بحوث في علم الأصول - ج ٢

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي

بحوث في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: المجمع العلمي للشهيد الصدر
نسخة غير مصححة

« الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته »

الجهة الثامنة ـ واما البحث عن ثبوت الملازمة بين الوجودين الشرعيين فتفصيل الكلام في ذلك أن يقال : قد تقدم في بعض الأبحاث السابقة ان للحكم مراحل ثلاث ، مرحلة الملاك ومرحلة الحب والإرادة ومرحلة الجعل والاعتبار.

اما بلحاظ المرحلة الأولى ، فلا ينبغي ان يتوهم الملازمة بين ذي المقدمة والمقدمة في الملاك ، إذ لو فرض ان وجود ملاك في شيء يستدعي وجوده في مقدماته أيضا لزم الخلف وانقلاب الواجب الغيري إلى نفسي.

واما بلحاظ مرحلة الاعتبار والجعل ، فالصحيح فيها عدم الملازمة بين اعتبار الوجوب النفسيّ واعتبار الوجوب الغيري ، إذ ان الملازمة بينهما اما ان يراد بها الملازمة بنحو الاستتباع القهري أو يراد بها ان اعتبار الوجوب النفسيّ يحقق داعيا في نفس المولى لجعل الوجوب على مقدماته وكلاهما غير موجود.

اما الملازمة بمعنى الاستتباع القهري فانها غير معقولة في باب الجعل والإنشاء ، لأن إنشاء الجعل والاعتبار فعل اختياري مباشري للجاعل فيكون مستتبعا لمبادئه من الاختيار والإرادة لا لفعل مباشري آخر إذ الفعل المباشري من الفاعل المختار لا يكون علة لفعل مباشري اخر منه ، فإنشاء الوجوب النفسيّ لا يعقل ان يستتبع قهرا إنشاء للوجوب الغيري.

٢٨١

واما الملازمة بمعنى كونه داعيا فهو وان كان معقولا كبرويا في الأفعال المباشرية ، غير ان الداعي لجعل الحكم واعتباره اما ان يكون هو إبراز الحب والإرادة واما ان يكون تحديد مركز المسئولية وتعيين ما يدخل في عهدة المكلف فيما لو فرض ان المحبوب المولوي لم يكن بجميع مقدماته تحت قدرة المكلف بحيث يترك تحقيقه إليه كيف ما أمكنه ، وكلا هذين الداعيين غير معقول في المقام.

اما الأول : فلان الحب الغيري للمقدمة لو فرض وجوده للملازمة في مرحلة الحب والشوق فسوف يكون نفس الجعل النفسيّ كافيا في إبرازه لأن المبرز والكاشف عن الملزوم كاشف عن لازمه أيضا ، وان فرض عدم وجوده فلا وجود للمبرز كي يحتاج إلى إبرازه بالجعل والاعتبار ، فالداعي الأول غير موجود. لا يقال : يكفي ان يكون الداعي إبراز الحب الغيري لمن لم يدرك الملازمة بين الإرادتين النفسيّ والغيري.

فانه يقال : هذا ليس داعيا فعليا ملازما مع داعي جعل الأمر النفسيّ وانما هو مجرد إمكان الداعي في بعض الحالات.

هذا مضافا إلى ان الداعي المصحح للجعل والاعتبار انما هو إبراز الحب والإرادة التي تتنجز تدخل في عهدة المكلف ليترتب عليه الامتثال والإرادة الغيرية لا منجزية لها على ما تقدم.

واما الداعي الثاني : فلان تحديد مركز المسئولية وما يدخل في عهدة المكلف انما هو في المحبوب المولوي الّذي يدخل في عهدة المكلف ويتنجز عليه لا الغيري الّذي لا يتنجز عليه ولا يدخل في عهدته.

وهكذا اتضح عدم الملازمة بين الوجوب النفسيّ والغيري بحسب مرحلة الجعل والاعتبار.

واما بلحاظ عالم الشوق والإرادة فالصحيح فيه هو التلازم بين الحب النفسيّ والحب الغيري ، لأن الشوق امر تكويني وليس كالجعل والاعتبار فعلا اختيارا فيعقل ان يكون مستتبعا لأمر تكويني اخر ـ وهو ملاك الحب النفسيّ أو نفسه ـ والواقع ان تشخيص الاستتباع والتلازم بين شيء واخر لا يمكن ان يكون بالبراهين أو المصادرات العقلية وانما يكون عن طريق الاستقراء والملاحظة ، فانه لو لا ملاحظة إحراق النار

٢٨٢

بالتجربة خارجا لم يكن يعرف كونها علة له ، وفي المقام لتشخيص التلازم لا بد وان نرجع إلى الوجدان المدرك للتلازم بين إرادة الواجب النفسيّ وإرادة مقدماته ، فانه يقضي بأنه كلما أراد الإنسان فعلا أراد مقدماته تبعا أيضا ، وهذه الملازمة يقبلها حتى المنكر لوجوب المقدمة شرعا كالسيد الأستاذ غير انه أفاد خروج ذلك عن محل النزاع وان الالتزام به ليس قولا بالملازمة لأن موضوع البحث هو الملازمة بين الوجوبين.

والصحيح : انه قول بالملازمة بلحاظ ما هو المهم من البحث لا بلحاظ عالم الألفاظ ، فان البحث ليس لفظيا ولا لغاية لفظية كي يتوقف على معنى الوجوب وانه هل هو عبارة عن الاعتبار والجعل أو هو عبارة عن الشوق والإرادة ، وانما البحث والنزاع في ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته بحيث يؤدي إلى وقوع التعارض بين دليله ودليل حرمة المقدمة في بعض الصور التي تقدمت الإشارة إليها في ثمرة المسألة ، ومن الواضح ان ثبوت الملازمة بين الوجوبين بمعنى الشوقين والإرادتين مستلزم لتلك الثمرة ، حيث يستحيل اجتماع الحب والإرادة الغيرية للمقدمة مع حرمتها ، بل التعارض بين الأحكام انما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار مرحلة الإنشاء بما هو اعتبار محض ، فانه لا استحالة بين الأحكام في عالم الاعتبار الا بلحاظ ما يكشف عنه من المبادي ، واجتماع البغض والحب في امر واحد (١).

ثم انه قد استدل للملازمة بوجوه أخرى.

منها : ما يتألف من مقدمتين كبرى وصغرى : اما الكبرى فدعوى ان ما يصح في الإرادة التكوينية يصح في الإرادة التشريعية.

__________________

(١) توجد هنا ملاحظات.

الأولى ـ ان إرادة المقدمة ليست بمعنى تعلق الحب والشوق بها ، بل بمعنى تحرك الإنسان وإعمال قدرته باتجاه فعلها الّذي هو روح الاختيار وجوهره ـ خلافا لما قيل من انه عبارة عن الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات ـ وذلك لحكم الوجدان بأن لا شوق إلا اتجاه المطلوب النفسيّ فقط والّذي فيه المصلحة الملائمة مع الذات واما إرادة المقدمة فليست بأكثر من إعمال القدرة والتحرك عليها بداع عقلاني هو الوصول إلى المطلوب النفسيّ.

والمنبه الوجداني ؛ على هذا : انه لو توقف فعل واجب نفسي على مقدمة محرمة وكانا متساويين في الأهمية ولم تكن القدرة شرطا في فعلية الملاك فانه على القول بوجوب المقدمة لا بد من أن يكون فعل تلك المقدمة المحرمة حتى الموصلة منها إذا كان ملاكها مساويا مع ملاك الواجب المتوقف عليه وانما يتعامل معهما تعامل الملاكين المتزاحمين تماما كما هو في سائر موارد التزاحم بين واجب وحرام أي يحكم بمبغوضية المقدمة ومحبوبية ذي المقدمة.

والمنبه الآخر : ان الحب والبغض امران غير اختياريين للإنسان ينشئان على حد الأمور التكوينية الأخرى من ملائمة شيء مع

٢٨٣

واما الصغرى : فدعوى ثبوت الملازمة في الإرادة التكوينية بمعنى ان من أراد شيئا واشتاق إليه أراد مقدماته والصغرى هذه يمكن ان تقرب بأحد بيانين :

__________________

الذات أو منافرته معها ، فان الإنسان يحب ذاته دائما ، وحيثية المقدمية وتوقف المطلوب النفسيّ على المقدمة حيثية عقلانية تستوجب إعمال القدرة والاختيار لها من قبل العاقل المختار للوصول إلى هدفه وليست موجبة لملاءمة أخرى زائدا على المصلحة النفسيّة.

وهكذا يحكم الوجدان بان حب ذي المقدمة لا يسري إلى المقدمة بل يجتمع مع بغضها ويكون بينهما التزاحم لا التعارض.

الثانية ـ وهي الأساس ليس مجرد الحب والبغض حكما وانما واقع الحكم الإرادة التشريعية الموازية للإرادة التكوينية والتي تعني ـ على ما تقدم في بحث الجبر والاختيار ـ إعمال القدرة والسلطنة بحسب تعبيراتنا ـ أو هجمة النّفس ـ بحسب تعبيرات المحقق النائيني ( قده ) فان ما هو قوام الحكم والتكليف ان يعمل المولى إرادته على العبد وهذا مرحلة بعد الحب أو الشوق ـ لو فرض وجوده ـ وقبل الصياغة والإبراز ، والدليل الوجداني عليه : ان المولى قد يحب شيئا حبا شديدا ولكنه مع ذلك لا يريده من العبد فلا يجب على العبد امتثاله حتى لو كان عالما بحب المولى له ولو كان ذلك بإبراز من قبله ولكن لا بصدد الطلب والإرادة من العبد. وأيضا لو كان روح الحكم هو الحب والبغض لكان الحكم من الأمور التكوينية والتي قد تتعلق بالأمور المستحيلة أيضا مع وجدانية ان الحكم من مقولة الأمور الاختيارية للمولى وليس هو مجرد الشوق النفسيّ بل ولا هو مع الإظهار والإبراز ـ أي الحب المبرز ـ لوضوح ان الإبراز ليس الا كاشفا عن الحكم الّذي لا بد وان يكون له تقوم بقطع النّظر عن الإبراز والكشف وليس هنا لك شيء آخر فيما بين الحب والإبراز أو الصياغة سوى الإرادة بالمعنى الّذي أشرنا إليه.

فإذا اتضح أن حقيقة الحكم وروحه هي الإرادة التشريعية بهذا المعنى المضاهي للإرادة والاختيار التكويني لا مجرد الحب والبغض فضلا عن المصلحة والمفسدة اتضح حينئذ وجه عدم الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته فان الإرادة التشريعية بهذا المعنى كالجعل من مقولة الفعل أو إعمال القدرة أو ما ينتزع منه فيجري فيها نفس البرهان المتقدم في عدم الملازمة بين الوجوبين بحسب عالم الجعل والاعتبار.

واما التلازم في عالم الحب والشوق ـ لو سلمنا به ـ فلا يضر في المقام بمعنى انه لا يوجب تعارضا بين دليل وجوب الشيء ودليل حرمة مقدمته بعد ان عرفنا ان روح الحكم الإرادة التشريعية فان المعيار عندئذ ملاحظة الإرادة وإرادة ذي المقدمة لا تنافي كراهة مقدمته ذاتا وانما بينهما التزاحم في مرحلة الامتثال فحسب.

لا يقال ـ يقع التنافي بين المدلولين الالتزاميين لدليل وجوب ذي المقدمة ودليل حرمة المقدمة بلحاظ عالم الحب والبغض حيث يكشف الأول بالملازمة عن محبوبية المقدمة ويكشف الثاني عن مبغوضيتها واجتماعهما مستحيل ذاتا.

فانه يقال ـ بناء على ما ذكرناه لا يشترط في إيجاب شيء أو تحريمه بمعنى إرادته أو كراهته بالمعنى الّذي شرحناه للإرادة التشريعية نشوءهما عن المحبوبية والمبغوضية بالخصوص بل قد ينشئان عن مجرد الملاك بمعنى المصلحة والمفسدة.

نعم قد يدعى دلالة عرفية على ان الأمر بشيء كاشف عن محبوبيته والنهي عن شيء يكشف عن مبغوضيته الا أن مثل هذه الدلالة على تقدير التسليم بها في الخطابات الشرعية فهي ليست بدرجة بحيث توجب رفع اليد عن المدلول المطابقي للخطاب في مورد يعقل ثبوته فيه بل يؤخذ بالمدلولين المطابقيين ، ويكشفان حينئذ عن أن الأمر أو النهي في ذلك المورد نشأ أحدهما عن مجرد الملاك من المصلحة أو المفسدة على ان هذا لو سلم فهي دلالة عرفية وليست ملازمة عقلية بين الوجوبين.

الثالثة ـ لو تنزلنا عن كل ذلك فلا إشكال ان أشواق المولى بما هي أمور تكوينية لا تشتغل بها الذّمّة وانما تشتغل الذّمّة بما يسجله المولى في عهدة العبد وهذا التسجيل فعل اختياري عقلاني يتبع مقدار حفظه لأغراض المولى ودرجة قدرة المكلف عليه ولا برهان على أنه لا بد وأن يكون متطابقا موردا مع أشواقه بل الدليل على خلافه لأن المولى إذا لاحظ في مورد أن الأفيد بحاله تسجيل عمل يبغضه بالفعل أو النهي عما يحبه بالفعل لكونه أقل خسارة وتفويتا لأغراضه أقدم عليه لا محالة فالميزان في حساب التنافي بين الأحكام ملاحظة هذا العنصر الاختياري للحكم وهذا يعني ان ثبوت الملازمة في الأشواق لا يكفي لإثبات الملازمة بالمعنى المطلوب.

٢٨٤

الأول : ان من اشتاق إلى شيء اشتاق إلى مقدماته ببرهان إتيانه بها والفعل الصادر عن الفاعل المختار ما لم تتعلق به الإرادة لا يصدر منه.

الثاني : ان من أراد شيئا بالإرادة التكوينية سوف يتصدى إلى حفظه من ناحية مقدمته ، فمن أراد شرب الماء سوف يتصدى إلى حفظ مقدمته التي هي إعداده مثلا ـ ولو فرض عدم تعلق الشوق والإرادة بها ـ وهذا يقتضي انه لو إرادة تشريعيا يحفظه أيضا من ناحية مقدمته بإيجابه غيريا ، فان الحفظ في الإرادة التكوينية يكون بفعل المقدمة وفي الإرادة التشريعية يكون بإيجابه على العبد.

وهذا الدليل بكلا التقريبين للصغرى باطل.

اما التقريب الأول : فلانا لو فرضنا التشكيك في الملازمة بين الإرادتين في التشريعية فبالإمكان أن يشكك في الإرادة التكوينية أيضا ، وما أقيم كبرهان في هذا التقريب مدفوع : بان إتيان المقدمة قد يكون بنفس الإرادة التكوينية المتعلقة بذي المقدمة.

واما التقريب الثاني : فالجواب عليه ان حفظ المراد التشريعي من ناحية مقدمته كما يمكن ان يكون بإيجابها غيريا كذلك يمكن بنفس الإيجاب النفسيّ لذيها فانه يقتضي الإتيان بالمقدمة في مقام الامتثال ، سيما والإيجاب الغيري لا حافظية له لأنه لا منجزية له ولا محركية.

ومنها ـ أنه لو لم تجب المقدمة لجاز تركها ، وإذا جاز تركها فاما ان يفترض العقاب عليه أولا ، وكلاهما باطل. إذ لو فرض العقاب كان خلف الجواز ، ولو فرض عدم العقاب كان معناه انقلاب الواجب النفسيّ المطلق إلى الواجب المشروط وانقلاب مقدمة الوجود مقدمة للوجوب وهو خلف أيضا. اذن فكلا التاليين في الشرطية الثانية باطلان فلا بد وان يكون التالي من الشرطية الأولى باطلا أيضا ، فيبطل الشرط وهو عدم وجوب المقدمة ويثبت وجوبها وهذا هو الدليل المنقول في الكفاية عن أبي الحسن البصري بعد تعديله بحيث يصلح ان يكون بيانا فنيا.

وفيه : انه لو أريد من جواز الترك في الشرطية الأولى جواز ترك الوضوء مثلا بما هو وضوء فالشرطية الأولى صادقة ولكن الشرطية الثانية نسلم فيها بالعقاب ولا يكون

٢٨٥

خلفا ، إذ يكون العقاب على الترك لا بحيثية كونه تركا للوضوء بل بحيثية ما يستتبعه من كونه تركا لذي المقدمة وهو الصلاة المقيدة بالوضوء وان أريد من جواز الترك جواز الترك المطلق ومن جميع الحيثيات فالشرطية الأولى ممنوعة ، إذ لا يلزم من عدم وجوب المقدمة جواز تركها من جميع الحيثيات المستتبعة للترك.

ومنها ـ التمسك بالأوامر الخاصة الواردة في بعض المقدمات حيث يستكشف منها بالبرهان الإني ثبوت الحب والإرادة الغيرية فيها ، إذ يعلم بعدم ملاك نفسي في موردها. وإذا ثبتت الملازمة في بعض الموارد ثبتت في الكل لعدم إمكان التبعيض.

وفيه : انه ان أريد استكشاف الملازمة من تلك الأوامر بالبرهان الإني بدعوى ، انه لا علة ولا داعي للأمر بتلك المقدمات لو لا ثبوت الملازمة فهو واضح الفساد. إذ هناك داع آخر أيضا يقتضي الأمر بها وهو الإرشاد إلى مقدمتها ودخلها في الغرض من الواجب النفسيّ ، وان أريد استكشاف ذلك من ظهور الأمر في المولوية والصدور عن إرادة حقيقية فهذا الظهور غير مسلم في جميع أوامر الاجزاء والشرائط فانها إرشاد إلى الجزئية والشرطية للمركبات الشرعية لا أكثر من ذلك.

على ان الظهور المذكور انما ينفع في حق غير من حكم وجدانه بثبوت الملازمة أو عدمها ، كما لو فرض تعقل الشك في الوجدانيات التي منها المقام ولا بد من ان يفترض في هذا الشاك أيضا عدم احتماله للتفصيل في الوجوب الغيري والا لم يكن دليلا على الملازمة كما هو واضح.

وهكذا يتضح : ان الصحيح في البرهنة على الملازمة ما قلناه لا هذه الوجوه وما يضاهيها.

ثم انه قد يفصل في القول بوجوب المقدمة شرعا بين المقدمة العقلية فلا تكون واجبة وبين المقدمة الشرعية فتكون واجبة باعتبار ان المقدمية فيها متوقفة على الإيجاب الشرعي.

وفيه : ان المقدمية يستحيل ان تكون متوقفة على الإيجاب الغيري لها كي يستكشف ثبوته بها لأن الإيجاب الغيري موقوف عليها فكيف يصح ان يكون منشأ لها (١).

__________________

(١) وما أفاده المحقق الأصفهاني ( قده ) في دفع إشكال الدور من ان الإيجاب الغيري موقوف على المقدمية بلحاظ الغرض والموقوف على الإيجاب الغيري هو المقدمية بلحاظ الواجب غير تام إذ لو كان المقتضي للأمر الغيري حينئذ هو المقدمية.

٢٨٦

بل هي منتزعة من الأمر النفسيّ بالمقيد على ان المقدمة الشرعية هي مقدمة عقلية في واقعها ولا فرق بينها وبين المقدمات العقلية الأخرى من حيث المقدمية ، وانما الفارق بينهما بلحاظ ذي المقدمة ، فانه في المقدمة الشرعية يكون ذو المقدمة المقيد المأمور به لا ذات الفعل ، اما توقف المقيد على المقدمة الشرعية فعقلي لا محالة.

وقد يفصل أيضا بين المقدمة التي تكون سببا توليديا وبين غيرها ، فيقال بوجوب الأولى لاستحالة تعلقه بذي المقدمة بعد ان كان خارجا عن الاختيار وبعدم وجوب الثانية لعدم الملازمة.

وفيه ما أفيد من قبل المحققين من ان هذا ليس تفصيلا في وجوب المقدمة ، وانما هو اختيار تعلق الوجوب النفسيّ بالأسباب التوليدية لا المسببات على أساس توهم عدم القدرة عليها وهذا الأساس باطل ، لأن المقدرة المشروط بها التكليف لا يراد بها صدور الفعل عن القوة العضلية للإنسان مباشرة وانما يراد بها دخول الفعل تحت سلطنة المكلف بحيث إن شاء حققه وإن شاء لم يحققه وهذا صادق على السبب والمسبب معا.

« خاتمة »

في مقدمة المستحب والمكروه والحرام.

اما مقدمة المستحب فهي على وزان مقدمة الواجب دون كلام زائد فيها.

واما مقدمة الحرام فباعتبار ان المطلوب في الحرام هو الترك فسوف يكون الموصوف بالحرمة الغيرية مجموع مقدماته لا جميعها ـ كما في الواجب ـ أي ان يراد ترك أحدها.

وحينئذ إذا فرض ان المقدمات كانت كلها عرضية من حيث مركزها من ذيها كانت هناك حرمة واحدة على مجموعها ، أي طلب ترك أحدها تخييرا ويتعين لا محالة في ترك ما يقع في اخر السلسلة ، واما إذا كانت إحداها تقع من حيث المركز وفي التسلسل ، اخر السلسلة دائما فسوف يكون المطلوب تركها تعيينا ولا يكون طلب تخييري لترك

__________________

بلحاظ الفرض فهو مقدمية تكوينية موجودة في المقدمة العقلية أيضا وان كان المقتضي المقدمية للواجب فهو دور وإن كان المقتضي هو تحقق المقدمية للواجب ونشوؤها فان كان هذا منشأ لجعل الوجوب الغيري المتعلق بالمقدمة فهو مستحيل لأن الوجوب الغيري لا يكون الا بفرض تحقق المقدمة ووجودها خارجا والا كان واجبا نفسيا وهو خلف.

٢٨٧

أحدها ، لأن ترك المقدمة الواقعة في المرتبة السابقة يستتبع ترك تلك المقدمة لا محالة فلا وجه لطلبه ولو تخييرا فانه من طلب مجموع التركين وامتثال الحرمة غير موقوف عليهما. بل يتوقف على أحدهما ، وحيث ان أحد التركين واقع لا محالة فسوف تكون حرمة مجموع المقدمات مؤدية إلى المنع عن الأخيرة وطلب تركها تعيينا. هذه هي الكبرى.

وبنحو البحث الصغروي لا بد وان يعلم بان المحرمات الاختيارية غير التوليدية تكون من القسم الثاني دائما ، حيث يكون أحد اجزاء مجموع مقدماته هو الإرادة التي تقع في اخر السلسلة فيكون تركها هو المطلوب تعيينا. واما المحرمات التوليدية كما لو حرم إحراق المصحف مثلا وكان الإلقاء في النار سببا له ، فانه في مثل ذلك لو كانت المقدمة مجموع أمور عرضية بمعنى ان كلا منها قد يقع قبل الباقي وقد يقع الباقي قبله.

يكون الواجب ترك أحدها تخييرا ويتعين هذا المطلوب التخييري تعينا عقليا فيما ينحصر فيه واما غير المنحصر فيه فلا يطلب تركه ولا يحرم فعله ، اللهم الا من ناحية حرمة التجري وهي غير الحرمة المبحوث عنها في المقام ، فلو قصد بفعله التوصل إلى الحرام بناء على حرمة التجري على هذا المستوى حرم ذلك وهو بحث اخر.

وبهذا اتضح : ان مقدمات الحرام الاختياري ليست بمحرمة ولو ارتكب جميعها باستثناء الإرادة ، لتعين المطلوب في مثل ذلك في ترك الإرادة. نعم قد يقال بحرمتها نفسيا ـ ولو كان بملاك غيري ـ باعتبار استفادة حرمة تعريض الإنسان نفسه لمظنة ارتكاب الحرام من مثل قوله تعالى ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) بناء على ان الوقاية انما تعني ترك التعرض والابتعاد عن مقدمات الخطر لا عن الخطر نفسه وهذا أيضا بحث اخر خارج عن محل الكلام.

واما المقدمات المكروه فوزانه وزان مقدمات الحرام بلا مزيد كلام.

٢٨٨

بحوث الأمر

مبحث الضد

ـ اقتضاء الأمر للنهي عن الضد الخاصّ

ـ اقتضاء الأمر للنهي عن الضد العام

ـ ثمرة بحث الضد

ـ مبحث الترتب

ـ بعض التطبيقات للترتب

٢٨٩
٢٩٠

« اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن الضد »

وقد قسم صاحب الكفاية ( قده ) هذا البحث إلى ثلاثة فصول ، الأول في الضد الخاصّ والثاني في الضد العام والثالث في ثمرة البحث.

والضد الخاصّ للواجب هو ذلك الأمر الوجوديّ الّذي لا يجتمع معه ويكون التقابل بينهما تقابل التضاد ، بينما الضد العام هو ما يكون التقابل بينه وبين الواجب بالسلب والإيجاب أي النقيض.

٢٩١
٢٩٢

الفصل الأول

« الضد الخاصّ »

في البحث عن اقتضاء الأمر للنهي عن الضد الخاصّ ، ولا ينبغي الإشكال في أن الأمر بشيء يقتضي سقوط الإيجاب المطلق لضده الخاصّ والا كان من طلب الضدين مطلقا وهو غير معقول. نعم هناك بحث في انه هل يمكن طلب ضده مقيدا بعدم الاشتغال بالواجب بنحو الترتب أم لا يمكن ذلك أيضا؟ وسوف يأتي توضيحه في محله.

وانما الكلام في انه إضافة إلى ذلك هل يقتضي حرمته أم لا؟ ولا بد وان نفترض في هذا البحث الفراغ عن اقتضاء الأمر بشيء لحرمة ضده العام لأن جملة من الاستدلالات والبراهين لإثبات الحرمة موقوفة على التسليم بذلك كما سوف يتضح.

وهنا لك مسلكان لإثبات حرمة الضد الخاصّ.

الأول : مسلك التلازم وهو موقوف على ثلاث دعاوى.

الأولى : ان كل ضد ملازم مع عدم ضده الاخر.

الثانية ـ ان المتلازمين وجودا متلازمان في الحكم أيضا.

الثالثة ـ ان الأمر بشيء يقتضي النهي عن نقيضه ـ ضده العام ـ.

فلو تمت هذه الدعاوي جميعا ثبت لا محالة حرمة الضد. فالصلاة مثلا المضادة مع

٢٩٣

الإزالة الواجبة ، ملازمة مع عدمها بحكم المقدمة الأولى فيكون هذا العدم واجبا بحكم الثانية فيحرم النقيض وهو نفس الصلاة بحكم الثالثة.

والدعوى الأولى بديهية بحسب فرض التضاد فان امتناع اجتماعهما يجعل كل ضد ملازما مع عدم ضده وهذا تام حتى فيما إذا لم ينحصر الضد في الواجب بل كان هنالك ضد ثالث إذ الواجب ملازم لا محالة مع عدم كل تلك الأضداد ـ وان لم يكن عدم الضد ملازما مع الواجب لو كان هنا لك ضد ثالث ـ والدعوى الثالثة سوف يقع الحديث عن مدركها في البحث القادم ، وانما المهم هو الدعوى الثانية أي التلازم بين المتلازمين وجودا في الحكم أيضا فان هذه الدعوى لا وجدان عليها ولا برهان. نعم لو تم ما تقدم في مقدمة الواجب من انه لو لم تجب المقدمة لجاز تركها وحينئذ إن كان على تركها عقاب كان خلف الجواز والا انقلب الواجب المطلق مشروطا لاتجه ذلك في المقام أيضا حيث يقال : لو لم يجب ملازم الواجب لجاز تركه وحينئذ لو كان في تركه العقاب كان خلف الجواز والا انقلب الواجب المطلق الملازم مشروطا بفعل ملازمه المساوق مع حصول نفسه وهو محال ، لكنك عرفت عدم صحة مثل ذلك الدليل.

فهذا المسلك لإثبات حرمة الضد الخاصّ غير تام.

الثاني ـ مسلك المقدمية وهو أيضا موقوف على التسليم بدعاوي ثلاث.

الأولى ـ توقف كل ضد على عدم الضد الاخر.

الثانية ـ وجوب مقدمة الواجب.

الثالثة ـ حرمة الضد العام للواجب.

وبناء على تماميتها يتم حرمة الصلاة الضد الخاصّ للإزالة الواجبة إذ وجوبها يستلزم وجوب عدم الصلاة الدعويين الأوليتين ووجوبه يستلزم حرمتها بحكم الثالثة.

والدعوى الثانية قد تقدم البحث عنها فيما سبق ، كما ان الدعوى الثالثة يأتي تحقيقها فيما يأتي ، وانما الّذي ينبغي الحديث عنه هنا تحقيق حال الدعوى الأولى أعني مقدمية عدم الضد للضد الاخر.

والحديث عنها تارة : في تقريبات إثبات هذه المقدمية ، وأخرى : في البراهين التي

٢٩٤

أقاموها لإبطال المقدمية ، فهنا مقامان. اما المقام الأول فيمكن ان يستدل على المقدمية بوجوه :

الأول ـ دعوى التوقف لكل ضد على عدم ضده باعتبار التمانع والتنافي بينهما في الوجود.

وهذه الدعوى بهذه الصيغة الساذجة يكفي في ردها ما في الكفاية من انه لو كان مجرد التنافي في الصدق مستلزما للتوقف لكان الأمر في النقيضين كذلك أيضا وللزم توقف كل نقيض على رفع النقيض الاخر وهو مستحيل لأن رفع النقيض الاخر هو عين الأول فيكون من توقف الشيء على نفسه.

اللهم الا ان يدعي صاحب هذا الوجه في مقام التخلص عن هذا النقض بان التمانع والتنافي الّذي يحفظ فيه التغاير بين رفع أحد المتنافيين مع المنافي الاخر هو الّذي يستوجب التوقف والمقدمية غير ان هذا سوف يكون مجرد دعوى ومصادرة.

الثاني ـ ان كل ضد لو لم يكن متوقفا على عدم ضده الاخر لزم إمكان تحقق علته التامة مع فرض وجود ذلك الضد وهذا يلزم منه المحال إذ لو فرض وجود العلة التامة للضد فان فرض تأثيره في إيجاد معلوله وهو الضد لزم اجتماع الضدين والا لزم تفكيك العلة التامة عن المعلول وكلاهما مستحيل فلا بد وان يتوقف وجود كل ضد على عدم الضد الاخر.

وفيه : ان غاية ما يثبت بهذا التقريب ان العلة التامة للضد لا تجتمع مع الضد الاخر لا توقف الضد على عدم الضد الآخر فلعله متوقف على عدم علة الضد الاخر.

الثالث ـ دعوى مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الاخر بالطبع لا في رتبة الوجود أو زمانه ، فان التقدم قد يكون بالزمان كتقدم الموجود في الزمان الأول على الموجود في الزمان الثاني ، وقد يكون بالوجود كتقدم العلة التامة على معلولها ، وقد يكون بالطبع ، وقد فسر المتقدم بالطبع في الحكمة بأنه عبارة عن الّذي يكون موجودا كلما فرض وجود المتأخر بالطبع دون العكس وقالوا ان هذا يكون بين الماهية واجزائها فالحيوانية ؛ متقدمة بالطبع على الإنسان إذ كلما فرض الإنسان كان الحيوان موجودا ، ويكون أيضا بين المقتضي ومقتضاه دون العكس إذ كلما فرض وجود المقتضى كان

٢٩٥

المقتضى موجودا أيضا دون العكس ، وموجودا أيضا بين الشرط والمشروط إذ كلما وجد المشروط كان الشرط أيضا دون العكس وفي المقام كلما وجد الضد كان عدم الضد الاخر ثابتا لا محالة دون العكس إذ قد يوجد عدم الضد من دون وجود الضد الأول.

وفيه : ان المقدمية الطبعية لا تكون ملاكا للوجوب الغيري وانما الملاك له على ما أشرنا إليه في بحث مقدمة الواجب انما هو التوقف في الوجود ، والتقدم بالطبع لا يلزم ان يكون كذلك فان ملازمات المتقدم بالوجود تكون متقدمة على ذي المقدمة بالطبع ولكنها ليست مقدمات له كما هو واضح. وبهذا يعرف عدم صحة حصر المقدم بالطبع في الثلاثة التي ذكروها بل يجري في ملازمات اجزاء العلة أو اجزاء الماهية مع المعلول أيضا. وهكذا يتضح عدم تمامية شيء من تقريبات هذا المسلك.

ثم انه ربما يطبق هذان المسلكان في المقام بنحو آخر غير ما تقدم أي من طرف فعل الضد الخاصّ وملازمته مع عدم الواجب لا من طرف الواجب وملازمته مع عدم الضد الخاصّ.

وتوضيح ذلك اما بناء على مسلك الملازمة فبان يقال : ان الأمر بالإزالة يقتضي حرمة ضدها العام وهو تركها الملازم مع الصلاة ـ الضد الخاصّ ـ فبناء على القول بالسراية يحرم الضد الخاصّ لا محالة.

ونوقش في هذا التطبيق بأنه لا يتم في الضدين اللذين لهما ثالث إذ لا يكون عدم الإزالة حينئذ ملازما مع الصلاة كي تسري حرمته إليها.

وهذا النقاش يمكن الإجابة عليه بأحد وجوه :

الأول ـ ان عدم الإزالة له حصتان إحداهما ملازمة مع الصلاة والأخرى ملازمة مع الضد الثالث فإذا حرم عدم الإزالة سرت الحرمة إلى كلتا الحصتين باعتبار انحلالية الحرمة فتحرم الحصة الملازمة مع الصلاة فتحرم الصلاة.

وفيه : ان الإطلاق انما هو رفض القيود لا الجمع بينهما ومعه لا يكون انطباق الجامع على الحصة المقرونة بالصلاة موجبا لكون تلك الحصة بما هي تلك الحصة محرمة كي تسري إلى الصلاة بالملازمة فتبقى الحرمة على الجامع بين الحصتين. بل دعوى سريان الحرمة وانحلالها على الحصص غير معقولة في المقام لأنه لو أريد انحلالها على عدم

٢٩٦

الإزالة المقيد بالصلاة فهو غير معقول لما قلناه من ان الإطلاق ليس جمعا للقيود وان أريد انحلالها على ذلك بغض النّظر عن تلك القيود فلا يعقل التحصيص حتى ينحل الحكم على الحصص.

الثاني ـ ان عدم الإزالة وان لم يكن ملازما مع الصلاة إذا كان في البين ضد ثالث ولكن الصلاة ملازمة مع عدم الإزالة لاستحالة اجتماع الضدين وحينئذ لو فرض عدم حكم للصلاة أصلا كان خلف قانون عدم خلو الواقعة عن حكم ، ولو فرض انها ذات حكم غير الحرمة لسرى بقانون الملازمة إلى عدم الإزالة المحرم بحسب الفرض فيكون من اجتماع الحكمين المتضادين فيتعين ان تكون محكومة بالحرمة وهو المطلوب.

وهذا الجواب موقوف على افتراض عدم خلو الواقعة عن حكم ولو فرض عدم لزوم تحير المكلف في وظيفته كما في المقام ، حيث ان المفروض وجوب الإزالة الّذي لا يتحقق خارجا إلا مع ترك الصلاة ، فسواء كان للصلاة حكم بالحرمة أم لا لا يؤثر ذلك في حال المكلف ووظيفته ، أو كان المدعى ان مصب الملازمة بين حكم شيء وحكم لازمه انما هو عالم الحب والبغض لا الجعل والإنشاء وفي مرحلة الحب والبغض يستحيل ان لا يكون للصلاة أحد المبادي الخمسة للأحكام فيسري إلى عدم الإزالة ، نعم إذا كان دليل سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى ملازمه من سنخ ما تقدم في بحث المقدمة من انه إذا لم تجب لجاز تركها ولو جاز تركها لزم التكليف بغير المقدور أو خروج الواجب المطلق إلى الواجب المشروط أمكن ان يستظهر ان المحذور انما يلزم من الجواز الّذي هو أحد الأحكام الخمسة لا مجرد كون الشيء بحسب المبادي غير واجب.

الثالث ـ ان عدم الإزالة ملازم للجامع بين الصلاة والضد الثالث ، سواء كان هذا الجامع انتزاعيا أو حقيقيا فانه على كل تقدير عنوان ملازم قابل لتعلق الحكم به فتسري الحرمة منه إلى ذلك الجامع وبالانحلال تكون الصلاة محرمة.

واما بناء على مسلك المقدمية فيقال : ان الأمر بالإزالة يستوجب حرمة عدمها ـ الضد العام ـ وفعل الصلاة ـ الضد الخاصّ علة له باعتبار ان عدم الضد إذا كان

٢٩٧

مقدمة كان وجوده يعني انتفاء أحد اجزاء العلة وهو علة تامة لانتفاء المعلول فيحرم لا محالة.

ثم انه ربما يسلك طريق آخر لإثبات حرمة الضد لا يحتاج فيه إلى كبرى النهي عن الضد العام للواجب وذلك بان يقال ابتداء : ان الفعلين المتضادين في الوجود الخارجي يلزم ان يكون هناك تضاد بين حكميهما بنحو مناسب لسنخ التضاد الموجود بينهما ، فإذا كان وجود أحدهما موجبا لامتناع الاخر ينبغي ان يكون إيجاب أحدهما مستلزما للمنع عن الاخر أيضا الا ان هذه الدعوى لم يدعها أحد بخلاف المسلكين المتقدمين كما انه لا برهان ولا وجدان يقتضيها.

المقام الثاني ـ في البراهين التي أقيمت أو يمكن ان تقام لإبطال توقف أحد الضدين على عدم الاخر وهي عديدة :

البرهان الأول ـ ويتألف من مقدمتين :

الأولى ـ ان مقتضي الضد إذا كان مساويا أو أرجح من مقتضي الضد الاخر فهو مانع عنه وذلك ببرهان : انه لو اجتمع المقتضيان معا ـ وهو امر ممكن إذ لا تضاد بينهما بحسب الوجدان كما سوف يتضح أكثر بما يأتي في البراهين القادمة وكانا بدرجة واحدة من حيث الفاعلية والتأثير فأما ان يفترض تأثيرهما معا أو يفترض تأثير أحدهما دون الآخر أو يفترض عدم تأثيرهما وعدم وجود شيء من الضدين. لا مجال للأول لأنه يستلزم اجتماع الضدين ، ولا للثاني لأنه ترجيح أحد المتساويين على الاخر دون مرجح وهو محال ، فيتعين الثالث وهو يعني مانعية المقتضي المساوي لأحد الضدين عن الضد الاخر. إذا لا يوجد غيره ما يمكن ان يكون مانعا في هذا الفرض والمانع لا بد وان يكون موجودا لكي يمكن ان يستند المنع إليه.

وإذا صح هذا في المقتضي المساوي في درجة الفاعلية مع مقتضي الضد الاخر فهو صادق أيضا فيما لو كان أرجح منه وأشد فاعلية.

الثانية ـ ان نفس الضد لا يكون مانعا ولو في عرض مانعية مقتضية وذلك باعتبار ان منعه عن الضد الاخر إن كان قبل وجوده فهو مستحيل إذ المانعية فرع وجود المانع ، وإن كان بعد وجوده ، فوجوده موقوف على تمامية مقتضية الّذي يعني

٢٩٨

وجود ذات مقتضية وان يكون راجحا على مقتضى الضد الاخر لو كان كي يكون مانعا عن تأثيره بحكم المقدمة السابقة ، وهكذا يعرف ان وجود الضد موقوف على تحقق المانع عن الاخر فيستحيل ان يكون مانعا عنه بمعنى ان يكون في طول ذات مقتضية وفي طول مانعية مقتضية بل راجحيته أيضا إذ لو لا مانعيته عن تأثير المقتضى للضد الاخر لوجد الضد الاخر فامتنع وجود الأول اما لوجود مانعه أو لوجود الضد ولو لا راجحيته بل مساواته لما وجد شيء من الضدين على ما تقدم في المقدمة الأولى فإذا كان وجود أحد الضدين في طول امتناع الآخر واستحال ان يكون مانعا عنه أو ان يكون مؤثرا في إعدامه فان العلة انما تتعقل في حق ما يكون ممكنا في مترتبة وجودها لا ما يكون واجبا أو ممتنعا في تلك المرتبة. وهكذا يتم هذا البرهان والّذي يتخلص في أن معقولية اجتماع مقتضي الضدين مع عدم تحقق شيء منها دليل على مانعية كل من المقتضيين المتساويين عن وجود الضد الآخر ومعه يمتنع ان يكون الضد مانعا عن ضده لأن وجود الأول فرع ممنوعية الثاني في الرتبة السابقة (١).

البرهان الثاني ـ ما نسبه في التقرير إلى السيد الأستاذ كتفسير لعبارة الكفاية وهو وإن خالف مع الوجه الّذي جعله المحقق الأصفهاني ( قده ) تفسيرا لعبارة الكفاية الا انا نذكر كل منهما كبرهان على الاستحالة قاطعين النّظر عن كيفية تفسير عبارة صاحب الكفاية ( قده ) وحاصل هذا الوجه : ان الضد لو كان متوقفا على عدم الضد الاخر لكان متأخرا عن ذلك رتبة والتالي باطل لوجود البرهان على ان عدم الضد في رتبة الضد وليس في رتبة متقدمة عليه فيثبت بطلان المقدم وعدم التوقف (٢).

والبرهان انه اما ان يفرض ان الضد الاخر ثبوته في رتبة الضد الأول أولا فان كان في رتبته لزم ثبوت الضدين واجتماعها في رتبة واحدة وهو مستحيل كاجتماعها

__________________

(١) الظاهر ان هذا البرهان موقوف على إمكان افتراض وجود المقتضيين المتساويين للضدين خارجا وهذا لا دليل عليه بل على عدم إمكانه دليل ، لأن ارتفاع الضدين أيضا محال فلا بد من وجود أحدهما وهذا يعني لا بدية أقوائية مقتضي أحد الضدين ورجحانه على الآخر هذا في الضدين اللذين لا ثالث لهما واما إذا كان لهما ثالث فيمكن ارتفاعهما ووجود الثالث الا ان الخصم يدعي هنا ان الثالث هو المانع عن الأول والثاني.

(٢) محاضرات في أصول الفقه ، ج ٣ ، ص ٢٠ ـ ٢٢.

٢٩٩

في زمان واحد ، وان فرض عدم ثبوته في رتبة ثبوت الضد الاخر كان عدمه ثابتا فيها لا محالة لاستحالة ارتفاع النقيضين فكان كل ضد متحدا رتبة مع عدم ضده الاخر فيستحيل توقفه عليه.

ثم أشكل على هذا الوجه بان التنافي بين الأضداد انما هو بلحاظ عالم الوجود الخارجي واجتماعها في زمان واحد لا بلحاظ عالم الرتب ، ولذلك نجد استحالة اجتماع الضدين خارجا في زمان واحد ولو فرض تغايرهما رتبة كما لو فرض أحدهما في طول الاخر وعلة له.

والواقع ان هذا الجواب وقع فيه الخلط بين مسألتين ومعنيين للقول باستحالة اجتماع الضدين في رتبة واحدة كاستحالة اجتماعهما في زمان واحد ، فانه تارة : يراد بذلك انه يشترط في استحالة اجتماع الضدين وحدة الرتبة كما يشترط وحدة الزمان والمكان مثلا ، وهذه الدعوى بحسب الحقيقة تضييق في دائرة الاستحالة حيث ترجع إلى دعوى ان استحالة اجتماع الضدين في زمان واحد مشروط بوحدة رتبتهما واما لو كان أحدهما في طول الاخر جاز الاجتماع ، وأخرى : يراد بذلك ان ثبوت الضدين في رتبة واحدة كثبوتهما في زمان واحد مستحيل وهذه الدعوى على عكس سابقتها توسعة لدائرة الاستحالة بين الضدين وإسرائها لعالم الرتبة أيضا الّذي هو عالم التحليل العقلي ، فكما يقال مثلا انه يستحيل ثبوت العلة والمعلول في رتبة واحدة كذلك يستحيل ثبوت الضدين ، وهذه الدعوى هي المقصودة في البرهان فلا يمكن ردها باستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد ولو كان طوليين إذ هو يسلم بذلك ويدعي الزيادة عليه في الاستحالة ، كما لا يصح دعوى ان التنافي بين الأضداد انما هو بلحاظ عالم الوجود الخارجي والزمان دون الرتب فان العلة والمعلول لا يجتمعان في رتبة واحدة بمعنى انه يستحيل ثبوتهما معا في رتبة بلحاظ عالم التحليل العقلي فالتضاد في عالم الرتب أيضا معقول كعالم الوجود الخارجي.

والحري حينئذ ان نبين المغالطة التي احتواها الوجه المذكور فنقول : المراد باجتماع الضد مع ضده في رتبة واحدة يمكن ان يكون أحد معنيين.

الأول ـ كونهما توأمين ومعلولين لعلة واحدة.

الثاني ـ عدم كون أحدهما في طول الاخر بمعنى انه لا علية بينهما سواء كانا

٣٠٠