أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٩

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٩

المؤلف:

جواد شبّر

المحقق: المترجم:
الموضوع : الشعر والأدب الناشر: دار المرتضى
نسخة غير مصححة

وقال :

أزائر أكتاف الحمى إبدء بمسلم

وعج لعليِ غوث كل دخيل

فإن علي المرتضى باب أحمد

وباب عليٍ مسلمُ بن عقيل

ويقصد الإمامين الكاظمين ويقف على المرقد ويقول :

لموسى والجواد أتيت أسعى

لأشكو ما بقلبي من لواعج

فذا باب المراد لمن أتاه

وهذا للورى باب الحوائج

ومن قصائده الشهيرة قصيدته في الشهيد مسلم بن عقيل وأولها :

هذي مرابعهم فحيّ وسلّم

واعقل وقف فيها وقوف متيم

وأخرى في زيد الشهيد إبن الإمام السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأولها :

خليليّ عوجا بي على ذلك الربع

لأسقيه إن شحّ الحيا هاطل الدمع

وثالثة يذكر فيها أبا الفضل العباس حامل لواء الحسين (ع) يوم كربلاء ، أولها :

كم ذا على الأطلال دمعك يسجم

وإلى مَ بالتذكار قلبك مغرم

ورابعة في الصديقة الزهراء (ع) بنت الرسول الأعظم (ص) ، أولها :

يا أيها الربع الذي قد درسا

باكرك الغيث صباحاً ومسا

وخامسة في الامام موسى الكاظم عليه‌السلام ، أولها :

رحلوا وما رحلوا أهيل ودادي

إلا بحسن تصبري وفؤادي

ولنقتطف من ديوانه بعض الروائع ، قال مخمساً :

شبّ الهوى في الفؤاد نارا

وهيّم القلب فاستطارا

لشادن يشبه العذارى

وأهيف من بني النصارى

بسهم ألحاظه رميتُ

٢٠١

له يدٌ تبهج النفوسا

بيضاء قد فاقت الشموسا

فهو وإن كان مثل موسى

خالف في المعجزات عيسى

فذاك يحيي وذا يميتُ

ومن مراسلاته الأدبية رسالة للمرجع الديني السيد أبو الحسن الاصفهاني قوله فيها :

جاء الشتا وليس لي من عدة

أعتدّ فيها من طوارق الزمن

وها أنا أريد لي عباءة

وإن من أهل العبا أبو الحسن

ومن روائعه قصيدته في الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عند رجوعه من المؤتمر الإسلامي بفلسطين وأولها :

طلعت علينا طلوع القمر

فأهلاً بهذا المحيّا الأغر

فهذي نوادي العلا أشرقت

وأفق الكمال ازدهى وازدهر

ولقد تحدثتُ منبرياً عن حياة زيد الشهيد إبن علي السجاد إبن الإمام الحسين عليه‌السلام وكان حاظراً فارتجل قائلاً :

أبا يحيى ويا مَن فاق قدراً

على هام السهى والفرقدين

لموقفك الذي استشهدت فيه

كموقف جد السبط الحسين

وقال مقرضاً كتاب ( ثمرات الأعواد ) للخطيب السيد علي الهاشمي :

ولقد بكيت على الحسين بناظر

أدمت مآقي جفنه عبراته

حتى سقيت بأدمعي شجر الأسى

فنما وطال وهذه ثمراته

وقال في مريض لاذ بحرم أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام :

لقد كنتُ بالسلّ المبرح داؤه

فشافاني العباس من مرض السل

ففضّلت بين الناس قدراً وإنما

لي الفضل إذ أني عتيق ( أبي الفضل )

وقال في رثاء الحسين عليه‌السلام ، وأولها :

ما بكائي لرسم ربع بالي

قد محاه مرّ السنين الخوالي

٢٠٢

وقال في مطلع قصيدة عند مطلع شهر المحرم :

ليت الهلال هلال شهر محرم

عجل الخسوف له ولم يتمم

وسجّلتُ في مؤلفي ( سوانح الأفكار ) قصيدته في شباب كربلاء يوم الحسين (ع) ، وأولها :

لا تركنن إلى الحياة

إن المصير إلى الممات

وقال في مطلع مرثية للإمام الحسين (ع) :

هذي الطفوف فقف بها واستوقف

واسقي ثراها بالدموع الذرف

وقال في الحسين عليه‌السلام وأولها :

حتى متى أجفاننا عبرى

وإلى متى أكبادنا حرّى

كتب عن الشاعر وترجم له جملة من الباحثين وقالوا : كانت سنة وفاته هي الثامنة والخمسين بعد الثلثمائة والألف ، والصحيح هي التاسعة والخمسين بعد الثلثمائة والألف وكان تاريخ وفاته ( مهدي غرق ) كما نظم الخطيب الشيخ حسن الشيخ كاظم سبتي في تاريخ وفاته :

قد هجر الدنيا أبو صالح

مهاجراً لله أوّابا

أعماله صالحة لا يرى

قط بدين الله مرتابا

أفديه ليثاً غاب عن أهله

واتخذ القبرَ له غابا

عوّذ بالخمسة مذ أرخوا

مهديّ آل المصطفى غابا

وسلسلة نسب الشاعر كما في الديوان : السيد مهدي بن راضي بن حسين بن علي بن محمد بن جعفر بن مرتضى بن شرف الدين بن نصر الله بن زروز بن ناصر بن منصور بن أبي الفضل النقيب عماد الدين موسى بن علي بن أبي الحسن محمد بن أحمد البن إبن الأمير محمد الأشتر نقيب الكوفة والحائر الحسيني إبن عبيد الله بن علي الصالح بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين الشهيد (ع).

٢٠٣

السيد صالح الحلّي

المتوفى ١٣٥٩

يرثي علي بن الحسين الأكبر شهيد الطف :

يا نيراً فيه تجلى ظلمة الغسق

قد غاله الخسف حتى انقضّ من أفق

ونبعة للمعالي طاب مغرسها

رقت وراقت بضافي العز لا الورق

حرّ الظبا والظما والشمس أظمأها

وجادها النبل دون الوابل الغدق

يا ابن الحسين الذي ترجى شفاعته

وشبه أحمد في خلق وفي خُلُق

أشبهتَ فاطمة عمراً وحيدرة

شجاعة ورسول الله في نطق

يا خائضاً غمرات الموت حين طمى

فيض النجيع بموج منه مندفق

لهفي عليه وحيداً أحدقت زمر

الأعدا به كبياض العين بالحدق

نادى عليك سلام الله يا أبتا

فجاء يعدو فألفاه على رمق

نادى بنيّ على الدنيا العفا وغدا

مكفكفاً دمعه الممزوج بالعلق

قد استرحت من الدنيا وكربتها

وبين أهل الشقا فرداً أبوك بقي

أبو المهدي السيد صالح ابن السيد حسين ابن السيد محمد حسيني النسب حليّ المحتد والمولد وتناديه عامة الناس أبو مهيدي خطيب أو أشهر خطباء المنبر الحسيني إذ أن شهرته الخطابية لم يحصل على مثلها خطيب حتى اليوم يتحلى بجرأه قوية وبسطة في العلم والجسم. ولد سنة ١٢٨٩ ه‍. في الحلة وهاجر منها إلى النجف ١٣٠٨ ه‍. وهو في التاسعة عشرة من عمره وأكمل دروسه في

٢٠٤

العربية والمعاني والبيان عند الشيخ سعيد الحلي والشيخ عبد الحسين الجواهري ودرس كتابي المعالم والقوانين في الأصول على العلامة الشهير السيد عدنان ابن السيد شبر الغريفي الموسوي ، وكتابي الرسائل والمكاسب عند الشيخ علي ابن الشيخ باقر الجواهري وعلى الشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية وهو في كل ذلك يتعاهد ملكته الأدبية ولم تكن له يومئذٍ صلة بالخطابة وفي سنة ١٣١٨ ه‍. أحسّ من نفسه القدرة على الخطابة وقوة البيان وطلاقة اللسان فتوجّه أول ما توجه إلى حفظ الكثير من ( نهج البلاغة ) من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ولم يك في عصره من الخطباء المجددين في الفن إلا المرحوم الشيخ كاظم سبتي فهو أظهر الخطباء وأبرزهم فنبغ السيد صالح وأخذ يجاريه ويزاحمه ومن حسن الصدف أن يولي العالم الكبير والمؤرخ الخبير السيد باقر الهندي عنايته خطيبنا الصالح فيسهر على توجيهه وإرشاده ، وهناك لمع نجمه واشتهر اسمه فقد كان من المتعارف أن يجتمع خطيبان في محفل واحد بالتعاقب وصادف أن دُعي الخطيبان : سبتي والحلي ولحداثة سنّ السيد صالح والأصول المتبادلة في إحترام الخطباء للأكبر سناً فقد رضي السيد صالح أن يكون هو الأول كمقدمة للشيخ كاظم. أما المعروف بين الناس أن الخطيب الثاني إنما تظهر براعته إذا تناول نفس الموضوع الذي طرقه الخطيب الأول بإضافة شيء جديد وتتمة للموضوع الأول. فكان حديث السيد صالح عن سيرة أبي الفضل العباس وهكذا تقدم الشيخ كاظم وتكلم فأجاد ولم يك بحسبان شيخنا الخطيب أن السيد صالح قد أعدّ نفسه وهيأ من المادة الكافية للتحدث عن أبي الفضل العباس في الليالي العشر كلها وهذه براعة منبرية وقدرة تؤهله للتقدم والبروز وهكذا استمر في أدوار حياته بطلاً منبرياً وخاض غمرات سياسية وإصلاحية فكان المنتصر في أكثرها وفي الثورة العراقية عام ١٩٢٠ م. في الفرات الأوسط ومطالبة الشعب بالحكم الوطني كان صوت السيد صالح أعلى الأصوات واستمر يحرض القبائل حتى قبض عليه الإنكليز في بعقوبة وأبعدوه إلى البصرة ثم إلى المحمرة فآواه أميرها الشيخ خزعل خان وأحسن وِفادته

٢٠٥

واستمر في صراعه مع اللادينيين الذين يتسترون بإسم التهذيب والتنظيم ومن المؤسف أن تنجح مؤامرة اولئك الذين يظهرون خلاف ما يبطنون فيروّجون إشاعة سبه للعلماء وتنقسم كلمة رجال الدين فمن مناصر له ومن محارب وتنتعش تلك الطغمة التي لا يطيب لها العيش إلا في الأوحال والقيل والقال. لقد ضعفت قوته وضعف عزمه ولبث ملازماً بيته إلى أن توفاه الله ليلة السبت ٢٩ شوال ١٣٥٩ ه‍. في الكوفة فحُمل على الرؤوس تعظيماً له حتى دفن بوادي السلام في مقام المهدي ونعاه المنبر وبكته الخطابة ورثاه العلامة الجليل الشيخ عبد المهدي مطر بقصيدة فاخرة منها :

نعتك الخطابة والمنبر

وناح لك الطرس والمزبر

وفيك انطوت صفحة للبيان

بعير لسانك لا تنشر

إهتم الخطيب الأديب السيد محمد حسن الشخص سلمه الله بجمع ديوانه وسجّل له كل شاردة وواردة ، وهذه رائعة من روائعه في أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين (ع) :

من هاشم سلبت أمية تاجها

وفرت بسيف ضلالها أوداجها

تخلو عرينة هاشم من أُسدها

وتكون ذئبان الفلا ولاجّها

قوم إذا الهيجا تلاطم موجها

خاضوا بشزّب خيلهم أمواجها

ما بالها أغضت وعهدي أنها

كانت لكل ملمة فرّاجها

ومنها :

للشوس عباس يريهم وجهه

والوفد ينظر باسماً محتاجها

باب الحوائج ما دعته مروعة

في حاجة إلا ويقضي حاجها

بأبي أبي الفضل الذي من فضله

السامي تعلّمت الورى منهاجها

قطعوا يديه وطالما من كفّه

ديم الدما قد أمطرت ثجاجها

أعمود أخبيتي وحامي حوزتي

وسراج ليلي إن فقدت سراجها

أعزز عليك بأن تراني مفرداً

فاجأت من جيش العدى أفواجها

أفدي محيّاً بالتراب قد اكتست

من نوره شمس الضحى أبهاجها

٢٠٦

الشيخ عبد الله الخضري

المتوفى ١٣٥٩

يستنهض في أولها حجة آل محمد ويتخلص برثاء الحسين عليه‌السلام :

أبا صالح حتى متى أنت غائب

وليس لهذا الدين غيرك صاحب

لقد خفضتنا نصب عينك عصبة

البغاة وثُلّت من حماكم جوانب

يريدون منا أن نفضّل عصبة

لها الكفر دين والمعاصي مذاهب

على مَن أقام الدين في سيفه الذي

له قد أطاعت من قريش كتائب

أباد قريشاً يوم بدر بسيفه

ويوم حنين ليس إلاه ضارب

فكم كفّ عن وجه النبي جيوشهم

وكم ظهرت منه بأحد عجائب

ويوم تبوك حين ناداه أحمد

وقد هربوا منه هُم والأقارب

أغثني فأنت اليوم كهفي وناصري

فلبّاه لا وانٍ ولا هو راهب

فداؤك نفسي ها أنا اليوم قادم

وكان كما ينحط للرجم ثاقب

فأرداهم صرعى وفلّق هامهم

همام بماضيه تفلّ القواضب

ولما أراد الله لقيا رسوله

فأوحى له بلّغ فإنك غالب

فقام رسول الله يخطب فيهم

ألا بلغوا يا قوم من هو غائب

بأن علياً وارثي وخليفتي

على الناس بعدي وهو للأمر صاحب

٢٠٧

ومنها :

دعوه أن اقدم إننا لك شيعة

نجاهد أفواج العدى ونضارب

فأقبل والأنصار كالأسد خلفه

تقلّهم للطّف جردٌ سلاهب

ومذ خيّموا بالطف دارت عليهم

كتائب تقفو إثرهن كتائب

فصالوا عليهم كالليوث وجرّدوا

سيوفاً بها للظلم هدّت جوانب

هم الأسد لكن الرماح أجامها

وليس سوى عوج السيوف مخالب

ومذ خطبوا العليا ولما يكن لها

سوى النفس مهر والمهند خاطب

أبى عزّهم إلا الردى حيث أنه

تنال به عند الإله المراتب

وما مات منهم واحد غير أنه

تموت بكفّيه القنا والقواضب

ومذ عانقوا بيض الصفاح وبعد ذا

تعانقهم في الخلد حور كواعب

الشيخ عبد الله هو ابن الشاعر الفحل الشيخ محسن ابن الشيخ محمد الخضري كان من العلماء والفضلاء ولد في النجف سنة ١٢٩٧ ه‍. ونشأ بها بكفالة جدّه لأمه الشيخ إسماعيل فهو الذي وجّهه نحو العلم ، وتدرّج على أندية آل كاشف الغطاء وهم أعمامه الأدنون منه فبرع في الفقه والأصول مضافاً إلى تقوى وورع ودين وكان يذهب إلى العشائر الفراتية فيعظ ويرشد ويذكرهم بالآخرة حتى أثر أكبر الأثر على نفوسهم واتجهوا لطاعة الله واجتناب المعاصي والتورع عن الحرام وسبق له أن حمل سلاحه وجاهد دفاعاً عن إستقلال العراق وطرد الكافر عن بلاد الإسلام. توفي فجأة عام ١٣٥٩ ه‍. ببغداد ونقل للنجف فدفن في الإيوان الذهبي من صحن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وخلّف أربعة ذكور الأستاذ عبد الصاحب ، والاستاذ نصر ، والعلامة الشيخ كاظم ، والاستاذ عبد المنعم. وهم يحتفظون بمجموعة من قصائده فمنه قوله متغزّلاً :

٢٠٨

وبدر السعادة لما استهل

ونحس النجوم وشيكاً أفل

وزالت عن القلب أسقامه

بوصل الحبيب عقيب الملل

وزار الحبيب برغم الرقيب

وكان الطبيب لتلك العلل

رشاً قد سبى الغصن في قدّه

وقد علّم البان ذاك الميل

فوجنته الشمس لما بدت

وطلعته البدر لما اكتمل

ومبسمه الدر لما ابتسم

وما الشهد من ريقه والعسل

يزجّ الاسود برمح القوام

ويصمي القلوب بسيف المقل

فحاجبه قوسه ، والحمل

سهام له والقوام الأسل

فيا عاذلي كفّ عنك الملام

فقد ضلّ قلبك مَن قد عذل

٢٠٩

الشيخ مهدي الظالمي

المتوفى ١٣٥٩

كانت الهيئة الروحية تقيم مأتم العزاء لذكرى سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في مسجد آل الجواهري بالنجف الأشرف في المحرم فكانت هذه القصيدة الحسينية قد خصصت لها ليلة من الليالي :

متى مُضر الحمراء تطلب ثارها

فتسمع آذان الزمان شعارها

وحتى مَ تستقصي البلاد بجولة

على الأرض تهدي للسماء غبارها

إلى مَ بدار الذل تبقى وما لها

على الضيم دهراً لا تملّ قرارها

أتحسب أن غضت عن الحرب طرفها

بغير وصال الموت تقطع عارها

فلا عذر حتى تورد القوم بالظبا

حياض المنايا أو تخوض غمارها

فيا من بها يستدفع الضر والعدى

حذاراً من البلوى تعزز جارها

دعي البيض في ليل القتام سوافراً

إذا حجبت خيل الكماة نهارها

وزفّي لنيل المجد نفساً أبية

ولا تجعلي إلا الرؤوس نثارها

أديري رحى الهيجاء يوماً لعلّها

عليكِ بوادي الطف تنسى مدارها

غداة حسين خرّ للأرض فانثنت

عليه تشنّ العاديات مغارها

فجرّت اليه المحصنات ذيولها

وقدسلبت أيدي العدو ستارها

فطافت به لما سعت بين قومها

تفاديه والأحشاء ترمي جمارها

وأهوت عليه تلثم النحر والعدى

تجاذبها بين الجموع أزارها

أتستر بالأيدي الوجوه وقومها

أعدّت لدفع الضيم عنها شفارها

فليت أبيّ الضيم ساعة أبرزت

من الخدر حسرى تستقيل عثارها

يرى زينباً بين الأجانب بعدما

أماطت يد الأعداء عنها خمارها

٢١٠

ويا ليتَ مَن في الليل كان يصونها

من الوهم مهما كلفته مزارها

يقوم من الأجداث حيّاً وعينه

ترى بين أيدي الظالمين فرارها

تمنّيتُهُ لما استجارت بقومها

ليسمع منها كيف تدعو نزارها

تقول لهم والخيل من كل جانب

أحاطت بها لما استباحت ديارها

أيا إخوتي كيف التصبر والعدا

أعارت خدور المحصنات صغارها

فإن لم تقوموا للكفاح عوابساً

فمَن بعدكم في الروع يحمي ذمارها

فكم طفلة لما أُقيمت بخدرها

عليها العدى قامت تأجج نارها

فيا لخدور قد أُبيحت ونسوة

أُريعت وعين السبط ترعى انذعارها

فأمست بلا حام عقائل حيدر

أزالت ضروب الهائلات قرارها

وأضحت تحيل الطرف بعد حماتها

فلم ترَ إلا مَن يريد احتقارها

وراحت على عجف النياق أسيرة

تجوب الفيافي ليلها ونهارها

الشيخ مهدي الظالمي هو أحد الفضلاء المشهورين بالجدّ والفضل والعلم والأدب نظم باللغتين : الفصحى والدارجة وكتبتُ ديوانه يوم كانت كل محفوظاتي هي الشعر والشعر فقط ولا أُدوّن إلا الشعر عثرت على ديوانه فكتبته ولم يزل في مخطوطاتي ولا زلت أتصوّرُه جيداً طويل القامة حسن الهندام هادئ الطبع يزدحم الشباب على حلقة درسه ويشار اليه بالبنان. ترجم له الخاقاني في شعراء الغري فهو المهدي بن الهادي بن جعفر بن راضي بن حمود بن اسماعيل ابن درويش بن حسين بن خضر بن عباس السلامي ، من أسرة علمية نجفية وسبق وأن مرّت ترجمة الشيخ حمود الظالمي ، ولد في النجف سنة ١٣١٠ ه‍. ونشأ ذواقة للعلم والأدب والدرس والبحث ولم يعمّر كثيراً فقد وافاه الأجل عصر الخميس الثاني من ربيع الثاني عام ١٣٥٩ ه‍. ودفن في الصحن الحيدري الشريف في الإيوان الذهبي ورثاه فريق من تلامذته وعارفي فضله وأبّنوه شعراً ونثرً وخلّف ولداً أديباً لا زالت قريحته تفيض بالأدب الحي.

٢١١

الحاج حسين الحرباوي

منتصف القرن الرابع عشر

لنا جيرةٌ بالأبرقين نزول

سقى ربعهم غيثٌ أجشّ هطول

تواعدني الأيام بالقرب منهم

فتلك ديون والزمان مطول

أجيراننا ما القلب من بعد بينكم

بسالٍ ولا الصبر الجميل جميل

أجيراننا بالخيف ما زال بعدكم

لنا الدمع جارٍ والعزيز ذليل

فهيهات صفو العيش منا وللهدى

تبدّد شمل واستقلّ قبيل

تحمّل أضعان الطفوف عشية

وأقفرن منهم أربع وطلول

ألا قاصداً نحو المدينة غدوة

يبلّغ عني مسمعاً ويقول

أيا فتية بان السّلو بينهم

وجاور قلبي لوعة وعويل

رأيت نساء تسأل الركب عنكم

تلوح عليها ذلة وخمول

تطلّع من بعد إلى نحو داركم

بطرف يصوب الدمع وهو كليل

نوادب اقذين الجفون من البكا

وأعشبن مغنى الطف وهو محيل

نوادب أمثال الحمام سواجعاً

لها فوق كثبان الطفوف هديل

حملن على عجف النياق حواسراً

لها كل يوم رحلة ونزول

تجاذبها السير العنيف عصابة

لها الشرك حاد والنفاق دليل

تشيم رؤوساً كالبدور على القنا

لهن طلوع فوقها وأفول

وتبصر مغلول اليدين مصفّداً

يراه من السير العنيف نحول

٢١٢

وتنظر ذياك العزيز على الثرى

له الليل سترٌ والهجير مقيل

فتدعو حماة الجار من آل هاشم

بصوت له شمّ الجبال تزول

أهاشم هبّي وامتطي الصعب انه

لك السير إن رمت العراق ذلول

أهاشم قومي وانتضي البيض للوغى

فوِترك وترٌ والذحول ذحول

أصبراً وأنجاد العشيرة بالعرا

على الترب صرعى فتية وكهول

أصبراً ورحل السبط تنهبه العدا

فموتك ما بين السيوف قليل

أصبراً وآجام الأسود بكربلا

بها النار شبّت والهزبر قتيل

وتلك على عجف النياق نساؤكم

لها الله تسبى والكفيل عليل

عهدتكم تأبى الصغار أنوفكم

وأسيافكم للراسيات تزيل

فما بالكم لم تنض للثار قضبكم

فتحمّر من بيض الصفاح نصول

كأن لم يكن للجار فيكم حمية

ولا كان منكم جعفر وعقيل

ألم يأتكم أن الحسين رمية

على الترب ثاوٍ والدماء تسيل

وكم لكم في السبي حرّى من الجوى

ثكول وفي أسر العدو عليل

وكم لكم في الترب طفل معفر

صريع وفي فيض الدماء رميل

وكم طفلة لليتم أمست رهينة

وليس لها يوم الرحيل كفيل

وحسرى تدير الطرف نحو حميّها

فتبصره في الأرض وهو جديل

فتذهل حتى عن تباريح وجدها

وتنحاز للدمع المصوب تذيل

وأبرح ما قد نالكم أن زينباً

لها بين هاتيك الشعاب عويل

شكت وانثنت تدعو الحسين بعبرة

تصدع مها شارف وفصيل

تنادي بصوت صدع الصخر شجوة

وكادت له السبع الطباق تزول

أخيّ عيون الشرك أمست قريرة

بقتلك قرّت والمصاب جليل

أراك بعيني دامي النحر عافراً

عليك خيول الظالمين تجول

نعم أيقنت بالسبي حتى كأنها

لما نابها وهي الوقور ذهول

٢١٣

الحاج حسين الحرباوي ، هو شاعر بغدادي رأيت له عدة قصائد يمدح بها أمير المحمرة الشيخ خزعل خان المتوفى سنة ١٣٥٥ ه‍. فلا بد وأن يكون من معاصريه ، ولقد أثبتها الشيخ جواد الشبيبي في مؤلفه المخطوط عن أمير المحمرة. وذكره الباحث علي الخاقاني في شعراء الحلة وهو ليس بحلّي حيث أنه وجد له شعراً مع شعراء الحلة وذكر له مقطوعة في الغزل أولها :

تشعشعت فتولّت عندها الظلم

شمس براحة بدر جاء يبتسم

أهلاً به مقبلاً كالبدر حين غدا

بين السحائب يبدو ثم ينكتم

٢١٤

درويش الصحّاف

منتصف القرن الرابع عشر

عن ناظري بان الكرى ورقادي

وتسعّرت نار الأسى بفؤادي

وتمكنت كل الهموم بمهجتي

والجسم أنحله السقام البادي

لما ذكرت شباب عصر قد مضى

في غفلة ونفى المشيب سوادي

أيقنت بالترحال عن دار بها

أنفقت فيها العمر في الأعياد

ومنها في الإمام الحسين عليه‌السلام :

قالت له الأصحاب يا مولى الورى

نفديك بالأرواح والأولاد

فجزاهم خيراً وأقبل للعدى

والسيف مسلول من الأغماد

وبقي يصول عليهم في عزمة

فكأنه ليث هزبر عاد

ضاها أباه المرتضى ليث الشرى

لم يختشِ أحداً من الأضداد

مذ كرّ فرّوا خشية من بأسه

كالحمر إذ فرّت من الآساد

ومنها :

يا آل بيت محمد المختار يا

ذخري ومَن فيهم صفا ميلادي

أنتم ملاذ المذنبين من الورى

وبكم أصول على الزمان العادي

أنا عبدكم ( درويش بن محمد )

أرجو السلامة في غد بمعادي

٢١٥

والسامعين قصيدتي يا سادتي

والكاتبين لطرسها بمداد

صلى عليكم ربكم يا سادتي

ما غرّد القمري في الأعواد

والقصيدة طويلة وهذا جيّدها :

درويش الصحّاف ابن الحاج محمد الصحاف البغدادي ، شاعر أديب له مجموعة مخطوطة جمع فيها بعض القصائد في رثاء الإمام الحسين سيّد الشهداء (ع). ووالده أديب شاعر.

والذي يظهر أن المجموعة كتبت حدود سنة ١٣٥٠ ه‍. قال الباحث السيد جودت القزويني : إستعرت هذه المجموعة من الخطيب السيد أحمد المؤمن البصير وفيها شيء من نظمه.

٢١٦

الشيخ محمد حسين الأصفهاني

المتوفى ١٣٦١

قال في أرجوزته الغرّاء المسماة ب‍ ( الأنوار القدسية ) المطبوعة بمطابع النجف ، في فصل تحت عنوان مولد السبط الشهيد :

أسفر صبح اليُمن والسعادة

عن وجه سرّ الغيب والشهادة

أسفر عن مرآة غيب الذات

ونسخة الأسماء والصفات

تعرب عن غيب الغيوب ذاته

تفصح عن أسمائه صفاته

يُنبئ عن حقيقة الحقائق

بالحق والصدق بوجه لائق

لقد تجلّى أعظم المجالي

في الذات والصفات والأفعالِ

روح الحقيقة المحمديه

عقل العقول الكمّل العليّه

فيض مقدّس عن الشوائب

مفيض كل شاهدٍ وغائب

تنفّس الصبح بنور لم يزل

بل هو عند أهله صبح الأزل

وكيف وهو النفس الرحماني

في نفس كل عارف رباني

به قوام الكلمات المحكمة

به نظام الصحف المكرّمه

تنفّس الصبح بالاسم الأعظم

محى عن الوجود رسم العدم

بل فالق الإصباح قد تجلّى

فلا ترى بعد النهار ليلا

فأصبح العلم ملاء النور

وأي فوز فوق نور الطور

ونار موسى قبس من نوره

بل كل ما في الكون من ظهوره

أشرق بدر من سماء المعرفة

به استبان كل إسم وصفه

٢١٧

به استنار عالم الإبداع

والكل تحت ذلك الشعاع

به استنار ما يرى ولا يُرى

من ذورة العرش إلى تحت الثرى

فهو بوجهه الرضي المرضي

نور السماوات ونور الأرض

فلا توازي نوره الأنوار

بل جلّ أن تدركه الأبصار

غرّته بارقة الفتوّة

قرة عين خاتم النبوّة

تبدو على غرّته الغراء

شارقة الشهامة البيضاء

بادية من آية الشهامة

دلائل الإعجاز والكرامة

من فوق هامة السماء همته

تكاد تسبق الفضاء مشيته

ما هامة السماء من مداها

إن إلى ربك منتهاها

أم الكتاب في علوّ المنزله

وفي الإبا نقطة باء البسمله

تمّت به دائرة الشهاده

وفي محيطها له السياده

لو كشف الغطاء عنك لا ترى

سواه مركزاً لها ومحورا

وهل ترى لملتقى القوسين

أثبت نقطة من الحسين

فلا وربّ هذه الدوائر

جلّ عن الأشباه والنظائر

* * *

بشراك يا فاتحة الكتاب

بالمعجز الباقي مدى الأحقاب

وآية التوحيد والرسالة

وسرّ معى لفظة الجلاله

بل هو قرآن وفرقان معا

فما أجلّ شأنه وأرفعا

هو الكتاب الناطق الإلهي

وهو مثال ذاته كما هي

ونشأة الأسماء والشؤون

كل نقوش لوحه المكنون

لا حكم للقضاء إلا ما حكم

كأنه طوع بنانه القلم

رابطة المراد بالإرادة

كأنه واسطة القلادة

ناطقة الوجود عين المعرفة

ونسخة اللاهوت ذاتاً وصفة

في يده أزمّة الأيادي

بالقبض والبسط على العباد

٢١٨

بل يده العليا يد الافاضة

في الأمر والخلق ولا غضاضة

وفيه سرّ الكل في الكل بدا

روحان في روح الكمال اتحدا

لك العروج في السماوات العلى

له العروج في سماوات العلا

مخايل النبوة في الحسين

أنت من الوجود عين العين

فكن قرير العين بالحسين

شبلك في القوة والشجاعة

نفسك في العزة والمناعة

منطقك البليغ في البيان

لسانك البديع في المعاني

طلعتك الغرّاء بالإشراق

كالبدر في الأنفس والآفاق

صفاتك الغرّ له ميراث

والمجد ما بين الورى تراث

لك الهنا يا غاية الإيجاد

بمدّه الخيرات والأيادي

وهو سفينة النجاة في اللجج

وبابها السامي ومَن لجّ ولج

سلطان إقليم الحفاظ والإبا

مليك عرش الفخر اماً وأبا

رافع راية الهدى بمهجته

كاشف ظلمة العمى ببهحته

به استقامت هذه الشريعة

به علت أركانها الرفيعة

بنى المعالي بمعالي هممه

ما اخضرّ عود الدين إلا بدمه

بنفسه اشترى حياة الدين

فيا لها من ثمن ثمين

أحيى معالم الهدى بروحه

داوى جروح الدين من جروحه

حفّت رياض العلم بالسموم

لو لم يروّها دم المظلوم

فأصبحت مورقة الأشجار

يانعة زاكية الثمار

أقعد كل قائم بنهضته

حتى أقام الدين بعد كبوته

قامت به قواعد التوحيد

مذ لجأت بركنها الشديد

وأصبحت قومية البنيان

وعزمه عزائم القرآن

غدت به سامية القباب

معاهد السنّة والكتاب

٢١٩

أفاض كالحيا على الوراد

ماء الحياة وهو ظام صادي

وكضّه الظما وفي طيّ الحشا

ريّ الورى والله يقضي ما يشا

والتهبت أحشاؤه من الظما

فأمطرت سحائب القدس دما

وقد بكته والدموع حمر

بيض السيوف والرماح السمر

تفطّر القلب من الظما وما

تفترّ العزم ولا تثلّما

ومن يدكّ نوره الطور فلا

يندكّ طود عزمه من البلا

تعجب من ثباته الأملاك

ومن تجولاته الأفلاك

لا غرو إنه ابن بجدة اللقا

قد ارتقى في المجد خير مرتقى

شبل علي وهو ليث غابه

نعم وكان الغاب في إهابه

كرّاته في ذلك المضمار

تكوّر الليل على النهار

سطا بسيفه فغاضت الربى

بالدم حتى بلغ السيل الزبى

قام بحق السيف بل أعطاه

ما ليس يعطي مثله سواه

كأن منتضاه محتوم القضا

بل القضا في حدّ ذاك المنتهى

كأنه طير الفنا رهيفه

يقضي على صفوفهم رفيقه

أو صرصر في يوم نحس مستمر

كأنهم أعجاز نخل منقعر

الرأس الكريم

وفي المعالي حقها لما علا

على العوالي كالخطيب في الملا

يتلو كتاب الله والحقائق

تشهد أنه الكتاب الناطق

قد ورث العروج في الكمال

من جدّه لكن على العوالي

هو الذبيح في منى الطفوف

لكنه ضريبة السيوف

هو الخليل المبتلى بالنار

والفرق كالنار على المنار

تالله ما ابتلى نبيّ أو وليّ

في سالف الدهر بمثل ما ابتلي

له مصائب تكل الألسن

عنها فكيف شاهدتها الأعين

٢٢٠