أشهد أنّ عليّاً ولي الله

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً ولي الله

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: منشورات الإجتهاد ISBN: 978-600-5331-19-6
نسخة غير مصححة

الموجود في اقتران الشهادات الثلاث معا ، ولمدخليّة موضـوع الولاية في العبادات ـ يمكن القول بحقيقة اقتران ذكر عليّ عند ذكر النبيّ في مواطن الذكر العامّة ، وأنّ مثل هذا الاقتران محبوب بنحو مطلق في الشريعة ، لكن ننبّه على أنّ مثل هذه المحبوبية عند مشهور فقهاء الإمامية لا تؤسّس حكما شرعيا يجعل من ذكر علي في الأذان جزءا واجبا ، بل ولا مستحبا ، كلّ ما يمكن استفادته بأنّ ذكره محبوب في الأذان وفي غيره للاقتران ؛ لكن لا بعنوان الجزء الواجب أو المستحب في خصوص الأذان.

ومما تجب الإشارة إليه هنا هو استظهار بعض الأفاضل بأنّ ذكر عليّ في الأذان راجحٌ للاقتران في الواجبات ، فالاقتران ملاحظ في التشهّد والخطبة في صلاة الجمعة وغيرها ؛ وبما أنّ الموردين الاخيرين ( أي التشهد والخطبة ) عليهما روايات كثيرة في كتبنا ، يبقى الأذان هو الذي يجب الانتصار له ، وطبق قاعدة الاقتران العقليّ والشرعيّ قد يسوّغ القول برجحان الإتيان بالشهادة الثالثة فيه ، وهذا ما أراد البعض الذهاب إليه في بحوثه ، إذ من المناسب أن تكون النصوص الشرعية التي تجيز ذكر الإمام عليّ في التشهّد والخطبة تنطوي على ملاك ذكره في الأذان بحسب أصول تنقيح المناط العقلية ، وهذا الكلام وإن كنّا قد لا نقبله على عمومه ، لكنّه رأي كان علينا ذكره.

ومن الروايات التي تؤكّد على وحدة المناط بين الرسول والوصي ، ما جاء في أمالي الصدوق : حدّثنا علي بن أحمد بن عبداللّه‏ بن أحمد بن أبي عبداللّه‏ البرقي رضي‌الله‌عنه ، قال : حدثنا أبي ، عن جدّه ، عن أبي عبداللّه‏ البرقي ، عن أبيه محمد بن خالد البرقي ، قال : حدّثنا سهل بن المرزبان الفارسي ، قال حدثنا محمد بن منصور ، عن عبداللّه‏ بن جعفر ، عن محمد بن فيض بن المختار ، عن الفيض بن المختار ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، عن آبائه ، عن جدّه رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ في عليّ عليه‌السلام ] :

٢٠١

وما أكرمني اللّه‏ بكرامة إلاّ وقد أكرمك بمثلها (١) ، وفي آخر : ما ذُكرتُ إلاّ ذُكرتَ معي (٢). وقد روت العامّة عن رسول اللّه‏ قريبا من هذا ، إذ قال الرسول لعلي : ما سألتُ ربّي شيئا في صلاتي إلاّ أعطاني ، وما سألتُ لنفسي شيئا إلاّ سالتُ لك (٣).

ويمكن تقريب الاستدلال بخبر الأمالي ، فنقول : إنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وكذا مقتضى مفهوم الحصر ، يفيد بأنّ كلّ مكرمة لرسول اللّه‏ هي ممنوحة لعلي كذلك ، بعضها على نحو التشريع وبعضها على نحو التشريف ، وبما أنّ الشهادة بالرسالة في الأذان والإقامة هي مكرمة لرسول اللّه‏ ، فيمكن أن نأتي بذكر عليّ مع الأذان لا على نحو الجزئية بل لمحبوبيتها النفسية ؛ امتثالاً لما جاء في مرسلة الاحتجاج من قوله عليه‌السلام : « من قال محمد رسول اللّه‏ فليقل علي أمير المؤمنين ». تحصيلاً للمثليّة التشريفيّة لا التشريعيّة.

وقد جاء عنهم عليهم‌السلام : « ذكرنا عبادة » أو : « ذكر عليٍّ عبادة » (٤) ، وفي موثّقة أبي

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٥٨٢ / ، المجلس الرابع والسبعون / ح ١٦.

(٢) جاء في الرسالة العملية للشيخ زين العابدين خان الكرماني ( الموجز في احكام الطهارة والصلاة والصوم ... ) صفحة ١٧٤ ط مطبعة السعادة ، ببلدة كرمان في سنة ١٣٥٠ ه‍ ، فصل كيفية الأذان : روى عن أبي سليمان ، عن رسول اللّه‏ ، قال : سمعت رسول اللّه‏ يقول ليلة اسرى بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله ـ وساق الحديث إلى ان قال‏ـ ثم اطلقت الثانية فاخترت منها عليا وشققت له اسما من اسمائي فلا أذكر في موضع إلاّ ذكر معي فانا الاعلى وهو علي.

(٣) المعجم الأوسط ٨ : ٤٧ / ح ٧٩١٧ ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٠ ، امالي المحاملي : ٢٠٤ ، ٣٦٨ / ح ١٨٥ ، ٤١٨ ، السنة لابن أبي عاصم ٢ : ٥٩٦ / ح ١٣١٣ ، شرح مذاهب أهل السنة ، لابن شاهين : ١٩١ / ح ١٣٥ ، سنن النسائي الكبرى ٥ : ١٥١ / ح ٨٥٣٢ ، خصائص عليّ : ١٥٦ / ح ١٤٧ ، ١٤٨ ، سنن الترمذي ٢ : ٧٢ / ح ٢٨٢ ، وفيه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي ، وكذا في سنن البيهقي الكبرى ٣ : ٢١٢ / ح ٥٥٨١ ، ومصنف عبدالرزاق ٢ : ١٤٤ / ح ٢٨٣٦ ، ومسند أحمد ١ : ١٤٦ / ح ١٢٤٣ ، وغيره.

(٤) الفردوس بمأثور الخطاب ٣ : ٢٤٤ / ح ٣١٥١ ، عن عائشة ، وعنه في كنز العمال ١١ : ٢٧٦ / ح ٣٢٨٩٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٥٦ ، سمط النجوم العوالي ٣ : ٦٤.

٢٠٢

بصير عن أبي عبداللّه‏ ، قال : « ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا اللّه‏ ولم يذكرونا إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة » ثمّ ، قال : قال أبو جعفر : « إنّ ذكرنا من ذكر اللّه‏ ، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان » (١).

تلخّص من جميع ما قلناه لحدّ الآن أنّ الدليل الكنائي الآنف لا يثبت سوى الاقتران وأنّ ذكر علي مقترن بذكر النبي بنحو عام ؛ بالنظر للعمومات والإطلاقات الآنفة عن الروايات والأخبار الصحيحة والمعتبرة ، ولازم ذلك أنّ ذكر علي محبوب في نفسه بنحو مطلق في الأذان وفي غيره ، لكنّ هذا لا يثبت حكما شرعيا ـ عند مشهور فقهاء الإمامية ـ لا جزءا واجبا ولا جزءا مستحبّا. وبالجملة : فكلّ ما يثبته هذا الدليل هو أنّ ذكر عليّ محبوب بعد ذكر النبيّ في الأذان وفي غيره من دون اعتقاد الجزئية.

الشهادة بالولاية على عهد الرسول والأئمّة المعصومين

حكى الشيخ عبدالنبي العراقي ـ عن المرحوم الميرزا هادي الخطيب الخراساني في النجف (٢) ـ وغيره عن الشيخ محمد طه نجف أنّه سمع مَن يثق بدينه أنّه قد وقف على كتاب ( السلافة في أمر الخلافة ) للشيخ عبداللّه‏ المراغي المصري من علماء القرن السابع الهجري في مكتبة المدرسة الظاهرية بدمشق (٣) ، وفيه : أن أبا ذرٍّ ، وفي آخر : سلمان : قد شهدا بالولاية لعليٍّ في أذانهما بعد واقعة الغدير ، وقد سمع ذلك بعض الصحابة ونقلوه إلى رسول اللّه‏ ، وهم على اعتقاد بأنّ النبيّ سيستنكر هذا الفعل ويوبّخهما ، لكنّهم هم الذين لاقوا التأنيب والتوبيخ

__________________

(١) الكافي ٢ : ٤٩٦ / ح ٢ ، و ص ١٨٦ / ح ١ ، وسائل الشيعة ٧ : ١٥٣ / ح ٨٩٨١.

(٢) الهداية في كون الشهادة بالولاية جزء كسائر الاجزاء : ٤٥.

(٣) أخبرني غير واحد بأ نّهما سمعا من أشخاص كانوا قد شاهدوا الكتاب في المكتبة الظاهر ية ، لكنّي لم أقف على الكتاب رغم بحثي عنه أخيرا.

٢٠٣

من قبل رسول اللّه‏ ؛ إذ قال لهم بما مضمونه : أما وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية؟ وما قلته قبل ذلك في أبي ذر وأنّه أصدق ذي لهجة؟ وإنّي قد عنيت بكلامي أمرا ، وخصوصا حينما جمعتكم في ذلك الحر الشديد والصحراء الملتهبة عند غدير خُمّ. ويكون معنى كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّي أحبّ أن يُؤتى بهذا ، ولكن لا ألزمكم به.

أنا لا اريد أن استدل بهذا الكلام في بحثي ، لأ نّه كلام عامي ومرسل لا يمكن الاعتماد عليه في الاستدلال ، وذلك لوجود قرائن وأدلة قو ية تعينني للوصول إلى ما اريد قوله مستغنا عن هذه الحكاية وامثالها ، لكني في الوقت نفسه لا استبعد صدور هذا النص عن سلمان وأبي ذر ، لأ نّه كان بمقدورهما التعرف على ملاكات الاحكام وروح التشريع ، فهما كانا من خلص أصحاب الرسول وحواري الإمام علي.

وقد جاء في كتاب الاحتجاج عن عبداللّه‏ بن الصامت ، قال : رأيت أبا ذر الغفاري آخذا بحلقة باب الكعبة مقبلاً على الناس بوجهه وهو يقول : أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فسأنبئه باسمي ، أنا جُندَب بن [ جنادة بن ] السكن بن عبداللّه‏ ، أنا أبو ذر الغفاري ، أنا رابع أربعة ممّن أسلم مع رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... إلى أن قال : أيَّتُها الأ مّة المتحيّرة بعد نبيّها ، لو قدّمتم من قدّمه اللّه‏ ، وأخّرتم من أخّره اللّه‏ ، وجعلتم الولاية حيث جعلها اللّه‏ ، لما عال وليّ اللّه‏ ، ولما ضاع فرض من فرائض اللّه‏. ولا اختلف اثنان في حكم من أحكام اللّه ‏(١).

وما جاء عنه أيضا : أيّها الناس ، إنّ آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم الأسرةُ من نوح ، والآلُ من إبراهيم ، والصفوة والسلالة من إسماعيل ، والعِترَةُ الطيبة الهادية من محمّد ، فأَ نْزِلوا آل محمدٍ بمنزلة الرأس من الجسد ، بل بمنزلة العينين من الرأس ، فإنّهم

__________________

(١) الاحتجاج ١ : ١٥٨. وانظر معاني الاخبار : ١٧٨ قريب منه.

٢٠٤

فيكم كالسَّماء المرفوعة ، وكالجبال المنصوبة ، وكالشمس الضاحية ، وكالشجرة الزيتونة ، أضاء زيتها ، وبورك وقدها (١).

وقد جاء عن سلمان في آل البيت أكثر مما قاله أبو ذر عنهم ، وقد اعتبر سلمان من آل البيت لولائه وشدّة معرفته بمقامهم ، وهو الذي قال عنه رسول اللّه‏ : سلمان منّا أهل البيت (٢) ، ومن أحبّ الوقوف على مكانة سلمان فليراجع كتاب ( نفس الرحمن في فضائل سلمان ).

وهذه النصوص تتلائم تماما مع سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان يقف دوما في وجه المعترضين على إمامة الإمام عليّ ، ويُعلِمهم بأ نّه عليه‌السلام منه ، وهو منه ، وأنّهما خلقا من نور واحد ، وإليك حديثا آخر في هذا السياق :

عن عمران بن الحصين في الصحيح ، قال : بعث رسول اللّه‏ سريّة وأمّر عليها علي بن أبي طالب ، فأحدث شيئا (٣) في سفره ، فتعاقد أربعة من أصحاب محمّد أن يذكروا أمره إلى رسول اللّه‏.

قال عمران : وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول اللّه‏ فسلمنا عليه ، قال : فدخلوا عليه ، فقام رجل منهم ، فقال : يا رسول اللّه‏ إنّ عليّا فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه.

ثم قام الثاني ، فقال : يا رسول اللّه‏ إن عليّا فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه.

ثم قام الثالث ، فقال : إن عليّا فعل كذا وكذا.

ثم قام الرابع فقال : يا رسول اللّه‏ إن عليّا فعل كذا وكذا.

فأقبل رسول اللّه‏ على الرابع وقد تغيّر وجهه ، فقال : دعوا عليّا ، دعوا عليّا ، دعوا

__________________

(١) البصائر والذخائر لابن حيان ٣ : ٣٥ ، عن كتاب « الرتب ».

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٦٩١ / ح ٦٥٣٩ ، المعجم الكبير ٦ : ٢١ / ح ٦٠٤٠ ، تهذيب الكمال ١١ : ٢٥١ ، طبقات ابن سعد ٤ : ٨٣ ، و ٧ : ٣١٨ ، وغيره.

(٣) وهو أنّه عليه‌السلام كان قد اصطفى جارية من خمس السبي.

٢٠٥

عليّا ، إنّ عليّا منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي (١).

فتأمّل في جملة « دعوا عليّا ، دعوا عليّا ، دعوا عليّا » ، وهو معنى آخر لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما رواه مسلم في الصحيح : « أذكركم اللّه‏ في أهل بيتي ، أُذكركم اللّه‏ في أهل بيتي ، أُذكركم اللّه‏ في أهل بيتي » ، لأ نّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم بأنّ القوم يبغضون عليّا ويوشُونَ به في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف بعد مماته ، وان جملته : « إنّه منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي » تحمل معانيَ كثيرة وعالية.

وممّا يؤكّد تنصيص النبيّ على عليّ وأهل بيته ومحاولة بعض الصحابة بالنيل منه عليه‌السلام هو ما جاء عن الإمام الكاظم من قوله : إنّ عمر لا يريد الحث على الولاية والدعوة إليها ، وقد اتّضح لك سابقا بأنّ جملة « حيّ على خير العمل » ليس لها ظهور في الإمامة والولاية إلاّ إذا فسرت بعبارات أخرى ، وقد كان هذا الأمر سيرة لبعض الصحابة والتابعين في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم من بعده. وهو يوضح امكان الاتيان بالشهادة بالولاية لا على نحو الجزئية في الأذان ، وقد كان بعض خلص الصحابة يأتون بها على عهد عمر ثم من بعده إلى عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام ، وان كلام الإمام ينبى‏ء عن وجود هذه السيرة عند المؤمنين من عهد عمر إلى عصره الشريف.

نعم لا يمكن البتّ تاريخيا في أنّ الصيغ ـ المحكية في مرسلة الفقيه وشواذ الأخبار عند الطوسي ـ كانت توتى بعد الحيعلة الثالثة أو بعد الشهادة بالنبوة؟

وكذا العبارات التي كان يأتي بها الشيعة في عصر الصحابة والتابعين ما هي؟

لا نعلمها بتفاصيلها ، بل الذي نعلمه ومن خلال كلام الإمام الكاظم هو أن الإمام كان لا يرتضي فعلة عمر ويراه مخالفا للشريعة وأن مثل الأذان عنده مثل منع عمر للمتعتين وغيرها من احداثاته ، وبذلك يكون مفهوم كلام الإمام هو

__________________

(١) مسند أحمد ٤ : ٤٣٧ / ح ١٩٩٤٢ ، فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ٢ : ٦٠٥ / ح ١٠٣٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ١٩٧ والمتن منه ، البداية والنّهاية ٧ : ٣٤٥.

٢٠٦

التأكيد على محبوبية هذا الفعل عنده في الأذان ، والحث عليها والدعوة إليها ، أي انا نفهم من ذلك شرعيتها ومحبوبيتها عند الأئمّة ومنذ عهد عمر بن الخطاب ، أو قل منذ عهد رسول اللّه‏ والصحابة ، لوجود معنى الحيعلة الثالثة معها اينما كانت وفي أي زمان.

وبهذا ، فقد عرفنا أن سيرة المتشرّعة كانت على القول بجزئية ( حيّ على خير العمل ) وأن بعض الصحابة والتابعين حتى عصر الإمام الكاظم المتوفى ١٨٣ هـ كانوا يفسرونها ، والإمام حبذ ذلك وتهجم على من رفعها ودعا إلى عدم الدعوة إليها.

ومن الطريف أني وحين نقلي لأقوال أهل البيت في بدء الأذان (١) لم أتِ بكلام للإمام الكاظم في ذلك مع إني ذكرت أقوال جميع الأئمّة إلى الإمام الرضا ، وأرى فيما أتيت به هنا هو ملئ لفراغ قد يشاهده الباحث في الكتاب الأول من هذه الدراسة ( حي على خير العمل ، الشرعية والشعارية ).

وبهذا فقد أتضّح لك أن للسياسة دورا في تحريف بعض الأحكام الشرعية واستبدالها بأخرى غيرها ، فلا يستبعد أن يكون بعض الرواة تركوا ما جاء في البيان السياقي للحيعلة الثالثة من قبل الأئمة تقية لأ نّها هي الاشد من ذكر الحيعلة الثالثة والتي تركها الراوي فيما رواه عن الإمام علي في تفسـير الفاظ الأذان حسبما رواه الصدوق في التوحيد ومعاني الاخبار (٢).

فالرواة فيما يحتمل بقوة حذفوا الحيعلة الثالثة والتي جاءت بيانا سياقيا من بعض الروايات مع شدّة حرصهم وتمسكهم بها لهذا السبب.

وقد جاء في بعض روايات أهل البيت أنّهم قالوا بـ ( الصلاة خير من النوم )

__________________

(١) والذي مر في كتابنا ( حي على خير العمل الشرعية والشعارية ).

(٢) التوحيد : ٢٣٨ / ح ١ ، باب تفسير حروف الأذان ، معاني الاخبار : ٤٠ / ح ١ ، باب معنى حروف الأذان.

٢٠٧

وحملها الفقهاء والمحدّثون ـ أغلبهم ان لم نقل كلهم ـ على التقية ، وبعد هذا فلا يستبعد أن يتركوا روايات الشهادة الثالثة التفسيرية تقية أيضا.

وقد تمخّض البحث إلى الآن عن أنّ الحيعلة الثالثة ليس لها ظهور في الولاية إلاّ بضميمة نصوص أُخرى دالّة عليها وهي نصوص الاقتران المارة ، والنصوص المفسِّرة لها على نحو التفسير السياقي ، كلّ هذا يضاف إلى أنّ خُلّص الشيعة في حلب وحمص وبغداد والقاهرة وفي القرون الثلاثة الأُولى ـ الثالث والرابع والخامس بالتحديد ـ كانوا يأتون بالشهادة الثالثة ، لأنّ الأئمة قد أجازوا لهم ذلك ، مضافا إلى محكيّة تأذين أبي ذرّ أو سلمان بها في زمان رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّ مثله في الأحكام مثل الآيات المقروءة مع شأن نزولها في مصاحف الصحابة ، وأنّهم كانوا يقرؤونها لا اعتقادا منهم بأنّها من القرآن (١) ، بل لإثبات الحقائق ، وكذلك حال الأذان ، فالصحابة والتابعون وأمثالهم كانوا يأتون بها لا على نحو الشرّطيّة والجزئيّة ، بل يأتون بها أوّلاً لأ نّها جملةٌ تفسير يّة مباح الإتيان بها ، بل محثوثٌ على الإتيان بها ، وثانيا لمحبوبيّتها الذاتيّة ورجحانها النفسيّ ، أو لإحقاق حقوق الأئمّة ، والوقوف أمام مطامع الحكّام والسلاطين ، شريطة أن يأمنوا من مكر السلطان وبطشه.

وقفة عند معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام

أكّدت معتبرة الفضل بن شاذان المرويّة في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا بأنّ الأذان دعوة إلى الإيمان لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ... ويكون المؤذّن بذلك داعيا إلى عبادة الخالق ، مرغّبا فيها ، مقرّا له بالتوحيد ، مجاهرا بالإيمان ، معلنا بالإسلام » ـ إلى أن يقول ـ : « لأنّ أوّل الإيمان إنّما هو التوحيد والإقرار للّه‏ عزّ وجلّ بالوحدانية ، والثاني

__________________

(١) مر عليك بعض تلك القراءات انظر صفحة ١١ ، ١٩٤ إلى ١٩٦.

٢٠٨

الإقرار للرسول بالرسالة ، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان ، ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادة ، فجعل الشهادتين في الأذان ... فإذا أقرّ [ العبد ] للّه‏ بالوحدانية ، وأقرّ للرسول بالرسالة ، فقد أقرّ بجملة الإيمان ، لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار باللّه‏ وبرسوله ... » (١).

وهنا لابدّ من توضيح بسيط لهذه الرواية ، فأقول :

من المحتمل قو يا عندي وجود تقديم وتأخير في كلمتي الإسلام والإيمان من قبل الراوي ، فتكون العبارة هكذا : « مجاهرا بالإسلام ومعلنا بالإيمان » وهذا ما يؤكّده ذيل الخبر ، لأنّ الإقرار بالشهادتين ـ وحسب قول الإمام ـ إقرار بجملة الإيمان لا كُلِّه وتفصيله ، وإن كنت لا أنكر أن يراد من « بجملة للإيمان » كليّة الشيء وهو الشهادتان ، لكنْ هناك احتمال آخر يجب أخذه بنظر الاعتبار ، وهو أنّه عليه‌السلام أراد الإشارة إلى الولاية كذلك ، لأنّ الإيمان حقيقته أخص من الإسلام ، فقد يكون الإنسان مسلما لكنّه ليس بمؤمن ، كما نراه في قوله تعالى ( قَالَتِ ألاْءَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـكِن قُولُواْ أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ألاْءيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٢) فقد يكون الإمام أراد الإشارة إلى هذه الحقيقة بالخصوص.

ويؤكّد قولنا ما قاله عليه‌السلام : « لأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد ، والإقرار للّه‏ بالوحدانية ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة » ففي كلامه تلو يح إلى وجود حقيقة ثالثة يكمل بها الإيمان ، وهي الولاية.

وقد احتمل التقيّ المجلسي هذا الأمر قبلنا في شرحه على « من لا يحضره الفقيه » ، إذ قال : ويمكن أن يكون الإيمان إشارة إلى الشهادة بالولاية المفهومة من

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ١٠٣ / باب ٣٤ / ح ١ ، قال الصدوق في آخر باب ٣٥ ( ج ٢ : ١٢٦ ) بعد ان روى ثلاثة طرق لما كتبه الرضا عليه‌السلام للمامون في محض الإسلام وشرائع الدين : وحديث عبدالواحد بن محمد بن عبدوس رضي‌الله‌عنه عندي اصح ولا قوة إلاّ باللّه‏.

(٢) الحجرات : ١٤.

٢٠٩

شهادة الرسالة ( مُؤذنا ) أي معلنا ( لمن ينساها ) والمرجع [ أي الضمير في ينساها يرجع إلى ] المذكورات من قبل ، من التوحيد والإيمان والإسلام (١).

إذن روح الإيمان هي ولاية الإمام عليّ وإن كان أصله ومنبته وأوله وأساسه الإقرار باللّه‏ وبرسوله ، ولولاها لما وصلنا إلى الكمال في الدين.

فعن حمران بن أعين أنّه سأل الإمام الباقر عليه‌السلام ، قال : قلت : أرايت من دخل في الإسلام أليس هو داخلاً في الإيمان؟

فقال : لا ، ولكنّه قد أضيف إلى الإيمان وخرج من الكفر ، وسأضرب لك مثلاً تعقل به فضل الإيمان على الإسلام ، أرأيت لو بصرت رجلاً في المسجد أكنت تشهد أنّك رأيته في الكعبة؟

قلت : لا يجوز لي ذلك ، قال : فلو بصرت رجلاً في الكعبة أكنت شاهدا أنّه قد دخل المسجد الحرام؟

قلت : نعم.

قال : وكيف ذلك؟

قلت : إنّه لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد.

فقال : قد أصبت وأحسنت ، ثمّ قال : كذلك الإيمان والإسلام (٢).

وعن فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبداللّه‏ يقول : إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلامُ ، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب ، والإسلام ما عليه المناكح ، والمواريث ، وحقن الدماء ، والإيمانُ يشركُ الإسلامَ والإسلامُ لا يشركُ الإيمانَ (٣).

ولو تأمّلت فيما رواه الفضل بن شاذان عن محمد بن أبي عمير أنّه سأل ابا

__________________

(١) روضة المتقين ٢ : ٢٦١.

(٢) الكافي ٢ : ٢٧ / ح ٥ ، من الباب نفسه.

(٣) الكافي ٢ : ٢٦ / ح ٣ ، من الباب نفسه.

٢١٠

الحسن الكاظم عن معنى « حيَّ على خير العمل » وقوله : « إنّها الولاية ، وإنّ عمر أراد أن لا يكون حثٌّ عليها ودعاء إليها » ، وجمعته مع ما جاء عن الإمام الرضا الآنفة ، لعرفتَ وجود مفهوم الإمامة والولاية في الأذان في القرن الثاني الهجري.

ومن كلّ ما مرّ يتّضح لك أنّ معنى الولاية موجود في الأذان وهو المصرَّح به من قبل الأئمّة : الباقر ، والصادق ، والكاظم عليهم‌السلام ، وكذلك الإمام الرضا بقوله : ( مجاهرا بالإيمان ) كما قررناه آنفا.

وعليه فالنداء بالحيعلة الثالثة هو نداء المؤمنين المعتقدين بولاية علي أمير المؤمنين ، ومن خلاله يمكن أن نقول برجحان الشهادة بالولاية في الأذان بتقريب أنّ الإمام الرضا عليه‌السلام من جهة قال : إنّ المؤذن مجاهرا بالإيمان إذا ما دعا إلى اللّه‏ ، والإيمان هو الذي يدور مدار الولاية ، بخلاف الإسلام الذي يدور مدار الشهادتين فقط ، ومن جهة اخرى فإنّ الإمام الكاظم عليه‌السلام في حسنة ابن أبي عمير حثّ على الولاية من خلال حيّ على خير العمل ، ونتيجة ذلك محبوبية المجاهرة بالولاية في الأذان ، لكن لا على أنّها جزء فيه وفصل من فصوله بل لمجرّد الذكر المحبوب الذي يدور مدار الإيمان الذي لا يتحقّق إلاّ بالولاية علاوة على الشهادتين.

ونحن إن شاء اللّه‏ سنُفصّل قولنا هذا أكثر فأكثر في الفصل الثالث « الشهادة الثالثة شعار وعبادة » والذي سنثبت فيه الترابط المعرفي بين الشهادات الثلاث ، وإن في الأذان لفّا ونشرا مرتَّبا بين الشهادات الثلاث ، والحيعلات الثلاث ، وهذا يؤكّد كونه تشريعا سماويا وليس بمناميّ.

الأذان في زمن الإمام الهادي عليه‌السلام

لقد مشت هذه السيرة ـ السيرةُ الأذانية ـ عند الشيعة ، حتّى عهد المتوكّل العباسي الذي أراد الإزدراء بالإمام الهادي ، لكنّه ازدرى بنفسه وبأسياده القرشيين والأمويين حينما ذكّره الإمام عليه‌السلام مفتخرا على الجميع بأنّ الجوامع والمساجد تأتي

٢١١

باسم جده أحمد وأبنائه المطهَّرين ، وهو فضلٌ اختصّهم اللّه‏ به ، يشهد بذلك كلّ مسلم في أذانه ، وإن كانوا أهل البيت سكوتا مطاردين من قبل الحكّام.

فقد جاء في أمالي الطوسي : أنّ الإمام عليا الهادي عليه‌السلام دخل يوما على المتوكّل ، فقال له المتوكل : يا أبا الحسن مَن أشعر الناس؟ وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم ، فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، فلمّا سأل الإمامَ أجابه عليه‌السلام : الحماني ؛ حيث يقول :

لقد فاخَرَتْنا من قريشٍ عصابةٌ

بمطّ خُدودٍ وامتدادِ أصابعِ

فلمّا تَنازَعنا القضاءَ قضى لنا

عليهم بما نهوى نداءُ الصَّوامعِ

قال المتوكّل : وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ [ كي يقف على مقصود الشاعر من نداء الصوامع ، هل هي الجمل التفسيرية في عليّ أم شي آخر ، إذ لا يعقل أن لا يعرف المتوكّل معنى الصوامع حتى يسأل الإمام عنها ]؟

قال : « أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‏ وأنّ محمّدا رسول اللّه‏ » جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكّل ثمّ قال : هو جدّك لا ندفعك عنه (١). وقد أفصح الحمّاني عن ذلك بتتمة البيتين فقال :

تَرانا سُكوتا والشهيدُ بفضلِنا

تَراهُ جَهيرَ الصوتِ في كلِّ جامعِ

بأنّ رسولَ اللّه‏ِ أحمدَ جدُّنا

ونحن بَنُوهُ كالنجومِ الطَّوالعِ (٢)

قال ابن اسفنديار في تاريخ طبرستان عن المتوكّل : وإنّه كان مولعا بقتل آل الرسول ، كما كان المترفون مولعين بالعبيد والملاهي.

وقد جاء في تاريخ بغداد في ترجمة ( الحسن بن عثمان الزيادي ) أنّ المتوكّل وجّه من سامراء بسياط جدد ، وأمر بضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٢٨٧ / ح ٥٥٧.

(٢) اُنظر : ديوان عليّ الحمّاني ٨١ ، ومناقب ابن شهرآشوب ٣ : ٥١٠ وفيه : « عليهم » بدل : « تراه ».

٢١٢

ـ صاحب خان عاصم ـ ألف سوط ، لأ نّه شهد عليه الشاهدون أنّه يشتم أبا بكر وعمر ويقذف عائشة ، فضرب بالسياط وترك في الشمس حتى مات ، ثم رُمي به في دجلة (١).

وفي معالم العلماء في ترجمة علي بن محمد بن عمار البرقي ، وهو من شعراء أهل البيت المجاهرين ، قال : حرقوا ديوانه وقطعوا لسانه (٢).

فإذا كان المتوكّل يقطع لسان شاعر ينشد في فضل علي ، أو يضرب ألف سوط لشتم أبي بكر وعمر ، ويهدم قبر الحسين ، فهل من المعقول أن يسمح في الاجهار بولاية علي من على المآذن؟ الجواب : لا وألف لا ، فالكلّ تراهم سكوتا ، لكنّ الشهادة بفضلهم ـ كناية أو تصريحا ـ من الأوّليات في كلّ جامع.

والمتامل في تاريخ الشيعة يقف على شدّة الخوف الذي كان يحيط بهم ، فكانوا يخافون حتّى من أصدقائهم ، وقد نقل ياقوت الحموي في ترجمة عمر بن إبراهيم ـ المتوفّى ٥٣٩ ه‍ ، وهو من أحفاد الإمام زيد الشهيد ـ أنّه لم يُطْلِعِ السمعاني الحنفيّ المذهب على الجزء المصحّح بالأذان بحيّ على خير العمل ، وأخذه منه وقال له : هذا لا يصلح لك ، له طالب غيرك (٣) ، ثمّ عَلَّلَ سرّ وجود مثل هذه الكتب والأجزاء مصحّحة عنده بأ نّه ينبغي للعالم أن يكون عنده ، كلّ شيء ، فإنّ لكلّ نوعٍ طالبا.

كلّ ذلك لأنّ الفقه الحاكم آنذاك كان فقه أبي حنيفة وأن السمعاني كان منهم ، وعمر بن إبراهيم وغيره من الطالبيين كانوا يخافون بطش السلطان.

ومثله كلام إبراهيم بن عبداللّه‏ بن الحسن المار ذكره في الدراسة السابقة عن

__________________

(١) انظر تاريخ بغداد ٧ : ٣٥٧ ، تاريخ دمشق ١٣ : ١٣٥ ، المنتظم ١١ : ٢٨٣.

(٢) معالم العلماء : ١٨٢ ، وأعيان الشيعة ٨ : ٣٢٨.

(٣) معجم الادباء ٤ : ٤٢٨ ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣٦ : ٥١٦ ، ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ٥ : ١٠.

٢١٣

( حيَّ على خير العمل ) وأنّه كان يأمر اصحابه إذا كانوا بالبادية أن يزيدوا في الأذان « حيَّ على خير العمل » (١).

ولمّا سئل أحمد بن عيسى عن التأذين بحيّ على خير العمل ، قال : نعم ، ولكن أخفيها (٢).

فلو كانت التقية تجري مع إظهار « حي على خير العمل » الحاملة لمعنى الولاية كناية ، فكيف باظهار الشهادة الثالثة علنا وجهارا؟!

بل كيف يعقل أن يأمر اللّه‏ ورسوله بالشهادة الثالثة في الأذان ، وهما يعلمان بانقلاب الأ مّة بعد رسول اللّه‏؟!

إنّ الإمام عليّا وشيعته قد اضطهدوا في جميع العصور ، بدءا بغصب الخلافة بعد رسول اللّه‏ ، ومرورا بسبّ الإمام علي من على المنابر في عهد معاو ية ، وسم الحسن ، وأن لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب (٣) ، وانتهاءً بلا نهائية الظلم والجور.

وقد أمر معاو ية بحرمان من عرف منه موالاة عليّ من العطاء وإسقاطه من الديوان والتنكيل به ، وهدم داره ، وأن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي الشهادة (٤) ، والإمامُ الحسين في رسالته إلى معاوية ذكّره ببعض تعليماته لزياد وأنّه أمره بتسميل العيون ، وقطع الأيدي والأرجل ، وتعليق الناس على النخيل ، وقتل من

__________________

(١) الأذان بحي على خير العمل للحافظ العلوي بتحقيق عزان : ١٤٧ / ح ١٨٦.

(٢) الأذان بحي على خير العمل بتحقيق عزان : ١٥٠ / ح ١٩٠ ، وأخرجه محمد بن منصور في الأمالي لابن عيسى ١ : ١٩٤ / رقم ٢٣٧.

(٣) شرح نهج البلاغة ٧ : ١٢٢ ، وانظر تاريخ دمشق ١١ : ٢٩١ ، وكتاب اخبار وحكايات للغساني : ٥٢ ، حيث ذكروا أن في عهد هشام بن عبدالملك كانت مجالس الذكر لبعض الشاميين تختم بلعن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، تقربا إلى اللّه‏!

(٤) انظر شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤ ، والاحتجاج للطبرسي ٢ : ١٧ ، عن كتاب سليم بن قيس : ٣١٨.

٢١٤

كان على دين علي ... (١).

وقد خاطب السائب بن مالك الاشعري ـ من قادة جيش المختار ـ أهل الكوفة بقوله : ويحكم يا شيعة آل رسول اللّه‏ ، إنّكم قد كنتم تُقْتَلُون قبل اليوم ، وتقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف ، وتُسمل أعينكم ، وتصلبون أحياءً على جذوع النخل ، وأنتم إذ ذاك في منازلكم لا تقاتلون أحدا ، فما ظنّكم اليوم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم (٢) ...

وأبشع من كلّ ذلك قتل الحسين ، وسبي النساء مع علي بن الحسين ، وقد وضّح الإمام الباقر بعض ما جرى على الشيعة في كلام له لبعض اصحابه ، حيث قال عليه‌السلام : ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا ، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس ، إنّ رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه ... إلى أن قال : ثمّ لم نزل نُستَذَلُّ ونُستضامُ ونُقصى ونُمتهن ونُحرم ونُقتل ونخاف ، ولا نأمن على دمائنا ... الخ (٣).

قال دعبل الخزاعي :

إنّ اليهودَ بحبّها لنبيِّها

أمنت بوائِقَ دهرها الخوَّانِ

وكذا النصارى حُبَّهُم لنبيِّهم

يمشونَ زهوا في قرى نجرانِ

والمسلمونَ بِحُبِّ آلِ نبيِّهم

يُرْمَونَ في الآفاق بالنيرانِ (٤)

__________________

(١) انظر انساب الاشراف ٥ : ١٢٨ ، والإمامة والسياسة : ١٥٦.

(٢) الفتوح ٦ : ٢٣٧.

(٣) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٣ ـ ٤٤.

(٤) انظر ديوان دعبل الخزاعي : ١٧٣ ، وروضة الواعظين : ٢٥١.

٢١٥

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنّ بني أميّة ـ وكما قلنا ـ سعوا لتحريف اُمور كثيرة في الأذان ، وقد وقفت على بعضها ، وكان الطالبيون لا يستطيعون الجهر بالحيعلة الثالثة من على المآذن في عهدهم ، فكيف بالشهادة الثالثة؟!

لذلك اكتفوا ـ عند عدم المانع أيضا ـ بالإجهار بـ « حيّ على خير العمل » الحاملة لمعنى الولاية ، وفي حالات خاصّة كانت تفتح بجمل دالّة عليها ؛ إن أمنوا من مكر السلطان ، أو إذا أرادو إظهار فضل آل البيت ، أو التصريح بموقفهم السياسي والعقائدي في الخلافة.

فـ « حيّ على خير العمل » و « محمد وعليّ خير البشر » و « محمد وآل محمد خير البرية » وأمثالها كانت شعارات دالة على الاعتقاد بولاية عليّ وأهل البيت ، يستعينون بها في الأذان وغيره لإظهار أحقيّة (١) وفضل علي واولاده المعصومين فإنّهم كانوا يقولون بها ، لأ نّهم قد وقفوا على شرعيّتها من قبل أئمتهم.

إنّ الحيعلة الثالثة كانت تقال على عهد رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد فُتح مدلولها بالفعل من قبل بعض الصحابة ، لكنّ فتحها لم يكن حالة سائدة وشعارا لكل الشيعة في جميع الأصقاع ، بل كان يقولها بعض الخُلّص من الصحابة العارفين بمكانة أهل البيت التي أنزلهم اللّه‏ فيها.

وإنّ الإمام الكاظم بقوله آنف الذكر أراد الإشارة إلى هذه الحقيقة الشرعية التأريخية ، وأنّ هذا العمل هو ممّا كان يعمل عليه في العصر الأوّل ، لكنّ عمر لم يرتضِ شيوع هذه الثقافة عند المسلمين ، فجدّ لحذفها ؛ بدعوى أنّ الناس سيتركون الجهاد تعو يلاً على الصلاة.

إنّ قول « حيّ على خير العمل » ـ وكما قلنا ـ بظاهره لا يفهم منه الدعـوة إلى

__________________

(١) كما في التأذين بـ « حيّ على خير العمل » في ثورة صاحب فخ.

٢١٦

الولاية ، إلاّ إذا فُسّر ووضّح من قبل الصحابة والتابعين بجمل ولائية ، وقد أكّدنا مرارا على أنّ الإمام الكاظم فسّرها بالولاية ودعا إلى الحث عليها ، وقد جيء بها وبتفسيرها معها في عصر الغيبة الصغرى وقبل ولادة الشيخ الصدوق في حلب ، أمّا اعتقاد الصدوق بوضع المفوضة لها فلا يوافقه عليه السيّد المرتضى والشيخ الطوسي حسبما سنوضّحه لاحقا ، بل أفتيا بعدم الإثم في الإتيان بها ، وقالا بورود أخبار شاذّة عليها ، وهذا يؤكّد عدم قبولهما دعوى الوضع من قبل المفوّضة لتلك الأخبار ، بل يرون لتلك الأخبار الحجيّة الاقتضائية لا الفعلية.

وعليه فالشيعة وعبر التاريخ ـ وبحسب الادلة الواصلة إليهم ـ كانوا يأتون بها لا على نحو الشطرية والجزئية بل على نحو التفسيريّة ، والمحبوبية الذاتية ، والذكر المطـلق ، ولأجل هذا لم يمنعهم أو ينهاهم النبي ـ والأئمة من ذريته ـ بل حبذّوا ذلك ، إذ كان فيه بقاءُ الحقّ وشيوع مذهبهم ، حتى صار اليوم شعارا لهم.

وبهذا فقد اتّضح لنا أنّ للحيعلة معنى كنائيا ، قد عرفه بعض الصحابة والتابعين ، فمنهم من دعا إليها ، والآخر عارضها ، فترى أمثال : أبي ذر ، وسلمان ، كانا يدعوان إليها وإلى الشهادة الثالثة ـ كما في المحكيّ عن كتاب السلافة ـ أما عمر بن الخطاب وأتباعه ، فكانوا ينهـون عنها ، ولا يريدون حثّا عليها ودعـوة إليها.

وكذا الحال في العصور التي تلت عهد عمر وعثـمان ، فالإمام علي كان يُشيد بهذا الموقف الصحيح من مؤذنه ابن النباح ، ويقول : أهلاً بالقائل عدلاً (١).

وقد مرَّ عليك موقف الإمامين الحسن والحسين ، وأخيهما محمد بن الحنفية ومعارضتهم لفكرة الأمويين في بدء الأذان.

وكذا قول الإمام علي بن الحسين عن الحيعلة الثالثة أنّها كانت في الأذان الأول.

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٨٨ / ح ٨٩٠ ، وسائل الشيعة ٥ : ٤١٨ / ح ٦٩٧٣.

٢١٧

وفي شعر خالد بن يزيد بن معاو ية بن أبي سفيان إشارة إلى من كان يرفع الآل مع ذكر الرسول ـ بعد واقعة الطف ـ إذ قال :

نقمت عليّ بنو أمية أنّني

أبغي النجاة وللنّجاةِ أريدُ

أهوى عليّا والحسينَ وصنوه

عهدي بذلك مبدئٌ ومعيدُ

لو أنّني يوم الحسين شهدته

لنصرته ربِّي بذاك شهيدُ

يا ليت لم يكُ لي معاويةٌ أبا

في العالمين ولا الشقيُّ يزيدُ

واللّه‏ يُخرجُ من خبيثٍ طَيِّبا

جاء القُران بذاك وهو وَكيدُ

يا هاشمُ ، المبعوثُ فينا أحمدٌ

إنّ المطيفَ ببعضكم لسعيدُ

في كلّ يوم خمسة مفروضة

يعلو الأذان بذكركم ويشيدُ

ولكم مساكنه وأهل جواره

ومرافقوه وحوضه المورودُ

وإذا تشاء سقيتم من شئتُمُ

وعدوّكم عن ورده مردود (١)

إنّ حكاية الإمام الباقر للإسراء والمعراج وتشريع الأذان فيه ـ بما فيه الحيعلة الثالثة (٢) ـ وما قاله الإمام الصادق عن القوم وأنّهم غيروا اسم الإمام علي الموجود على ساق العرش إلى ابي بكر ، إلى غيرها من الحقائق التي اتضحت لنا ، وسـنقف على المزيد منها لاحقا ، كُلّها حجج مؤ يّدة لما قلناه.

وها هو الآن أمامك كلام الإمام الكاظم ، وقد جاء ظاهرا صريحا وامتدادا للسيرة والشرع ، مذّكرا عليه‌السلام ومنوها إلى أنّ معنى الحيعلة الثالثة هو بيان لـ « محمد وعلي خير البشر » و « أشهد أن عليا ولي اللّه‏ » و « محمد وآل محمد خير البرية » لا غير ، وأنّ القوم لا يريدون الإشادة بذكر علي وأولاده المعصومين.

ومفهوم كلامه عليه‌السلام : « أنّ عمر أراد أن لا يكون حثٌّ عليها ودعاء إليها » أي إلى

__________________

(١) العقد النضيد والدر الفريد ، لمحمد بن حسن القمي : ١٦٣ ـ ١٦٤.

(٢) وسائل الشيعة ٥ : ٤١٤ / ح ٦٩٦٤.

٢١٨

الولاية ، يعني أنّ الإمام عليه‌السلام يجيز هذا الأمر ويدعو إليه ، قال بهذا الكلام وهو قابع في سجون الرشيد ، كلّ ذلك للإشادة بالحقّ والحقيقة الضائعة بين ثنايا الأمة.

كان هذا عرضا سريعا لسيرة الشارع في الشهادة بالولاية ، وكذا لموقف المتشرّعة فيها إلى عهد الكاظم عليه‌السلام ، وتراه واضحا صر يحا ليس فيه غموض.

نعم كان هذا الأمر بين الشدّة والفتور في عهد الإمام الرضا وأبنائه المعصومين حتى غيبة الإمام المهدي عجل اللّه‏ تعالى فرجه الشريف في سنة ٢٦١ هـ ، ومن الطريف أنّ البعض يطالبنا لإثبات الشهادة الثالثة بالأخبار المتواترة فيه ، وهو الواقف على مجريات الأحداث بعد رسول اللّه‏ وما لاقى الشيعة من الظلم والاضطهاد لحبهم الإمام علي عليه‌السلام ، فكيف يمكن الجهر بالولاية لعلي بن أبي طالب وبنو أمية راحت تلعنه على المنابر قُرابة قرن؟

بل كيف يمكن تناقل تلك الروايات الداعية إلى الشهادة الثالثة ، وانت ترى الرواة لا يمكنهم ان يحدّثوا عن علي إلاّ بالتكنية : قال الحسن البصري : لو أردنا أن نروي عن علي لقلنا قال أبو زينب؟

بل هل فكر اولئك بالتضحيات التي قدمها رجالنا حتى وصلت إلينا تلك الأخبار الشاذة على لسان الطوسي والحليّين؟

وعليه فالحيعلة الثالثة شرعت على عهد الرسول ، واذن بها على عهد علي والصحابة ، وان الإمام علي كان يشجع القائل بالحيعلة ، وروى عن الإمام السجاد انه قال أنّها كانت في الأذان الاول ، واخبر الباقر والصادق أنّها كانت في الاسراء والمعراج وقالا بأن معناها هو الولاية ، وجاء عن الإمام الكاظم جواز فتح معناها معها ، والإمام الرضا اشار إلى وجود معنى الولاية في الأذان واخيرا الكلام عن وجود معنى الولاية في اذان الشيعة على عهد الإمام الهادي.

وإليك الآن نصين يمكن الاستشهاد بهما في زمن الغيبة الصغرى :

٢١٩

نصّان في الغيبة الصغرى

قال ابن اسفنديار الكاتب المتوفّى ٦١٣ ه‍ ، في كتابه ( تاريخ طبرستان ) : استقرّ الداعي الكبير [ وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل ] بن زيد في آمل [ سنة ٢٥٠ ه‍ ] ، وأعلن في أطراف طبرستان ، وگيلان ، والديلم أنّه : قد رأينا العمل بكتاب اللّه‏ وسنّة رسوله ، وما صحَّ عن أمير المؤمنين ، وإلحاق « حيّ على خير العمل » ، والجهر بالبسملة ، والتكبير خمسا على الميّت ، ومن خالف فليس منّا (١).

وجاء في كتاب بغية الطلب في أخبار حلب لابن العديم المتوفّى ٦٦٠ هـ : « ... عن أبي بكر الصولي أنّه لمّا جلس أحمد بن عبداللّه ‏(٢) على سدة الحكم سار إلى حمص ودُعِيَ له بها وبكورها ، وأمرهم أن يصلّوا الجمعة أربع ركعات ، وأن يخطبوا بعد الظهر ويكون في أذانهم: أشهد أن محمدا رسول اللّه‏ ، أشهد أنّ عليّا وليّ المؤمنين ، حيّ على خير العمل » (٣).

وهذان النصان هما قبل ولادة الشيخ الصدوق يقينا ، وترى الشيعة يؤذّنون بهذا الأذان ، لأنّ له مخرجا شرعيا عندهم ، لكن لم يصبح بعد شعارا سائدا عندهم ، وذلك لما كانوا يلاقونه من جور وتعسّف من قبل الحكّام العباسيّين وقبلهم الأمويين ، فلا يمكنهم التصريح به إلاّ إذا سيطروا على مكان وأمنوا من مكر السلطان.

ومجمل القول : إنّ الشيعة ـ فيما أعتقد ـ كانت ترى ، فيما ترى ـ رجحان الإتيان

__________________

(١) تاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب : ٢٣٩ ، وعنه في تاريخ طبرستان للمرعشي المتوفى ٨٨١ ه‍.

(٢) وهو الخارج بالشام في أيّام المكتفي باللّه‏ ، وكان ينتمي إلى الطالبيين ، وهو المعروف بصاحب الخال ، والذي قتل بالدكّة في سنة إحدى وتسعين ومائتين [ ٢٩١ ه].

(٣) بغية الطلب ٢ : ٩٤٤.

٢٢٠