تذكرة الفقهاء - ج ٧

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

تذكرة الفقهاء - ج ٧

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم ISBN: 964-319-007-2
نسخة غير مصححة

وليس بجيّد ، لأنّهما عبادتان لا يلزمه المضيّ فيهما ، فلا يصحّ الإحرام بهما ، كالصلاتين.

وعلى هذا لو أفسد حجّه أو عمرته ، لم يلزمه إلاّ قضاؤها إن قلنا بانعقاد إحداهما.

وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معا ، بناء على صحة إحرامه بهما (١).

مسألة ١٣٤ : المكّي إذا خرج عن مكة ثم عاد وحجّ على ميقات ، أحرم منه ، وجاز له التمتّع ، لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام مهيعة (٢) ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، وهي لهم ولكلّ آت من غيرهم ممّن أراد الحج والعمرة (٣).

ومن طريق الخاصة : قول الكاظم عليه‌السلام : « من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلاّ من المدينة » (٤).

وأمّا جواز التمتع : فلأنّه إذا خرج عن مكة إلى مصر من الأمصار ، ومرّ على ميقات من المواقيت ، صار ميقاتا له ، ولحقه أحكام ذلك الميقات.

ولما رواه الكاظم عليه‌السلام : عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار ثم رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هل له أن يتمتّع؟ قال : « ما أزعم أنّ ذلك ليس له ، والإهلال بالحجّ أحبّ اليّ ، ورأيت من سأل أبا جعفر عليه‌السلام ، قال : نويت الحج من المدينة كيف أصنع؟

قال : تمتّع ، قال : إنّي مقيم بمكة وأهلي فيها ، فيقول : تمتّع » (٥) في‌

__________________

(١) المغني ٣ : ٢٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦١.

(١) مهيعة : اسم للجحفة. النهاية ـ لابن الأثير ـ ٤ : ٣٧٧ ، معجم البلدان ٥ : ٢٣٥.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٢٥ ـ ١٢٦ بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ ـ ٥٨ ـ ١٧٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣ ـ ٣٤ ـ ١٠٠ ، الاستبصار ٢ : ١٥٨ ـ ٥١٨.

١٨١

حديث طويل.

مسألة ١٣٥ : ومن كان من أهل الأمصار فجاور بمكة ثم أراد حجّة الإسلام ، خرج الى ميقات أهله ، فأحرم منه ، فإن تعذّر ، خرج الى أدنى الحلّ ، ولو تعذّر ، أحرم من مكة.

هذا إذا لم يجاور مدّة سنتين ، فإن مضى عليه سنتان وهو مقيم بمكة ، صار من أهل مكة وحاضريها ليس له أن يتمتّع ، وبه قال الشيخ في كتابي الأخبار (١).

وقال في النهاية : لا ينتقل فرضه عن التمتّع حتى يقيم ثلاث سنين (٢).

وقد روى زرارة ـ في الصحيح ـ عن الباقر عليه‌السلام ، قال : « من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له » فقلت لأبي جعفر : أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال : « فلينظر أيّهما الغالب عليه فهو من أهله » (٣).

إذا عرفت هذا ، فذو المنزلين بمكة وناء يعتبر في حقّه أغلبهما إقامة ، فيحرم بفرض أهله ، فإن تساويا ، تخيّر في التمتّع وغيره.

إذا ثبت هذا ، فلو لم تمض هذه المدّة ، ففرضه التمتّع يخرج الى الميقات ، ويحرم منه مع المكنة ، وإلاّ فمن حيث أمكن ، لأنّه لم ينتقل فرضه عن فرض إقليمه ، فيلزمه الإحرام من ميقاتهم ، أمّا لو تعذّر فإنّه يخرج الى خارج الحرم فيحرم منه ، للضرورة ، ولأنّ ميقاته قد تعذّر عليه ، فيسقط اعتباره ، كما لو تعذّر عليه التمتّع ، وذلك كقضية عائشة ، ولو كان الإحرام من مكة جائزا ، لما كلّفها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحمّل المشقّة.

وروى الحلبي عن الصادق عليه‌السلام ، قال : قلت : رجل ترك‌

__________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤ ذيل الحديث ١٠٠ ، الاستبصار ٢ : ١٥٩ ذيل الحديث ٥١٨.

(٢) النهاية : ٢٠٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٤ ـ ١٠١ ، الإستبصار ٢ : ١٥٩ ـ ٥١٩.

١٨٢

الإحرام حتى دخل مكة ، قال : « يرجع الى ميقات أهل بلاده ، الذي يحرمون منه فيحرم ، وإن خشي أن يفوته الحج ، فليحرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج » (١).

وقال الشافعي : يجوز أن يحرم من مكة مع المكنة من الخروج الى الميقات (٢) ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أصحابه بالإحرام من مكة للتمتّع (٣).

وليس حجّة ، لجواز أمرهم بإحرام الحج لا بإحرام العمرة ، أو أنّ ذلك كان للضرورة.

البحث الثاني : في وقت أداء النسكين‌

مسألة ١٣٦ : أشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجة عند أكثر علمائنا (٤) ، وبه قال مالك ، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وابن عمر (٥) ، لقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (٦) وأقلّ الجمع ثلاثة.

وما رواه زرارة عن الباقر عليه‌السلام ، قال : « ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) شوّال وذو القعدة وذو الحجّة ، ليس لأحد أن يحرم بالحج في سواهنّ ، وليس لأحد أن يحرم قبل الوقت الذي وقّت رسول الله صلّى الله عليه‌

__________________

(١) التهذيب ٥ : ٥٨ ـ ١٨٠.

(٢) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٣٤١.

(٣) سنن البيهقي ٤ : ٣٥٦.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية ٢٠٧ ، وابن إدريس في السرائر : ١٢٦ ، والمحقق في شرائع الإسلام ١ : ٢٣٧ ، والمعتبر : ٣٣٦.

(٥) المغني ٣ : ٢٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، أحكام القرآن ـ لابن العربي ـ ١ : ١ ٣١ ، المجموع ٧ : ١٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٢ ، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ٦١ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٦.

(٦) البقرة : ١٩٧.

١٨٣

وآله ، وإنّما مثل ذلك مثل من صلّى أربعا في السفر وترك الثنتين » (١).

ولأنّه يصح أن يقع في باقي ذي الحجة شي‌ء من أفعال الحج ، كالطواف والسعي وذبح الهدي.

وقال بعض علمائنا هي : شوّال وذو القعدة والى قبل الفجر من عاشر ذي الحجّة (٢) ، لقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) (٣) ولا يمكن فرضه بعد طلوع الفجر من يوم النحر.

ولقوله تعالى ( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ ) (٤) وهو سائغ يوم النحر ، لأنّه يمكنه التحلّل في أوّله.

ولا حجّة فيه ، لأنّ المراد : فمن فرض في أكثرهن ، وبه يتمّ المطلوب.

وقال بعض علمائنا : هي شوّال وذو القعدة والى طلوع الفجر من ليلة النحر (٥). وبه قال الشافعي (٦).

وقال بعضهم : وتسعة من ذي الحجة (٧).

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إلى آخر العاشر من ذي الحجة ـ وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وعطاء ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأحمد ـ لقول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير : شهران وعشر ليال (٨). وإذا أطلق ذلك ، اقتضى تعدّده من الأيّام.

__________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢١ ـ ٣٢٢ ـ ٢ ، التهذيب ٥ : ٥١ ـ ١٥٥ ، الاستبصار ٢ : ١٦١ ـ ٥٢٧.

(٢) الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٠٨.

(٣ و ٤) البقرة : ١٩٧.

(٥) الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٥٨ ، المسألة ٢٣.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، فتح العزيز ٧ : ٧٤ ، المجموع ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥١.

(٧) الشيخ الطوسي في الجمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٢٦.

(٨) المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ٦٠ و ٦١ ، المغني ٣ : ٢٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ و ٢٣٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٧ ، التفسير الكبير ٥ : ١٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥١ ، أحكام القرآن ـ لابن العربي ـ ١ : ١٣١ ، المجموع ٧ : ١٤٥.

١٨٤

ولأنّ يوم النحر يدخل به وقت ركن من أركان الحج ، وهو : طواف الزيارة ، ويقع فيه كثير من أفعال الحجّ ، كالرمي والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع الى منى ، فكان من أشهره ، كيوم عرفة.

واعلم : أنّه لا فائدة كثيرة في هذا النزاع ، للإجماع على أنّه لو فاته الموقفان فقد فاته الحجّ ، وأنّه يصح كثير من أفعال الحج يوم العاشر وما بعده.

مسألة ١٣٧ : لو أحرم بالحجّ قبل أشهره ، لم ينعقد إحرامه للحجّ ، وينعقد للعمرة ـ وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي (١) ـ لقوله تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (٢) تقديره : وقت الحجّ أشهر ، أو أشهر الحجّ أشهر ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف اليه مقامه ، وإذا ثبت أنّه وقته ، لم يجز تقديم إحرامه عليه ، كأوقات الصلوات.

ولقول الصادق عليه‌السلام : « من أحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ فلا حجّ له » (٣).

وأمّا انعقاده للعمرة : فلقول الصادق عليه‌السلام في رجل فرض الحجّ من غير أشهر الحجّ ، قال : « يجعلها عمرة » (٤).

وقال مالك والثوري والنخعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : ينعقد إحرامه ، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحجّ ، جاز ، لقوله تعالى :

__________________

(١) المغني ٣ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ ، الام ٢ : ١٢٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٨ ـ ٢٩ و ٣٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٧ : ٧٧ ، المجموع ٧ : ١٤٢ و ١٤٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ٦٠ ، المحلّى ٧ : ٦٦.

(٢) البقرة : ١٩٧.

(٣) الكافي ٤ : ٣٢٢ ـ ٤ ، التهذيب ٥ : ٥٢ ـ ١٥٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٢ ـ ٥٢٩.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٧٨ ـ ١٣٦١.

١٨٥

( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ ) (١) فدلّ على أنّ جميع الأشهر ميقات (٢).

ولا حجّة فيه ، لأنّ الأزمنة أوقات للحوادث التي من جملتها الحجّ.

مسألة ١٣٨ : لا ينعقد الإحرام بالعمرة المتمتّع بها قبل أشهر الحجّ ، فإن أحرم بها في غيرها ، انعقد للعمرة المبتولة ـ وهو أحد قولي الشافعي وأحمد (٣) ـ لأنّ الإحرام بالعمرة نسك وركن من أركانها ، فيعتبر وقوعه في أشهر الحجّ ، كما يعتبر وقوع باقيها.

ولأنّ المتمتّع بها داخله في الحجّ ، لقوله عليه‌السلام : ( دخلت العمرة في الحجّ هكذا ) وشبّك بين أصابعه (٤) ، والحجّ لا يصح إحرامه قبل أشهره ، فكذا ما دخل فيه.

ولقول الصادق عليه‌السلام : « لا تكون عمرة إلاّ في أشهر الحجّ » (٥).

ولأنّه أتى بنسك لا تتم العمرة إلاّ به في غير أشهر الحج ، فلا يكون متمتّعا كما لو طاف.

وقال الشافعي في ثاني قوليه : إنّه إذا أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بالطواف والسعي والحلق في شوّال وحجّ من سنته فإنّه يكون متمتّعا (٦).

وقال مالك : إذا أحرم بها في غير أشهر الحجّ ولم يتحلّل من إحرام‌

__________________

(١) البقرة : ١٨٩.

(٢) المغني ٣ : ٢٣١ ـ ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٥ ، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ٦٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٩ ، المجموع ٧ : ١٤٤ ، المحلّى ٧ : ٦٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٣٨ ـ ١٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المهذب ـ للشيرازي ـ ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٤٩ ـ ٥٠.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ ـ ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ ـ ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٧.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٣٥ ـ ٤٣٦ ـ ١٥١٤ ، المعتبر : ٣٣٦.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٤٩ ـ ٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ ـ ٢٦١.

١٨٦

العمرة حتى دخلت أشهر الحجّ ، صار متمتّعا (١).

وقال أبو حنيفة : إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحجّ ، صار متمتّعا إذا دخلت عليه أشهر الحجّ (٢).

وكلّ هذه الأقوال لا حجّة عليها ، فلا يلتفت إليها.

مسألة ١٣٩ : العمرة المبتولة تجوز في جميع أيّام السنة بغير خلاف بين علماء الأمصار ، لما رواه العامة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : ( عمرة في رمضان تعدل حجّة ) (٣).

واعتمر عليه‌السلام في شوّال وفي ذي القعدة (٤).

واعتمرت عائشة من التنعيم ليلة المحصب (٥) ، وهي الليلة التي يرجعون فيها من منى الى مكة.

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام : « السنة اثنا عشر شهرا ، يعتمر لكلّ شهر عمرة » (٦).

ولأنّها عبادة لها تحريم وتحليل فكان من جنسها عبادة غير موقّتة ، كالصلاة.

مسألة ١٤٠ : المتمتّع إذا دخل مكة وخاف فوات الوقت لو أكملها ، جاز له أن ينقل نيته الى الإفراد ليدرك أحد الموقفين ثم يعتمر عمرة مفردة بعد إتمام الحج.

__________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ٣٩٥ ، المنتقى ـ للباجي ـ ٢ : ٢٢٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ٣٠ ـ ٣١.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤ ، فتح العزيز ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٢٧٦ ـ ٩٣٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩١٦ ـ ٢١٧ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٨١ ـ ١٢١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٤.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٧٨ ـ ١٣٦٢.

١٨٧

وكذا الحائض والنفساء لو منعهما عذرهما عن التحلّل وإنشاء إحرام الحجّ ، نقلتا حجّتهما الى الإفراد ، واعتمرتا بعده ، لأنّ التكليف منوط بالقدرة.

ولما رواه جميل عن الصادق عليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية ، قال : « تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجّة مفردة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج الى التنعيم فتحرم وتجعلها عمرة » (١).

إذا عرفت هذا ، فلو غلب على ظنّها أنّها تطهر وتدرك الموقف ، صبرت على إحرام المتعة الى أن تطهر ثم تطوف وتتمّ متعتها ، لأنّ أبا بصير سأل الصادق عليه‌السلام عن المرأة تجي‌ء متمتّعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة ، فقال : « إن كانت تعلم أنّها تطهر وتطوف بالبيت وتحلّ من إحرامها وتلحق الناس فلتفعل » (٢).

البحث الثالث : في المواقيت‌

والنظر في أمرين :

الأول : تعيينها‌

مسألة ١٤١ : المواقيت ستّة ، فقد أجمع العلماء كافّة على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّ على أربعة مواقيت ، وهي : ذو الحليفة والجحفة وقرن المنازل ويلملم.

وروى العامة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ،

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٤٠ ـ ١١٤٦ ، التهذيب ٥ : ٣٩٠ ـ ١٣٦٣.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٧ ـ ٨ ، الفقيه ٢ : ٢٤٢ ـ ١١٥٨ ، التهذيب ٥ : ٣٩١ ـ ١٣٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٣١١ ـ ١١٠٨.

١٨٨

ولأهل اليمن يلملم ، قال : فهي لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ، فمن كان يريد الحجّ والعمرة فمن كان دونهن فمهلّه (١) من أهله ، وكذلك أهل مكة يهلّون منها (٢).

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام : « من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا تجاوزها إلاّ وأنت محرم ، فإنّه وقّت لأهل العراق ـ ولم يكن يومئذ عراق ـ بطن العقيق من قبل أهل العراق ، ووقّت لأهل اليمن يلملم ، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل ، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ، وهي : مهيعة ، ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله » (٣).

وأمّا ميقات أهل العراق : فقد اتّفقوا على أنّه لو أحرم من ذات عرق أحرم من الميقات ، وكان أنس يحرم من العقيق ، واستحسنه الشافعي وابن المنذر وابن عبد البرّ (٤) ، واختلفوا في ثبوته.

قال العلماء : إنّه يثبت بالنصّ من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وبه قال أحمد وأصحاب أبي حنيفة (٥) ، لما رواه العامة عن ابن عباس ، قال : وقّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل العراق ذات عرق (٦).

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام وقد سأله أبو أيّوب الخزّاز‌

__________________

(١) أي : موضع الإهلال بالإحرام.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٨ ـ ١١٨١ ، صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٣) الكافي ٤ : ٣١٨ ـ ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ ـ ١٦٦.

(٤) المغني ٣ : ٢١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٣ ، الام ٢ : ١٣٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٦٨ ، فتح العزيز ٧ : ٨١ ، المجموع ٧ : ١٩٧.

(٥) المجموع ٧ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٨١.

(٦) أورده المحقق في المعتبر : ٣٤٢.

١٨٩

ـ في الصحيح ـ : حدّثني عن العقيق أوقت وقّته رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو شي‌ء صنعه الناس؟ فقال عليه‌السلام : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ووقّت لأهل المغرب الجحفة ، وهي عندنا مكتوبة مهيعة ، ووقّت لأهل اليمن يلملم ، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل ، ووقّت لأهل نجد العقيق وما أنجدت » (١).

وقال قوم : إنّه يثبت قياسا ، لأنّ أهل العراق كانوا مشركين (٢).

ولا حجّة فيه ، لعلمه عليه‌السلام بأنّهم يسلمون ، أو يمرّ على هذا الميقات مسلمون.

مسألة ١٤٢ : من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله بإجماع العلماء ـ خلافا لمجاهد ، فإنّه قال : يهلّ بمكة (٣). وهو خطأ ـ لما رواه العامّة عن علي عليه‌السلام وابن مسعود وعمر في قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٤) قالوا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك (٥).

وعن النبي عليه‌السلام في قوله : ( فمن كان دونهنّ فمهلّه من أهله ) (٦).

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام : « ومن كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله » (٧).

__________________

(١) الكافي ٤ : ٣١٩ ـ ٣ ، التهذيب ٥ : ٥٥ ـ ١٦٨.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٦٨ ، فتح العزيز ٧ : ٨٠ ، المجموع ٧ : ١٩٧ ، وراجع : المغني والشرح الكبير ٣ : ٢١٤.

(٣) المغني ٣ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٢٠٣ ـ ٢٠٤.

(٤) البقرة : ٢٩٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٧٥ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، تفسير الطبري ٢ : ١٢٠ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ١ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٧) الكافي ٤ : ٣١٨ ـ ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ ـ ٥٥ ـ ١٦٦.

١٩٠

مسألة ١٤٣ : ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ـ وهو مسجد الشجرة ـ اختيارا ، وهو على عشرة مراحل من مكة ، وعن المدينة ميل ، وعند الضرورة الجحفة.

روى العامّة عن جابر أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( مهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة ) (١).

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي ـ في الحسن ـ عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها ، وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وهو مسجد الشجرة » (٢) الحديث.

وفي الصحيح عن الحلبي ، قال : سألته من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال : « من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلاّ محرما » (٣).

وكان الصادق عليه‌السلام عليلا فأحرم من الجحفة (٤).

مسألة ١٤٤ : العقيق ميقات أهل العراق ، وكلّ جهاته ميقات من أين أحرم جاز ، لكن الأفضل الإحرام من المسلخ ، وتليه غمرة ، وآخره ذات عرق.

وروى العامّة عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقّت لأهل المشرق العقيق (٥).

قال ابن عبد البرّ : العقيق أولى وأحوط من ذات عرق ، وذات عرق‌

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٤١ ـ ١٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧.

(٢) الكافي ٤ : ـ ٣١٩ ـ ٢ ، الفقيه ٢ : ١٩٨ ـ ٩٠٣ ، التهذيب ٥ : ٥٥ ـ ١٦٧.

(٣) التهذيب ٥ : ٥٧ ـ ١٧٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ ـ ١٧٦.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ ـ ١٧٤٠ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ ـ ٨٣٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨.

١٩١

ميقاتهم بإجماع (١).

ومن طريق الخاصة : ما رواه ابن بابويه عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « وقّت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل العراق العقيق أوّله المسلخ ووسطه غمرة وآخره ذات عرق ، وأوّله أفضل » (٢).

واعلم أنّ أبعد المواقيت ذو الحليفة على عشرة مراحل من مكة ، وتليه في البعد : الجحفة ، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.

مسألة ١٤٥ : المواقيت المذكورة مواقيت لأهلها ولمن مرّ بها ممّن يريد الحجّ أو العمرة ، فإذا حجّ الشامي من المدينة فجاز على ذي الحليفة ، أحرم منها ، وإن حجّ من اليمن ، فميقاته يلملم ، وإن حجّ من العراق ، فميقاته العقيق ، وكذا غيرها ، ولا نعلم فيه خلافا ، لما روى العامّة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممّن أراد الحجّ والعمرة ) (٣).

ومن طريق الخاصة : قول الكاظم عليه‌السلام : « من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلاّ من المدينة » (٤).

ولأنّ التكليف بالمضيّ إلى ميقات بلده ضرر ، فيكون منفيّا.

مسألة ١٤٦ : الصبي ميقاته هذه المواقيت ، ويجوز أن يجرّد من فخّ ، وأن يؤخّر إحرامه (٤) إليه ، لما رواه معاوية بن عمّار ، قال : سمعت الصادق عليه‌السلام يقول : « قدّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن‌

__________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢١٤.

(٢) الفقيه ٢ : ١٩٩ ـ ٩٠٧.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٥٧ ـ ٥٨ ـ ١٧٩.

(٥) في النسخ الخطية والحجرية : إحرامهم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

١٩٢

مرّ ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم ويطاف بهم ويسعى بهم ، ومن لم يجد منهم هديا صام عنه وليّه » (١).

وسأل أيّوب (٢) الصادق عليه‌السلام عن الصبيان أين نجرّدهم للإحرام؟

فقال : « كان أبي يجرّدهم من فخّ » (٣).

مسألة ١٤٧ : ميقات عمرة التمتّع هذه المواقيت ، وميقات حجّه مكّة لا غير ، فإن أحرم من غير مكة اختيارا ، لم يجزئه ، وكان عليه العود إلى مكة لإنشاء الإحرام ، ذهب إليه علماؤنا.

وقال أحمد : يخرج إلى الميقات فيحرم منه للحجّ (٤).

وليس بصحيح ، لما رواه العامّة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل على عائشة وهي تبكي ، قال لها : ( أهلّي بالحجّ ) (٥) وكانت بمكة.

وأمر أصحابه بالإحرام من مكة لمّا فسخوا الحجّ (٦).

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام : « إذا كان يوم التروية ـ إلى أن قال ـ وادخل المسجد ـ إلى أن قال ـ فأحرم بالحجّ » (٧).

إذا عرفت هذا ، فلو أحرم من غير مكة اختيارا ، لم يجزئه ، وكان عليه العود إلى مكة لإنشاء الإحرام ، لأنّ النبي عليه‌السلام أمر أصحابه بالإحرام من مكة (٨).

وقال الشافعي : يجوز أن يخرج إلى أحد المواقيت فيحرم بالحجّ‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ٣٠٤ ـ ٤ ، الفقيه ٢ : ٣٦٦ ـ ١٢٩٤ ، التهذيب ٥ : ٤٠٩ ـ ١٤٢٣.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : أبو أيوب ، وما أثبتناه من المصدر وكما في المعتبر : ٣٤٢.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٠٩ ـ ١٤٢١.

(٤) المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٥٤ ـ ١٥٥ ـ ١٧٨٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٥.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٢ ـ ١٢١٤ ، المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

(٧) الكافي ٤ : ٤٥٤ ـ ١ ، التهذيب ٥ : ١٦٧ ـ ٥٥٧.

(٨) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٢ ـ ١٢١٤ ، المغني ٣ : ٢١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٨.

١٩٣

منه (١).

ويجوز أن يحرم من أيّ موضع كان من مكة ، لأنّها كلّها ميقات ، لكن الأفضل الإحرام من المسجد ، وأفضله تحت الميزاب أو في مقام إبراهيم عليه‌السلام.

ولو خرج من مكة بغير إحرام ناسيا أو جاهلا ، رجع إليها أو أحرم منها ، فإن عرض له مانع ، أحرم من موضعه ولو بعرفات ، وكذا في الخائف من الرجوع.

مسألة ١٤٨ : هذه المواقيت المذكورة مواقيت للحجّ على ضروبه وللعمرة المفردة إجماعا إذا قدم مكة حاجّا أو معتمراً.

أمّا المفرد والقارن إذا قضيا مناسك الحج وأرادا الاعتمار ، أو غيرهما ممّن يريد الاعتمار ، فإنّه يلزمه أن يخرج إلى أدنى الحلّ ، فيحرم بالعمرة المفردة ثم يعود إلى مكة للطواف والسعي ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أرادت عائشة أن تعتمر بعد التحلّل من الحجّ أمر عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم (٢) ، وهو من الحلّ.

ولو خرج إلى أحد المواقيت فأحرم منه ، جاز لكن خفّف عنه بالإحرام من أدنى الحلّ.

وينبغي أن يحرم من الجعرانة ، فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعتمر منها (٣) ، فإن فاتته فمن التنعيم ، لأنّ النبي عليه‌السلام أمر عائشة بالإحرام منها (٤) ، فإن فاتته فمن الحديبية ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قفل (٥) من‌

__________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٧٨ ، المجموع ٧ : ١٩٦.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ٤ و ٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧١ ـ ١١٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٧‌

(٣) صحيح البخاري ٣ : ٣ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ـ ١٩٩٣ و ١٩٩٤ ، سنن الترمذي ٣ : ١٨٠ ـ ٨١٦.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٠ ـ ٨٧١ ـ ١١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٦.

(٥) قفل : رجع. النهاية ـ لابن الأثير ـ ٤ : ٩٢.

١٩٤

حنين أحرم بالجعرانة (١).

النظر الثاني : في أحكام المواقيت‌

مسألة ١٤٩ : لا يجوز الإحرام قبل الميقات عند علمائنا إلاّ لناذر على خلاف ، ولمريد العمرة في رجب إذا خاف فواته.

وأطبق العامّة على جوازه (٢) ، واختلفوا في الأفضل.

فقال مالك : الأفضل الإحرام من الميقات ، ويكره قبله. وبه قال عمر وعثمان والحسن وعطاء ومالك وأحمد وإسحاق (٣).

وقال أبو حنيفة : الأفضل الإحرام من بلده (٤).

وعن الشافعي كالمذهبين (٥).

وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم (٦).

لنا : ما رواه العامّة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحرم من الميقات (٧) ، ولا يفعل إلاّ الراجح ، وقال عليه‌السلام : ( خذوا عنّي مناسككم ) (٨) فوجب‌

__________________

(١) الكامل في التاريخ ٢ : ٢٧٢.

(٢) المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، المجموع ٧ : ٢٠٠ ، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ١٦٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٤ ، المنتقى ـ للباجي ـ ٢ : ٢٠٥.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣.

(٤) الاختيار لتعليل المختار ١ : ١٨٥ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٢.

(٥) المهذّب ـ للشيرازي ـ ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٩٣ ، المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.

(٦) المغني ٣ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، وانظر : المجموع ٧ : ٢٠٢.

(٧) المغني ٣ : ٢٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٧.

(٨) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

١٩٥

اتّباعه.

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه‌السلام : « من أحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ فلا حجّ له ، ومن أحرم دون الميقات فلا إحرام له » (١).

ولأنّه أحرم قبل الميقات ، فكان حراما ، كالإحرام قبل أشهر الحجّ.

ولما فيه من التغرير بالإحرام والتعرّض لفعل محظوراته ، وفيه مشقّة على النفس ، فمنع ، كالوصال في الصوم.

احتجّوا : بما رواه العامّة عن أمّ سلمة زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّها سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( من أهلّ بحجّة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ) (٢).

وفي الطريق ضعف عند العامّة (٣).

مسألة ١٥٠ : سوّغ أكثر أصحابنا (٤) الإحرام قبل المواقيت في موضعين :

الأول : إذا نذر أن يحرم قبل الميقات ، لما رواه الحلبي ـ في الصحيح ـ عن الصادق عليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل جعل لله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة ، قال : « فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال » (٥).

الثاني : من يريد الإحرام بالعمرة المفردة في رجب ، فإنّه إذا خشي تقضّيه قبل الوصول إلى الميقات ، جاز له أن يحرم قبل الميقات ليدرك التلبّس بالعمرة في رجب ، لما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظم عليه‌السلام عن‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٢ ـ ٤ ، التهذيب ٥ : ٥٢ ـ ١٥٧ ، الاستبصار ٢ : ١٦٢ ـ ٥٢٩.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ ـ ١٧٤١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠ ، وانظر : المغني ٣ : ٢٢٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٢٦.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣ ـ ٢٢٤.

(٤) منهم ابن حمزة في الوسيلة : ١٥٩ ـ ١٦٠ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٤٢ ، وشرائع الإسلام ١ : ٢٤٢ ، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : ١٧٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٣ ـ ١٦٢ ، الاستبصار ٢ : ١٦٣ ـ ٥٣٤.

١٩٦

الرجل يجي‌ء معتمرا ينوي عمرة رجب ، فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق ، أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخّر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : « يحرم قبل الوقت لرجب ، فإنّ لرجب فضلا وهو الذي نوى » (١).

مسألة ١٥١ : وكما لا يجوز الإحرام قبل الميقات كذا لا يجوز مجاوزته بغير إحرام لمن يريد النسك ، فإن جاوزه فعليه أن يرجع ليحرم منه إن أمكنه ، سواء تجاوزه عالما أو جاهلا ، وسواء علم تحريم ذلك أو جهله ، فإن رجع إليه فأحرم منه ، فلا شي‌ء عليه ، ولا نعلم فيه خلافا ، لأنّ فائدة توقيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهذه المواقيت : الإلزام بالمناسك منها لا يتقدّم عنها ولا يتأخّر.

ولما رواه معاوية بن عمّار ـ في الصحيح ـ عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا تجاوزها إلاّ وأنت محرم » (٢).

مسألة ١٥٢ : لو أحرم غير الناذر وغير مريد الاعتمار في رجب قبل الميقات ، لم ينعقد إحرامه ، ولم يعتدّ به ، ولو فعل ما هو محظور على المحرم ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإذا بلغ الميقات ، وجب عليه تجديد الإحرام من رأس ، لأنّ ما فعله كان منهيّا عنه ، فلا يكون مجزئا.

ولأنّ الباقر عليه‌السلام شبّه ذلك بمن صلّى في السفر أربعا (٣) ، والصادق عليه‌السلام شبّهه بمن صلّى العصر (٤) ستّا (٥) ، والمعنى واحد ، وهو‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ٣٢٣ ـ ٩ ، التهذيب ٥ : ٥٣ ـ ١٦٠ ، الإستبصار ٢ : ١٦٢ ـ ١٦٣ ـ ٥٣٢.

(٢) الكافي ٤ : ٣١٨ ـ ١ ، التهذيب ٥ : ٥٤ ـ ١٦٦.

(٣) الكافي ٤ : ٣٢١ ـ ٣٢٢ ـ ٢ ، التهذيب ٥ : ٥١ ـ ١٥٥ ، الاستبصار ٢ : ١٦١ ـ ٥٢٧.

(٤) في الاستبصار والطبعة الحجرية و « ط » : الظهر.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٢ ـ ١٥٦ ، الإستبصار ٢ : ١٦١ ـ ٥٢٨.

١٩٧

الزيادة في الفريضة ، كزيادة المحرم قبل الميقات على المقدار المعتبر في نظر الشرع.

وقال الباقر عليه‌السلام : « من أحرم من دون الوقت الذي وقّته رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأصاب شيئا من النساء والصيد فلا شي‌ء عليه » (١).

وأطبق الجمهور كافّة على صحة هذا الإحرام (٢).

مسألة ١٥٣ : لو ترك الإحرام من الميقات عامدا مع إرادة النسك ، وجب عليه الرجوع إلى الميقات والإحرام منه مع المكنة ، ولا نعلم في ذلك خلافا ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل المواقيت مواطن الإحرام ، ومنع من الجواز بها إلاّ لمحرم إذا كان مريدا للنسك (٣).

ولما روى العامّة أنّ أبا الشعثاء جابر بن زيد رأى ابن عباس يردّ من جاوز الميقات غير محرم (٤).

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي ـ في الصحيح ـ عن الصادق عليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم ، فقال : « يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه ، فيحرم ، وإن خشي أن يفوته الحجّ فليحرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج » (٥).

إذا عرفت هذا ، فلو لم يتمكّن من الرجوع إلى الميقات وكان قد ترك الإحرام من الميقات عامدا متمكّنا منه مع إرادة النسك ، بطل حجّة ـ وبه قال سعيد بن جبير (٦) ـ لأنّه ترك الإحرام من الميقات عامدا متمكّنا ، فبطل حجّه ،

__________________

(١) التهذيب ٥ : ٥٤ ـ ١٦٥.

(٢) تقدّم تخريجه في المسألة ١٤٩.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٦٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٣٨ ـ ٨٣٩ ـ ١١ و ١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٤) الام ٢ : ١٣٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٥٨ ـ ١٨٠.

(٦) المغني ٣ : ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٢ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

١٩٨

كما لو ترك الوقوف بعرفة.

وقالت العامّة : يجبره بدم ، ويحرم من موضعه ، لما رواه ابن عباس : أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( من ترك نسكا فعليه دم ) (١).

ونحن إنّما نثبت العموم لو قلنا بصحة الحج ، وهو ممنوع.

ولو أحرم من موضعه مع تركه عامدا قادرا ، لم يجزئه على ما بيّنّاه ، ولو عاد إلى الميقات فكذلك ما لم يجدّد الإحرام ، لأنّ الأول لم ينعقد ، فجرى مجرى الإخلال بالإحرام.

ولا فرق في بطلان الحج بين أن يكون عدم التمكّن من الرجوع لمرض أو خوف أو ضيق الوقت.

مسألة ١٥٤ : لو ترك الإحرام عامدا فقد قلنا بوجوب الرجوع ، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه ، فلا دم عليه ، سواء رجع بعد التلبّس بشي‌ء من أفعال الحج ، كطواف القدوم مثلا ، أو الوقوف ، أو لم يتلبّس ـ وبه قال عطاء والحسن والنخعي (٢) ـ لأنّ إحرامه من موضعه لا اعتداد به ، وكذا ما فعله ، ومع الرجوع إلى الميقات يصح إحرامه ، والأصل براءة الذمّة من الدم.

ولأنّه رجع إلى الميقات وأحرم منه ، فلا شي‌ء عليه ، كما لو لم يفعل شيئا من مناسك الحج.

وقال الشافعي : إن رجع قبل التلبّس ، فلا شي‌ء عليه ، وإن رجع بعد التلبّس ، وجب عليه دم (٣) ، لأنّه أحرم من دون الميقات فوجب الدم ، لكن برجوعه سقط ، لأنّه حصل في الميقات محرما قبل التلبّس بشي‌ء من أفعال‌

__________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، المهذّب ـ للشيرازي ـ ١ : ٢١٠ ، المجموع ٧ : ٢٠٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧١ ، فتح العزيز ٧ : ٩٢ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥.

١٩٩

العبادة ، فلا يجب عليه الدم ، كما لو أحرم منه ، أمّا إذا عاد بعد فعل شي‌ء من أفعال الحج فقد عاد في غير وقت إحرامه ، لأنّ الإحرام يتقدّم أفعال الحج.

وقد بيّنّا أنّ فعله لا اعتداد به ، فلا فرق بينهما.

وقال أبو حنيفة : إن رجع إلى الميقات ، سقط عنه الدم ، وإن لم يلبّ لم يسقط (١).

وقال مالك : يجب الدم مطلقا ـ وبه قال أحمد وزفر وابن المبارك ـ لقول ابن عباس : من ترك نسكا فعليه دم (٢).

ونمنع كون قوله حجة أو العموم.

إذا عرفت هذا ، فلو لم يرجع مع قدرته ، بطل إحرامه وحجّه.

وقال الشافعي : إن لم يتمكّن من الرجوع ، جاز أن يحرم من مكانه ، ويجب الدم ، وإن لم يكن له عذر ، وجب الرجوع ، فإن لم يرجع أثم ، ووجب الدم ، وصحّ إحرامه (٣).

وقد بيّنّا بطلانه.

مسألة ١٥٥ : لو تجاوز الميقات ناسيا أو جاهلا ، أو لا يريد النسك ثم تجدّد له عزم ، وجب عليه الرجوع إلى الميقات ، وإنشاء الإحرام منه مع القدرة ، ولا يكفيه المرور بالميقات ، فإن لم يتمكن ، أحرم من موضعه ، ولو أحرم من موضعه مع إمكان الرجوع ، لم يجزئه.

__________________

(١) المبسوط ـ للسرخسي ـ ٤ : ١٧٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧٢ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٦٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٧١ ، المجموع ٧ : ٢٠٨.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٨٩ ، المجموع ٧ : ٢٠٦.

٢٠٠