مستمسك العروة الوثقى - ج ١٤

السيد محسن الطباطبائي الحكيم

مستمسك العروة الوثقى - ج ١٤

المؤلف:

السيد محسن الطباطبائي الحكيم

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار إحياء التراث العربي
نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب النكاح‌

النكاح مستحب في حد نفسه بالإجماع ، والكتاب ، والسنة المستفيضة بل المتواترة. قال الله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ، وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ، إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (١). وفي النبوي المروي بين الفريقين : « النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني » (٢) ‌، و‌عن الصادق (ع) عن أمير المؤمنين (ع) قال : « تزوجوا فان رسول الله (ص) قال : من أحب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج » (٣) ‌، و‌في النبوي : « ما بني بناء أحب الى الله تعالى من التزويج » (٤) ‌، و‌عن النبي (ص) : « من تزوج أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر » (٥)

__________________

(١) النور : ٣٢.

(٢) مستدرك الوسائل باب : ١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١٥. وكنز العمال الجزء : ٨. حديث : ٣٧٢٠.

(٣) الوسائل باب : ١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١٤.

(٤) الوسائل باب : ١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٤.

(٥) الوسائل باب : ١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١٢.

٣

بل يستفاد من جملة من الاخبار : استحباب حب النساء ، ففي الخبر عن الصادق (ع) : « من أخلاق الأنبياء حب النساء » (١) ‌، و‌في آخر عنه (ع) : « ما أظن رجلا يزداد في هذا الأمر خيراً إلا ازداد حباً للنساء » (٢). والمستفاد من الآية وبعض الاخبار : أنه موجب لسعة الرزق ، ففي خبر إسحاق بن عمار : « قلت لأبي عبد الله (ع) : الحديث الذي يرويه الناس حق؟ إن رجلا أتى النبي (ص) فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج حتى أمره ثلاث مرات. قال أبو عبد الله (ع) : نعم هو حق. ثمَّ قال (ع) : الرزق مع النساء والعيال » (٣).

( مسألة ١ ) : يستفاد من بعض الأخبار كراهة العزوبة‌ فعن النبي (ص) : « رذال موتاكم العزاب » (٤). ولا فرق على الأقوى في استحباب النكاح بين من اشتاقت نفسه ومن لم تشتق ، لإطلاق الاخبار ، ولأن فائدته لا تنحصر في كسر الشهوة ، بل له فوائد ، منها زيادة النسل وكثرة قائل : ( لا اله إلاّ الله ) ،

فعن الباقر (ع) : « قال رسول الله (ص) ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً لعل الله أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله » (٥).

__________________

(١) الوسائل باب : ٣ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٢.

(٢) الوسائل باب : ٣ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٣.

(٣) الوسائل باب : ١١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٤.

(٤) الوسائل باب : ٢ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٣.

(٥) الوسائل باب : ١ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٣.

٤

( مسألة ٢ ) : الاستحباب لا يزول بالواحدة بل التعدد مستحب أيضا ، قال الله تعالى ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (١). والظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالنكاح الدائم أو المنقطع بل المستحب أعم منهما ومن التسري بالإماء.

( مسألة ٣ ) : المستحب هو الطبيعة أعم من أن يقصد به القربة أو لا. نعم عباديته وترتب الثواب عليه موقوفة على قصد القربة.

( مسألة ٤ ) : استحباب النكاح إنما هو بالنظر الى نفسه وطبيعته ، وأما بالنظر الى الطوارئ فينقسم بانقسام الأحكام الخمسة ، فقد يجب بالنذر أو العهد أو الحلف وفيما إذا كان مقدمة لواجب مطلق ، أو كان في تركه مظنة الضرر ، أو الوقوع في الزنا أو محرم آخر. وقد يحرم كما إذا أفضى إلى الإخلال بواجب من تحصيل علم واجب أو ترك حق من الحقوق الواجبة ، وكالزيادة على الأربع. وقد يكره كما إذا كان فعله موجباً للوقوع في مكروه. وقد يكون مباحاً كما إذا كان في تركه مصلحة معارضة لمصلحة فعله مساوية لها. وبالنسبة إلى المنكوحة أيضا ينقسم إلى الأقسام الخمسة ، فالواجب كمن يقع في الضرر لو لم يتزوجها ، أو يبتلي بالزنا معها لو لا تزويجها والمحرم نكاح المحرمات عيناً أو جمعا ، والمستحب المستجمع‌

__________________

(١) النساء : ٣.

٥

للصفات المحمودة في النساء ، والمكروه النكاح المستجمع للأوصاف المذمومة في النساء ، ونكاح القابلة المربية ونحوها ، والمباح ما عدا ذلك.

( مسألة ٥ ) : يستحب عند إرادة التزويج أمور : منها : الخطبة. ومنها : صلاة ركعتين عند إرادة التزويج قبل تعيين المرأة وخطبتها ، والدعاء بعدها بالمأثور ، وهو : « اللهم إني أريد أن أتزوج فقدر لي من النساء أعفهن فرجا وأحفظهن لي في نفسها ومالي وأوسعهن رزقا وأعظمهن بركة وقدر لي ولدا طيباً تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتي ». ويستحب أيضا أن يقول : « أقررت الذي أخذ الله إمساك ( بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) ». ومنها : الوليمة يوماً أو يومين لا أزيد فإنه مكروه ، ودعاء المؤمنين ، والأولى كونهم فقراء ، ولا بأس بالأغنياء خصوصاً عشيرته وجيرانه وأهل حرفته ، ويستحب إجابتهم وأكلهم ، ووقتها بعد العقد أو عند الزفاف ليلا أو نهاراً ، و‌عن النبي (ص) : « لا وليمة إلا في خمس عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز » (١) ‌العرس : للتزويج والخرس : النفاس ، والعذار : الختان ، والوكار : شراء الدار والركاز : العود من مكة. ومنها : الخطبة أمام العقد بما يشتمل على الحمد والشهادتين والصلاة على النبي (ص) والأئمة (ع) والوصية بالتقوى ، والدعاء للزوجين ، والظاهر كفاية اشتمالها‌

__________________

(١) الوسائل باب : ٤٠ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٥.

٦

على الحمد والصلاة على النّبي وآله (ص) ، ولا يبعد استحبابها أمام الخطبة أيضا. ومنها : الاشهاد في الدائم والإعلان به ، ولا يشترط في صحة العقد عندنا. ومنها : إيقاع العقد ليلا.

( مسألة ٦ ) : يكره عند التزويج أمور : منها : إيقاع العقد والقمر في العقرب أي في برجها لا المنازل المنسوبة إليها وهي القلب والإكليل والزّبانا والشولة. ومنها : إيقاعه يوم الأربعاء. ومنها : إيقاعه في أحد الأيام المنحوسة في الشهر ، وهي الثالث ، والخامس ، والثالث عشر ، والسادس عشر ، والحادي والعشرون ، والرابع والعشرون ، والخامس والعشرون ومنها : إيقاعه في محاق الشهر وهو الليلتان أو الثلاث من آخر الشهر.

( مسألة ٧ ) : يستحب اختيار امرأة تجمع صفات ، بأن تكون بكراً ، ولوداً ، ودودا ، عفيفة ، كريمة الأصل ـ بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة أو ممن تنال الألسن آباءها أو أمهاتها أو مسهم رق أو كفر أو فسق معروف ـ وأن تكون سمراء ، عيناء ، عجزاء ، مربوعة ، طيبة الريح ، ورمة الكعب ، جميلة ، ذات شعر ، صالحة ، تعين زوجها على الدنيا والآخرة ، عزيزة في أهلها ذليلة مع بعلها ، متبرجة مع زوجها حصاناً مع غيره‌ فعن النبي (ص) : « إن خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرجة مع زوجها الحصان على غيره التي تسمع قوله وتطيع

٧

أمره وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها ولم تبذل كتبذل الرجل (١). ثمَّ‌ قال (ص) : ألا أخبركم بشرار نسائكم : الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود التي لا تدرع من قبيح ، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها ، الحصان معه إذا حضر لا تسمع قوله ولا تطيع امره وإذا خلا بها بعلها تمنعت منه كما تمنع الصعبة عن ركوبها ، لا تقبل منه عذرا ولا تغفر له ذنبا » (٢). ويكره اختيار العقيم ومن تضمنه الخبر المذكور من ذات الصفات المذكورة التي يجمعها عدم كونها نجيبة ، ويكره الاقتصار على الجمال والثروة ، ويكره تزويج جملة أخرى. منها : القابلة وابنتها للمولود. ومنها : تزويج ضرة كانت لأمه مع غير أبيه. ومنها : أن يتزوج أخت أخيه ومنها : المتولدة من الزنا. ومنها الزانية. ومنها : المجنونة.

ومنها : المرأة الحمقاء أو العجوز. وبالنسبة إلى الرجال يكره تزويج سي‌ء الخلق ، والمخنث ، والزنج ، والأكراد ، والخزر ، والأعرابي ، والفاسق وشارب الخمر.

( مسألة ٨ ) : مستحبات الدخول على الزوجة أمور : منها : الوليمة قبله أو بعده. ومنها : أن يكون ليلا لأنه أوفق بالستر والحياء ، و‌لقوله (ص) : « زفوا عرائسكم ليلا وأطعموا ضحى » (٣). بل لا يبعد استحباب الستر المكاني أيضا.

__________________

(١) الوسائل باب : ٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٢.

(٢) الوسائل باب : ٧ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١.

(٣) الوسائل باب : ٣٧ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٢‌

٨

ومنها : أن يكون على وضوء. ومنها : أن يصلي ركعتين والدعاء بعد الصلاة بعد الحمد والصلاة على محمد وآله بالالفة وحسن الاجتماع بينهما. والأولى المأثور ، وهو : « اللهم ارزقني إلفتها وودها ورضاها بي وأرضني بها واجمع بيننا بأحسن اجتماع وأنفس ايتلاف فإنك تحب الحلال وتكره الحرام » ‌: ومنها : أمرها بالوضوء والصلاة أو أمر من يأمرها بهما. ومنها : أمر من كان معها بالتأمين على دعائه ودعائها. ومنها : أن يضع يده على ناصيتها مستقبل القبلة ويقول : « اللهم بأمانتك أخذتها وبكلماتك استحللتها فان قضيت لي منها ولدا فاجعله مباركا تقياً من شيعة آل محمد (ص) ولا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيباً » ‌، أو يقول : « اللهم على كتابك تزوجتها وفي أمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها فان قضيت في رحمها شيئاً فاجعله مسلما سويا ولا تجعله شرك شيطان ». ويكره الدخول ليلة الأربعاء.

( مسألة ٩ ) : يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع الاذن ولو بشاهد الحال ، إن كان عاما فللعموم وإن كان خاصا فللمخصوصين. وكذا يجوز تملكه مع الاذن فيه ، أو بعد الاعراض عنه فيملك ، وليس لمالكه الرجوع فيه وإن كان عينه موجوداً ، ولكن الأحوط لهما مراعاة الاحتياط.

( مسألة ١٠ ) : يستحب عند الجماع الوضوء والاستعاذة والتسمية وطلب الولد الصالح السوي والدعاء بالمأثور وهو أن‌

٩

يقول : « بسم الله وبالله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني » ‌، أو يقول : « اللهم بأمانتك أخذتها .. » ‌إلى آخر الدعاء السابق ، أو يقول : « ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) الذي لا إله إلا هو ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) اللهم إن قضيت مني في هذه الليلة خليفة فلا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيباً ولا حظاً واجعله مؤمناً مخلصاً مصفى من الشيطان ورجزه جل ثناؤك ». وأن يكون في مكان مستور.

( مسألة ١١ ) : يكره الجماع ليلة خسوف القمر ، ويوم كسوف الشمس ، وفي الليلة واليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء والصفراء والحمراء ، واليوم الذي فيه الزلزلة. بل في كل يوم أو ليلة حدث فيه آية مخوفة ، وكذا يكره عند الزوال ، وعند غروب الشمس حتى يذهب الشفق ، وفي المحاق وبعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس ، وفي أول ليلة من كل شهر إلا في الليلة الأولى من شهر رمضان فإنه يستحب فيها وفي النصف من كل شهر ، وفي السفر إذا لم يكن عنده الماء للاغتسال ، وبين الأذان والإقامة ، وفي ليلة الأضحى ، ويكره في السفينة ، ومستقبل القبلة ومستدبرها ، وعلى ظهر الطريق والجماع وهو عريان ، وعقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء والجماع وهو مختضب أو هي مختضبة ، وعلى الامتلاء ، والجماع قائما ، وتحت الشجرة المثمرة ، وعلى سقوف البنيان ، وفي وجه الشمس إلا مع الستر ، ويكره أن يجامع وعنده من‌

١٠

ينظر اليه ولو الصبي غير المميز ، وأن ينظر الى فرج الامرأة حال الجماع ، والكلام عند الجماع إلا بذكر الله تعالى ، وأن يكون معه خاتم فيه ذكر الله أو شي‌ء من القرآن. ويستحب الجماع ليلة الاثنين والثلاثاء والخميس والجمعة ويوم الخميس عند الزوال ويوم الجمعة بعد العصر ، ويستحب عند ميل الزوجة إليه.

( مسألة ١٢ ) : يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلاً حتى يصبح.

( مسألة ١٣ ) : يستحب السعي في التزويج ، والشفاعة فيه بإرضاء الطرفين.

( مسألة ١٤ ) : يستحب تعجيل تزويج البنت وتحصينها بالزوج عند بلوغها‌ فعن أبي عبد الله (ع) : « من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته » (١).

( مسألة ١٥ ) : يستحب حبس المرأة في البيت فلا تخرج إلا لضرورة ، ولا يدخل عليها أحد من الرجال.

( مسألة ١٦ ) : يكره تزويج الصغار وقبل البلوغ.

( مسألة ١٧ ) : يستحب تخفيف مئونة التزويج وتقليل المهر‌

( مسألة ١٨ ) : يستحب ملاعبة الزوجة قبل المواقعة.

( مسألة ١٩ ) : يجوز للرجل تقبيل أي جزء من جسد زوجته ، ومس أي جزء من بدنه ببدنها.

__________________

(١) الوسائل باب : ٢٣ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١‌

١١

( مسألة ٢٠ ) : يستحب اللبث وترك التعجيل عند الجماع.

( مسألة ٢١ ) : تكره المجامعة تحت السماء.

( مسألة ٢٢ ) : يستحب إكثار الصوم وتوفير الشعر لمن لا يقدر على التزويج مع ميله وعدم طوله.

( مسألة ٢٣ ) : يستحب خلع خف العروس إذا دخلت البيت ، وغسل رجليها ، وصب الماء من باب الدار الى آخرها.

( مسألة ٢٤ ) : يستحب منع العروس في أسبوع العرس من الألبان والخل والكزبرة والتفاح الحامض.

( مسألة ٢٥ ) : يكره اتحاد خرقة الزوج والزوجة عند الفراغ من الجماع.

( مسألة ٢٦ ) : يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر الى وجهها وكفيها وشعرها ومحاسنها‌

______________________________________________________

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد ، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم ، وآله الطاهرين.

[١] في كشف اللثام : اتفاق الأصحاب عليه في الجملة. وفي الجواهر :

نفي الخلاف فيه بين المسلمين ، ودعوى الإجماع بقسميه عليه. ويشهد له النصوص ، منها‌ مصحح محمد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر إليها؟ قال (ع) : نعم ، إنما يشتريها بأغلى الثمن » (١) ‌، و‌مصحح هشام بن سالم وحماد بن عثمان وحفص بن البختري ، كلهم عن أبي عبد الله (ع) : « قال (ع) :

__________________

(١) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١.

١٢

ينظر الى وجهها وكفيها وشعرها ومحاسنها [١] ، بل لا يبعد‌

______________________________________________________

لا بأس بأن ينظر الى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها » (١) ‌، و‌صحيح الحسن بن السري قال : « قلت لأبي عبد الله (ع) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها وينظر الى خلفها ، والى وجهها ، قال (ع) : نعم ، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها. ينظر الى خلفها والى وجهها » (٢) ‌الى غير ذلك من النصوص.

[١] أما الأولان : فلا إشكال فيهما. والأول منهما صريح النصوص السابقة. وأما الثاني : فلاستفادته من ذكر المعاصم في مصحح الفضلاء. وأما الأخيران : فنسب الجواز فيهما الى المشايخ الثلاثة ، وجمع من الأصحاب ويشهد لأولهما‌ صحيح عبد الله بن سنان « قلت لأبي عبد الله (ع) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر الى شعرها؟ فقال (ع) : نعم ، إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن » (٣) ‌ويشهد لثانيهما‌ خبر غياث بن إبراهيم عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) عن علي (ع) : « في رجل ينظر الى محاسن امرأة يريد أن يتزوجها ، قال (ع) » : لا بأس ، إنما هو مستام فان يقض أمر يكن » (٤). ونحوه خبر مسعدة بن اليسع الباهلي عن أبي عبد الله (ع) (٥). و‌في مرسل عبد الله بن الفضل عن أبيه عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال : « قلت أينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر الى شعرها ومحاسنها؟ قال (ع) : لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذاً » (٦).

__________________

(١) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٢.

(٢) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٣.

(٣) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٧.

(٤) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٨.

(٥) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١٢.

(٦) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٥.

١٣

______________________________________________________

وفي الشرائع والإرشاد والقواعد وغيرها : تخصيص الجواز بالوجه والكفين. بل ربما نسب الى المشهور. وكأنه لحمل المعاصم في الصحيح السابق على الكفين ، وعدم الاعتداد بالنصوص الأخيرة. وضعفه ظاهر ، إذ المعصم غير الكف. والنصوص لا مانع من العمل بها بعد اعتماد الجماعة عليها ، بل إطلاق جواز النظر إلى المرأة في مصحح ابن مسلم‌ يقتضي ذلك ، ولا سيما بملاحظة التعليل فيه وفي غيره بأنه يشتريها بأغلى الثمن ، فإنه يقتضي ذلك ، وأوضح منه‌ موثق يونس المروي عن علل الصدوق : « قلت لأبي عبد الله (ع) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة يجوز له أن ينظر إليها قال (ع) : نعم ، وترقق له الثياب ، لأنه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن » (١) ‌، فان ترقيق الثياب ليس إلا من جهة التمكن من النظر الى ما خلف الثياب من سائر البدن ، ولذلك قال في الجواهر « فلا محيص للفقيه الذي كشف الله تعالى عن بصيرته عن القول بجواز النظر الى جميع جسدها بعد تعاضد تلك النصوص وكثرتها ـ وفيها الصحيح ، والموثق ، وغيرهما ـ الدالة بأنواع الدلالة على ذلك ».

لكن شيخنا الأعظم (ره) في رسالة النكاح استشكل في الإطلاق المذكور في مصحح ابن مسلم‌ تارة : من جهة أن المتبادر من النظر إلى المرأة بحكم العرف هو النظر الى الوجه واليدين لأنهما موقع النظر غالبا ، وغيرهما مستور غالباً بالثياب. وأخرى : من جهة أن تخصيص النظر في مصحح الفضلاء‌ بالوجه والمعاصم لا يظهر له وجه إلا اختصاصهما بجواز النظر ، وأوضح منه في ذلك ما في صحيح السري‌ (٢) فإنه (ع) بعد أن قال : « ينظر إليها » قال : « ينظر الى خلفها والى وجهها ».

__________________

(١) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١١.

(٢) تقدم في أول المسألة.

١٤

جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها [١] ، وإن كان الأحوط خلافه ، ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها ورضاها [٢]

______________________________________________________

أقول : يشكل ما ذكره أولاً : بأن الغلبة لا توجب الانصراف المعتد به. مع أنها ممنوعة في نفسها ، فان الغالب عدم ستر مقدار من الشعر ، والرقبة ، والصدر والساقين ، ومقتضى ذلك عدم الاختصاص بالوجه والكفين ، لا الاختصاص بهما. وثانياً : بأن التخصيص في مصحح الفضلاء لا يصلح للتقييد إلا بناء على مفهوم اللقب. نعم ما ذكر لو سلم اقتضى سقوط إطلاق المصحح المذكور ، لا سقوط إطلاق غيره. وثالثاً : بأن التخصيص بالخلف والوجه في صحيح السري‌ إنما كان لذكره في السؤال لا لبيان المراد من الإطلاق. مع أنه لو سلم فلا يقتضي إلا سقوط الإطلاق المذكور فيه لا سقوط إطلاق غيره.

ومثله في الاشكال مناقشته ( قده ) في التعليل بأن المراد به تجويز النظر الى ما يندفع به معظم الغرر ، الحاصل من جهة حسن الخلقة واللون وقبحهما ، وان ذلك يندفع بالنظر الى الوجه والكفين ، إذ يستدل بهما غالباً على حسن سائر الأعضاء ، وقبحها من حيث الخلقة واللون. إذ فيه : أنه لا وجه للتخصيص بالمعظم من الغرر ، فإنه خلاف الإطلاق. مع أن الاستدلال بالوجه على غيره غير ظاهر. ومن ذلك يظهر لك الوجه في قول المصنف : « بل لا يبعد جواز النظر الى .. » كما تقدم من الجواهر.

[١] كما نص على ذلك في الجواهر. وكأن الوجه فيه الإجماع ، فإن أحداً لم يقل بالجواز فيها ، كما في كلام شيخنا الأعظم ، وإلا فإطلاق النص والتعليل شامل لها كغيرها.

[٢] كما نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما. والظاهر عدم الخلاف فيه منا ، ولذا نسب في كشف اللثام الخلاف فيه الى مالك.

١٥

نعم يشترط أن لا يكون بقصد التلذذ [١] وإن علم أنه يحصل بنظرها قهراً [٢]. ويجوز تكرار النظر [٣] إذا لم يحصل الغرض ـ وهو الاطلاع على حالها ـ بالنظر الأول. ويشترط أيضا أن لا يكون مسبوقاً بحالها [٤] ، وأن يحتمل اختيارها [٥] وإلا فلا يجوز. ولا فرق بين أن يكون قاصداً لتزويجها بالخصوص ، أو كان قاصداً لمطلق التزويج [٦] وكان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار ، وإن كان الأحوط الاقتصار على‌

______________________________________________________

ويقتضيه عموم النصوص. وليس النظر من حقوق الزوجة ، كي يحل بإذنها ، بل هو من الأحكام.

[١] الظاهر لا إشكال في ذلك ، لاختصاص النصوص المتقدمة بالنظر للاطلاع فيرجع في غيره الى عموم المنع ، وقد تقدم ما في مرسل عبد الله ابن الفضل‌ (١) ، المحمول على ذلك.

[٢] كما في كلام شيخنا الأعظم (ره). ويقتضيه عموم النصوص ، ولا سيما كونه الغالب.

[٣] كما في كلام شيخنا الأعظم (ره) بشرط أن يحتمل أن يفيده الثاني ما لا يفيده الأول ، لإطلاق النصوص ، والتعليل.

[٤] لخروجه عن مورد النصوص ، وهو النظر للاطلاع ، فيرجع فيه الى عموم المنع.

[٥] لأنه مورد النصوص فيرجع في غيره الى عموم المنع.

[٦] لإطلاق النصوص مورداً وتعليلاً. واحتمال أن مورد النصوص من يريد أن يتزوجها بالخصوص بعيد.

__________________

(١) راجع أول المسألة.

١٦

الأول. وأيضا لا فرق بين أن يمكن المعرفة بحالها بوجه آخر ـ من توكيل امرأة تنظر إليها وتخبره ـ أولا [١] ، وان كان الأحوط الاقتصار على الثاني. ولا يبعد جواز نظر المرأة أيضا الى الرجل الذي يريد تزويجها [٢]. ولكن لا يترك الاحتياط بالترك. وكذا يجوز النظر إلى جارية يريد شراءها [٣] ، وإن‌

______________________________________________________

[١] كما في رسالة شيخنا الأعظم (ره) ، لإطلاق الأدلة ، ولا سيما بملاحظة ما اشتهر من أنه ليس الخبر كالعيان.

[٢] كما في القواعد وغيرها ، وقواه شيخنا الأعظم (ره) في الرسالة. لما يستفاد من التعليل في أخبار المسألة ، فإن الرجل إذا جاز له النظر لئلا يضيع ماله الذي يعطيه على جهة الصداق وغيره ، فلأن يجوز للمرأة لئلا يضيع بضعها أولى. ويشكل بخفاء المقايسة بين البضع والمال. مع أنها لو تمت فإنما تقتضي لزوم معرفتها بالمال الذي هو عوض البضع لا بالرجل. ومثله في الاشكال الاستدلال عليه بما‌ ورد في بعض النصوص أنه (ص) قال لرجل من أصحابه وقد خطب امرأة : « لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما » (١). فان الخبر ضعيف لا مجال للاعتماد عليه فيما نحن فيه ، ولذلك اختار في الجواهر المنع. بل في كشف اللثام : « لم أعرف من الأصحاب من قال به غيره ( يعني : غير مصنفه ) ، والحلبي ، وابن سعيد. وإنما ذكرته العامة ، وروته عن عمر ».

[٣] نسب إلى الأصحاب. وفي المسالك : أن جواز النظر الى وجهها وكفيها ومحاسنها وشعرها موضع وفاق. وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ». ويشهد له نصوص المقام المشتملة على التعليل بأنه يشتريها بأغلى الثمن. مضافاً الى النصوص الواردة فيها بالخصوص ، كخبر أبي بصير.

__________________

(١) الوسائل باب : ٣٦ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١٣‌

١٧

كان بغير إذن سيدها. والظاهر اختصاص ذلك بالمشتري لنفسه فلا يشمل الوكيل والولي والفضولي [١]. وأما في الزوجة فالمقطوع هو الاختصاص.

( مسألة ٢٧ ) : يجوز النظر الى نساء أهل الذمة [٢] ،

______________________________________________________

قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها. قال (ع) : لا بأس أن ينظر الى محاسنها ، ويمسها ما لم ينظر الى ما لا ينبغي النظر اليه » (١) ‌ونحوه غيره. وتحقيق المسألة في كتاب البيع.

[١] في الجواهر : منع جواز ذلك لغير مريد التزويج ولو ولياً ، لقصور الأدلة عن إخراجه عن مقتضى الحرمة ، بخلافه في شراء الأمة الشامل له ولغيره ، عدا الفضولي على الظاهر. انتهى. وكأن عدم الشمول للفضولي من جهة عدم تحقق الشراء حقيقة منه ، بخلاف الوكيل والولي. لكن الفرق بينهما في شراء الأمة وبينهما في التزويج غير ظاهر ، بعد اشتمال النصوص على الشراء ، وصدق المشتري على الوكيل والولي كصدقه على الأصيل. اللهم الا أن يقال الملحوظ في شراء الأمة المالية ، ولا مانع من شمول المشتري للولي والوكيل ، والملحوظ في التزويج مناسبات خاصة لا تقوم بغير من يريد التزويج لنفسه ، فينصرف المشتري عنه.

[٢] على المشهور ، كما في الحدائق ، وعن المسالك. قال في الشرائع : « ويجوز النظر الى نساء أهل الذمة وشعورهن لأنهن بمنزلة الإماء ». ونحوه ما عن المقنعة والخلاف والنهاية. فيحتمل أن يكون المراد أنهن بمنزلة الإماء للمسلمين ، لأن الكفار في‌ء المسلمين ، وإنما يحرمهم الذمة ، فتكون نساء أهل الذمة بمنزلة الأمة المزوجة بالعبد. لكن إثبات هذا المعنى غير ظاهر ، بل ممنوع ، وإنما يكون الملك بالاسترقاق. مع أنه يتوقف.

__________________

(١) الوسائل باب : ٢٠ من أبواب بيع الحيوان حديث : ١‌

١٨

______________________________________________________

على جواز النظر إلى الأمة المشتركة. ويحتمل أن يكون المراد أنهن ملك للإمام ، لما‌ في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) : « إن أهل الكتاب مماليك الامام » (١) ، و‌خبر زرارة عنه (ع) : « إن أهل الكتاب مماليك للإمام ، ألا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدون العبيد الضريبة إلى مواليهم » (٢) ‌، و‌في صحيح أبي ولاد عن أبي عبد الله (ع) : « وهم مماليك للإمام ، فمن أسلم منهم فهو حر » (٣). لكن الاستدلال بها متوقف على ثبوت كلية جواز النظر الى أمة غيره ، وهو غير ظاهر. والاستدلال عليه بالسيرة ، ليس بأولى من الاستدلال بها على المقام. نعم يمكن الاستدلال على الحكم‌ بخبر السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال : « قال رسول الله (ص) : لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر الى شعورهن وأيديهن » (٤). فإنه لا بأس بالعمل به بعد اعتماد المشهور عليه. وإن كان ظاهر من علل بأنها بمنزلة الإماء عدم الاعتماد عليه. ولكن اعتماد غيره كاف في جبر ضعفه لو كان. ويؤيده‌ خبر أبي البختري عن جعفر (ع) عن أبيه عن علي بن أبي طالب (ع) : « لا بأس بالنظر الى رؤوس النساء من أهل الذمة » (٥). ومن ذلك يظهر ضعف ما عن ابن إدريس من المنع من النظر إليهن عملاً بعموم الآية المحرمة للنظر ، التي لا يجوز تقييدها بخبر الواحد. وتبعه على ذلك في المختلف ، وكشف اللثام.

__________________

(١) الوسائل باب : ٢ من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد حديث : ٢. لكن وردت روايته عن ابي بصير كما في الكافي الجزء : ٥ صفحة ٣٥٨ والتهذيب الجزء : ٧ صفحة ٤٤٩ ويأتي من الشارح ( قده ) في فصل ما يحرم باستيفاء العدد.

(٢) الوسائل باب : ٤٥ من أبواب العدد حديث : ١.

(٣) الوسائل باب : ١ من أبواب العاقلة حديث : ١.

(٤) الوسائل باب : ١١٢ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ١.

(٥) الوسائل باب : ١١٢ من أبواب مقدمات النكاح حديث : ٢.

١٩

بل مطلق الكفار ، مع عدم التلذذ والريبة [١] ، أي : خوف الوقوع في الحرام [٢]. والأحوط الاقتصار على المقدار الذي جرت عادتهن على عدم ستره [٣]. وقد يلحق بهم نساء أهل‌

______________________________________________________

[١] كما نص على ذلك في المقنعة ، والخلاف ، والنهاية ، والشرائع ، والقواعد وغيرها ، والعمدة في دليله الإجماع ظاهراً. وإلا فالنص مطلق.

[٢] قال في المسالك : « ينبغي أن يكون المراد بها خوف الوقوع معها في المحرم ، وهو المعبر عنه بخوف الفتنة » وفي كشف اللثام : « هي ما يخطر بالبال من النظر ، دون التلذذ به ، أو خوف افتتان. والفرق بينه وبين الريبة ظاهر مما عرفت ، ولذا ذكر الثلاثة في التذكرة ، ويمكن تعميم الريبة للافتتان ، لأنها من ( راب ) إذا وقع في الاضطراب ، فيمكن أن يكون ترك التعرض له هنا ، وفي التحرير ، وغيرهما لذلك ». والمراد مما يخطر بالبال من النظر : الميل الى الوقوع في الحرام مع المنظور اليه ، وإن كان عالماً بعدم وقوعه. فنقول : بناء على ذلك يكون المراد من الريبة مردداً بين الأمرين : الخطور الخاص ، وخوف الوقوع في الحرام. ويظهر من التذكرة : حرمة الجميع ، كما يظهر منها ومن كشف اللثام : حرمة الوقوع في الافتتان ، فان تمَّ إجماع عليه ـ كما هو الظاهر وفي المستند : « أنه متحقق في الحقيقة ، ومحكي في بعض المواضع حكاية مستفيضة » ـ فهو ، وإلا فيشكل تحريم أحدهما ، لعدم وضوح دليل على ذلك. وظاهر شيخنا في الرسالة : وضوح حرمة النظر مع خوف الوقوع في الحرام ، وأما حرمته مع أحد الأمرين ، فلأن فيهما الفساد المنهي عنه. والاشكال عليه ظاهر.

[٣] إذا كان المستند في الحل التعليل فهو يقتضي جواز جميع البدن. وإذا كان المستند خبر السكوني لزم الاقتصار على خصوص الشعور والأيدي.

٢٠