وقعة الجمل

ضامن بن شدقم بن علي الحسيني المدني

وقعة الجمل

المؤلف:

ضامن بن شدقم بن علي الحسيني المدني

المحقق: السيد تحسين آل شبيب الموسوي المترجم:
الموضوع : التاريخ الناشر: المحقّق
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

٣

٤

٥

٦

٧

٨

مقدمة تمهيدية

الحمد لله ناصر الحقّ ومخزي الباطل ، وصلى الله على نبينا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله الاخيار المنتجبين.

ان الفتنة التي ظهرت بالبصرة بعد بيعة الامام عليّ عليه‌السلام بمدة قليلة كان سببها ما احدثه طلحة والزبير من نكث بيعتهما التي بايعا بها امير المؤمنين عليه‌السلام طائعين غير مكرهين ، ثمّ خروجهما من المدينة الى مكّة يظهران العمرة ، ثمّ اجتماعهما بعائشة التي كانت تراقب الوضع السياسي عن كثب في المدينة ، ثمّ التحاق عمال عثمان الهاربين من الامصار بأموال المسلمين بهما ، وقد اجمعوا في اجتماعهم على الطلب بدم عثمان ، فأجابهم الى مرادهم الغوغاء الذين استهوتهم الفتنة.

وكان رأي الجماعة التوجه الى الشام والالتحاق بمعاوية ، لكن محاولة عبدالله بن كريز بن عامر ، عامل عثمان الهارب من البصرة ان يغير وجهة القوم الى البصرة ، باعتباره كان عاملاً لعثمان عليها ، ولعثمان فيها انصار ، بعدها قرر القوم التوجه الى البصرة بعد ان زودهم يعلى بن اميّة والي عثمان على اليمن الذي هرب أيضاً بأموالها والتحق بهم

٩

بستمائة بعير وستمائة الف درهم ، وكذلك جهزهم ابن عامر بمال كثير.

لكن لنعد الى الوراء قليلاً لنرى حقيقة هؤلاء القوم الذين يحملون الضغائن في صدورهم لآل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والذين اخبر بهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اكثر من موضع ، ففي رواية انس بن مالك ، قال : ان النبيّ وضع رأسه على منكبي عليّ فبكى ، فقال له : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال : « ضغائن في صدور اقوام لا يبدونها حتى أفارق الدنيا » (١).

وروي ان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ذات يوم جالساً ، وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهما‌السلام ، فقال لهم : « كيف بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ فقال الحسين عليه‌السلام : أنموت موتاً أو نقتل ؟ فقال : بل تقتل يا بني ظلماً ، ويقتل أخوك ظلماً ، وتشرد ذراريكم في الارض ، فقال الحسين عليه‌السلام : ومن يقتلنا يا رسول الله ؟ قال : شرار الناس » (٢) الحديث.

وعلى الرغم من هذا كان الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحذر الامة من انتهاك كرامة اهل بيته ، ويتوعد كل من يفعل بهم ذلك أن يكون مصيره النار لا محالة ، ثمّ خص جماعة منهم بالتحذير كما فعل مع الزبير حين قال له : « إنّك ستخرج عليه وانت ظالم له » (٣) ، كما حذر عائشة من أن

__________________

(١) تاريخ دمشق ( ترجمة الامام عليّ ) ٢ : ٣٢١ ـ ٣٢٧.

(٢) الارشاد ٢ : ١٣.

(٣) مروج الذهب م ٢ : ٣٧١.

١٠

تكون هي التي تنبحها كلاب الحوأب.

لكن كل تحذيرات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعبأ بها القوم ، فكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على يقين بأن اشرار الامة ستمتهن كرامة اهل بيته ( سلام الله عليهم ) لذا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اخبر علياً عليه‌السلام بأنه سيكون له يوم مع أراذل الامة ، كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسُهيل بن عَمرو لطلبه على ردّ من أسْلَمَ مِنْ مواليهم :

« لتنتهين يا معشر قُريش أو ليبعثَ الله عليكُم رجُلاً يضْرِبُكُمْ على تأويلِ القرآن كما ضَربتكُمْ على تنزِيلهِ ، فقال له بعضُ أصحابه : مَنْ يا رسولُ الله ؟ هُو فلانٌ ؟ قال : لا. قال : فَفُلانٌ ؟ قال : لا ، ولكنّه خاصِفُ في الحجرةِ ، فنظروا فإذا عليُّ عليه‌السلام في الحُجرةِ يخصفُ نعل رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » (١).

كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للامام عليّ عليه‌السلام : « تُقاتلُ يا عليُّ على تأويلِ القرآنِ ، كما قاتلتُ على تنزيلهِ » (٢).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لامير المؤمنين عليه‌السلام : « تُقاتلُ بَعْدي الناكثينَ والقاسطينَ والمارقينَ » (٣). وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « عليّ مع الحقّ والحق مع

__________________

(١) انظر : تذكرة الخواص : ٤٠ ، كشف الغمة ١ : ٣٣٥ ، اُسد الغابة ٤ : ٢٦ ، اعلام الورى : ١٨٩ ، مناقب الخوارزمي : ١٢٨ ، مجمع الزوائد ٥ : ١٨٦ ، فرائد السمطين ١ : ١٦٢.

(٢) حلية الاولياء ١ : ٦٧ ، مناقب ابن المغازلي : ٢٩٨ ، الصواعق المحرقة : ١٢٣.

(٣) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٨٠.

١١

عليَّ ، اللهم أدرِ الحقّ مع عليّ حيثما دارَ » (١).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : « قاتلَ اللهُ مَنْ قاتلَكَ ، وعادى مَنْ عاداك » (٢).

اذن ما حقيقة هؤلاء الذين يقاتلون امير المؤمنين عليه‌السلام ، وما حقيقة هؤلاء الناكثين الذين امر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً عليه‌السلام بقتالهم.

نقول : النكثُ في اللغةِ ، هو نكثُ الاكسيةِ والغزل ، قريبٌ من النقضِ ، واستعير لنقض العهد ، قال الله تعالى : ( وإنْ نَكَثُوا أيمَانِهم (٣) ـ إذا هم ينكثون ) ، والنكثُ كالنقضِ ، والنكيثةُ كالنقيضةِ ، وكل خصلة نكث فيها القوم يقالُ لها نكيثة ، قال الشاعر : « متى يكُ أمْرٌ للنكيثةِ أشهدِ » (٤).

وعلى هذا الاساس فكل من صفق على يد الامام عليّ بن ابي طالب عليه‌السلام بالبيعة ثمّ نكث بيعته فهو مشمول بأخبار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً بقتاله. ولا شك أن طلحة والزبير كانا من الذين خصهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكلمة « الناكثين » في صدر الحديث الانف الذكر.

فأين هُم من احاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحق امير المومنين عليه‌السلام ؟

__________________

(١) اعلام الورى : ١٥٩ ، تاريخ بغداد ١٤ : ٣٢١ ، المستدرك ٣ : ١٢٤.

(٢) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٨١.

(٣) التوبة (٩) : ١٢.

(٤) اساس البلاغة : ٤٧٢ ، المفردات في غريب القرآن : ٥٠٤.

١٢

واين هُم من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يعلن للملأ : « إن وَليتُم علياً يَسلُك بكم الطريق المستقيم » (١).

لكن الرسول العظيم يرى كل هذه الامور من وراء ستر رقيق ، ويخبر اهل بيته وعترته بما تؤول إليه امورهم بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ففي رواية عن الامام عليّ عليه‌السلام ، يقول : « عهد اليّ رسول الله : ان الامة ستغدر بك » (٢) ، لذلك لم يجد الامام عليه‌السلام بداً من قتال القوم كما قال : « ما وجدتُ بداً من قتال القوم أو الكفر بما انزل الله » (٣).

بعد هذه المقدمة القصيرة ، هل نطمئن الى ان طلحة والزبير هم حقيقةً من الذين بُشروا بالجنةِ على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ عند العودة الى احاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ اهل بيته وما تناقله الرواة على مستوى جميع المذاهب ، والروايات التي جاءت مستفيضة ومتواترة وحسنة الاسناد ، وكذا الروايات الكثيرة المسندة في حقٍّ من نصب العداوة والبغضاء لآله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

نجد بأن حقيقة التبشير بالجنة لا اساس لها من الصحة ، وإن كان بعض فرق السنة والجماعة روجوا لهذا الحديث ، وجاءوا بتأويلات باهتة حفظا لماء الوجه ، فقالوا : إن ذلك من الاجتهاد ، وعملَ كلُّ فريق منهم على رأيه ، فكان بذلك مأجوراً وعند الله تعالى مشكوراً ، وإن كانوا

__________________

(١) تاريخ دمشق ( ترجمة الامام عليّ عليه‌السلام ) ٣ : ٩٠ ـ ٩٤.

(٢) المصدر السابق ٣ : ١٤٨ ـ ١٦١.

(٣) المصدر السابق ٣ : ٢٢٠ ـ ٢٢١.

١٣

قد سفكوا فيه الدماء وبذلوا فيه الاموال (١).

ونقول : فأيّ اجر في سفك الدماء وانتهاك المحارم ، والخروج على الامام العادل ، وشق عصا المسلمين وسرقة بيوت اموالهم ؟

فإذا كان الشك يداخلهم في قتال عليّ عليه‌السلام ، فالحافظ ابن عساكر يخبرنا في روايةٍ بسندٍ عن عبيدالله بن ابي الجعد ، قال : سئل جابر بن عبدالله عن قتال عليّ ، فقال : ما يشك في قتال عليّ الا كافر (٢).

وإذا سلّمنا بأن حديث العشرة المبشرين في الجنة صحيح ومتفق عليه ، فالامام عليّ عليه‌السلام احد المبشرين بالجنة ، وطلحة والزبير هما أيضاً من المبشرين بالجنة ، فمن خلال فتنة الجمل ، فيجب ان يكون احد الطرفين المتحاربين على حقّ والآخر على باطلٍ ، فقتلى صاحب الحقّ شهداء ويدخلون الجنة ، وقتلى الباطل اشقياء ويدخلون النار ، فمن غير المعقول ان يكون كلا الطرفين على حقّ ، وتهرق في سبيلهما الدماء ، وإذا عرضنا الموضوع على الدين والعقل فأيّ منهما صاحب الحقّ والعدل ؟ وهذا مما لا يحتاج الى زيادة تفكير ، وقد جاءت الاية الكريمة مصداقاً لقوله تعالى : ( يوم نحشر كل امة بإمامهم ) (٣) فيحشر قتلى عليّ مع عليّ ويستقبلهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحشر قتلى الطرف الثاني

__________________

(١) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ٥٨.

(٢) تاريخ دمشق ( ترجمة الامام عليّ عليه‌السلام ) ٣ : ٤٢٠ ـ ١٤٣.

(٣) الاسراء (١٧) : ٧١.

١٤

امثال بني ضبة وغيرهم يتقدمهما طلحة والزبير ، والله يعلم اي زواية يشغلون ! وهو مما يعززُ قولنا كما جاء في رواية ابن المغازلي ، قال : أخبرنا احمد بن محمد بن عبد الوهاب اذناً ، عن القاضي ابي الفرج احمد بن عليّ ، قال : حدثنا أبو غانم سهل بن اسماعيل بن بلبل ، قال : حدثنا أبو القاسم الطائي ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، حدثنا العبّاس بن بكار ، عن عبدالله بن المثنى ، عن عمه ثمامة بن عبدالله بن أنس ، عن ابيه ، عن جده ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم ، لم يَجُز إلا من معه كتاب ولاية عليّ بن ابي طالب » (١).

والمعروف ان طلحة والزبير وامثالهم مزقوا هذا الكتاب وجحدوا فيه ، وجعلوه خلف ظهورهم ، فأنى لهم وعبور الصراط ؟

طلحة والزبير يؤلبان على عثمان

من المواقف التي ساهمت في زيادة حدة التوتر ما بين موقف الثوار المتشدد الذي يطالب عثمان بأصلاحات أو بخلع نفسه ، وبين عثمان الذي كان متصلباً أيضاً في مواقفه تجاه مطالبهم ، حتى شددوا عليه قبضة الحصار المفروض والذي دام أربعين يوماً ، وموقفا طلحة والربير اللذين ساهما في الوقيعة به وادى ذلك الى مقتله.

يروي الشيخ المفيد ( اعلا الله مقامه ) انه قال : ( ولما أبى عثمان ان

__________________

(١) مناقب ابن المغازلي : ٢٤٢ ، العمدة : ٣٦٩.

١٥

يخلع نفسه تولى طلحةُ والزبيرُ حصاره ، والناس معهما على ذلك ، فحصروه حصرا شديداً ، ومنعوه الماء ، فأنفذ الى عليّ عليه‌السلام يقول : إنّ طلحة والزبير قد قتلاني بالعطش ، والموت بالسلاح احسن. فخرج عليّ عليه‌السلام مُعتمداً على يدِ المسور بن مخرمة الزُهريِّ حتى دخل على طلحة بنِ عُبيدالله ، وهو جالس في داره يَبْري نَبْلاً وعليه قميصٌ هنديٍّ فلما رآه طلحةُ رحَّبَ به ووسع له على الوسادةِ. فقال له عليُّ عليه‌السلام : « إن عثمان قد أرسل اليّ أنكم قد قتلتموهُ عطشاً وان ذلك ليس بالحَسَنُ ، والقتل بالسلاح أحْسنُ له ، وكنتُ آليتُ على نفسي أنْ لا أرُدَّ عنه أحداً بعد أهل مِصْرَ ، وأنا أحِبُ ان تُدخلوا عليه الماءَ حتى تَرَوا رأيكم فيه ». فقال طلحة : لا والله لا نعمةُ عينٍ له ، ولا نتركهُ يأكلُ ويشرب ! فقال عليّ عليه‌السلام : « ما كُنتُ أظُنُّ أنْ اُكلِّمَ أحداً من قُريشٍ فيُردّني ، دَعْ ما كُنتَ فيه يا طلحة ». فقال طلحةُ : ما كُنتُ أنْتَ يا عليُّ في ذلك من شيءٍ. فقام عليٌّ عليه‌السلام مغضباً ، وقال : « ستعلمُ يابن الحَضْرَميَّة (١) أكُونُ في ذلك من شيءٍ أمْ لا ! ثمّ انصرف » (٢).

وروى أبو حُذيفةَ إسحاقُ بنُ بشر القُرشيُّ أيضاً ، قال : حدثني يزيد بن ابي زياد ، عن عبد الرحمن بن ابي ليلى ، قال : والله إنّي لأنظُرُ

__________________

(١) الحضرمية : هي ام طلحة ، وهي الصعبة بنت عبدالله بن عباد بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عوين بن مالك بن الخزرج بن اياد بن الصدف بن حضرموت من كندة يعرف ابوها عبدالله بالحضرمي. انظر : طبقات ابن سعد ٣ : ٢١٤ ، الاستيعاب ٢ : ٢١٩.

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٣٨٥ ، التمهيد والبيان : ١٥٢ ، العقد الفريد ٢ : ٢٦٧.

١٦

الى طلحةَ ، وعثمان محصور ، وهو على فرس أدْهم ، وبيدهِ الرُمْحُ يجولُ حولَ الدار ، وكأني أنْظُرُ الى بياضِ ما وراء الدِرْع (١).

وفي رواية ابن الاثير ، قال : وقد قيل ان علياً كان عند حصر عثمان بخيبر ، فقدم المدينة والناس مجتمعون عند طلحة ، وكان ممن لهُ أثر فيه ! فلما قدم عليّ أتاه عثمان ، وقال له : أمّا بعد فإنّ لي حقّ الاسلام وحقَّ الاخاء والقرابة والصِّهر ، ولو لم يكن من ذلك شيء وكنّا في الجاهلية ، لكان عاراً على بني عبد مناف ان ينتزع أخو بني تيم ، يعني طلحة ، أمرهم ، فقال له عليّ : « سيأتيك الخبر » ، ثمّ خرج الى المسجد فرأى أسامة فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة ، وهو في خلوة من الناس ، فقال له : « يا طلحة ما هذا الامر الذي وقعت فيه ؟ » فقال : يا ابا الحسن بعدما مسّ الحزمُ الطبّيين. فانصرف عليّ حتى اتى بيت المال فقال : « افتحوه » فلم يجدوا المفاتيح ، فكسر الباب واعطى الناس ، فأنصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده ، وسُرّ بذلك عثمان ، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له : يا أمير المؤمنين أردتُ امراً فحال الله بيني وبينهُ ! فقال عثمان : والله ما جئت تائباً ، ولكن جئت مغلوباً ، الله حسيبك يا طلحة (٢).

وفي رواية اخرى ، قال عبدالله بن عبّاس بن ابي ربيعة : دخلتُ

__________________

(١) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ١٤٦.

(٢) الكامل في التاريخ : ٣ : ١٦٧.

١٧

على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على بابه ، فمنهم من يقول : ما تنتظرون به ؟ ومنهم من يقول : انظروا عسى ان يراجع. قال : فبينما نحن واقفون إذ مرّ طلحة فقال : أين ابن عديس ؟ فقام إليه فناجاه ثمّ رجع ابن عديس فقال لاصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة ، اللهم اكفني طلحة فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألبَهم عليّ ! والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً وأن يُسفك دمه ! (١).

اما موقف الزبير من قضية حصار عثمان ، فهو لم يكن افضل من صاحبه كما جاء في رواية ابي حُذيفة القُرشيُّ ، عن الاعمش ، عن حبيب بن ابي ثابت ، عن ثعلبةَ بن يزيد الحمّانيِّ قال : أتيتُ الزبير ، وهو عند أحْجار الزيتِ ، فقلت له : يا با عبدالله قد حِيلَ بينَ أهل الدار وبين الماء ، فنظرَ نحوهم وقال : ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتهُونَ كَما فُعِلَ بِأشياعِهِمْ مِنْ قَبلُ إنهُم كانُوا في شَكٍّ مُريبٍ ) (٢).

وفي رواية ابي اسحاق قال : لما اشتدَّ بعثمان الحصارُ عمل بنو أُميّة على إخراجه ليلاً الى مكّة وعرف الناسُ ذلك فجعلوا عليه حَرَساً ، وكان على الحرس طلحة بن عبيدالله وهو أوّلُ من رمى بسهمٍ في دار عثمان ، قال : واطّلعَ عثمانُ وقد اشتدّ به الحصارُ وظمي من العطش فنادى : أيُّها

__________________

(١) المصدر السابق ٣ : ١٧٤.

(٢) سبأ : ٣٤ ، ٥٤. العقد الفريد ٤ : ٢٩٩ ، مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ١٤٦.

١٨

الناسُ ! أسقُونا شرْبةً مِنَ الماء وأطعمونا مما رزقكُمُ الله ، فناداهُ الزبيرُ بنُ العوام يا نَعْثلُ ! لا والله ، لا تذُوقُه (١).

وذكر ابن ابي الحديد المعتزلي ، قال ، قال أبو جعفر : وكان لعثمان على طلحة بن عُبيدالله خمسون الفاً ، فقال طلحة له يوماً : قد تهيأ مالُك فاقبضه ، فقال : هو لك معونة على مروءتك ، فلما حُصِر عثمان ، قال عليّ عليه‌السلام : « أنْشُدك الله إلا كففت عن عثمان ! » فقال : لا والله حتى تُعِطي بنو أميّة الحقَّ من أنفسها. فكان عليّ عليه‌السلام يقول : « لحا الله ابن الصّعبة ! أعطاهُ عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل ! » (٢).

بعد هذه الاحاديث الدالة على مساهمة طلحة والزبير مساهمة فعالة ، حتى ضيّقوا الخناق عليه ، ومنعوا من دخول الماء إليه ، حتى كان يستنجد عدة مرات بالامام عليّ عليه‌السلام ، فيحاول الامام على الرغم من ممانعة طلحة إيصال الماء الى عثمان. فيروي ابن الاثير في هذا الشأن : فقال عليّ لطلحة : « أريد أن تُدخل عليه الروايا ، وغضب غضباً شديداً حتى دخلت الروايا على عثمان » (٣). حتى قتل عثمان بتحريضٍ منهم ، ثمّ بعدها يتظاهرون بالطلب بدمه الذي هم سفكوه ، بعد مبايعتهم علياً عليه‌السلام ، فأظهروا الندم ، وأثاروا الفتنة ، وجمعوا من حولهم الغوغاء ، واصحاب النفوس المريضة امثال : مروان بن الحكم ، وسعيد بن

__________________

(١) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ١٤٦.

(٢) شرح نهج البلاغة ٢ : ١٦١.

(٣) الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٦.

١٩

العاص ، والوليد بن عقبة بن ابي معيط ، وعبد الله بن كريز بن عامر ، ويعلى بن اميّة ، وغيرهم من امثالهم كثير.

فما عسانا ان نقول لقومٍ جاهدوا ردّ تلك الشبهات عن تلك الزمرة الناكثة ، وما عسانا ان نقول لهم وحججهم خاوية امام وثائق التاريخ الدامغة.

وعائشة ايضاً

واما عائشة فلها النصيب الاوفر في تأليب الناس وتحريضهم على الفتك بعثمان. قال الشيخ المفيد رحمه‌الله : ( فهو أظهرُ مما وردتْ به الاخبارُ من تأليب طلحة والزبير ، فمن ذلك ، ما رواه محمد بن إسحاق صاحبُ السيرةِ عن مشايخه ، عن حكيم بن عبداللهِ ، قال : دخلتُ يوماً بالمدينة المسجدَ ، فإذا كفّ مرتفعةٌ وصاحبُ الكفِّ يقول : ايّها الناس ! العهدُ قريب ، هاتانِ نَعْلاً رسول اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله وقميصُهُ ، كأنّي أرى ذلك القميصَ يَلُوحُ وأن فيكم فرعون هذه الأُمّة ، فإذا هي عائشة ، وعثمانُ يقول لها : اُسْكُتي ! ثمّ يقول للناس : إنها امرأةٌ وعَقلُها عَقْلُ النساءِ فلا تُصْغُوا الى قولها ) (١).

وروى الحسنُ بن سعدٍ قال : ( رَفَعَتْ عائشةُ ورقةً من المُصحَفِ بين عُودينِ من وراء حَجلِتها ، وعثمانُ قائمٌ ، ثمّ قالت : يا عثمانُ أقِمْ ما

__________________

(١) مصنفات الشيخ المفيد م ١ : ١٤٧.

٢٠