تذكرة الفقهاء - ج ١١

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

تذكرة الفقهاء - ج ١١

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم ISBN: 964-319-224-5
نسخة غير مصححة

الجمهور (١).

فإن أراد الفسخ في أحدهما خاصّة ، فالأقرب أن نقول : إن شرطه فيهما على الجمع والتفريق ، صحّ ، وكان له الفسخ في أحدهما خاصّة. وإن لم يشترطه على الجمع والتفريق بل اشتراهما صفقةً واحدة وأطلق شرط الخيار ، لم يكن له التفريق ؛ لأنّه عيب ، فلا يجوز له ردّ المبيع معيباً.

والشافعي بناه على قولَي تفريق الصفقة في الردّ بالعيب (٢).

ولو اشترى اثنان من واحد بستاناً صفقةً واحدة بشرط ، فإن جَعَله على الجمع والتفريق ، كان لأحدهما الفسخ وإن لم يفسخ صاحبه. وإن لم يجعله كذلك ، فإشكال أقربه أنّ له ذلك أيضاً وبه قال الشافعي (٣) لأنّه بجَعْل الخيار قد سلّطه على الردّ في نصيبه ، كما في الردّ بالعيب.

والأصل عندنا ممنوع على ما يأتي.

ولو شرط الخيار لأحدهما دون الآخر ، صحّ البيع والشرط ، وهو أصحّ قولي الشافعي. وفي الثاني : يبطلان معاً (٤).

مسألة ٢٥٠ : إذا شرطا الخيار فأراد أحدهما فسخ العقد ، كان له ذلك ، سواء حضر صاحبه أو لم يحضر وبه قال الشافعي وأبو يوسف وزفر وأحمد بن حنبل (٥) لأنّه رَفْعُ عقدٍ لا يفتقر إلى رضا شخص ، فلم يفتقر‌

__________________

(١) انظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩١ ، وروضة الطالبين ٣ : ١٠٩ ، والمجموع ٩ : ١٩٣.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٩ ، المجموع ٩ : ١٩٣.

(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٩ ، المجموع ٩ : ١٩٣.

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٩ ، المجموع ٩ : ١٩٣.

(٥) التهذيب للبغوي ٣ : ٣٣٢ ، المهذّب للشيرازي ١ : ٢٦٦ ، المجموع ٩ : ٢٠٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٥٤ ، ١١٣١ ، الهداية للمرغيناني ٣ : ٢٩ ، تحفة الفقهاء ٢ : ٧٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٧٣ ، المبسوط للسرخسي ١٣ : ٤٤ ، النتف ١ : ٤٤٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٩ ، المغني ٤ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٧٧.

٦١

إلى حضوره ، كالطلاق.

ولقول الصادق عليه‌السلام : « إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قضى في رجل اشترى ثوباً بشرط إلى نصف النهار فعرض له ربح فأراد بيعه ، قال : ليشهد أنّه رضيه واستوجبه ، ثمّ ليبعه إن شاء ، فإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه » (١) ولا فرق بين الالتزام والفسخ.

ولأنّ الفسخ أحد طرفي الخيار ، فلا يتوقّف على حضور المتعاقدين ، كالإمضاء.

وقال أبو حنيفة : ليس له الفسخ إلاّ بحضور صاحبه وبه قال محمّد لأنّ العقد تعلّق به [ حقّ ] (٢) كلّ واحد من المتعاقدين ، فلم يكن لأحدهما فسخه بغير حضور الآخر ، كالوديعة (٣).

وينتقض بما إذا وطئ الجارية في مدّة الخيار بغير حضور صاحبه. والوديعة لا حقّ للمودع فيها ، ويصحّ فسخها مع غيبته.

إذا عرفت هذا ، فإنّ هذا الفسخ لا يفتقر إلى الحاكم ؛ لأنّه فسخ متّفق على ثبوته ، فلا يفتقر إلى الحاكم.

وقال أبو حنيفة : يفتقر (٤) كالعنّة.

__________________

(١) الكافي ٥ : ١٧٣ ، ١٧ ، التهذيب ٧ : ٢٣ ، ٩٨.

(٢) ما بين المعقوفين من المغني.

(٣) تحفة الفقهاء ٢ : ٧٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٧٣ ، المبسوط للسرخسي ١٣ : ٤٤ ، الهداية للمرغيناني ٣ : ٢٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٩ ، النتف ١ : ٤٤٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٥٤ ، ١١٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩٣ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٣٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٠٠ ، المغني ٤ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٧٧.

(٤) الوجيز ١ : ١٤١.

٦٢

والفرق ظاهر ؛ لأنّ الفسخ بالعنّة مختلف فيه.

ونقل الشيخ عن أبي حنيفة ومحمّد أنّه إذا اختار الفسخ في البيع مدّة خياره ، لم يصح إلاّ بحضور صاحبه ، وإذا كان حاضراً ، لم يفتقر إلى رضاه ، والفسخ بخيار الشرط إن كان بعد القبض ، فلا فسخ إلاّ بتراضيهما أو حكم الحاكم (١).

تذنيب : إذا شرطا الخيار مدّة لهما أو لأحدهما ثمّ التزما البيع قبل انقضاء المدّة ، جاز ؛ للحديث السابق (٢) عن أمير المؤمنين عليه‌السلام. ولأنّه حقّه أسقطه ، فسقط ، كالدَّيْن وخيار (٣) المجلس.

ولو شرطا الخيار لأجنبيّ ، فإن قلنا : إنّه وكيل لمن شرط له الخيار ، فالأقرب أنّ له الإسقاط مع المصلحة. ولو أراد الموكّل الإسقاط أو اختار الإمضاء أو الفسخ أو الصبر ، فالأمر إليه. وإن قلنا : إنّه مالك للخيار ، فالأقرب أنّ له الإسقاط مطلقاً. ولا دَخْل لمن جعل له الخيار فيه.

مسألة ٢٥١ : الأقرب عندي دخول خيار الشرط في كلّ عقد‌ معاوضة ، خلافاً للجمهور على تفصيل ، فالسَّلَم يدخله خيار الشرط ، وكذا الصرف على إشكال فيه ؛ للعموم (٤).

وقال الشافعي : لا يدخلهما خيار الشرط وإن دخلهما خيار المجلس ؛ لأنّ عقدهما يفتقر إلى التقابض في المجلس ، فلا يحتمل التأجيل ، والمقصود من اشتراط القبض أن يتفرّقا ولا علقة بينهما تحرّزاً من الربا أو‌

__________________

(١) الخلاف ٣ : ٣٥ ، المسألة ٤٧.

(٢) في ص ٦١.

(٣) في « ق ، ك‍ » : « وكخيار ».

(٤) وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « المسلمون عند شروطهم ». انظر : المصادر في الهامش (٢) من ص ٥٩.

٦٣

من بيع الكالي بالكالي. ولو أثبتنا الخيار ، لبقيت العلقة بينهما بعد التفرّق (١). ونمنع الملازمة.

والصلح يصحّ دخول خيار الشرط فيه ؛ للعموم ، وبه قال الشافعي إن كان بيعاً ، كصلح المعاوضة. وإن كان هبةً وحطيطةً ، لم يدخله خيار الشرط. وإن اشتمل على الإجارة كأن يصالح مدّعي العين على السكنى سنة ، لم يدخله خيار الشرط (٢).

والوجه : دخول الشرط في جميع ذلك.

والرهن يدخله خيار الشرط ؛ للعموم.

وقال الشافعي : لا يدخله (٣).

والحوالة يصحّ فيها خيار الشرط.

وقال الشافعي : لا يدخلها (٤).

والضمان يصحّ دخول خيار الشرط فيه ؛ للعموم.

وقال الشافعي : لا يدخل (٥).

وأمّا الوكالة والعارية والقراض والشركة والوديعة والجُعالة : فقال الشيخ : لا يمتنع دخول خيار الشرط فيها (٦).

__________________

(١) الوجيز ١ : ١٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩٣ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩٧ ، المهذّب ـ للشيرازي ١ : ٣٠٤ ، المجموع ٩ : ١٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١١٠ ١١١ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٠.

(٢) التنبيه في الفقه الشافعي : ١٠٣ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٣.

(٣) التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٢ ، المجموع ٩ : ١٧٥.

(٤) التنبيه في الفقه الشافعي : ١٠٥ ، المهذّب للشيرازي ١ : ٣٤٥ ، المجموع ٩ : ١٩٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١١١.

(٥) التنبيه في الفقه الشافعي : ١٠٦ ، المهذّب للشيرازي ١ : ٣٤٨ ، المجموع ٩ : ١٧٥ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٢.

(٦) الخلاف ٣ : ١٣ ، المسألة ١٢.

٦٤

وقال الشافعي : لا يدخلها (١). ولا بأس به ؛ لأنّها عقود جائزة لكلٍّ منهما فسخها ، سواء كان هناك شرطُ خيارٍ أو لا ، فلا معنى لدخوله.

والشفعة لا يدخلها خيار الشرط ؛ لأنّها لا تقف على التراضي.

والمساقاة والإجارة المعيّنة قال الشيخ : يدخلهما خيار الشرط (٢). وهو جيّد ؛ للعموم.

ومَنَع الشافعي من دخوله فيهما ؛ لأنّهما عقد على منفعة تتلف بمضيّ الزمان ومن شرط المساقاة أن تكون مدّته معلومةً عقيب العقد (٣).

وأمّا الإجارة في الذمّة كأن يستأجره ليبني له حائطاً أو ليخيط له ثوباً : فقال الشيخ بدخول خيار الشرط فيها (٤) ؛ للعموم.

واختلفت الشافعيّة ، فقال أبو إسحاق وابن خيران : لا يدخلها خيار الشرط ولا المجلس ؛ لأنّ الإجارة عقد على ما لم يُخلق ، فقد دخلها الغرر ، فلا يدخلها بالخيار غرر آخر (٥).

وقال الإصطخري : يدخلها الخياران ؛ لأنّ مضيّ المدّة لا ينقص من المعقود عليه شيئاً (٦).

وقال آخرون منهم : لا يدخلها خيار الشرط ، ويدخل خيار المجلس ؛

__________________

(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٣ ، المسألة ١٢.

(٢) الخلاف ٣ : ١٤ و ١٥ ، المسألتان ١٤ و ١٥.

(٣) المهذّب للشيرازي ١ : ٣٩٩ و ٤٠٧ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٤٠٤ و ٤٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٣ ١٧٤ ، المجموع ٩ : ١٧٨ و ١٩٢.

(٤) الخلاف ٣ : ١٥ ، المسألة ١٥.

(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٣ ، وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٥ ، المسألة ١٥.

(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٣ ، وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٥ ، المسألة ١٥.

٦٥

لقلّة الغرر في خيار المجلس وكثرته في خيار الشرط (١).

والوقف لا يدخله خيار الشرط ؛ لأنّه إزالة ملك على وجه القربة إلى غير ملك ، فأشبه العتق.

وأمّا الهبة المقبوضة : فإن كانت لأجنبيّ غير معوّض عنها ولا قصد بها القربة ولا تصرَّف المتّهب ، يجوز للواهب الرجوع فيها. وإن اختلّ أحد القيود ، لزمت.

وهل يدخلها خيار الشرط؟ الأقرب : ذلك.

وقال الشافعي : إنّها قبل القبض غير لازمة. وإذا قبض وقلنا : لا تقتضي الثواب ، لم يثبت فيها خيار. وإن قلنا : تقتضي الثواب ، قال أبو حامد : في ثبوت الخيارين وجهان ، أحدهما : أنّهما يثبتان ؛ لأنّها بمنزلة البيع. والثاني : لا يثبتان ؛ لأنّ لفظ الهبة لفظ الإرفاق ، فلم يثبت بمقتضاه الخيار.

وقال أبو الطيّب : لا يدخل خيار الشرط ، وفي خيار المجلس وجهان (٢).

والوصيّة لا يثبت فيها الخياران ؛ لأنّه بالخيار إلى أن يموت.

والنكاح لا يثبت فيه الخياران ؛ لأنّه لا يقصد فيه العوض ، فإن شرطه ، بطل العقد.

وإن شرط الخيار في الصداق وحده ، صحّ ؛ للعموم.

وللشافعي قولان : عدم الدخول ؛ لأنّه أحد عوضي النكاح ، فإذا لم يثبت في أحدهما ، لم يثبت في الآخر. والدخول (٣).

__________________

(١) المهذّب للشيرازي ١ : ٤٠٧ ، حلية العلماء ٥ : ٤٠٥ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٥.

(٢) انظر : الخلاف للشيخ الطوسي ٣ : ١٥ ، المسألة ١٦ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١٩٣ ، والمجموع ٩ : ١٧٧ ١٧٨.

(٣) المهذّب للشيرازي ٢ : ٥٨ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٤ ، الوسيط ٣ : ١٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٨ : ٢٥٥ ٢٥٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٥٩٠ ، منهاج الطالبين : ٢١٩ ، المجموع ٩ : ١٩٢.

٦٦

والخلع لا يدخل فيه خيار الشرط وبه قال الشافعي (١) لأنّ القصد منه الفرقة دون المال ، فأشبه النكاح.

والسبق والرمي قال الشيخ : لا يمتنع دخول خيار الشرط فيهما (٢) ؛ لأنّه لا مانع منه (٣).

وللشافعي قولان مبنيّان على أنّهما إجارة أو جُعالة (٤).

وأمّا القسمة فإنّ خيار الشرط يدخلها ، سواء اشتملت على ردٍّ أو لا ؛ لعموم قوله عليه‌السلام : « المؤمنون (٥) عند شروطهم » (٦).

وقال الشافعي : إن كان فيها ردّ ، فهي بيع يدخلها الخياران. وإن لم يكن فيها ردّ ، فإن كان القاسمُ الحاكمَ ، فلا خيار ؛ لأنّها قسمة إجبار. وإن كان الشريكين (٧) ، فإن قلنا : أنّها إفراز وتمييز ، فلا خيار. وإن قلنا : بيع ، ثبت فيها الخياران (٨).

والعتق لا يثبت فيه خيار ؛ لأنّه إسقاط حقٍّ ، وكذا التدبير ؛ لأنّه عتْقٌ معلّق على شرط. ولأنّه جائز للمولى الرجوع فيه متى شاء.

__________________

(١) التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٩.

(٢) في « ق ، ك‍ » والطبعة الحجريّة : « فيه ». والصحيح ما أثبتناه.

(٣) الخلاف ٣ : ١٩ ، المسألة ٢٣.

(٤) التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٥ ، حلية العلماء ٥ : ٤٦٢ ٤٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٤ ، المجموع ٩ : ١٧٨.

(٥) في « ق ، ك‍ » : « المسلمون » بدل « المؤمنون ».

(٦) التهذيب ٧ : ٣٧١ ، ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ ، ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.

(٧) في « ق ، م » والطبعة الحجريّة : « الشريكان ». والصحيح ما أثبتناه.

(٨) التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٣ ٢٩٤ ، الوسيط ٣ : ١٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٣ ، المجموع ٩ : ١٧٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٨ ، المسألة ٢٠.

٦٧

وأمّا الكتابة : فقال الشيخ : إن كانت مشروطةً ، لم يثبت للمولى خيار المجلس ، ولا يمتنع خيار الشرط ؛ لعموم تسويغه. والعبد له الخياران معاً ، له أن يفسخ أو يُعجّز نفْسَه ، فينفسخ العقد. وإن كانت مطلقةً ، فإن أدّى من مكاتبته شيئاً ، فقد انعتق بحسابه ، ولا خيار لواحدٍ منهما بحال (١).

وفي ثبوت الخيارين للعبد عندي نظر.

وقال الشافعي : لا خيار للسيّد فيها ؛ لأنّه دخل على وجه القربة وتحقّق الغبن ؛ لأنّه باع ماله بماله ، وأمّا العبد فله الخيار أبداً ؛ لأنّ العقد جائز من جهته (٢). وفيه نظر.

تذنيب : لا يصحّ اشتراط الخيار في شراء ما يستعقب العتق ، كشراء القريب ، وشراء العبد نفسه إن سوّغناه ؛ لأنّه منافٍ لمقتضاه.

البحث الرابع : في خيار الغبن.

مسألة ٢٥٢ : الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون‌ عند علمائنا وبه قال مالك وأحمد (٣) لقوله عليه‌السلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » (٤).

ولقوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (٥) ومعلوم أنّ المغبون لو عرف الحال لم يرض.

__________________

(١) الخلاف ٣ : ١٨ ، المسألة ٢١.

(٢) التهذيب للبغوي ٣ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٠ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٩ ، المسألة ٢١.

(٣) الذخيرة ٥ : ١١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣٦ ، المغني ٤ : ٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨.

(٤) المعجم الأوسط للطبراني ٥ : ٣٨٢ ، ٥١٩٣.

(٥) النساء : ٢٩.

٦٨

ولأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أثبت الخيار في تلقّي الركبان (١) ، وإنّما أثبته للغبن.

وكذلك أيضاً يثبت الخيار بالعيب ، وذلك لحصول الغبن ، فكذا هنا.

وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يثبت للمغبون خيار بحال ؛ لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يُثبت لحبّان بن منقذ الخيارَ بالغبن ، ولكن أرشده إلى شرط الخيار ليتدارك عند الحاجة. ولأنّ نقص قيمة السلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد ، كالغبن اليسير (٢).

والجواب : أنّ إرشاده عليه‌السلام إلى اشتراط الخيار لا ينافي ثبوت طريقٍ آخر له ؛ لأنّ إثبات الخيار أنفع ، لأنّ له الفسخ مع الغبن القليل والكثير والعيب وعدمه ، بخلاف الغبن ، فلمّا كان أعمّ نفعاً أرشده عليه‌السلام إليه ، والغبن اليسير لا يعدّه الناس عيباً فلا عبرة به.

مسألة ٢٥٣ : وإنّما يثبت الغبن بشرطين :

الأوّل : عدم العلم بالقيمة وقت العقد سواء أمكنه أن يعرف القيمة بالتوقيف أولا ، فلو عرف المغبون القيمة ثمّ زاد أو نقص مع علمه ، فلا غبن ولا خيار له إجماعاً ؛ لأنّه أدخل الضرر على نفسه.

الثاني : الزيادة أو النقيصة الفاحشة التي لا يتغابن الناس بمثلها وقت العقد ، فلو باعه بعشرين وهو يساوي تسعة عشر أو أحد وعشرين ، فلا خيار ؛ لجريان مثل هذا التغابن دائماً بين الناس ، وعدم ضبط الأثمان الموازية للمثمنات ؛ لعسره جدّاً ، فلم يعتد بالخارج عنه قلّةً أو كثرةً مع‌

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٧ ، ١٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٩ ، ٣٤٣٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٢٤ ، ١٢٢١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٨ ، مسند أحمد ٣ : ٢٦٩ ، ٩٩٥١.

(٢) المغني ٤ : ٩٢ ٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨ ، الوجيز ١ : ١٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣٦ ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٣٢.

٦٩

القلّة.

أمّا لو باعه بعشرين وهو يساوي أربعين أو عشرة ، فإنّ الغبن هنا يثبت قطعاً مع جهله بالقيمة.

وإنّما تؤثّر الزيادة الفاحشة والنقيصة الفاحشة في تزلزل العقد وثبوت الخيار فيه لو ثبتتا وقت العقد ، ولو كانتا بعده ، لم يعتدّ بهما إجماعاً.

وقال أحمد : إن كان المشتري مسترسلاً غير عارف بالمبيع وهو ممّن لو توقّف لعرفه ، لم يثبت له الخيار ؛ لأنّ مَنْ يعرف السلعة أو يمكنه أن يتعرّفها فلم يفعل جعل كأنّه رضي بالغبن وصار بمنزلة العالم بالعيب (١). وهو ممنوع.

مسألة ٢٥٤ : لمّا لم يُقدّر الشارع للغبن حدّا عُرف أنّه قد أحال الناس فيه إلى العادات‌ جرياً على القاعدة المعهودة عند الشرع من ردّ الناس إلى العرف بينهم فيما لم ينصّ فيه على شي‌ء.

إذا تقرّر هذا ، فلا تقدير للغبن عندنا ، بل الضابط ما قلناه من أنّ ما لا يتغابن الناس بمثله يثبت معه الخيار ، وما يتغابن الناس بمثله لا يثبت فيه خيار.

وقال مالك : إن كان الغبن الثلث ، لم يثبت الخيار. وإن كان أكثر من الثلث. ثبت الخيار (٢). وهو تخمين لم يشهد له أصل في الشرع.

مسألة ٢٥٥ : وإنّما يثبت الخيار للمغبون خاصّةً‌ دون الغابن إجماعاً ؛ لأنّ المقتضي لثبوت الخيار وهو التضرّر بعدمه إنّما يتحقّق في طرف‌

__________________

(١) المغني ٤ : ٩٢ ٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨.

(٢) الذخيرة ٥ : ١١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣٦ ، المغني ٤ : ٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٩.

٧٠

المغبون فيختصّ بالحكم ، ويثبت الخيار له بين الفسخ والإمضاء مجّاناً ، ولا يثبت به الأرش إجماعاً.

ولو دفع الغابن التفاوت ، احتُمل سقوط خيار المغبون ؛ لانتفاء موجبه وهو النقص. وعدمُه ؛ لأنّه ثبت له ، فلا يزول عنه إلاّ بسببٍ شرعيّ ولم يثبت.

ولا يسقط هذا الخيار بتصرّف المغبون ، لأصالة الاستصحاب ، إلاّ أن يخرج عن الملك ببيعٍ وعتقٍ وشبهه ؛ لعدم التمكّن من استدراكه. وكذا لو منع مانع من الردّ كاستيلاد الأمة ووقْفها وكتابتها اللازمة. ولا يثبت (١) الأرش هنا أيضاً ؛ لأصالة البراءة.

البحث الخامس : في خيار التأخير.

مسألة ٢٥٦ : مَنْ باع شيئاً ولم يسلّمه إلى المشتري ولا قبض الثمن ولا شرط تأخير الثمن ولو ساعة ، لزمه البيع ثلاثة أيّام ، فإن جاء المشتري بالثمن في هذه الثلاثة ، فهو أحقّ بالعين ، ولا خيار للبائع. وإن مضت الثلاثة ولم يأت بالثمن ، تخيّر البائع بين فسخ العقد والصبر والمطالبة بالثمن عند علمائنا أجمع ؛ لأنّ الصبر أبداً مضرّ بالبائع وقد قال عليه‌السلام : « لا ضرر ولا ضرار » (٢) فوجب أن يضرب له أجل يتمكّن فيه من التخلّص من الضرر ، فضرب له الثلاثة ، كالحيوان.

__________________

(١) في « ق » : « ولم يثبت ».

(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٤ ، ٢٣٤١ ، سنن الدارقطني ٣ : ٧٧ ، ٢٨٨ ، و ٤ : ٢٢٧ ، ٨٣ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٩ و ٧٠ و ١٥٧ ، و ١٠ : ١٣٣ ، مسند أحمد ١ : ٥١٥ ، ٢٨٦٢ ، المستدرك للحاكم ٢ : ٥٨ ، المعجم الكبير للطبراني ٢ : ٨٦ ، ١٣٨٧ ، و ١١ : ٣٠٢ ، ١١٨٠٦ ، المعجم الأوسط ـ للطبراني ٥ : ٣٨٢ ، ٩٣٥١.

٧١

ولقول الكاظم عليه‌السلام وقد سُئل عن الرجل يبيع البيع فلا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن ، قال : « الأجل بينهما ثلاثة أيّام ، فإن قبض بيعه ، وإلاّ فلا بيع بينهما » (١).

وسأل زرارة الباقرَ عليه‌السلام قلت : الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده ويقول : حتى آتيك بثمنه ، قال : « إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له » (٢).

وخالف العامّة في ذلك كافّة ، ولم يُثبتوا للبائع خياراً ؛ للانتقال بالعقد ، وسقوط حقّ البائع من العين ، وانتقال حقّه إلى الثمن. وهو ممنوع.

مسألة ٢٥٧ : لو كان المبيع ممّا يسرع إليه الفساد كالفواكه وشبهها ممّا يفسد ليومه ، فالخيار فيه إلى الليل ؛ لأنّ الصبر أكثر من ذلك يؤدّي إلى تضرّر المشتري لو ابقيت السلعة وطُولب بالثمن ، وإلى تضرّر البائع لو لم يطالب.

وما روي عن الصادق أو الكاظم عليهما‌السلام في الرجل يشتري الشي‌ء الذي يفسد من يومه ويتركه حتى يأتيه بالثمن ، قال : « إن جاء ما بينه وبين الليل بالثمن ، وإلاّ فلا بيع له » (٣).

تذنيب : لو كان ممّا يصبر يومين ، احتمل أن يكون له الخيار إلى الليل وإلى اليومين ؛ عملاً بأصالة العقد ولزومه.

مسألة ٢٥٨ : لو قبض المشتري السلعة ولم يقبض البائع الثمن ،

__________________

(١) التهذيب ٧ : ٢٢ ، ٩٢ ، الاستبصار ٣ : ٧٨ ، ٢٥٩.

(٢) الكافي ٥ : ١٧١ ، ١١ ، الفقيه ٣ : ١٢٧ ، ٥٥٤ ، التهذيب ٧ : ٢١ ، ٨٨ ، الاستبصار ٣ : ٧٧ ٧٨ ، ٢٥٨.

(٣) الكافي ٥ : ١٧٢ ، ١٥ ، التهذيب ٧ : ٢٥ ٢٦ ، ١٠٨ ، الاستبصار ٣ : ٧٨ ، ٢٦٢.

٧٢

فلا خيار للبائع ؛ لأنّ ثبوت هذا الخيار على خلاف الأصل ، فيقتصر في ثبوته على ما ورد به النصّ ، ويبقى ما عداه على الأصل من لزوم البيع. ولأنّ البيع تأكّد بالقبض. ولأنّ البائع قد رضي باللزوم حيث دفع المبيع إليه.

وكذا لو كان الثمن مؤجّلاً ولو لحظة ، سقط الخيار ، سواء تأخّر عن الأجل المضروب بسنة (١) مثلاً أو لا ؛ لما قلناه.

ولو قبض البائع بعض الثمن ، لم يبطل الخيار ؛ لأنّه يصدق عليه حينئذٍ أنّه لم يقبض الثمن.

ولما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : اشتريت محملاً وأعطيت بعض ثمنه وتركته عند صاحبه ثمّ احتبست أيّاماً ثمّ جئت إلى بائع المحمل لآخذه ، فقال : قد بعته ، فضحكت ثمّ قلت : لا والله لا أدعك أو أقاضيك ، فقال لي : ترضى بأبي بكر بن عيّاش؟ قلت : نعم ، فأتيناه فقصصنا عليه قصّتنا ، فقال أبو بكر : بقول مَنْ تحبّ أن أقضي بينكما أبقول صاحبك أو غيره؟ قال : قلت : بقول صاحبي ، قال : سمعته يقول : « من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له » (٢).

فروع :

أ ـ لو قبض المشتري المبيع ثمّ دفعه وديعةً عند بائعه أو رهناً حتى يأتي بالثمن ، فلا خيار للبائع ؛ لأنّه بإقباضه رضي بلزوم البيع ، ويده الآن يد نيابة عن المشتري ، فكأنّه في يد المشتري.

ب ـ لو مضى ثلاثة أيّام فما زاد ولم يفسخ البائع البيع وأحضر‌

__________________

(١) في الطبعة الحجريّة : « سنة ».

(٢) الكافي ٥ : ١٧٢ ١٧٣ ، ١٦ ، التهذيب ٧ : ٢١ ٢٢ ، ٩٠.

٧٣

المشتري الثمن ومكّنه منه ، سقط الخيار ؛ لزوال المقتضي لثبوته ، وهو التضرّر بالتأخير.

ج ـ لو مضت ثلاثة ثمّ طالب البائع المشتري بالثمن بعدها فوعده به ، لم يسقط خيار البائع بالطلب ؛ لأنّه حقٌّ ثبت شرعاً ، فلا يسقط إلاّ بوجهٍ شرعيّ.

د ـ لو سلّم البائع بعض المبيع دون الباقي ثمّ مضت ثلاثة ، كان له الخيار في الجميع بين الفسخ فيه والصبر ؛ لأنّه يصدق عليه أنّه لم يدفع المبيع ، وليس له فسخ البيع في غير المقبوض ؛ لأنّ تفريق الصفقة عيبٌ.

هـ ـ لو شرط تأخير بعض الثمن فأخّر الباقي ، فلا خيار ؛ لأنّ الثمن ليس حالاّ. ويحتمل ثبوته بعد تأخير العقد ثلاثة أيّام ، كالجميع. وكذا لو شرط تأخير الثمن فأخّره عن الأجل ، فلا خيار.

مسألة ٢٥٩ : لو هلك المتاع في مدّة ثلاثة أيّام الخيار هنا ، قال الشيخ : يكون من ضمان المشتري ؛ لأنّ المبيع انتقل إليه ولزمه (١) ، ووجب عليه دفع عوضه. ولو هلك بعدها ، قال : يكون من مال البائع ؛ لأنّ الخيار قد ثبت له ، فكأنّه ملكه (٢).

والمعتمد : أنّه يكون من ضمان البائع على التقديرين ؛ لقوله عليه‌السلام : « كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » (٣) والتقدير أنّ المشتري لم يقبض المبيع.

ولأنّ عقبة بن خالد سأل الصادقَ عليه‌السلام في رجل اشترى متاعاً من‌

__________________

(١) في الطبعة الحجريّة : « لزم ».

(٢) النهاية : ٣٨٦.

(٣) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا.

٧٤

رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه ، قال : آتيك غداً إن شاء الله ، فسرق المتاع من مال مَنْ يكون؟ قال : « من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المال ويخرجه من بيته ، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يردّ إليه ماله » (١).

البحث السادس : في خيار الرؤية.

مسألة ٢٦٠ : البيع على أقسام ثلاثة : بيع عين شخصيّة حاضرة. ولا خلاف في صحّته مع المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة ، وبدونها خلاف. وبيع عين شخصيّة غائبة. وبيع عين غير شخصيّة بل مضمونة ، كالسَّلَم.

وشرط صحّة بيع العين الشخصيّة الغائبة وصفها بما يرفع الجهالة عند علمائنا أجمع ، وقد سبق الخلاف في ذلك.

ويجب فيه ذكر اللفظ الدالّ على الجنس ، فيقول : بعتك عبدي ، أو حنطتي ؛ دفعاً للغرر.

وقال أبو حنيفة : لا يشترط ذلك ، بل لو باعه ما في كُمّه من غير ذكر جنسه ، صحّ (٢).

ويجب أيضاً ذكر اللفظ الدالّ على المميّز ، وذلك بذكر جميع الصفات التي تختلف الأثمان باختلافها وتتطرّق الجهالة بترك بعضها ،

__________________

(١) الكافي ٥ : ١٧١ ١٧٢ ، ١٢ ، التهذيب ٧ : ٢١ ، ٨٩ ، و ٢٣٠ ، ١٠٠٣.

(٢) تحفة الفقهاء ٢ : ٨١ ، الهداية للمرغيناني ٣ : ٣٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٣ ، المحلّى ٨ : ٣٣٧ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٨٦ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٣٠١ ، المغني ٤ : ٧٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨ ، وحكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٥ ، المسألة ١.

٧٥

ولا يكفي ذكر الجنس عن الوصف ، خلافاً للشافعي في أحد قوليه (١).

ولا تشترط الرؤية ، بل يكفي الوصف ، سواء البائع والمشتري في ذلك ، خلافاً للشافعي ، فإنّه تارة جوّز بيع المجهول ، وتارة لم يكتف بالوصف ، بل أوجب المشاهدة للبائع والمشتري ، وتارة أوجب مشاهدة البائع لسهولة دفع الغرر عنه ، فإنّه المالك المتصرّف في المبيع ، وتارة أوجب مشاهدة المشتري ؛ لأنّ البائع معرض عن الملك والمشتري محصّل له ، فهو أجدر بالاحتياط (٢).

مسألة ٢٦١ : إذا وصفه ولم يجده المشتري على الوصف ، تخيّر بين الفسخ والإمضاء. ولو وجده أجود ، لم يكن له خيار. أمّا لو وصفه وكيل البائع فوجده (٣) أجود ، كان الخيار للبائع. ولو شاهد بعض الضيعة ووُصف له الباقي ثمّ وجدها على خلاف الوصف (٤) ، كان مخيّراً بين الفسخ في الجميع والإمضاء فيه لا في البعض.

مسألة ٢٦٢ : بيع العين الشخصيّة الموصوفة جائز‌ عندنا ، ويثبت الخيار لو لم توجد على الوصف على ما تقدّم.

ولما رواه العامّة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه » (٥).

ومن طريق الخاصّة أنّهم عليهم‌السلام سُئلوا عن بيع الجرب الهرويّة ، فقالوا‌

__________________

(١) المهذّب للشيرازي ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٩٢ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٨٦ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ و ٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٩٠.

(٣) في « ق ، ك‍ » : « فوُجد ».

(٤) في الطبعة الحجريّة : « الأصل » بدل « الوصف ».

(٥) سنن الدارقطني ٣ : ٤ ٥ ، ٨ و ١٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٨.

٧٦

« لا بأس به إذا كان لها بارنامج ، فإن وجدها كما ذُكرت وإلاّ ردّها » (١).

وأراد بالبارنامج كتاب يذكر فيه صفات السلعة على الاستقصاء.

ولو وُجد على الوصف ، فلا خيار ؛ لأصالة اللزوم ، وعدم المقتضي لثبوته.

وقال الشافعي : يثبت الخيار على كلّ حال (٢).

مسألة ٢٦٣ : قد بيّنّا أنّه لا بدّ من استقصاء الأوصاف مع الغيبة ، كالسَّلَم ، ولا يكفي ذكر الجنس ولا النوع ما لم يميّزه بكلّ وصف تتطرّق الجهالة بتركه وتتفاوت القيمة بذكره ؛ لأنّه عليه‌السلام نهى عن الغرر (٣) ، خلافاً للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما (٤).

وإذا باع العين الغائبة على وجه الصحّة كما إذا استقصى الأوصاف عندنا ومطلقاً عند الشافعي ، يكون له الخيار عند الرؤية وظهور خلاف الوصف.

ويجوز أن يوكّل البصير غيره بالرؤية [ و ] (٥) بالفسخ والإجازة على ما يستوصفه ؛ للأصل ، وكالتوكيل في خيار العيب ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.

وفي الثاني : لا يجوز التوكيل ؛ لأنّ هذا الخيار مربوط بإرادة مَنْ له الخيار [ و ] (٦) لا تعلّق له بغرض ولا وصف ظاهر ، فأشبه ما لو أسلم الكافر‌

__________________

(١) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٦ ، المسألة ١.

(٢) المهذّب للشيرازي ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٤ : ٨٦ ، التهذيب للبغوي ٣ : ٢٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.

(٣) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ ، ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٩ ، ٢١٩٤ و ٢١٩٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ ، ٣٣٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ ، ١٢٣٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢٦٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥٤ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٤ ، ٧٥ ، مسند أحمد ١ : ٤٩٧ ، ٢٧٤٧ ، وفيها « نهى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بيع الغرر ».

(٤) انظر : المصادر في الهامش (٢) من ص ٧٥ ، والهامش (١).

(٥) أضفناهما من « العزيز شرح الوجيز ».

(٦) أضفناهما من « العزيز شرح الوجيز ».

٧٧

على عشرة (١) ، ليس له أن يوكّل بالاختيار (٢).

والقياس ممنوع ، وكذا حكم الأصل.

مسألة ٢٦٤ : قد بيّنّا أنّه يجوز بيع الغائب مع الوصف‌ الرافع للجهالة لا بدونه.

وللشافعي قول بالجواز بدونه (٣).

وعلى قوله هذا هل يجوز بيع الأعمى وشراؤه؟ وجهان :

أظهرهما : أنّه لا يجوز أيضاً ؛ لأنّ الغائب يثبت فيه خيار الرؤية وهنا لا يمكن إثباته.

والثاني : الجواز ، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته ، كالإشارة القائمة مقام النظر للأخرس ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد (٤).

وعلى قول الشافعي بمنع بيع الأعمى وشرائه لا يصحّ (٥) منه الإجارة والرهن والهبة (٦).

وعندنا أنّ ذلك كلّه جائز منه.

__________________

(١) أي : عشر نسوة.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٤.

(٣) المهذّب للشيرازي ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥.

(٤) المهذّب للشيرازي ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٢ ٣٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ٩٧ ـ ٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٦٠ ، الهداية للمرغيناني ٣ : ٣٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٥ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.

(٥) في « ق ، ك‍ » والطبعة الحجريّة : « يمتنع بيع الأعمى وشراؤه ولا يصحّ .. » والصحيح ما أثبتناه.

(٦) التهذيب للبغوي ٣ : ٥٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٣٠٣.

٧٨

وكذا له أن يكاتب عبده.

وفيه وجهان للشافعيّة على تقدير منع البيع : المنعُ ، كالبيع. والجوازُ ؛ تغليباً لجانب العتق (١).

ويجوز عندنا وعنده (٢) أن يؤاجر نفسه ، وأن يشتري نفسه ، وأن يقبل الكتابة على نفسه ؛ لأنّه لا يجهل نفسه ، وأن ينكح وأن يزوّج مولاته ، وبه قال الشافعي (٣) تفريعاً على أنّ العمى غير قادح في الولاية.

ولو باع سلماً أو اشترى ، صحّ مع ضبط الوصف.

وللشافعي تفصيل : إن كان قد عمي بعد سنّ التمييز ، صحّ البيع ؛ لأنّه يعتمد الأوصاف ، وهو يميّز بين الألوان ويعرف الأوصاف ثمّ يوكّل مَنْ يقبض عنه على الوصف المشروط. وإن كان أكمه أو عمي قبل بلوغ سنّ التمييز ، فوجهان : المنع ؛ لأنّه لا يعرف الألوان ولا يميّز بينها ، فلا يصحّ سلمه. والصحّة كما اخترناه لأنّه يعرف الصفات والألوان بالسماع ويتخيّل الفرق بينها (٤).

وكلّ ما لا يصحّ من الأعمى من التصرّفات فسبيله أن يوكّل وبه قال الشافعي (٥) للضرورة.

تذنيب : لو باعه ثوباً على حَفّ (٦) نسّاج على أن ينسج له الباقي ، بطل ؛ لأنّ بعضه بيع عين حاضرة وبعضه في الذمّة مجهول.

__________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٣٠٣.

(٢) التهذيب للبغوي ٣ : ٥٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٦.

(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٦ ، المجموع ٩ : ٣٠٣.

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٦ ، المجموع ٩ : ٣٠٣.

(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٦ ، المجموع ٩ : ٣٠٣.

(٦) الحفّ : المنسج. الصحاح ٤ : ١٣٤٤ « حفف ».

٧٩

البحث السابع : في خيار العيب وما يتبعه.

مسألة ٢٦٥ : الأصل في البيع من الأعيان والأشخاص السلامة عن العيوب ، والصحّة ، فإذا أقدم المشتري على بذل ماله في مقابلة تلك العين ، فإنّما بنى إقدامه على غالب ظنّه المستند إلى أصالة السلامة ، فإذا ظهر عيب سابق على العقد ، وجب أن يتمكّن من التدارك ، وذلك بثبوت الخيار بين إمضاء البيع وفسخه.

إذا عرفت هذا ، فإطلاق العقد أو شرط السلامة يقتضيان السلامة ، فإن ظهر عيب سابق ، كان للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء.

والأصل فيه ما رواه الجمهور : أنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان عنده ما شاء الله ثمّ ردّه من عيب وجد به (١).

ومن طريق الخاصّة : قول أحدهما عليهما‌السلام في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً ، قال : « إن كان الثوب قائماً ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خِيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب » (٢).

إذا ثبت هذا ، فالعيب هو الخروج عن المجرى الطبيعي إمّا لزيادة أو نقصان موجب لنقص الماليّة ، كزيادة الإصبع ونقصانها.

مسألة ٢٦٦ : التدليس بما يختلف الثمن بسببه يوجب الخيار‌ وإن لم يكن عيباً ، كتحمير الوجه ووصل الشعر والتصرية وأشباه ذلك ؛ لما فيه من الضرر الناشئ بفقد ما ظنّه حاصلاً.

__________________

(١) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٥٤ ، ٢٢٤٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٤ ، ٣٥١٠ ، المستدرك للحاكم ٢ : ١٥ ، مسند أحمد ٧ : ١١٨ ، ٢٣٩٩٣.

(٢) الكافي ٥ : ٢٠٧ ، ٢ ، التهذيب ٧ : ٦٠ ، ٢٥٨.

٨٠