أشهد أنّ عليّاً ولي الله

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً ولي الله

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : العقائد والكلام الناشر: منشورات الإجتهاد ISBN: 978-600-5331-19-6
نسخة غير مصححة

زمانه تاركا الكلام عن الاتين بها بقصد القربة المطلقة ، لقوله : « المدلسون انفسهم في جملتنا ».

وعليه فالشيخ الصدوق رحمه‌الله لا يعني الذين ذكروها إعظاما لأمير المؤمنين ، أو دفعا لاتّهام المتهمين للشيعة ـ في تلك العصور وحتّى من بعدهم ـ بأ نّهم : يقولون بألوهية الإمام عليّ ، أو أنّهم يدّعون خيانة الأمين جبرئيل في مأموريته ، وأنه كان مكلّفا في إنزل الوحي على علي بن أبي طالب ، لكنه ـ والعياذ باللّه‏ ـ خان ونزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلى غيرها من التّهم الموجّهة جُزافا إلى الشيعة.

فلو أتى الشيعي بالشهادة الثالثة لكي ينفي هذه التهم عنه ، وليقول : بأنّ اللّه‏ هو الإله الذي نعبده ولا نشرك به ، وأنّ محمدا هو الرسول الذي جاء من عنده ، وأنّ الإمام عليا ليس إلاّ وليّ للّه‏ وحجّته على عباده.

فإنّ الشيخ لا يمانع من ذلك ؛ لأن الأدلّة الشرعيّة هي مع القائل بها ، ولا نرى مانعا من أن يأتي المكلّف بالشهادة الثالثة لهذا الغرض.

وبهذا ، فنحن نوافق الصدوق في هجومه على الذين يأتون بها على نحو الجزئية ـ استنادا للأخبار الموضوعة ـ وفي الوقت نفسه لا نتردّد في أنّ الشيخ الصدوق على منوال جميع الأصحاب قائل بمحبوبيتها الذاتية العامّة ؛ لأنّ ذلك لا بأس به بالنظر للمعايير الفقهية والحديثية العامّة.

وباعتقادي أنّ الشيخ كان يرى رجحان الإتيان بها في الأذان لعموم الأدلة التي كانت عنده لكنْ لا بقصد الجزئية. ولعلّه قد فهم من المفوّضة أنّهم كانوا يأتون بها على نحو الجزئية ، ولأجله تهجّم عليهم.

ونحن نعتقد وكذا الشيخ قبلنا ، بأنّ هؤلاء الأئمة هم وسائط الفيض الالهي ، وقد منحهم ربّ العالمين هذه القدرة ، وليس كلّ ما يذكر لهم من منازل عالية في كتب الحديث والعقائد يستتبعه القول بالغلوّ أو التفويض ، فهم عباد مكرمون من

٢٨١

البشر لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وهؤلاء الأئمة قالوا عن أنفسهم : « لا ترفعوا البناء فوق طاقتنا فينهدم ، اجعلونا عبيدا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم » (١) وفي آخر : « لا تتجاوزوا بنا العبودية ، ثم قولوا فينا ما شئتم ، ولن تبلغوا ، وإيّاكم والغلوّ كغلو النصارى فإنّي بريءُ من الغالين » (٢) ، وهو مقام لا يمكن لأحد أن يصل إليه ويعرف كنهه ، فإنّ الشيخ هو الذي روى لنا صحيحا ، حديثَ : « إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه‏ قلبه للإيمان أو مدينة حصينة » (٣).

وبعد كل هذا نقول : يمكننا بناءً على كلّ ما تقدّم الأخذ بمرسلة الصدوق بعنوان أنّها تتضمّن الشهادة بالولاية وأنّها محبوبة ذاتا بنحو عامّ ، كما جزم به رحمه‌الله في قوله : « ولا ريب في أنّ عليّا ولي اللّه‏ حقا » ، لا بعنوان أنّها مستند للجزئية.

وكذا يمكننا اعتبار هذه الصيغ التي أتى بها الشيخ الصدوق إحدى الأدلّة على محبوبية الشهادة الثالثة في الأذان لا على نحو الجزئية ، وذلك لموافقتها مع سيرة المتشرّعة من عصر الرسول إلى عصرنا الحالي (٤) وامضاء المعصوم لها ـ أي الإمام الحجة عليه‌السلام ـ.

وأن أخذُنا بالصيغ التي ذكرها الصدوق يبتني على المحبوبية الذاتية القربة

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٢٦١ / ح ٢٢.

(٢) تفسير الإمام العسكري : ٥٠ ، الاحتجاج للطبرسي ٢ : ٢٣٣ ، بحار الأنوار ٢٥ : ٢٧٣ ـ ٢٧٤ / ح ٢٠ / باب نفي الغلو ، عنهما.

(٣) الامالي : ٥٢ / ح ٦ ، الخصال : ٢٠٨ / ح ٢٧ ، معاني الاخبار : ١٨٨ / ح ١ / باب معنى المدينة الحصينة ، وفيه : أن أبا عبداللّه‏ سُئل عن معنى لمدينة الحصينة ، فقال عليه‌السلام : هو القلب المجتمع. قال المجلسي : المراد بالقلب المجتمع : القلب الذي لا يتفرق بمتابعة الشكوك والأهواء ، ولا يدخل فيه الأوهام الباطلة ، والشبهات المضلة ... ، بحار الانوار ٢ : ١٨٣ ، ذيل الحديث الأوّل من الباب السادس والعشرين.

(٤) حيث كانوا يأتون بها تفسيرا للحيعلة الثالثة ، ولمجيئها في شواذ الأخبار على نحو التفسيرية كذلك.

٢٨٢

المطلقة ، لا بعنوان أنّها مستقاة من أخبار موضوعة وضعها المفوِّضة ، فنحن لا نقول بالجزئية كما لا يقول بها الشيخ الصدوق رحمه‌الله ، كما إنّنا قائلون بالمحبوبيّة الذاتية وكذلك الصدوق رحمه‌الله في جزمه الآنف في مرسلته ، وفي ما رواه عن ابن أبي عمير عن الكاظم الصريحة في المحبوبية.

وعليه فالأخذ بمرسلة الصدوق في الفقيه مساوِقٌ للأخذ بمرسلة القاسم بن معاو ية المروية في الاحتجاج أو أقوى منها ؛ لعمل الشيعة بها ، وكذا لوجودها في شواذ الاخبار التي حكاها الشيخ الطوسي والعلاّمة ويحيى بن سعيد الحلي.

وعليه فإن نقل الصدوق وإرساله ـ وهو من القدماء المتثبّتين ـ أولى من الأخذ بمرسلة الطبرسي المتأخّر عنه بعدة قرون ، وكذا الاخذ بحسنة ابن أبي عمير عن الكاظم الحاثة على الاتيان بأمر الولاية في خصوص الأذان أولى من الاخذ بمرسلة الاحتجاج العامة في كل شيء. وان تقرير الإمام المعصوم ـ بناء على تمامية اجماع الطائفة ـ أولى من الاخذ باحاديث من بلغ وهذا ما نريد أن نلفت نظر الأعلام إليه.

وبهذا ، قد اتّضح للجميع ضرورة توضيح هكذا أمور في الشريعة ، وأنّ الفقيه لا يمكنه الحكم على ظاهر نصوص السابقين بعيدا عن الوقوف على الظروف التي كان يعيش فيها هؤلاء الفقهاء والمحدّثون والأماكن التي كانوا يسكنونها ، وهذا ما أكّدنا عليه في مقدّمة هذا المبحث.

وبه ارتفعت الإشكالية المثارة حول كلام الشيخ الصدوق في بعض الكتب من أنّه يعارض القول بالشهادة الثالثة دون توضيحهم الفرق بين الإتيان بها على نحو الجزئية أو من باب القربة المطلقة.

٢٨٣

٢ ـ الشيخ المفيد ( ٣٣٦ ـ ٤١٣ ه‍ )

من المعلوم أنّ الشيخ المفيد من كبار فقهاء الإمامية ومتكلّميهم ، وقد اختلف بالفعل مع الشيخ الصدوق ـ ومع غيره من علماء الإمامية ـ في مسائل ذكرها في كتابه ( تصحيح الاعتقاد ) و ( أوائل المقالات ).

والآن نتساءل : لماذا لا نراه رحمه‌الله يعترض على الصدوق فيما قاله في الشهادة الثالثة؟ وهل أنّ عمله هذا يعدّ تأييدا له في هذه المفردة؟ أم هناك ملابسات اُخرى يجب توضيحها؟

الجواب : نعم ، إنّ الشيخ المفيد ومعاصِرَيْه « ابن الجنيد (١) والعماني (٢) » لم يتعرضوا إلى الشـهادة الثالثة في فتاويهم لا سلبا ولا إيجابا ، بل اكتفى المفيد في المقنعة بالقول في باب « عدد فصول الأذان والإقامة » :

والأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلاً : الأذان ثمانية عشر فصلاً ، والإقامة سبعة عشر فصلاً (٣).

وكلامه هذا يقتضي أنّه لا يتّفق مع الصدوق فيما ادّعاه في صحّة ما رواه أبو بكر الحضرمي وكليب الأسدي (٤) والذي فيه تربيع التكبير وتثنية التهليل في الإقامة ، وبه تصير الإقامة عند الصدوق ٢٠ فصلاً (٥) ، وهذا ما لا يتبنّاه المفيد في « المقنعة » ، هذا أوّلاً.

وثانيا : إنّ الشيخ المفيد قد اختلف مع شيخه الصدوق رحمه‌الله في المسائل

__________________

(١) انظر مجموعة فتاوي ابن الجنيد للاشتهاري : ٥٥.

(٢) انظر رسالتان مجموعتان من فتاوي العلمين : ٣١.

(٣) المقنعة : ١٠٠.

(٤) قال الصدوق : « هذا هو الأذان الصحيح الذي لا يزاد فيه ولا ينقص » ، من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٩٠ / ح ٨٩٧.

(٥) فرّق الشيخ محمد تقي التستري في « النجعة في شرح اللمعة » ، وقد مر كلامه في: ٢٥٩ فلاحظ.

٢٨٤

الضرورية والتي تمسّ أصل العقيدة ، أمّا قول الشهادة الثالثة في الأذان فليست من أصل الأذان ، ومعنى ذلك أنّ تركها لا يضرّ بالدين بالعنوان الأوّليّ في تلك الازمان ، وهذا ممّا لا يختلف عليه جمهور الشيعة.

إنّ تبنّي المفيد لرواية غير رواية الحضرمي تؤكّد وجود روايات صحيحة أُخرى تعمل بها الشيعة الإمامية « تزيد أو تنقص » عمّا رواه الحضرمي والأسدي ، خصوصا وأنّ مذهب أكثر فقهائنا قديما وحديثا هو أنّ فصول الأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلاً.

وبعبارة اُخرى : إنّ الشيخ المفيد كان لا يريد الدخول في اُمور جزئية اجتهادية ، وخصوصا حينما لا تكون تلك الأمور شائعة ورائجة عند جميع الشيعة ، وكان ـ فيما نحتمل ـ يرى الكفاية في إتيان بعض الخلّص من الشيعة بما يدلّ على الولاية في أذانهم للمحافظة على شعاريّتها واستمرار شرعيّتها ، ولا داعي بعد ذلك للإفتاء بشيء قد يسبّب مشكلة للشيعة في وقت هم في أمسّ الحاجة فيه إلى الاستقرار.

نعني بذلك كفاية الحيعلة الثالثة للدلالة على وجود معنى الولاية في الأذان بحسب حسنة ابن أبي عمير عن الكاظم عليه‌السلام ، ولا ضرورة للإجهار بـ « أشهد أن عليا ولي اللّه‏ » في تلك الأزمان المفعمة بالاضطرابات السياسية والعقائدية.

وثالثا : إنّ الشيخ المفيد وطبق منهجه أكد على شرعية الحيعلة الثالثة في كتاب ( الإعلام فيما اتّفقت عليه الإمامية ) ، فقال :

واتّفقت الإمامية على أنّ من ألفاظ الأذان والإقامة للصلاة : حي على خير العمل ، وأنّ من تركها متعمّدا في الإقامة والأذان من غير اضطرار فقد خالف السنّة ، وكان كتارك غيرها من حروف الأذان ، ومعهم في ذلك روايات متظافرة عن رسول اللّه‏ وعن الأئمة من عترته عليهم‌السلام.

٢٨٥

وأجمعت العامّة فيما بعد أعصار الصحابة على خلاف ذلك وأنكروا أن تكون السنة فيما ذكرناه (١).

وجملة « ومعهم في ذلك روايات متظافرة ... » و « أجمعت العامة فيما بعد أعصار الصحابة ... » لتؤكّدان اهتمامه بالثوابت العامّة عندنا ، وسعيه لتحكيمها ، مع التأكيد على الدور التحريفي للعامّة في العصور اللاحقة ، متغاضيا عن الإشارة إلى الفصول غير الواجبة والتكميلية كالشهادة الثالثة.

ورابعا : إنّ الفترة التي عاش فيها المفيد في بغداد ـ وهي عاصمة الدولة العباسية السنية ـ كانت طافحة بالصراع السني الشيعي ، لأنّ كلّ واحد من الطرفين كان يسعى لتحكيم موقفه الفقهيّ والسياسيّ.

ولأنّ الشيعة أخذوا يشكّلون ويؤسسون الدول ، والمفيد رحمه‌الله كان في مأزق حقيقي ، لأ نّه كان يعيش في بغداد عاصمة أهل السنّة آنذاك ، ومن المعلوم أنّ الذي يعيش في وسط كهذا ، لابدّ له أن يحترم آراء الآخرين ، ويكون مسالما متقيا ، وخصوصا مع علمه بأنّ له أعداء كثيرين يريدون أن يقفوا على رأي متطرف منه ـ حسب اعتقادهم ـ حتّى يمكنهم النيل منه.

جاء في البداية والنهاية : أنّ عبيد اللّه‏ بن الخفاف المعروف بابن النقيب ، سجد شكرا للّه‏ ، وجلس للتهنئة ، لمّا سمع بموت المفيد ، وقال : لا أُبالي أيّ وقت متّ بعد أن شاهدت موتَ ابن المعلم (٢) ، هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى فانّ الشيخ المفيد رأى الدول الشيعية في تنامٍ مستمرّ ، فعبيداللّه‏ ( المتوفّى ٣٢٢ ه‍ ) قد أسّس الدولة العبيدية في مصر ، وسيف الدولة الحمداني ( المتوفّى ٣٥٦ ه‍ ) أسس الدولة الحمدانية في حلب ، وقبل كلّ ذلك

__________________

(١) الإعلام : ٢٢ ، تحقيق : الشيخ محمد الحسون.

(٢) البداية والنهاية ١٢ : ١٨ ، تاريخ بغداد ١٠ : ٢٨٢ / ت ٥٥٥٣ ، النجوم الزاهرة ٤ : ٢٦١.

٢٨٦

حَكَمَ الداعي الكبير طبرستان في إيران والبويهيّون ـ بغداد وإيران وغيرها ـ مائة وثلاث عشرة سنة ، بدءا من وفاة آخر سفراء الإمام المهدي بأربع سنوات إلى أواسط عصر الشيخ الطوسي ، أي من سنة ٣٣٤ ه‍ إلى ٤٤٧ ه‍ ، فإنّ وجود انشقاقات كهذه في الدولة العباسية يزيد في الطين بلّة ، ويُعقّد الأمور أكثر فأكثر على الشيخ المفيد.

لقد انتهج البويهيّون ـ أيّام حكمهم ـ سياسة التوازن بين الطوائف ، فكانوا يريدون أن يعيش الشيعة بدون تقيّة ، والآخرون يحكمون بحرّيّة ، وكان ممّا قرّر في عهد بهاء الدولة ـ وزير القادر ـ هو نظام النقابة للعلو يين ، وقد عيّن بالفعل والد الشريفين : الرضي والمرتضى لهذا المنصب (١).

لكنّ الخليفة القادر العباسي ـ الذي حكم بين سنة ٣٨١ ه‍ إلى ٤٢٢ ه‍ ـ سحب هذه النقابة من والد الشريفين في سنة ٣٩٤ ه‍ ، لملابسات كثيرة مذكورة في كتب التاريخ ، ساعيا لإعادة مجد الحكم السني للخلافة ، وذلك لاختلافه مع البويهيّين ، ولنشوء دول شيعية في مصر والشام ، وهذه الأعمال كانت تشدّد الأزمة بين البويهيين والعباسيين.

فأوّل عمل عمله القادر العباسي هو أن أعدّ ـ في سنة ٤٠٢ هـ ـ مذكّرة موقّعة من قبل علماء بارزين من الشيعة والسنة يشكّكون فيها بنسب الخلفاء الفاطميّين في مصر ، ويفنّدون فيها الباطنية ، إلى غيرها من الاُمور التي شددت الصدام بين الفريقين (٢).

وكان مما حكاه ابن الجوزي هو : ان بعض الهاشميّين من أهل باب البصرة قصدوا أبا عبداللّه‏ محمد بن النعمان ، المعروف بابن المعلم ، وكان فقيه الشيعة في

__________________

(١) الكامل في التاريخ ٨ : ٣٠.

(٢) الكامل في التاريخ ٧ : ٤٤٨.

٢٨٧

مسجده بدرب رباح ، وتعرّض به تعرضا امتعض منه أصحابه ، فساروا واستنفروا أهل الكرخ ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد بن الأكفاني وأبي حامد الإسفرايني فسبّوهما وطلبوا الفقهاء ليوقِعُوا بهم ، ونشأت من ذلك فتنة عظيمة ، واتّفق أنّه أَحضر مصحفا ذكر أنّه مصحف ابن مسعود وهو يخالف المصاحف ، [ لان فيه التفسير السياقي للآيات ] فجمع الأشراف والقضاة والفقهاء في يوم الجمعة لليلة بقيت من رجب ، وعرض المصحف عليهم ، فأشار أبو حامد الإسفرايني والفقهاء بتحر يقه ، ففُعل ذلك بمحضرهم.

فلمّا كان شهر شعبان كُتب إلى الخليفة بأنّ رجلاً من أهل جسر النهروان حضر المشهد بالحائر ليلة النصف ودعا على من أحرق المصحف وسّبه ، فتقدم بطلبه ، فأُخِذَ فرُسِمَ قتله ، فتكلّم أهل الكرخ في هذا المقتول لأ نّه من الشيعة ، ووقع القتال بينهم وبين أهل باب البصرة وباب الشعير والقلاّئين ... (١).

وقد علل الشيخ المفيد سبب ظهور مصحفي أُبيّ وابن مسعود [ السياقيين [ عند الناس واستتار مصحف أمير المؤمنين ، بأنّ السبب في ذلك عظم وطأة أمير المؤمنين على ملوك الزمان وخفّة وطأة أُبيّ وابن مسعود عليهم ـ إلى أن قال ـ فصل : مع أنّه لا يثبت لأُبيّ وابن مسعود وجود مصحفين منفردين ، وإنّما يذكر ذلك من طريق الظنّ وأخبار الآحاد ، وقد جاءت بكثير مما يضاف إلى أمير المؤمنين من القرّاءِ أخبارُ الآحادِ الّتي جاءت بقراءة أُبيّ وابن مسعود على ما ذكرنا (٢).

وبهذا ، فلا يستبعد أن يكون الشيخ المفيد أراد أن يبتعد عن أمر هو في غنى عنه ، لأنّ الاحداث كانت تجري باتّجاه آخر ، والشيخ رحمه‌الله لا يريد تشديد الأزمة ،

__________________

(١) المنتظم ٧ : ٢٣٧ أحداث سنة ٣٩٨ ه‍.

(٢) المسائل العكبرية : ١١٩ المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد / ج ٦.

٢٨٨

وخصوصا بعد أنّ وقف على أن بعض الشيعة في مصر ، وحلب ، وبغداد ، كانوا يأتون بـ « محمد وعلي خير البشر » بعد الحيعلة الثالثة ، والذي نقلنا خبرهما سابقا ، وأنّ الحسين المعروف بأمير بن شكنبه كان يقولها في مصر (١).

والشيخ كان لا يريد أن يبين نفسه بأ نّه يتّفق مع هؤلاء ، لأن الشهادة بالولاية من خلال جملة « حيّ على خير العمل » كانت تعني بطلان خلافة الاخرين الذين غصبوا خلافة الإمام علي الذي هو خير البرية وولايته خير العمل.

وبذلك صارت الحيعلة الثالثة شعارا سياسيا من دون النظر إلى كونها حكما شرعيا ، وعلماءُ الشيعة ـ في تلك الأزمان ـ كانوا يريدون الحفاظ على الأمور الثابتة دون تأجيج الخلاف في المختلف فيه من المسائل التي لم تكن ضرورية وإلزامية ، كالشّهادة الصريحة بولاية الإمام عليّ في الأذان.

قال المقريزي : وإنّ جوهرا ـ القائد لِعساكر المعز لدين اللّه‏ ـ لمّا دخل مصر سنة ٣٥٦ ه‍ وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة ، وأذّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها بـ « حيّ على خير العمل » ، وأعلن بتفضيل علي ابن أبي طالب على غيره ، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة رضوان اللّه‏ عليهم (٢).

وكذا جاء في حوادث سنة ٣٥٨ ه‍ من وفيات الأعيان : أُقيمت الدعوة للمعزّ في الجامع العتيق ، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون ، وأمر بأن يؤذّن فيه بـ « حيّ على خير العمل » وهو أوّل ما أذّن ، ثم أذّن بعده بالجامع العتيق ، وجهر في الصلاة ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم (٣).

__________________

(١) المواعظ والاعتبار = خطط المقريزي ٢ : ٢٧١ ـ ٢٧٢ ، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ : ٢٧٠٢. وفيه : المعروف بأميركا بن شكنبه ، قمّي قدم حلب سنة ٣٤٦ ه‍ وافدا على سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان ، وتوفّي في عهده أي قبل سنة ٣٥٦ ه‍.

(٢) المواعظ والاعتبار = خطط المقريزي ٢ : ٣٤٠.

(٣) وفيات الاعيان ١ : ٣٧٥ ت ١٤٥ ، وانظر اخبار بني عبيد : ٨٥.

٢٨٩

وقال ابن خلّكان بعد الخبر السابق : وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقب الخطبة : اللّهم صلّ على محمّد المصطفى ، وعلى عليّ المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول ، الذين أذهب اللّه‏ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللّهم صل على الأئمة الطاهرين .. (١).

فالإعلان بتفضيل عليّ على غيره ، والجهر بالصلاة عليه ـ بعد ابن عمّه ـ وعلى فاطمة وعلى الحسن والحسين ، وكذا الجهر ببسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، وحيّ على خير العمل ، والصلاة على الخمسة أهل الكساء ، كلّها اُمور تصحيحية تبنّاها الفاطميون. والشيعة آنذاك كانوا يهتمون بتطبيق ما هو الاهم تاركين ما هو المهم.

ولا ينكر الشيخ المفيد ولا غيره من فقهائنا بأنّ الصلاة على محمّد وآله قد جاءت في التشهّد ، والتسليم ، وخطبة صلاة الجمعة ، وفي غيرها من عشرات الموارد التي سنذكرها لاحقا إن شاء اللّه‏ تعالى (٢) ، فكان اعتقاد فقهاء الإمامية هو أنّ عمل هؤلاء كافٍ للحفاظ على الشـرعية في مثل هذه الأمور.

وقد مرّ عليك سابقا بأنّ الشيعة ـ في سنة ٣٤٧ هـ ـ زادوا في حلب « حي على خير العمل محمد وعلي خير البشر » (٣) ، وضربوا على دنانيرهم : « لا اله إلاّ اللّه‏ ، محمد رسول اللّه‏ ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فاطمة الزهراء ، الحسن ، الحسين ، جبرئيل » (٤).

نعم إنّ أعمالاً كهذه في مصر والشام وغيرها كانت تثير حفيظة العباسيين في بغداد وغيرها من البقاع التي كانت تحت سلطنتهم ، فمن المنطقيّ جدّا أن يترك الشيخ المفيد ذِكْرَ الشهادة بالولاية لعليّ تخفيفا لحدّة النزاع الدائر آنذاك ؛ لما فيها

__________________

(١) وفيات الاعيان ١ : ٣٧٩ ، تاريخ الخلفاء : ٤٠٢.

(٢) كان من المقرر بحثها لكنا تركناها خشية الاطالة.

(٣) خطط المقريزي ٢ : ٢٧١ ـ ٢٧٢.

(٤) أعيان الشيعة ٨ : ٢٦٩. وقد يكون في هذا إشارة إلى قصة أصحاب الكساء.

٢٩٠

من حساسية مذهبية ؛ ولأ نّها ليست جزءا واجبا في الأذان تلزمه الإتيان بها في كل الظروف.

قال الذهبي : إنّ الرافضة شمخت بأنفها في مصر ، والحجاز ، والشام ، والمغرب بالدولة العبيدية ، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه ... وأعلن الأذان بالشام ومصر بـ « حي على خير العمل » (١).

وقال ابن كثير : ... استقرّت يد الفاطميّين على دمشق في سنة ٣٦٠ هـ وأذّن فيها وفي نواحيها بـ « حي على خير العمل » أكثر من مائة سنة ، وكتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد .. (٢).

ومر عليك أيضا ما حكاه أبو الفرج الاصفهاني المتوفى ٣٥٦ عن أذان رجل من القطيعة في بغداد ، وفيه : أشهد أنّ عليّا ولي اللّه‏ ، محمد وعلي خير البشر.

والآن استمع لما يحكيه ناصر خسرو المروزيّ الملّقب بالحجّة المتوفّى سنة ٤٥٠ ه‍ عما شاهده في رحلته إلى اليمامة سنة ٣٩٤ ه‍ ، وحديثه عن أحوال مدينتها ، قال : ...

وأُمراؤها علويّون منذ القديم ، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم ... ومذهبهم الزيدية ، ويقولون في الإقامة : « محمد وعلي خير البشر » ، و « حي على خير العمل » (٣).

ومما تقدّم نعتقد أنّ الشيخ المفيد لم يكن من القائلين بجزئية الشهادة الثالثة في الأذان ـ كالصدوق رحمه‌الله ـ وإن كان يرى جواز الإتيان بالشهادة بالولاية في مفتتح الصلاة (٤) ، وقنوت الوتر (٥) ، والتسليم (٦) للروايات الصحيحة الواردة فيها.

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ١٥ : ١٦٠ ، وانظر ١٧ : ٥٠٧.

(٢) البداية والنهاية ١١ : ٢٦٧.

(٣) سفرنامه ناصر خسرو : ١٤٢.

(٤) المقنعة : ١٠٣ وفيه يقول : وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما على

٢٩١

وإذا لاحظنا أخبار الاقتران المارّة بين الشهادات الثلاث في غالب الاُمور العبادية أمكننا أن نميل إلى أن المفيد كان يذهب إلى القول بإمكان وجودها في الأذان كذلك ؛ وذلك للإطلاق في جميع الموارد ، لكنّ ظروف التقيّة وما لاقاه الشيعة من الظلم والاضطهاد جعلهم يبتعدون عن الجهر بها (٧).

__________________

ملّة إبراهيم ودين محمّد وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما أنا من المشركين ... الخ.

(٥) انظر المقنعة : ١٣٠.

(٦) المقنعة : ١١٤.

(٧) وقد احتمل بعض أعلامنا هذا المعنى ، فقال الشيخ محمد تقي المجلسي في روضة المتقين ٢ : ٢٤٦ : والأولى أن يقوله على أنّه جزءٌ الايمان لا جزء الأذان ، ويمكن أن يكون واقعا ويكون سبب تركه التقية كما وقع في كثير من الأخبار ترك « حي على خير العمل » تقية.

وقال الشيخ محمد رضا النجفي ، جد الشيخ محمد طه نجف في العدة النجفية شرح اللمعة الدمشقية : الذي يقوى في النفس أنّ السرّ في سقوط الشهادة بالولاية في الأذان إنّما هو التقية ، ومعه فقد يكون هو الحكمة فيطرّد.

وحكي عن السيد الميرزا إبراهيم الاصطهباناتي أنّه قال : إنّها جزء واقعا لولا الظروف التي لم تسمح ببيان ذلك.

وقال السيّد علي مدد القائني : أنّ العارف بأساليب كلام المعصومين عليهم‌السلام لا يفوته الجزم بأنّ غرض الإمام الصادق الإشارة إلى جزئية الشهادة الثالثة في الأذان الذي يكرّره الإنسان في اليوم والليلة ، ولكن لمّا أوصد سلطان الضلال الأبواب على الأئمة ـ كما تشهد به جدران الحبوس وقعر السجون المظلمة ـ لم يجد الإمام بدّا من اختيار هذا النحو من البيان لعلمه بتاثير كلامه في نفوس الشيعة وقيامهم بما يأمرهم به في كلّ الأحوال ، وأهمُّها الأذانُ.

وقال المرحوم السيّد عبدالاعلى السبزواري في « مهذب الاحكام » ٦ : ٢١ معلقا على كلام السيّد اليزدي في العروة بقوله : لعدم التعرض لها في النصوص الواردة في كيفية الأذان والإقامة ولكن الظاهر أنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي ويكفي في اصل الرجحان جملة من الأخبار ـ ثم ذكر مرسلة الاحتجاج وخبر سنان بن طريف وما جاء في أول الوضوء من الشهادة بالولاية لعلي ، وقال : إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع الواردة في الموارد المتفرقة التي يستفاد من مجموعها تلازم تشريع الشهادات الثلاث مع استظهار جمع

٢٩٢

ويتقوّى هذا الاحتمال حينما نعلم أنّ الشيخ المفيد يجيز الكلام في الأذان ؛ لقوله في المقنعة : وإن عرض للمؤذّن حاجة يحتاج إلى الاستعانة عليها بكلام ليس من الأذان فليتكلّم به ، ثمّ يصله من حيث انتهى إليه ما لم يمتـدّ به الزمان ، ولا يجوز أن يتكلّم في الإقامة مع الاختيار (١).

وقال قدس‏سره في المقنعة أيضا : وليفتتح الصلاة ... ويقول : وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما على ملة إبراهيم ، ودين محمـد ، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما أنا من المشـركين (٢).

وقال أيضا : ويستحبّ أن يقنت في الوتر بهذا القنوت ـ وهو طو يل نقتطف منه بعض الجمل ـ : اللّهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك وآله الطاهرين ، أفضل ما صلّيت على أحد من خلقك ، اللّهم صلّ على أمير المؤمنين ووصيّ رسول رب العالمين ، اللّهم صلّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى ، وصلّ على الأئمة من ولد الحسين : علي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي ابن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والخلف الحجة عليهم‌السلام ، اللّهم اجعله الإمام المنتظر القائم الذي به ينتصر ، اللّهمّ انصره نصرا عزيزا و ... (٣).

__________________

من الاساطين كالشهيد والشيخ والعلاّمة رجحانه في الأذان ، وهذا المقدار يكفي بعد التسامح في ادلة السنن وهم يتسامحون في الحكم بالاستحباب في جملة من الموارد باقل قليل من ذلك كما لا يخفى ، قد صارت الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة من شعار الإمامية خلفا عن سلف من العلماء وطريق الاحتياط الاتيان بها رجاءً ـ ثم ذكر بحثا مشبعا عن معنى الخلافة وكيفية جعلها انظر صفحة ٢٢ إلى ٢٨ من كتابه.

(١) المقنعة : ٩٨ / الباب السابع «الأذان والإقامة».

(٢) المقنعة : ١٠٤ / الباب التاسع «كيفية الصلاة وصفتها».

(٣) المقنعة : ١٣٠ / من نفس الباب.

٢٩٣

وقال أيضا : فليقل في التشهّد والسلام الأخير : بسم اللّه‏ وباللّه‏ والحمد للّه‏ ... أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‏ وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة ، أشهد أنّ ربّي نعم الربّ ، وأنّ محمدا نعم الرسول ، وأنّ الجنة حقّ ، والنار حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ اللّه‏ يبعث من في القبور ، اللّهم صلّ على محمد وآل محمد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحم محمّدا وآل محمد ، وتحنّن على محمد وآل محمد ، كأفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت وتحنّنت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، السلام عليك أيُّها النبّي ورحمة اللّه‏ وبركاته. ويومئُ بوجهه إلى القبلة ويقول : السلام على الأئمّة الراشدين ، السلام علينا وعلى عباد اللّه‏ الصالحين (١).

وعلى ضوء ما تقدّم قد يترجّح القول بمحبوبية الشهادة الثالثة في الأذان عند الشيخ المفيد قدس‏سره ، وذلك لوجودها في التشهّد والتسليم وافتتاح الصلاة ، وللعمومات الموجودة في الشريعة ، ولأنّ ذكر عليّ عبادة لا يخلّ بالأذان ، ولكون الشيعة لا يأتون بها على نحو الجزئية ، كلّ ذلك مع معرفتك بالظروف التي كانت تحيط به رحمه‌الله.

ويمكننا بلا ترديد أن نحتمل احتمالاً معقولاً بأنّ الشيخ المفيد يفتي بجواز الشهادة الثالثة في الأذان ، ولذلك قرينتان ، بل دليلان.

الأُولى : إنّ الشهادة الثالثة كان يؤذَّن بها في عهده في الشام ، وبغداد ، ومصر ، واليمامة ، وهذا فعل مبتلىً به ينبغي على الفقيه تناوله في رسالته العملية ، لكن الشيخ المفيد سكت عنه ، وكُلُّنا يعلم بأنّ الرسائل العملية لا تسكت في الغالب عن حاجيات المؤمنين إلاّ أن تكون من أوضح الواضحات عند عموم المكلفين أو أنّها غير مبتلى بها أساسا ، أو لأن الظروف لا تسمح ببيانها ، وهذا معناه أنّ التأذين

__________________

(١) المقنعة : ١١٣ / من نفس الباب.

٢٩٤

بالولاية كان جوازه الشرعيّ من أوضح الواضحات حيث لا يمكن القول بأنّها غير مبتلى بها. نعم يمكن القول بأن المفيد كان في غنى ان يشغل نفسه باُمور جائز تركها ، وعلى كلا التقديرين فإن عدم ذكره ، له مخرج معقول ، وملخص الكلام ان موقفه لا يعني موافقته للشيخ الصدوق رحمه‌الله.

والقرينة الثانية للدلالة على الجواز هي قول السيّد المرتضى بجوازها بعد أن سُئل عنها ـ كما سيأتي ـ إذ لم نعرف موقف السيّد المرتضى في الشهادة بالولاية في الأذان وأنّه الجواز إلاّ بعد أنّ سُئل من قبل أهل الموصل ـ الّذين لم يكونوا يشكّون بجوازها وأنّ جوازها كانت عندهم من أوضح الواضحات ـ لذلك لم يسألوه عن مشروعيتها بل سالوه عن وجوبها ، والسيّد أرجعهم إلى الواضح عندهم وهو الجواز وأفتى به دون الوجوب ، ومعنى هذا الكلام ان أهل الموصل لو لم يسألوه لما وصلتنا فتواه رحمه‌الله بالجواز ، حال الشيخ المفيد مثل حال السيّد المرتضى ، فلو سُئِلَ لأجاب بالجواز خاصّة ، لأنّه معتقد أغلب الشيعة في ذاك العصر.

٢٩٥

٣ ـ الشريف المرتضى ٣٥٥ ه‍ ـ ٤٣٦ هـ

قد اتّضح من عبارة الصدوق الآنفة ، وممّا حكيناه من سيرة المتشرّعة في تلك الفترة وما بعدها أنّ الشيعة في حمص (١) ، وبغداد (٢) ، ومصر (٣) ، وحلب (٤) ، واليمامة (٥) ، والشام (٦) ، كانوا يؤذّنون بالشهادة الثالثة بعد الحيعلة الثالثة أو بعد الشهادة الثانية ، بصيغ متفاوتة دالة على الولاية ، وكان جامعها المشترك أنّ محمّدا وعليّا هما خير البشر ، لأنّ الخيريّة الملحوظة في خير العمل هي عنوان لإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين عليّ أمير المؤمنين ، والذي هو نفس رسول اللّه‏ ، وأخوه ، ووصيّه ، وخليفته من بعده ، وهو خير البشر وخير البريّة حسب تعبير الروايات المتظافرة عن المعصومين وخصوصا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الموجودة في كتب الفريقين.

والآن لنواصل امتداد هذه السيرة في عهد السيّد المرتضى رحمه‌الله لنرى بعض ملامحها ظاهرةً في شمال العراق ، وبالتحديد في مدينة ميافارقين القريبة من مدينة الموصل العراقية.

فقد سأل جمعٌ من الشيعة هناك مرجعهم وعالمهم ذا الحسبين السيّد الشريف علي بن الحسين الشهير بالمرتضى بست وستين مسألة ، وكان السؤال الخامس

__________________

(١) بغية الطلب ٢ : ٩٤٤.

(٢) نشوار المحاضرة ٢ : ١٣٣.

(٣) المصدر نفسه. وانظر المواعظ والاعتبار ٢ : ٣٤٠ ، ووفيات الأعيان ١ : ٣٧٥ ، وأخبار بني عبيد : ٥٠ ، والمنتظم ١٤ : ١٩٧.

(٤) اليواقيت والضرب ، لإسماعيل أبي الفداء : ١٣٤ تحقيق محمد جمال وفالح بكور. بغية الطلب ٦ : ٢٠٧١ ، تاريخ الإسلام ٣٨ : ١٨.

(٥) سفرنامه ناصر خسرو : ١٤٢.

(٦) البداية والنهاية ١١ : ٢٨٤.

٢٩٦

عشر منه هو :

المسألة الخامسة عشر : هل يجب في الأذان ـ بعد قول حيّ على خير العمل ـ محمّد وعليّ خير البشر؟

الجواب : إن قال : محمّد وعليّ خير البشر ، على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان ، جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ، وإن لم يكن فلا شيء عليه (١).

قبل كلّ شيء ينبغي التذكير بأنّ هذا النص يدلّ دلالة ظاهرة واضحة على أنّ الشيعة لم يكونوا قائلين ومعتقدين بأنّ صيغ ذكر الولاية في الأذان داخلة في ماهيّة الأذان وأنّها جزء واجب فيه ، بل هم كانوا في شكّ من ذلك وإلاّ لما سألوا ، وهذا معناه أنّ القول بالجزئية ليس ديدن الشيعة في ذلك العصر بل ديدنهم الذكر من منطلق المحبوبية العامة ، هذا شيء.

والشيء الآخر هو أنّ هذا بحدّ ذاته دليل على أنّ المتيقَّن عند عامّة الشيعة محبوبيّة هذا الذكر عندهم ، وأمّا وجوب ذكر الشهادة الثالثة فمشكوك عندهم وإلاّ لما سألوا السيّد المرتضى عنه ، ويترتّب على ذلك أنّ غالب الشيعة في عهد الصدوق رحمه‌الله لم يكونوا يعتقدون بوجوب الذكر لعلي في الأذان وأنّه جزء واجب داخل في ماهيته ، وإلاّ لو كانوا كذلك لما جاء من بعدهم وشكَّ في الوجوب في زمن السيّد المرتضى قدس‏سره ، فلاحظ هذا بدقّة.

والحاصل : هو أنّ هذا النص ينبئ عن عمل مجموعة من الشيعة آنذاك به ، وممارستهم له ، ووضوح مشروعيته العامة دون الخاصة لديهم ، لكنّ سؤالهم كان عن لزوم الإتيان به؟

__________________

(١) المسائل الميافارقيات المطبوع مع كتاب جواهر الفقه : ٢٥٧ المسأله ١٥ ، والمطبوع كذلك ضمن المجموعة الأولى من رسائل السيّد المرتضى ١ : ٢٧٩ المسألة ١٥.

٢٩٧

فالسيّد المرتضى رحمه‌الله أجاب وبصراحة : « إن قال : محمّد وعلي خير البشر ، على أنّ ذلك من قوله خارج لفظ الأذان جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة » ، وهذا الكلام لا يحتاج إلى توضيح وتعليق وذلك لوضوحه.

نعم قوله « وإن لم يكن فلا شيء عليه » فهو غير واضح ، إذ قد يعني رحمه‌الله أحد معنيين :

أحدهما : أنّ القائل لو قالها على أنّها جزء ماهية الأذان ومن فصوله فلا شيء عليه.

فلو صحّ هذا الاحتمال فهو دليل على أنّ السيّد المرتضى كان يعتقد بصحّة الروايات الدالّة على الشهادة بالولاية ـ والتي حكى بعضها الصدوق ـ لأنّ الإفتاء متفرّع على اعتبار تلك الروايات عنده ، وهو بمثابة القرينة الموجِبة للوثوق بصدور ما حكاه الصدوق أو روايات أُخرى عن الأئمة.

ثانيها : قد يريد السيّد المرتضى بكلامه الآنف الإشارة إلى عدم لزوم الإتيان بها ، لعدم جزئيّتها عنده ، مع اعترافه بأنّ الشهادة بها صحيحة ، أي أنّ الإنسان لو لم يأتِ بها فلا شيء عليه ، وهو مثل كلام الشيخ الطوسي الآتي عن الشهادة بالولاية.

ولو تأمّلت في سؤال السائل لرأيته محدَّدا ـ وهو الإتيان بمحمد وعلي خير البشر بعد حيّ على خير العمل ـ وهذا يفهم بأ نّهم كانوا لا يأتون بها على نحو الجزئية ولا يعتبرونها من أصل الأذان ، وهي الأُخرى لم تكن ضمن الصيغ التي أتى بها الشيخ الصدوق ، كلّ ذلك يؤكّد بأنّ أهل الموصل لا يقولون بجزئيّتها بل بمحبوبيّتها الجائزة.

إنّ فتوى السيّد المرتضى بجواز القول بـ « محمد وعلي خير البشر » هي دعم حقيقي لسيرة الشيعة في بغداد ، وشمال العراق ، ومصر ، والشام ، وإيران ، وهي من ناحية أُخرى تصريح بأنّ ما يقوله الحمدانيون والفاطميون والبويهيون ليس شعارا فقط بل هو دين وشرع أجازه الدين والأئمة ، لأ نّك قد عرفت بأنّ هذه

٢٩٨

الصيغ لا تقتصر على الزيدية والإسماعيلية بل هي شعار لدى الشيعة الإمامية كذلك.

وقد يمكننا من خلال هذا النص أن ندعم ما قلناه عن شيخنا الصدوق رحمه‌الله سابقا ، من أنّ القضيّة تدور مدار الجزئية وعدمها ، والسيّد المرتضى كما رأينا نفى ذلك على منوال الصدوق ؛ إذ أنّ السيّد المرتضى حكم بأنّ من لم يأت بها فلا شيء عليه ، وهذه قرينة على أنّ الصدوق كان يقصد باللعن القائلين بوجوب الإتيان بها على أنّها جزء ، فالملاحظ أنّ كلاًّ من المرتضى والصدوق رحمهما اللّه‏ نفيا الجزئية والوجوب ؛ إذ الوجوب ليس من دين اللّه‏ ، وهذا هو الذي دفع الصدوق لأَنْ يلعن القائلين به ، وأمّا الجواز لا بعنوان الجزئية فالمرتضى قائل به وكذلك الصدوق على ما قدّمنا!

وهو يفهم بأنّ هذه الصيغ موجودة في شواذّ الأخبار ـ وربّما في أخبار أخرى ـ والعمومات التي ذكرنا بعضها في هذا الكتاب لا المحكيّة عن روايات المفوّضة. وإنّما المفوّضة ، كانت قائلة بالوجوب بحسب أخبار موضوعة لا الجواز.

ولو كانت الصيغ الثلاث من موضوعات المفوّضة لَمَا أفتى السيّد المرتضى والشيخ الطوسي وابن البراج رحمهم اللّه‏ تعالى بجواز الإتيان بها في الأذان من دون قصد الجزئية.

وهذا يؤكّد استمرار الشيعة من بداية الغيبة الكبرى إلى عهد السيّد المرتضى في التأذين بها استنادا للروايات التي كانت عندهم ، كخبر الفضل ابن شاذان عن ابن أبي عمير عن أبي الحسن الكاظم ـ والذي مر عليك آنفا ـ المجيزة لفتح دلالة حيّ على خير العمل في الأذان وما رواه عمر بن ادينه ومحمد بن النعمان الاحول مؤمن الطاق وسدير الصيرفي عن الصادق والذي فيه بأن الملائكة سالوا رسول اللّه‏ عن علي فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتعرفونه قالوا : كيف لا وقد اخذ اللّه‏ الميثاق منا لك وله. وانا نتطلع كل يوم خمس مرات ـ اشارة إلى اوقات الصلاة ـ إلى اخر الخبر وغيرها.

٢٩٩

فالسيّد المرتضى لم يتعامل مع موضوع الشهادة بالولاية كما تعامل مع موضوع التثو يب حيث اعتبر الأوّل جائزا والثاني بدعة وحراما ، فقد قال في جواب مسالة ١٦ :

المسألة السادسة عشر : من لفظ أذان المخالفين ، يقولون في أذان الفجر : « الصلاة خير من النوم » ، هل يجوز لنا أن نقول ذلك أم لا؟

الجواب : مَن قال ذلك في أذان الفجر فقد أبدع وخالف السنّة ، وإجماعُ أهل البيت : على ذلك (١).

ففتواه ببدعية « الصلاة خير من النوم » رغم ورودها في بعض رواياتنا وفتوى بعض المتقدمين بجوازها عند التقية ، يؤكّد بأنّ موضوع الشهادة بالولاية عند السيّد المرتضى لم يكن كالتثويب ، بل أنّه رحمه‌الله بالنظر لفتواه بالجواز كان يأخذ بتلك الروايات ؛ روايات الاقتران التي تفيد المحبوبية أو التفسيرية ولا يراها بدعة ، وإلاّ لما أفتى بالجواز من دون قصد الجزئية ، بل ربّما وصلت إليه روايات أخرى في هذا المضمار.

فلو كانت الشهادة بالولاية بدعة كالصلاة خير من النوم لما قال : « جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ».

وقد قال رحمه‌الله في جواب المسائل الموصليّات أكثر من ذلك في « حي على خير العمل » الدالّة على الإمامة والولاية ، فقال :

استعمال « حي على خير العمل » في الأذان ، وان تركه كترك شيء من ألفاظ الأذان.

__________________

(١) مسائل ميافارقيات المطبوع مع كتاب جواهر الفقه : ٢٥٧ المسأله ١٦ ، والمطبوع كذلك ضمن المجموعة الاولى رسائل السيّد المرتضى ١ : ٢٧٩ المسألة ١٦.

٣٠٠