جواهر الكلام - ج ٢٣

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٢٣

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي

المحقق: الشيخ علي الآخوندي المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار إحياء التراث العربي
نسخة غير مصححة

المطالبة بالقيمة التي لم يجر عليها عقد ، ولا دليل عليها ، خلافا للتحرير والتذكرة ومحكي المبسوط والقاضي وغاية المرام ، بل ربما لاح من الأخير عدم الخلاف فيه ، فيجبر على دفع قيمة العراق ولم نعرف له وجها ، سوى ما سمعته في السلم وسمعت بطلانه ، وللمختلف فيجب دفع المثل بالمطالبة ، فإن تعذر فالقيمة بسعر العراق ، وكأنه مبني على منع الانصراف المزبور ، كما مال إليه في الحدائق ، إلا أن المتجه حينئذ القيمة في ذلك الوقت.

وعلى كل حال فضعفه واضح ، وخبر سماعة (١) « سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل لي عليه مال فغاب عني ، فرأيته يطوف حول الكعبة ، فأتقاضاه؟ فقال له لا تسلم عليه ولا ترعه حتى يخرج من الحرم » مع أنه لم يعلم كونه قرضا أو غيره ، إنما هو مساق لبيان حرمة الحرم ، على أن له المطالبة في غير ذلك المكان ، بالتأدية في بلد القرض ، وربما كان هاربا منه. فتأمل.

وإن كان الطعام غصبا وقد تلف فعن المبسوط والقاضي أنه لم يجب عليه دفع المثل لو طالبه به في غير بلد الغصب وإن لم يكن فيه مانع السلم جاز له دفع القيمة بسعر العراق مثلا لا القيمة وقت الإعواز ، بل يجبر عليها مع المطالبة وفيه أن الأشبه‌ بعموم « من أتلف » (٢) و « على اليد » (٣) وغيرهما ، جواز مطالبة الغاصب بالمثل حيث كان وإن تعذر فليطالبه بالقيمة الحاضرة عند الإعواز لأنه وقت الانتقال إليها ، فما في المختلف ـ من أنه يجبر على دفع المثل فان تعذر فقيمة بلد الغصب ، نحو ما سمعته عن المبسوط في القيمة ، لأنه غصبه هناك ،

__________________

(١) الوسائل الباب ٢٦ من أبواب الدين الحديث ١.

(٢) قاعدة مستفادة من مضامين الاخبار ومن أراد الاطلاع على مداركها فليراجع القواعد الفقهية ج ٢ للسيد البجنوردى.

(٣) سنن البيهقي ج ٦ ص ٩٠ وكنز العمال ج ٥ ص ٢٥٧.

١٨١

فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمته فيه ـ كما ترى.

المسألة السادسة : لو اشترى عينا بعين ، وقبض أحدهما ثم باع ما قبضه وتلفت العين الأخرى في يد بائعها بعد البيع الثاني بطل البيع الأول من حينه ، لحصول التلف قبل القبض ولا سبيل إلى إعادة ما بيع ثانيا لوقوعه مصادفا للملك ضرورة كون الفسخ بالتلف من حينه بل يلزم البائع قيمته لصاحبه إن كان قيميا ، كما لو كان تالفا ، بل الظاهر عدم وجوب فسخ البيع الثاني عليه لو كان له خيار مثلا ، مع احتماله كالهبة قبل التصرف ، وعلى الأول ، فلو فسخ بعد دفع القيمة أو قبلها ، ففي وجوب دفع العين عليه وجه قوي ، لأنه وإن كان للفسخ مدخل في الملك من حينه ، إلا أن المملك الأول له قد انفسخ ، ففسخ العقد الثاني يرجعه على مقتضى العقد الأول الذي فرضنا انفساخه ، فيعود الملك إلى مالكه الأول بمجرد فسخ العقد.

نعم لو كان انتقاله إليه بعقد جديد كهبة ونحوها ، اتجه عدم وجوب دفع العين عليه ، ويحتمل عدم الوجوب خصوصا لو كان قد دفع القيمة التي هي بمنزلة العوض عنه ، بل وإن لم يدفعها ، بناء على أن دخوله في الملك بالفسخ بمنزلة الملك الجديد. فتأمل جيدا

وكيف كان فهل المعتبر قيمته يوم البيع ، أو يوم تلف العين الأخرى؟ يحتمل الأول ، لأنه وقت تعذر المثل ، والثاني لأن القيمة حينئذ لم تكن لازمة للبائع ، وإنما لزمت بتلف العين الأخرى ، الموجب لبطلان العين ، وهو الأجود ، ولو جهل تاريخ كل من البيع الثاني ، والتلف ، اتجه البطلان ، بناء على أن مقتضى تعارض الأصلين الاقتران الذي لا ريب في البطلان مع تحققه ، وأما إذا قلنا بعدم الاقتران ، وأن الأصل يقتضي عدمه أيضا ، فيمكن الصحة تمسكا بأصالتها الناشئة من إطلاقات البيع وعموماته فتأمل. والله أعلم.

١٨٢

( النظر الرابع : في اختلاف المتبايعين )

لكن ينبغي أن يعلم أولا أنه إذا عين المتبايعان نقدا مخصوصا أو عروضا كذلك وجب الوفاء بما عيناه في العقد وإن أطلقا النقد مثلا ، وكانا من أهل بلاد واحدة انصرف إلى نقد البلد فـ ( إن ) لم يكن فيه إلا نقد واحد أو كان فيه نقد غالب صح قطعا ، إذا وقع العقد في بلدهما المنصرف فيه إليه ، ضرورة كون الانصراف من التعيين ، بل وإن كانا في غيره ، ترجيحا لعرف المخاطبين على مكان الخطاب ، ولو انضم عرف بلد العقد إلى أحدهما دون الأخر ، أمكن ترجيحه عليه ، سيما إذا كان البائع الذي يمكنه ترجيح عرفه على المشتري إذا وقع العقد في محل لا يعضد أحدهما ، لأن ابتداء الخطاب منه والمشتري قابل للمراد من خطابه على الظاهر واحتمال ـ الخروج عن عرفهما معا ، لاختلافه ، والرجوع إلى بلد العقد إذا فرض فيه نقد غالب ـ ضعيف ، وقد تحقق في الأصول في بحث تقديم عرف المخاطب على المتكلم أو العكس ، ما يشهد للمقام في الجملة ، وإن كان يمكن الفرق بينهما ، ولذا كان الأولى التعيين في المقام المقصود منه ذكر ما يرتفع به النزاع والشقاق في جميع صور الاختلاف المزبورة ، ولا ينبغي الاعتماد على مطلق الظن فيه.

وكيف كان فـ ( إ ) ن لا يحصل تعيين ولا غلبة ونحوهما مما يكفى ، فيه كان البيع باطلا للجهالة إلا إذا علم كل منهما قصد الأخر فإنه يكفي ، إذ احتمال الذكر تعبدا لقطع النزاع ضعيف ، وأضعف منه ما عن الأردبيلي من احتمال الصحة إذا تساوت النقود ، إن لم يكن خلاف الإجماع ، مع أنه لم نجده لغيره ، وخلاف علم الهدى والشيخ فيما حكي عنهما في المشاهدة وكفايتها مقام آخر ، كالمحكي‌

١٨٣

عن ابى علي من تجويزه البيع بسعر ما باع ، ودعوى الملازمة يمكن منعها ، فانحصر التأمل فيه ، مع احتمال أن يريد ما يحكى عن بعضهم من صحة البيع إذا تعددت النقود ، وتساوت في القدر والقيمة والمالية ، وإن اختلفت الافراد بحسب الرغبة ، فإن القول به حينئذ لا يخلو من قوة إن لم يؤد التفاوت إلى الغرر والجهالة والنزاع والمشاجرة ، ولم يعلق البيع بالمشترك اللفظي. مريدا به مفهوم أحدهما على جهة الترديد لعدم معقولية الملك على هذا الوجه ، ومن ذلك كله يعلم الحال في الذرع والكيل وكذا الوزن ولو تعارف ذرع غير بلد العقد فيها ، أو وزنها ، أو كيلها لمبيع خاص ، انصرف اليه فيها من العالم بالحال ، وإلا بطل العقد مع اختلاف القصد ، ويقدم قوله في الجهل بذلك ، إذا لم يكن هناك ظاهر ينفيه ، وإلا تعارض الأصل والظاهر.

وكيف كان فـ ( إن اختلفا ) أى المتبايعان فهيهنا مسائل : الأولى : إذا اختلفا في قدر الثمن سواء كان في الذمة ، أو معينا في وجه تسمعه إنشاء الله تعالى ، ( فـ ) ادعى البائع زيادته ، والمشتري عدمها ، كان القول : قول البائع مع يمينه إن كان المبيع باقيا ، وقول المشتري مع يمينه إذا كان تالفا على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل عن ظاهر الغنية وكشف الرموز الإجماع عليه ، بل هو صريح محكي الخلاف ، وآخر مبحث الشرائط من السرائر ، وإن أنكره في موضع آخر منها غاية الإنكار ، لكن عن كشف الرموز أن المناقضة منه ليس ببدع ، ويدل عليه مضافا إلى ذلك ، مرسل البزنطي (١) الذي رواه المشايخ الثلاثة عن أبى عبد الله عليه‌السلام « في الرجل يبيع الشي‌ء فيقول المشتري : هو بكذا وكذا ، بأقل مما قاله البائع ، القول قول البائع إذا كان الشي‌ء قائما بعينه ، مع يمينه » المنجبر بما سمعت ، بل عن إيضاح النافع أن الرواية مقبولة عند أهل الحديث.

وعن الكفاية أنها مشهورة ومتكررة في الكتب معمول بها بين الأصحاب ، مع‌

__________________

(١) الوسائل الباب ١ من أبواب أحكام العقود الحديث ١ ـ ٢.

١٨٤

ما عن عدة الشيخ من أن البزنطي لا يروي إلا عن ثقة ، وكشف الرموز أن الأصحاب عملوا بمراسيل البزنطي ، والرواية مقبولة عند أهل الحديث ، فلا مناص عن العمل بها منطوقا ومفهوما ؛ خصوصا بعد تأيدها في الجملة ، بإطلاق‌ الصحيح (١) « فإن اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا » الظاهر في بقاء العين أيضا ، والنبوي (٢) « إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع ، والمبتاع بالخيار » وبما أرسله في الخلاف من أخبار الفرقة ، والمناقشة في مفهومه ـ بأنه أعم من كون القول قول المشتري مع التلف ، لإمكان التحالف ـ يدفعها بعد أن كان دعوى أنه خلاف المنساق الإجماع المركب إن لم نقل انه مقتضى الأصل ، وإلا كنا في غنية عن المفهوم كما أنا في غنية بما عرفت من الخبر المنجبر بالعمل ، عن تكلف جريان ذلك على القواعد بوجوه تصلح مؤيدة للدليل لا دليلا ، لوضوح عدم تماميتها ، كما لا يخفى على من لاحظها.

ومن ذلك ظهر لك أن ما عن الإسكافي ـ من تقديم قول البائع إن كانت في يده لكن للمشتري الخيار ، وقول المشتري إن كان العكس ، أو أحدث بها حدثا إذ هو يؤيد أيضا ، وربما حكي عن أبى الصلاح وإن كنا لم نتحققه ، بل لعل المحقق خلافه ـ في غاية الضعف لما عرفت على أنه مع قطع النظر عنه غير موافق للضوابط ، وإن احتجوا له ، بأنه إذا كان في يد البائع ، فالمشتري يريد انتزاعه من يده ، فالقول قوله ، بخلاف ما لو كان في يد المشتري ، فان البائع حينئذ يدعي زيادة على ما أقر به المشتري ، والأصل عدمها ، لكنه كما ترى ، ضرورة عدم أثر ليد البائع بعد اعترافه بأنها يد أمانة ، والمشتري بعد اعترافه بأنها مبنية على يد البائع ، وكذا ما عن بعضهم ـ من أن القول قول المشتري بيمينه ، لانه منكر للزيادة المدعاة بعد اعتراف البائع بأن العين ملكه ، فهو كمن ادعى عليه بماءة مثلا فاعترف بخمسين ، إلا أنه لم نعرف قائله ، قبل الفاضل‌

__________________

(١) الوسائل الباب ١١ ـ من أبواب أحكام العقود الحديث ١ ـ ٢.

(٢) سنن البيهقي ح ٥ ص ٣٣٢.

١٨٥

في المختلف ، بل في المسالك « لم يذكره أحد من أصحابنا في كتب الخلاف ، وذكره العلامة في القواعد احتمالا ، وحكاه في التذكرة عن بعض العامة وقواه ، لكن الذي يظهر أنه أقوى الأقوال إن لم يتعين ، العمل بالأول نظرا إلى الخبر والإجماع ، غير أن فيهما ما قد عرفت » قلت : بل إليه يرجع ما في المختلف وإن أطال فيه إلا أنه لا يخفى عليك ضعفه في خصوص المقام لما سمعت.

نعم لا بأس به في غيره لو أبرزت الدعوى باشتغال الذمة بالزائد وإنكاره ، أما لو أبرزت في تشخيص سبب الشغل بحيث يكون الاستحقاق تبعيا ، فقد يمنع تقديم قول المشتري فيه ضرورة كون كل منهما مدعيا ومنكرا ، ففي المقام مثلا يدعي البائع أن ما وقع ثمنا في عقد البيع المخصوص ماءة والمشتري خمسون ، فنزاعهما في تشخيص العقد المشخص في الواقع ، ولا ريب في كون كل منهما مدعيا فيه ومنكرا ، ولعله لذا احتمل التحالف الفاضل في كثير من كتبه ، بل عن ولده أنه صححه ، والشهيد الأول اختاره في قواعده ، وإن نسبه في دروسه إلى الندرة.

بل مال إليه هنا في جامع المقاصد قال ما حاصله : إن البائع لما لم يكن اعترافه بالملك مطلقا ، بل كان على وجه إن ثبت ، ثبت به الثمن المخصوص ، كان منكرا لما يدعيه المشتري أيضا ، ومدعيا عليه ثمنا مخصوصا اقتضاه عقد آخر ، والمشتري ينكره ويدعي عليه ثمنا مخصوصا اقتضاه عقد آخر ، فلا قدر مشترك بينهما محقق قد اتفقا عليه ، كي تتوجه الدعوى حينئذ إلى الزائد عليه وينتفى التحالف الذي ضابطه تنافي الدعويين ، وجمع الدعويين ؛ وإثبات ما اتفقا عليه وأقر به المشتري للبائع ، فيبقى الزائد الذي ينكره المشتري فيقدم قوله بيمينه ـ لا وجه له ؛ بعد ما عرفت من تشخيص كل من الدعويين بما ينافي الأخرى ، وصيرورتهما به بمنزلة دعوى كل منهما عقدا غير عقد الأخر التي لا ريب في التحالف فيها ، كما لو قال المالك : آجرتك العين ، فأنكر الأخر وقال بعتنيها أو بالعكس ، ولا وجه لاحتمال كون القول قول منكر دخول ملك العين لاتفاقهما على ملك المنفعة ، فيكون النزاع في الزائد ، فالقول قول منكره كما لا يخفى ،

١٨٦

ومن ذلك يعلم أن الوجه التحالف فيما لو قال : وهبتني ، فقال : بل بعته بألف ، كما جزم به في التذكرة ، وإن كان في القواعد احتمله وتقديم قول مدعى الهبة مع اليمين ، وفي جامع المقاصد لا ريب في أرجحية التحالف ، إلا أن المتجه طرده في جميع المسائل أي التي منها ما في.

المسألة الثانية : وهي ما لو اختلفا في تأخير الثمن وتعجيله ، أو في قدر الأجل ، أو في اشتراطه الرهن من البائع على الدرك أو ضمين عنه فإن الجميع متحدة في المدرك إلا أن المصنف وغيره حكموا ( فـ ) يها بأن القول قول البائع مع يمينه وقد عرفت اختلاف إبراز الدعوى ، فقد تبرز على وجه التحالف ، أو إنكار البائع أو المشتري ، فتأمل جيدا.

بل قد يقال : إن القول قول مدعى الأقل على أى حال أبرزت الدعوى ، إذا كان المراد اشتغال الذمة بالأكثر ، ضرورة أن أقصاه الاختلاف في السببين ، أى السبب الموجب للأقل ، والسبب الموجب للأكثر ، ولا ريب في موافقة الأصل للأول ، فيكون هو المنكر ومن هنا أفتى به الأصحاب من غير خلاف يعتد به في سائر المقامات ، حتى في الجنايات الموجبة للمال ، لو وقع النزاع في السبب الموجب للأقل منها أو الأكثر فلاحظ وتأمل فإن ذلك هو التحقيق في المسألة ، بل هو الذي يوافق صدق المدعى فيها عرفا.

وكيف كان فمحل البحث وثمرته في أصل المسألة إنما هو إذا لم ينفسخ العقد ضرورة ، أنه معه ـ بإقالة أو فسخ بأحد وجوهه أو بتلف قبل القبض ـ لا يظهر للنزاع ثمرة إن لم يكن البائع قبض الثمن ، بل وإن كان قد قبضه إذ هو حينئذ كالدين في ذمته أو الأمانة عنده ، فيقدم قوله في قدره فيه بلا خلاف أجده هنا ، وإن كان يمكن فرض صورة للنزاع بحيث تأتي الوجوه السابقة أو بعضها ، إلا أنها خارجة عن البحث ، كخروج فرض النزاع في تعيين الثمن أنه العبد أو الجارية عنه أيضا ضرورة تعين التحالف فيه ، بل لفظ القدر ونحوه في النص (١) والفتوى ظاهر في خلافه ، ومن هنا خص بعضهم‌

__________________

(١) الوسائل الباب ٢١ من أبواب أحكام العقود الحديث ١ ـ ٢.

١٨٧

محل البحث بما إذا كان في الذمة ، وان كان قد يناقش فيه بأعمية ذلك من المطلوب ، إذ يمكن فرضه في الذمة مع وقوع الاختلاف في تعيينه ، بحيث يتعين التحالف فيه ، وبأنه يمكن فرضه في المعين أيضا مع فرض الاختلاف في القدر ، كما لو قال بعتك بهذين الدينارين أو الثوبين مثلا ، فقال : بل أحدهما معينا ، فان الحكم فيه كالذمة في جريان ما سمعت ومنه يظهر رجوع تفصيل المختلف إلى ما في التذكرة كما عرفت فلاحظ وتأمل ،

لكن الإنصاف ان المتجه في هذا الفرض ما تقتضيه الأصول ، لعد اندراجه في المنساق من النص والفتوى ، كما ان المنساق منهما أيضا اعتبار قيام العين في يد المشتري في تقديم قول البائع ، فلو انتقلت عنه انتقالا لازما كالعتق والبيع والوقف ونحوها ، لم يكن القول قوله ، ضرورة كون المفهوم حينئذ بناء على ما ذكرنا عدم اعتبار قوله إذا لم تكن العين قائمة في يد المشتري ؛ فيندرج فيه الفرض لذلك ، لا لان الانتقال اللازم تلف حكمي ، حتى يرد عليه منع كونه كذلك ، وإن من الجائز كون العلة ، التلف الحقيقي الذي يمتنع معه الرجوع إلى العين في اعتبار ما يدعيه ؛ من ان الحكم إنما تعلق في تقديم قول البائع على قيام العين من غير اعتبار بالعلة ، وهو متحقق مع انتقالها عن ملكه بأي وجه فرض.

لكن قد عرفت اندفاع ذلك كله ، بناء على ما ذكرنا ، بل منه يظهر الحال في غير اللازم من الانتقال كالبيع في زمن الخيار ونحوه نعم لو كان قد فسخ قبل التنازع اتجه حينئذ تقديم قول البائع ، لصدق القيام في يده ، أما مع عدمه فالمتجه ما ذكرناه اقتصارا على المتيقن فيما خالف الأصل ، ولذا كان المتجه كما في المسالك فيما لو تلف بعض المبيع تنزيله منزلة تلف المجموع ، لا بقاؤه ، ولا إلحاق كل جزء بأصله ، ويؤيده عدم صدق قيام عين المبيع الذي هو مناط تقديم قول البائع.

ولو امتزج المبيع بغيره فإن بقي التميز ، فعينه قائمة ، وإن لم يتميز ففي المسالك احتمل بقاؤه كذلك لانه موجود في نفسه ، وإنما عرض له عدم التميز من‌

١٨٨

غيره ، والمفهوم من قيام عينه وجوده ، خصوصا عند من جعل التلف في مقابلته ، فإنه ليس بتالف قطعا ، وفيه أن المنساق من القيام غيره مما يظهر عينه للحس ويمكن إرجاعه ، فالمتجه الاقتصار عليه ، هذا مع مزجه بجنسه بحيث لا يخرج به إلى حقيقة أخرى ، كالزيت يخلط بمثله ، والنوع الواحد من الحنطة بمثله. أما لو خلط بغير جنسه بحيث صارا حقيقة أخرى كالزيت يعمل صابونا ، فإنه حينئذ بمنزلة التالف. والله أعلم.

المسألة الثالثة : لو اختلفا في قدر المبيع فقال البائع بعتك ثوبا بدرهم مثلا فقال المشتري بل ثوبين أو قال البائع : هذا الثوب بكذا ، وقال المشتري : ذلك مع ثوب آخر معين به فالقول : قول البائع أيضا لأصالة عدم انتقال غير ما اعترف به ، ولذا كان القول قول المشتري في قلة الثمن ، والبائع في كثرته عند من عرفت لو لا الخبر المزبور (١) المفقود في الفرض ، والتحقيق إتيان البحث السابق هنا إذ لا نص في المقام يعارض ما يقتضيه الأصل ، فيبقى البحث في تعيين مقتضاه من تقديم مدعى الأقل أو التحالف أو غيرهما ، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا.

نعم هذا إذا كان الاختلاف في المبيع من حيث القدر ( فـ ) أما إذا كان من حيث التعيين كما لو قال البائع بعتك هذا الثوب بكذا فقال المشتري بل هذا فهنا دعويان لا قدر مشترك بينهما فيتحالفان على نفى كل من قولهما ويبطل دعواهما لحصول ضابط التحالف : ويترادان ، كما في‌ النبوي (٢) « المتبايعان إذ اختلفا ، تحالفا وترادا » وكذا لو نكلا معا ويبتدء باليمين من ادعي عليه أولا ، كما في المسالك في نحو ذلك ، بل هو مقرب التذكرة ، ونفى عنه البعد في جامع المقاصد ، ولو تساويا في إبراز الدعوى ، فإن قلنا بتقديم من كان على يمين صاحبه ،

__________________

(١) الوسائل الباب ١١ من أبواب أحكام العقود الحديث ١ ـ ٢.

(٢) سنن البيهقي ج ٥ ص ٣٣٣.

١٨٩

اتجه ، حينئذ اليمين على الآخر ، وإلا فالقرعة ، لكن في الدروس البادي باليمين من يتفقان عليه فان اختلفا عين الحاكم ، وفي القواعد في نحو المقام احتمال استحباب تقديم البائع ، والمشتري ، والتساوي فيقرع ، ولعل ما ذكرناه أولى.

وعلى كل حال فالظاهر أن اليمين على النفي لا جامعة بينه وبين الإثبات ، وإن احتمله في القواعد ، ووجه بأنه أفصل للحكم وأسهل للحاكم ، إذ قد ينكل أحدهما فيغني عن ردها تلك اليمين ، مضافا إلى ما ورد من النهي عن تكرارها (١) وفيه ان يمين الإثبات بعد النكول فلا تتقدم عليه كي تجدي في السقوط عند التوجه.

وعلى كل حال فإذا حلفا سقطت الدعويان عندنا كما في التذكرة قال : « كما لو ادعى على الغير بيع شي‌ء أو شرائه ، فأنكر وحلف ، سقطت الدعوى ، وكان الملك باقيا على حاله ، ولم يحكم بثبوت عقد حتى يحكم بانفساخه ، ومن ذلك نسب إليه في المسالك القول بالبطلان من الأصل بعد التحالف ، وأنه ينزل البيع منزلة المعدوم ، خلاف ما اختاره في القواعد والدروس ، من أنه حين التحالف ، أو الفسخ ، لا من الأصل.

وكيف كان فيشكل باتفاقهم على وقوع عقد ناقل للثمن أو المثمن ، وإن اختلفا في تعيين الأخر منهما ، ومن هنا اتجه جعل البطلان من الحين في المتفق عليه ثمنا أو مثمنا ، وأما المختلف فيه منهما فالمتجه فيه ما ذكره من البقاء على الملك وحينئذ فكل من إطلاقه في التذكرة والقواعد غير جيد ، وتظهر فائدة القولين في النماء ، وفيما لو وقع التحالف بعد انتقال العين بعقد لازم كالبيع وشبهه ، أو الخروج عن الملك بعتق أو وقف ونحوهما ، فعلى الأول يبطل العقود وغيرها ، ويرجع العين إلى صاحبها وبه قطع في التذكرة تفريعا على أصله ، وعلى الثاني يرجع إلى القيمة يوم الانتقال ، وبه قطع في القواعد تفريعا على أصله ، وأما التلف فيرجع معه بالقيمة.

وعلى كل حال ولعل الذي ألجأ الفاضل في التذكرة إلى ذلك ، هو تلازم حال‌

__________________

(١) المستدرك ج ٣ ص ١٩٩.

١٩٠

الثمن والمثمن ، فإذا فرض أن أحدهما باق على حكم الملك ، كان الآخر كذلك ، ويدفعه جواز اختلافهما في الحكم الظاهري ، وإن تلازما في الحكم الواقعي ، وكيف كان فالمراد من البطلان من الأصل أو من الحين ، هو جريان حكم ذلك عليه ، وأنه يكون حينئذ بمنزلة ما لم يجر عليه العقد ، لا أنه كذلك حقيقة ، ولكن قال في المسالك بعد البحث في ذلك : « الظاهر أن العقد يبطل بمجرد التحالف وإن لم يفسخه فاسخ وبه قطع في التذكرة محتجا بما تقدم ، من أن يمين كل منهما يسقط دعوي الأخر ، فيكون الملك باقيا على حاله ، ولم يحكم بثبوت عقد ، حتى يحكم بانفساخه وهذا على القول ببطلانه من أصله ، وأما على القول ببطلانه من حينه ، فالظاهر أنه كذلك ، لانتفاء دعوي كل منهما بيمين صاحبه ، فينفسخ حينئذ ، ولأن إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر ، وعلى وفق أحدهما تحكم ، وهو ظاهر فتوى القواعد » قلت : ذلك كله لا يقتضي الانفساخ باطنا للعقد اللازم الذي أقرا به وتوافقا عليه ، وتعذر تسليم الثمن أو المثمن ظاهرا أخيرا لا يقضى به.

نعم قد يقال : بتسلط المحق منهما على الخيار في وجه تسمعه إنشاء الله تعالى ومما يؤيد ذلك ما ذكر في التذكرة وغيرها قال فيما نحن فيه : « إذا حلف البائع على نفى ما يدعيه المشتري بقي على ملكه ، فان كان في يده ، وإلا انتزعه من المشتري ، وإذا حلف المشتري على نفي ما يدعيه البائع ، وكان الثوب في يده ، لم يكن للبائع مطالبته به لانه لا يدعيه ، وإن كان في يد البائع لم يكن له التصرف فيه ، لانه معترف بأنه للمشترى ، وله ثمنه في ذمته فإن كان قد قبض الثمن رده على المشتري وله أخذ الثوب قصاصا ، كما أن له ذلك أيضا إذا لم يكن قد قبض الثمن ، فان زادت قيمته فهو مال لا يدعيه أحد » وهو كالصريح في خلاف ذلك كله ، ضرورة أنه لا وجه للمقاصة مع فرض الانفساخ ، وظاهر الدروس التردد ، في ذلك ، كالمحكي عن الشافعي قال : « إذا حلفا أو نكلا احتمل أن ينفسخ العقد إذ إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر ، وعلى وفق أحدهما تحكم ، أى فيكون ذلك بمنزلة عدم وقوع البيع على أحدهما واقعا ، تنزيلا للظاهر منزلة الواقع ، كما هو مقتضى‌

١٩١

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « ترادا » ، ويحتمل أن يتزلزل فيفسخه المتعاقدان أو أحدهما أو يرضى أحدهما بدعوى الأخر ، أو يفسخه الحاكم إذا يئس من توافقهما وامتنعا من فسخه ، لئلا يطول النزاع » إلى أن قال : « ثم إن توافقا على الفسخ ، أو فسخه الحاكم ، انفسخ ظاهرا وباطنا ، وإن بدر أحدهما فإن كان المحق فكذلك ، وإلا انفسخ ظاهرا » قلت : لا ريب أن المتجه على مقتضى الضوابط الشرعية عدم الانفساخ بالتحالف بل ولا يتسلط الحاكم على ذلك. نعم إن توافقا عليه ، وإلا فالظاهر انحصار الخيار في المحق على إشكال في بعض الأحوال ؛ وهو حال ما بعد القبض ، بل قد يقوى عدمه.

فيتجه حينئذ المقاصة على أحكامها ، هذا كله بحسب الواقع ، والا فالحكم الظاهري قد عرفت الحال فيه.

نعم قد يقال : إن للغير التصرف في كل من الثوبين مثلا وشرائهما ، بل والثمن الذي يرجع إلى المشتري منهما أيضا وإن علم ان الواقع ينافي ذلك ، إلا ان الظاهر عدم اعتبار مثل هذا العلم في المنع عن العمل بما يقتضيه الحكم في الظاهر ، وله نظائر كثيرة في الفقه ، منها ـ العين المقسومة بين اثنين ، لتعارض البينتين مثلا. بل ومع العلم بأنها لواحد منهما ، إذا لم نقل بالقرعة. فإن للغير شراء الجميع من كل واحد منهما وإن علم أن أحدهما غير مالك للنصف ، إجراء للحكم الظاهري ، بل إن لم يكن إجماع جرى مثله في النكاح لو فرض التداعي بين السيد مثلا وآخر في تزويج أمته ، فقال السيد : هذه وقال الأخر : بل هذه ، وتحالفا ، فإن للغير التزويج بهما ، وإن علم أن إحداهما ذات زوج عملا بالحكم الظاهري.

وكيف كان فلا ينبغي منع كل واحد منهما من التصرف فيما وصل إليه بعد التنازع. وإن تردد فيه في الدروس من قيام الملك وتوقع زواله ، فهو كالزائل قال : « وأولى بعدم الجواز بعد التحالف ، لتأكد سبب الزوال » وفيه ما عرفت ، اللهم إلا أن يريد بحسب ظاهر الحال ؛ وقلنا : بعدم الحاجة إلى حكم الحاكم بعد التحالف وإلا فلو تصرف المحق منهما فيما له على وجه لا يكون فيه هتك للحكم الظاهري أمكن القول بالجواز ، للعمومات التي لا ينافيها ذهاب اليمين بما فيها في الظاهر.

١٩٢

نعم لو قلنا بالانفساخ منعا قطعا ، كما أنه مما قد منا يظهر لك الحال فيما ذكره فيها أيضا من أنه لو تحالفا بعد هلاك العين ، ضمن مثلها أو قيمتها يوم الهلاك على الأقرب ولو عابت فأرشها ، ولو أبق فالقيمة للحيلولة ، ثم يترادان إذا عاد ، وإن رهن أو آجر أو كوتب فالعقود باقية ، وينتقل إلى القيمة في الكتابة ، وفي الرهن والإجارة وجهان ، مبنيان على الحمل على الكتابة ، أو الإباق ، ولو رضى صاحب العين بتأخير الأخذ إلى فك الرهن ، أو فراغ الإجارة ، احتمل إجابته إن تسلم العين أو أسقط الضمان وجوزناه والا لم يجب

وفي المسالك « أنه لو وجد العين أي التي وقع التحالف على ثمنها مستأجرة أو مرهونة ، انتظر انقضاء المدة أو الفلك ، وفي تخيره بينه وبين القيمة معجلة ، وجه » وفي القواعد « لو كان المبيع أي الذي اختلف في ثمنه تالفا وجبت القيمة عند التحالف يوم التلف ، ويحتمل يوم القبض ، ولو تلف بعضة أو تعيب ، أو كاتبه المشتري أو رهنه أو أبق أو آجره ، رجع بقيمة التالف وأرش المعيب وقيمة المكاتب والمرهون والآبق والمستأجر ، وللبائع استرجاع المستأجر ، لكنه يترك عند المستأجر مدة الإجارة والأجرة المسماة للمشتري ، وعليه أجرة المثل للبائع ، ولو زالت الموانع ـ بأن عاد الآبق أو فك أو بطلت الكتابة بعد دفع القيمة ، ـ فالأقرب عود ملك البائع إلى العين ، فيسترد المشتري القيمة » وبعض ما ذكره لا يخلو من بحث ، كما أن ما ذكره فيها من أنه لو اختلفا في قيمة التالف بعد التحالف رجعا إلى قيمة مثله موصوفا بصفاته. فإن اختلفا في الصفة قدم قول المشتري مع يمينه ، أى إن كان هو المنكر كذلك أيضا ؛ بل في المسالك « أنه قد أغرب في ذلك وهو بأصول العامة أليق ، نظرا إلى أن الوصف تفيد أهل الخبرة الظن بالقيمة ، فيكون مناسبا لرفع النزاع » قلت : لا ريب أن المتجه على أصولنا كما في الغصب وغيره تقديم منكر الزيادة ، لعموم‌ قوله « واليمين على من أنكر » (١) ولأن للأعيان خصوصيات لا تعرف إلا بالمشاهدة ،

__________________

(١) الوسائل الباب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى الحديث ٣.

١٩٣

ولا تفي الأوصاف بالقيمة كما هو واضح.

ثم إن الظاهر جريان التحالف في زمن الخيار المشترك ، واحتمل في الدروس عدمه ، لأنهما يملكان الفسخ ، لكن استوجه الأول ما لم يفسخ أحدهما ، قال : « والغرض من اليمين نكول الكاذب ، ودوام العقد بإحلاف الصادق ، فان حلفا فالفسخ أمر ضروري ، شرع لتعذر إمضاء العقد ، وعليه يتفرع التحالف في المضاربة ، ويجرى التحالف في سائر العقود الجارية على هذا النمط ، وتنقيح هذه المباحث محتاج إلى إطناب تام.

فلعل الله يوفق له » ولو اختلف ورثة البائع وورثة المشتري في القدر كان القول : قول ورثة البائع في المبيع وورثة المشتري في الثمن وإن كانت عين المبيع قائمة لما عرفت من كون القول : قول مدعي الأقل في الثمن والمثمن ، خرج من ذلك للنص والفتوى صورة ما لو كان النزاع بين البائع نفسه والمشتري كذلك مع قيام عين المبيع ، دون غيرها من الصور التي منها محل البحث ، حتى صورة النزاع بين أحدهما ووارث الأخر ، ودعوى أن كل ما كان للمورث ينتقل للوارث مسلمة في المال والحقوق التي تنتقل ، بخلاف محل الفرض الذي هو من الاحكام لا من الحقوق ، فما عن جماعة من أن حكم الوارث حكم المورث مطلقا في غير محله ، وإن استحسنه في المسالك. والله العالم.

المسألة الرابعة إذا قال البائع مثلا بعتك مالي بعبد وشبهه مما يصح ثمنا فقال المشتري بل بحر أو قال بخل فقال : بل بخمر أو نحو ذلك مما لا يصح ثمنا أو قال البائع مثلا فسخت قبل التفرق وأنكر الأخر ، فالقول : قول من يدعي صحة العقد وبقاؤها بيمينه للأصل : بمعنى الظاهر ، أو القاعدة ، أو الاستصحاب ؛ وحينئذ فيكون على الأخر البينة بلا خلاف معتد به أجده ، لكن في الكفاية فيه نظر ، ولعله لأعمية أصالة الصحة من كون المبيع عبدا ، و‌

١٩٤

لأصالة عدم العقد الصحيح ، فيكون كإنكار البيع ، ولأن أصالة صحة العقد إنما هي بعد استكمال أركان العقد ليتحقق وجوده ، أما قبلها فلا وجود له ، والشك في المثال إنما هو في المعقود عليه الذي هو أحد أركان العقد ، وفيه إن ذلك من توابع العقد الصحيح الذي شخصه الأصل في المقام ، فهو في الحقيقة من لوازم خصوص هذا العقد من البيع لا مطلق عقده ، ومن الواضح الفرق بين المقام المعلوم وقوع العقد فيه ، وبين إنكار البيع فلا يقاس أحدهما على الأخر والعقد للأعم من الصحيح والفاسد ، فتحققه لا يتوقف صدقه على كون المعقود عليه مما يصح العقد عليه ، وإنما يتوقف عليه الصحيح منه لا أصله ، فمع التنازع فيه كما في المثال لا إشكال في جريانها كما هو واضح بأدنى تأمل.

ومن ذلك يعلم ما في الحواشي المنسوبة للشهيد على القواعد قال في الشرح نحو المتن : « هذا مخالف لما قاله الأصحاب والمصنف ، من قبول قول المشتري في مثل ذلك وإنما هذا من فروع المخالفين ، حتى لو أراد دعوى الفسخ ؛ إذ الفاضل والمصنف وغيره قدموا قول منكره للأصل ، وإن كان قد احتمل في القواعد في بحث خيار المجلس تقديم قوله ، لأنه أعرف بنيته ، ولا ريب في ضعفه بعد حمل النية في كلامه على الفعل ، بقرينة وضوح عدم مدخلية النية ».

وكيف كان فالتحقيق ما عرفت نعم قد يتجه تقديم مدعي الفساد لو كان الاختلاف في حرية المعين ثمنا أو مثمنا ورقيته ، ولم يكن سبيل إلى معرفتها ، فإن أصل الصحة لا يشخص الرقية هنا قطعا ، وكذلك الخلية والخمرية ، فيبقى أصل عدم النقل وأصل البراءة معاضدا لمدعي الفساد ، فيكون القول : قوله بيمينه ، ولعل هذا هو مراد ثاني الشهيدين في مسالكه ، قال : « وربما يستشكل الحكم مع التعيين ، كبعتك بهذا العبد ، فيقول : بل بهذا الحر ، فإن منكر نقل العبد إن كان هو المشتري فهو ينفى ثبوت الثمن في ذمته وإن كان هو البائع فهو ينفى انتقال عبده عنه ، فالأصل معهما في الموضعين ،

١٩٥

ولانه يرجع إلى إنكار البيع ، فيقدم قول منكره ».

نعم لو لم يعينا في الصورتين توجه ما ذكر وإن كان لا يخلو من بعد ، إلا أنه أولى من حمله على إرادة الفرق بين الكلي والمعين ، ولو مع اختلاف المتبايعين فيه ، بأن قال البائع مثلا : بعتك بهذا العبد مشيرا إلى معلوم العبودية ، وقال المشتري : بل بهذا الحر مشيرا أيضا إلى معلوم الحرية ، لعدم ما يصلح فارقا كما هو واضح بأدنى تأمل.

ولو قال البائع مثلا : بعتك وأنا صبي فأنكر المشتري وقال : بعتني وأنت بالغ ففي القواعد « احتمل تقديم قول مدعي الصحة مع يمينه ، وتقديم قول البائع ، لأصالة البقاء » ثم قال : « ولو قال : كنت مجنونا ولم يعلم له سبقه ، قدم قول المشتري بيمينه والا فكالصبي » وظاهره التوقف ، كالتذكرة والتحرير ، والدروس في المقام والإقرار ، وإقرار جامع المقاصد بل في إقرار الثاني « أن الصبي يحلف » لكن في الجامع هنا « أن الاحتمال الثاني في غاية الضعف ، لأن أصالة البقاء مندفعة بالإقرار بالبيع المحمول على البيع الصحيح شرعا ، فإن صحته تقتضي عدم بقاء الصبوة فلا يعد معارضا ، كما لا يعد احتمال الفساد معارضا لأصالة الصحة في مطلق الإقرار بوقوع عقد البيع ، فإن قلت : أصلان قد تعارضا ، للقطع بثبوت وصف الصبوة سابقا قلت : قد انقطع هذا الأصل بالاعتراف بصدور البيع المحمول على الصحيح ، كما يحكم بانقطاع أصالة بقاء ملك البائع ، بالاعتراف بصدور البيع لو اختلفا في صحته وفساده ، ولو ثبت في هذه المسألة تعارض الأصلين ، لثبت تعارضهما فيما لو قال : تبايعنا ؛ وادعى أحدهما الفساد ، والفرق غير واضح ، وكون الصبوة مستمرة لا دخل له في الفرق » ثم قال في شرح قوله ولو قال : كنت مجنونا إلى آخره : « أي فيجي‌ء فيه احتمال تقدم جانب الصحة ، لأنها الأصل ، والفساد لأصالة بقاء مقتضية ، وليس بشي‌ء ؛ لانقطاع هذا الأصل كما قررناه في المسألة السابقة ».

قلت : هو مناف لما ذكره في شرح قول الفاضل في باب الضمان ، لا يصح ضمان‌

١٩٦

الصبي وإن أذن له الولي ، فإن اختلفا قدم قول الضامن ، لأصالة براءة الذمة وعدم البلوغ ، وليس لمدعي الأهلية أصل يستند إليه ، ولا ظاهر يرجع إليه ، بخلاف ما لو ادعى شرطا فاسدا ، وكذا البحث فيمن عرفت له حالة جنون ، قال : أى « فإن اختلف الضامن والمضمون له في وقوع الضمان حال الصبا أو حال الكمال. قدم قول الضامن في أنه كان صبيا وقت الضمان ، لأن الأصل براءة الذمة ، فيستصحب ، وكذا أصل عدم البلوغ ، وليس لمدعي أهلية الضمان حال وقوعه أصل يستند إليه ، ولا ظاهر يرجع إليه يكون معارضا للأصلين السابقين ، فإن قيل : له أصالة الصحة في العقود ، وظاهر حال العاقد الآخر أنه لا يتصرف باطلا قلت : الأصل في العقود الصحة بعد استكمال أركانها ، ليتحقق وجود العقد ، أما قبله فلا وجود للعقد ، فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحر أو العبد ، حلف منكر وقوع العقد على العبد ، وكذا الظاهر إنما يثبت مع الاستكمال المذكور ؛ واعترف شيخنا الشهيد في حواشيه بوجود أصالة الصحة في العقود ، لكن بمعارضة أصالة الصبا يتساقطان ، ويبقى أصل البراءة سليما عن المعارض ، فكأنه لا أصل له ، وما ذكرناه أثبت »

ثم إنه في شرح قوله بخلاف إلى آخره قال : « لأن الظاهر أنهما لا يتصرفان باطلا ، وحيث كان المتعاقدان كاملين تحقق الظاهر المذكور. وأصالة صحة العقود » وشرح قوله وكذا البحث إلى آخره « أى ما سبق في الاختلاف في وقوع الضمان حال الصبا والبلوغ آت فيما عرف له حال جنون بعين ما ذكر ، لكن لو حصل الاختلاف في وقوع العقد في يوم الجمعة وكان فيه كاملا ، وفي يوم الخميس قبله وكان باتفاقهما صبيا أو مجنونا ؛ فهل هو كما سبق؟ أو يحتمل بأصالة عدم التقدم ، كل ممكن » انتهى وهو كما ترى.

والتحقيق عدم الفرق بين البيع والضمان في تقديم مدعي الصحة ، لأصالتها القاطعة جميع هذه الأصول ، بل هو كذلك وإن لم يعترف بأنه باع ثم ادعى أنه كان صبيا ، ويكفى ثبوت أصل الفعل فيه ولو ببينة ، ثم يصححه الأصل.

١٩٧

ومن الغريب دعوى تخصيصه أصالة الصحة بما بعد استكمال الأركان التي منها المعقود عليه ، مع أنه لم يعرف خلاف في أن القول : قول مدعي الصحة فيما لو تنازع المتعاقدان الكاملان في وقوع العقد على ما يصح ، أو ما لا يصح ، وقد كان ما هو فيه من تقديم قول الصبي في مسألة الضمان مستغنيا عن هذه الدعوى ، وكان يكفى فيه دعوى عدم تحقق موضوع أصالة الصحة ، وهو فعل المسلم الكامل ، وإن كان يدفعه منع كون الموضوع ذلك ، بل الأصل في الفعل نفسه الصحة ، وإنما يمنع منها عدم الكمال فمع عدم تحققه والفرض وقوع الفعل ؛ يحكم بصحته حتى يتبين خلافه ، إلا انه لا يخلو من نظر فتأمل جيدا‌

النظر الخامس : في الشروط

المذكورة في متن العقد دون ما بعده بل وما قبله ، إذا لم يكن بناء العقد عليه وإلا فالصحة فيه قوية جدا ، وعلى كل حال فالمراد بها المرسومة فيه زائدا على الثمن والمثمن على وجه الالتزام ، دون التعليق الذي لا إشكال في البطلان معه وإن كان بلفظ الشرط ، من غير فرق بين كون المعلق عليه محقق الوقوع في مستقبل الأزمنة أولا ، لا لأنه ينافي قصد إنشاء النقل والانتقال والرضا بهما لا مكان منعه ، خصوصا بعد مشروعية التدبير والنذر ونحوهما من الإنشاء المعلق بل لانه مناف لما هو المعلوم من الشرع من تسبيب هذه الصيغ وترتب الآثار عليها بمجرد تمامها ، فالتعليق المقتضى لتأخر الآثار ، وعدم إعمال السبب مقتضاه مناف لذلك.

ومنه يعلم أنه لا يقدح صورة التعليق بعد العلم بإرادة الالتزام منها ، لا حقيقته المنافية لما عرفت ، بل ولا يقدح منه ما كان نحو بعتك إذا كانت الشمس طالعة مع‌

١٩٨

العلم بالطلوع ، وإن كان هو ظاهر بعضهم ، لكونه تعليقا في الظاهر وللشك في السببية معه ، إلا أنه كما ترى. نعم لا يبعد البطلان مع الشك ، لاقتضائه توقف عمل السبب بعد تمامه على غيره مما لا مدخلية له في تسبيبه مع احتمال الصحة لكون التعليق فيه للعلم بترتب الأثر ، لا للأثر نفسه ، فتأمل جيدا.

ولا خلاف كما لا إشكال في قبول عقد البيع وغيره من العقود اللازمة ، الشرائط في الجملة ، والنصوص مستفيضة فيه أو متواترة (١) بل لعل إطلاق الأمر بالوفاء بالعقود (٢) « والتجارة عن تراض » (٣) كاف إلا أن منها ما ليس بسائغ ، ومنها ما هو سائغ وضابطه كما في القواعد واللمعة والروضة وغيرها ، بل عن ابى العباس نسبته إلى علمائنا ، ما لم يكن مؤديا إلى جهالة المبيع أو الثمن كاشتراط تأجيل أحدهما مدة مجهولة ولا مخالفا للكتاب والسنة ضرورة وضوح بطلان الثاني ، وكذا الأول بعد ما عرفت من اعتبار المعلومية فيهما ، بل هو مندرج في الثاني ، ولذا اقتصر في النصوص على استثنائه ففي الصحيح (٤) « المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله تعالى فلا يجوز » وآخر (٥) « من اشترط مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز على الذي اشترط عليه والمسلمون عند شروطهم فيما يوافق كتاب الله عز وجل » والخبر (٦) « المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلا لا أو حلل حراما » ‌

لكن يظهر من جماعة منهم الفاضل في القواعد أن من المخالف للمشروع اشتراط ما ينافي مقتضى العقد ، كشرط عدم البيع أو الهبة أو العتق أو الوطي أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن ، أو نحو ذلك ، بل في الغنية من الشروط الفاسدة بلا خلاف ،

__________________

(١) الوسائل الباب ٦ من أبواب الخيار والباب ١٥ من أبواب الحيوان والباب ٤ من أبواب المكاتبة وغيرها.

(٢) سورة المائدة الآية ١.

(٣) سورة النساء الآية ٢٩.

(٤) الوسائل الباب ٦ من أبواب الخيار الحديث ٢.

(٥) الوسائل الباب ٦ من أبواب الخيار الحديث ١.

(٦) الوسائل الباب ٦ من أبواب الخيار الحديث ٥.

١٩٩

أن يشترط ما يخالف مقتضى العقد ، مثل أن لا يقبض المبيع ولا ينتفع به.

وعن جماعة أن ضابط المنافي كل ما يقتضي عدم ترتب الأثر الذي جعل الشارع العقد من حيث هو هو يقتضيه ورتبه ، وقد يشكل باشتراط عدم الانتفاع بالمبيع مثلا زمانا معينا ؛ فان مقتضى إطلاق العقد إطلاق التصرف في كل وقت ، وباشتراط إسقاط خيار المجلس والحيوان ، وما أشبه ذلك مما أجمع على صحة اشتراطه كما في المسالك ؛ واحتمال إرادة ما لم يجعل العقد إلا لأجله من المقتضى كانتقال العوضين في البيع الذي هو الأثر الحقيقي له ، ينافي منع اشتراط عدم البيع ونحوه مما سمعت منعه ، لانه مناف.

ومن هنا قال في جامع المقاصد « الحاسم لمادة الاشكال أن الشروط على أقسام ، منها ـ ما انعقد الإجماع على حكمه من صحة وفساد ، فلا عدول عنه ، ومنها ـ ما وضح فيه المنافاة للمقتضي ، كشرط عدم الضمان عن المقبوض بالبيع ، أو وضح مقابله ، ولا كلام في اتباع ما وضح ، ومنها ـ ما ليس واحدا من النوعين ، وهو بحسب نظر الفقيه » لكن لا يخفى عليك أن ما ذكره غير حاسم ، والأولى الاعراض عن هذه العبارة ، والرجوع إلى ما سمعته من الكلية المنصوصة التي يندرج فيها جميع ما يشك في جوازه ، فيكون ذلك حينئذ هو المدار.

لا يقال : إن فيها إجمالا أيضا إذ لا يدرى ما المراد بالحلال والحرام ، أهو ما كان كذلك بأصل الشرع من دون توسط العقد ، أو ما يعم ذلك؟ فإن أريد الأول ، نافى ما نصوا عليه من بطلان اشتراط عدم البيع ونحوه ، إذ لا مانع في الشرع من كون الشي‌ء مملوكا ولا يباع أو لا يوهب مثلا ، وإن أريد الثاني ، ففيه أولا أنه مناف لما ذكروه ، بل قد عرفت دعوى الإجماع عليه في المسالك من صحة اشتراط عدم الانتفاع مدة ، وإسقاط خيار المجلس وإسقاط خيار الحيوان ونحوها مما عرفت ، مضافا إلى ما تسمعه من النصوص الآتية في جواز بيع الأمة بشرط عدم البيع والهبة ، المستلزم لحرمتهما بعد‌

٢٠٠