان الروايات التي جوزت البيع على البائع قد أحلّت هذه الصورة بشرط ان يأخذ بقدر دينه دراهم أو عروضاً ، فمن الروايات :

١ ـ صحيحة العيص بن القاسم عن الامام الصادق عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل اسلف رجلاً دراهم بحنطة حتى اذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواباً ومتاعاً ورقيقاً ، يحل له أن يأخذ من عروض تلك بطعامه ؟ قال عليه‌السلام : نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً » (٢).

٢ ـ رواية الحسن بن فضال قال : « كتبتُ إلى الامام ابي الحسن عليه‌السلام : الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام ، أعطيه بقيمته

__________________

(١) لقد اشرنا الى القسم الأول في الصفحة رقم (٢١٠).

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١١ من السلف ، ح ٦.

٢١٤

دراهم ؟ قال : نعم » (١).

٣ ـ ما روي مرسلاً عن الامام الصادق عليه‌السلام في الرجل يسلم الدراهم في الطعام إلى أجل فيحلّ الطعام فيقول : « ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه ، فقال عليه‌السلام : لا بأس » (٢).

وبظني ان الذي ذكر لصحة هذه العملية هو : « ان يأخذ بقدر دينه دراهم أو عروضاً لا اكثر » هو لأجل ان لا يستغل المشتري البائع ويضغط عليه بأن يردده بين ان يدفع المتاع الذي لم يوجد وبين ان يدفع اكثر من قيمته ، بل تريد الرواية ان تقول ان البائع له حق في ان يعطي بدل المتاع الذي في ذمته ولا يوجد في الخارج لا أنه يجبر على ذلك بحيث يُستغل من قبل الطرف الآخر ، وعلى هذا فان اعطى البائع من متاعه اكثر من قيمة ما عليه من الدراهم أو العروض باختياره فهو معاوضة صحيحة ، يشملها ( تجارة عن تراض ). ويدل على ذلك ان السائل قد فرض ان الدفع يكون بمقدار او ما على البائع ، فاجاب الامام عليه‌السلام بقوله « لا بأس » ولم يقل الامام إن ذلك شرط يلزم مراعاته.

الامر الثاني : إذا باع المشتري ما اشتراه قبل القبض بجنس ما اشتراه على البائع ، فهنا روايتان ضعيفتان (٣) تجوّزان ذلك بشرط أن يكون بقدر الثمن الاولي لا اكثر. ولكن الروايات المتقدمة في الامر الاول أجازت البيع بجنس الثمن الاولي مطلقاً ( أي سواء كان بقدر الثمن الاولي أو بزيادة عنه أو نقيصة ) ولذلك فقد اختلفت اقوال العلماء. ولكن بما أن الروايتين ضعيفتان فنصير إلى روايات الجواز ،

__________________

(١) المصدر السابق ، ح ٨.

(٢) المصدر السابق ، ح ٥.

(٣) إحداهما خبر علي بن جعفر قال : « سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أياخذ بقيمته دراهم ؟ قال : إذا قوّمه دراهم فسد ، لان الاصل الذي يشتري به دراهم ، فلا يصلح دراهم بدراهم ... » وسائل الشيعة ، ج ١٣ ، باب ١١ من السلف ح ١٢.

٢١٥

بالاضافة إلى أن الاصل الاولي القائل بان المشتري عندما ملك ببيع السلم ، فهو حرّ في بيعه بعد بجنس الثمن الاولي أو بزيادة أو بنقيصة ، لأنه يبيع المبيع ولا يبيع الثمن حتى يشترط ان يكون بقدر دراهمه لا اكثر ، وحينذ يشمله « احلّ الله البيع » و« تجارة عن تراض ».

الامر الثالث : إذا باع المشتري المسلم فيه بنفس جنس المسلم فيه فلا يجوز بزيادة أو نقيصة لانه ربا حيث اشترطت الروايات في بيع المتجانسين إذا كانا من المكيل أو الموزون التساوي.

آراء بقية المذاهب في بيع المكيل والموزون قبل قبضه

وقد ذهب العلامة ابن القيّم إلى جواز بيع الطعام قبل قبضه على بائعه بدليل آخر فقال : « واما نهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا انما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فانه لا يجوز قبل قبضه ، اما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء ، وفائدته : سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له ، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة ، فانه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضاً أو غيره اسقط ما في ذمته ، فكان كالمستوفي دينه لان بدله يقوم مقامه ، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال.

والبيع المعروف : هو أن يملِّك المشتري ما اشتراه ، وهذا لم يملّكه شيئاً ، بل سقط الدين من ذمته ، ولهذا لو وفّاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم ، بل يقال : وفّاه حقه ، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فانه بيع.

ففي الاعيان : إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين من غير جنسها يسمى بيعاً.

وفي الدين : إذا وفّاها بجنسها لم يكن بيعاً ، فكذلك إذا وفّاها بغير جنسها لم يكن بيعاً ، بل هو ايفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه غداً ، فاعطاه عنه عرضاً برّ ، في أصح الوجهين » (١).

__________________

(١) عن القره داغي ، تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية المشتركة ، ص ٦٦.

٢١٦

وقد ارتأى هذا الرأي الامام مالك أيضاً فقد جاء في المدونة : « قلت فان كنتُ اسلفت في شعير فلما حلّ الاجل أخذت سمراء أو عمولة؟ قال : لا بأس بذلك وهو قول مالك ... ثم ذكر أن هذا انما يجوز بعد محل الاجل أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم. حتى يقبضه من الذي عليه السلف ... » (١).

وكذا ذهب إلى هذا القول الامام أحمد ، فقد جاء في مجموع الفتاوي : « سئل رحمه‌الله عن رجل أسلف خمسين درهماً في رطل من حرير إلى أجل معلوم ، ثم جاء الأجل فتعذر الحرير ، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير ؟ أو يأخذ عوضه أو أي شيء كان ؟ فأجاب : هذه المسألة فيها روايتان عن الامام أحمد : أحدهما لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافعي. والقول الثاني : يجوز ذلك كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الاعيان ... » (٢).

وقد استدل على ما نحن فيه بالحديث الذي يرويه ابن عمر رضي‌الله‌عنه قال : « كنت أبيع الابل بالنقيع ( بالنون سوق بالمدينة ، وبالباء مقبرتها ) فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في بيت حفصة ، فقلت : يا رسول الله رويدك ، أسألك إني أبيع الابل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير ، آخذ هذه من هذه ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا بأس ان يأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء » (٣).

وهذا الحديث وإن كان في جواز الاعتياض عن الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينقل إلى ضمان البائع ، الا أنه استدُل به على جواز بيع المثمن الذي هو بيد البائع بغيره مع أنه مضمون على البائع لم ينقل إلى

__________________

(١) ج ٤ / ٣٤ ـ ٣٥.

(٢) مجموع الفتاوى ج ١٩ / ٥٠٣ ـ ٥١٨.

(٣) رواه أحمد في مسنده ، ج ٢ ، ٨٢ ـ ١٥٤.

٢١٧

ضمان المشتري (١).

ثم إن ابن عباس الذي لم يجوّز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ، أجاز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح حتى أنه لم يفرق بين الطعام وغيره ، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما ، وقد وجّه بقولهم : « لأنَّ البيع هنا من البائع الذي هو عليه وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه ، بل ليس هنا قبض ، لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا فائدة في اخذه منه ثم إعادته إليه ... » (٢).

خلاصة القسم الثاني : هو جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه على بائعه وبهذا يكون التفصيل المتقدم متّجهاً وهو :

١ ـ بيع المكيل والموزون قبل قبضه على شخص ثالث فهو لا يجوز ( وهذا نتيجة البحث الاول ).

٢ ـ بيع المكيل والموزون قبل قبضه على البائع فهو جائز ( وهذا نتيجة البحث الثاني ).

ولكن الشيخ صاحب الجواهر قدس‌سره ذكر عن الرياض انه لا قائل ( من الطائفة الامامية ) بالفرق بين البيع على شخص ثالث أو على البائع (٣). وحينئذ إن تم هذا فيكون بيع المكيل والموزون قبل قبضه ( على بائعه أو على شخص ثالث ) قد نهي عنه حسب روايات البحث الاول ، وقد جوّز حسب روايات البحث الثاني ، وحينئذ فتطبق القاعدة القائلة بان الروايات المجوزة هي صريحة في الجواز ، اما الروايات الناهية فهي ظاهرة في البطلان أو الحرمة فنحملها على الكراهة أو الارشاد ، إلاّ أن البيع قبل القبض قد تحدث منه خلافات يكون الاولى تجنبها.

ويؤيد هذه النتيجة :

__________________

(١) راجع مجموع الفتاوى ج ٢٩ / ٥١٠.

(٢) مجموع الفتاوى ج ٢٩ / ٥١٤.

(٣) راجع جواهر الكلام ، ج ٢٤ / ٣٢١.

٢١٨

١ ـ عدم وجود علة أو حكمة لمنع بيع المكيل والموزون قبل قبضه وجواز بيع غيرهما قبل القبض.

٢ ـ الوسيلتان اللتان ذكرتهما الروايات للوصول إلى نفس نتيجة بيع المكيل والموزون قبل قبضه ، إذ لا معنى للمنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه وتجويزه بطريقة ملتوية عن طريق الحوالة أو الوكالة ، فانّ الفهم العرفي يرى التنافي في هذه الطريقة.

٣ ـ تعبير بعض الروايات بان البيع للمكيل أو الموزون قبل قبضه بلفظ « لا يعجبني » (١).

ولكن الحق : ان الادلة دلّت على التفصيل بين بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه على بائعه فأجازته ، وعلى غير بائعه فلم تجزه إلاّ تولية أو أن يشاركه معه غيره ، واما ما ذكر من عدم الفرق بين علماء الامامية فهو لم يثبت ، فيكون التفصيل متّجهاً.

النتيجة من البحث السابق :

١ ـ إذا اشترى مكيلاً أو موزوناً سلماً وحلّ الاجل ، فلا يتمكن ان يبيعه على شخص ثالث قبل القبض ، اما بيعه على البائع بجنس آخر غير ثمن السلم أو بجنس ثمن السلم حتى بزيادة عليه أو نقيصة فهو أمر جائز.

٢ ـ إذا أراد بيع المال المسلم فيه بجنسه فلا يجوز أن يبيعه بزيادة أو نقيصة لانه ربا.

٣ ـ بيع المسلم فيه إذا لم يكن مكيلاً أو موزوناً قبل قبضه امر جائز ، للعمومات الدالة على صحة البيع ، مثل « أحلّ الله البيع » و« تجارة عن تراض » والروايات الخاصة المصرحة بذلك وقد تقدمت.

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، باب ١٦ من أحكام العقود ، ح ١٦.

٢١٩

٤ ـ بيع المسلم فيه قبل حلول الاجل غير جائز.

ملاحظة : إن ما يجري في البورصات العالمية من شراء الرصاص أؤ الذهب أو المتاع أو غيرها التي يكون القصد فيها ليس هو البيع والشراء الحقيقي ، بل الانتفاع من تقلبات الاسعار للحصول على ربح ، لا يمكن ان نطبق عليها حصيلة البحث السابق ، لعدم وجود قصد حقيقي للحصول على السلعة عند البائع والمشتري ، بل إن المقصود هو المقامرة والاستفادة من تقلبات الاسعار ، ويكون لفظ المتاع والشراء غطاءاً لذلك.

ماذا يقوم مقام القبض ؟

هل التحقق من قدرة البائع في بيع السلم على توفير السلعة عند المطالبة يغني عن القبض ؟ (١)

وهل التأمين على السلعة المسلم فيها أو وجودها في مخازن عمومية منظمة يغني عن القبض ؟

نقول : إذا انتهينا إلى هذه النتيجة وهي ( اشتراط قبض المكيل أو الموزون قبل بيعه على غير بائعه ، وعدم جواز بيع بضاعة السلم قبل حلول أجلها ). فيأتي هذان التساؤلان المتقدمان ، وللجواب عن ذلك نقول :

١ ـ ان القبض مفهوم يختلف عن مفهوم التأكد من قدرة البائع في السلم على توفير السلعة ، إذ القبض مفهوم محسوس يتحقق في الخارج حسب نوع البضاعة التي يراد قبضها ، اما المفهوم الثاني فهو مفهوم يقع في صقع النفس ، قد لا يكون له تحقق في الوجود الخارجي ، وانما هو افتراض الوجود الخارجي عند المطالبة ، فبين المفهومين تباين وتضاد ، كالتباين بين الحقيقة والافتراض. وقد جعل الشارع

__________________

(١) القبض معنى عرفي يكون في بعض الموارد عبارة عن التخلية كما في الدار والبستان ، ويكون في بعض آخر بالتسليم والتسلم.

٢٢٠