الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم

الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي

الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم

المؤلف:

الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي

المحقق: مؤسّسة النشر الإسلامي المترجم:
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي ISBN: 964-470-064-3
نسخة غير مصححة

حدّث الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الحسن الكناني ، عن جدّه عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنّ الله تبارك وتعالى أنزل على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتابا قبل أن يأتيه الموت فقال : يا محمّد هذا الكتاب وصيّتك إلى النجيب من أهلك. قال : ومن النجيب من أهلي يا جبرائيل؟ فقال : عليّ بن أبي طالب. وكان على الكتاب خواتيم من ذهب ، فدفعه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليّ عليه‌السلام وأمره أن يفكّ خاتما ويعمل بما فيه. ففكّ عليه‌السلام خاتما وعمل بما فيه. ثمّ دفعه إلى ابنه الحسن عليه‌السلام ففكّ خاتما وعمل بما فيه. ثمّ دفعه إلى الحسين عليه‌السلام ففكّ خاتما وعمل بما فيه ، فوجد فيه أن اخرج بقوم إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلاّ معك واشتر نفسك لله تعالى ذكره ، ففعل. ثمّ دفعه إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام ففكّ خاتما فوجد فيه : اصمت والزم منزلك حتى يأتيك اليقين ، ففعل. ثمّ دفعه إلى محمّد بن عليّ عليه‌السلام ففكّ خاتما فوجد فيه : حدّث الناس وأفتهم ولا تخافنّ إلاّ الله جلّ وعزّ فإنّه لا سبيل لأحد عليك. ثمّ دفعه إليّ ، ففككت خاتما فوجدت فيه : حدّث الناس وأفتهم وانشر العلوم علوم أهل بيتك وصدّق آباءك الصالحين ولا تخافنّ أحدا إلاّ الله فأنت في حرز وأمان ، ففعلت. ثمّ ادفعه إلى موسى بن جعفر ، وكذلك موسى يدفعه إلى من بعده ، ثمّ كذلك أبدا إلى قيام المهدي (١).

وقال عليه‌السلام لنوف الشامي مولاه وهو معه على سطح : يا نوف أنائم أم نبهان؟ فقال : نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين. قال : تدري من شيعتي؟ قال : لا والله. قال : شيعتي إن شهدوا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن خطبوا لم يزوّجوا ، وإن مرضوا لم يعادوا. شيعتي من لم يهرّ هرير الكلب ، ولم يطمع طمع الغراب ، ولم يسأل الناس وإن مات جوعا ، إن رأى مؤمنا أكرمه ، وإن رأى فاسقا هجره. شيعتي الذين هم في قبورهم يتزاورون ، وفي أموالهم يتواسون ، وفي الله يتباذلون ، خفيفة أنفسهم ، عفيفة قلوبهم.

__________________

(١) علل الشرائع : ص ١٧١ باب ١٣٥ ح ١.

٣٨١

قال : قلت : يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك فأين أطلب هؤلاء؟ قال لي : في أطراف الأرض ، هؤلاء والله يا نوف شيعتى ، يجيء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو آخذ بحجزة ربّه ، وأنا آخذ بحجزته ، وأهل بيتي آخذون بحجزتي ، وشيعتي آخذون بحجزنا ، فإلى أين يا نوف؟ فإلى الجنّة وربّ الكعبة ـ ثلاثا ـ.

يا نوف أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، يفترشون جباههم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يتناجون في فكاك رقابهم. وأمّا النهار فحكماء ، نجباء ، كرام ، أتقياء. يا نوف بشّر الزاهدين ، نعم ساعة الزاهدين ، أما انّها ساعة لا يسأل الله فيها عبد إلاّ أعطاه الله ما لم يكن حاشرا أو عاشرا أو ساحرا أو صاحب كوبة (١) أو صاحب عرطبة (٢).

يا نوف شيعتي الذين اتّخذوا الأرض بساطا ، والماء طيبا ، والقرآن شعارا ، قرضوا الدنيا قرضا قرضا على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليهما‌السلام (٣).

وقيل له : يا أمير المؤمنين من خيار الناس؟ قال : الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساءوا استغفروا ، وإذا اعطوا شكروا ، وإذا ابتلوا صبروا ، وإذا اغضبوا غفروا.

وقال عليه‌السلام : الدنيا صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غناء لمن تزوّد منها ، مسجد أنبياء الله ، ومصلّى ملائكته ، ومهبط وحيه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، ومثلت لهم ببلاياها البلاء ، وسوّقت بسرورها إلى السرور ، وراحت بفجيعة ، وابتكرت بعافية تحذيرا وترغيبا وتخويفا ، فذمّها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون ذكّرتهم فذكروا وصدّقتهم فصدقوا. فيا أيّها الذامّ الدنيا المغترّ بغرورها متى استذمّت لك الدنيا؟ بل متى غرّتك من نفسها بمضاجع آبائك من البلى ، أم بمصارع امّهاتك من الثرى؟ كم قد علّلت بنفسك ومرضت بيدك تبغي له الشفاء وتستوصف له الأطبّاء ، لم تنفعه بشفائك ، ولم تسعف له

__________________

(١) الكوبة : الطبل.

(٢) العرطبة : الطنبور. في الاصل : العربطة.

(٣) نهج البلاغة : ص ٤٨٦ حكمة ١٠٤ ط. صبحي الصالح.

٣٨٢

بطلبتك ، قد مثلت لك الدنيا به نفسك ، وبمصرعه مصرعك ، غداة لا ينفعك بكاؤك ، ولا يغني عنك أحبّاؤك (١).

ولم يسمع في مدح الدنيا أحسن من هذا المدح.

وقال عليه‌السلام : ألا انّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة وانّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولهذه أبناء ولهذه أبناء ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا.

ألا وكونوا الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، لأنّ الزاهدين في الدنيا اتّخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا وقرضوا الدنيا قرضا.

ألا ومن اشتاق إلى جنّة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرّمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن راقب الخير سارع في الخيرات. ألا وانّ لله عبادا كأنّهم يرون أهل الجنّة في الجنّة منعّمين مخلّدين ، ويرون أهل النار في النار معذّبين مخلّدين ، قلوبهم مخمونة (٢) ، وشرورهم مأمونة ، أنفسهم عفيفة وحاجاتهم خفيفة ، صبروا أيّاما قليلة فصارت العقبى لهم راحة طويلة. أمّا الليل فصافّوا أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون إلى ربّهم ، ويسعون في فكاك رقابهم من النّار. وأمّا النهار فحلماء علماء ، بررة أتقياء ، كأنّهم القدّاح ، قد براهم الخوف والعبادة ، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض ، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها (٣).

ودخل عليه رجل فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال : أصبحت ضعيفا مذنبا : آكل رزقي وأنتظر أجلي. قال : فما تقول في الدنيا؟

قال : أوّلها غمّ وآخرها موت ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب.

قال : وأيّ الخلق أنعم؟ قال : أجساد تحت التراب قد أمنت العقاب ،

__________________

(١) أمالي الطوسي : ج ٢ ص ٢٠٧.

(٢) كذا في الأصل ، وفي نهج البلاغة : محزونة.

(٣) نهج البلاغة : ص ٤٨٦ حكمة ١٠٤ وأولها : يا نوف طوبى للزاهدين.

٣٨٣

وهي تنتظر الثواب (١).

وقال ضرار : كأنّي بأمير المؤمنين عليه‌السلام وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وهو في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول : يا دنيا إليّ تعرّضت أم إليّ تشوّقت ، هيهات هيهات لا حان حينك ، قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك : فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك يسير. آوّه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق (٢).

وقال ضرار أيضا : كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول : أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله موادّ من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع ، وإن مال به الطمع أهّل له الحرص ، وإن ملكه القنوط قتله الأسف ، وإن عرض له الأسف اشتدّ به الغيظ ، وإن سعد بالرضا نسي التحفّظ ، وإن ناله الخوف فضحه الجزع ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضّته فاقة فضحه الفقر ، وإن جهده الجوع أقعده الضعف ، وإن أفرط به الشبع كظّته البطنة. فكلّ مقصّر به مضرّ ، وكلّ إفراط له مفسد (٣).

قال : وسمعته ذات يوم يوصي كميل بن زياد فقال له : يا كميل ذبّ عن المؤمن فانّ ظهره حمى الله ، ونفسه كريمة عليه ، وظالمه خصم الله ، فاحذّركم ممّن ليس له ناصر غير الله.

وقال عليه‌السلام في الليلة التي ضربه فيها ابن ملجم لعنه الله بعد حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه والصلاة على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه ، والأجل تساق النفس إليه ، والهرب منه موافاة ، كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله جلّ ذكره إلاّ إخفاءه ، هيهات علم مكنون.

أمّا وصيتي : فالله لا تشركوا به ، ومحمّد لا تضيّعوا سنّته ، أقيموا هذين العمودين ، حمل كلّ امرئ منكم مجهوده ، وخفّف عنكم الحملة ربّ رحيم ودين

__________________

(١) قريب منه في المعنى ما في نهج البلاغة : ص ١٠٦ خطبة ٨٢.

(٢) نهج البلاغة : ص ٤٨٠ حكمة ٧٧ مع اختلاف في بعض ألفاظها.

(٣) نهج البلاغة : ص ٤٨٧ حكمة ١٠٨ مع اختلاف يسير.

٣٨٤

قويم وإمام عليم ، كنّا في أعصار وذرى رياح تحت ظلّ غمامة اضمحلّ راكدها فمحطّها من الأرض غباء وبقي من بعدي جاءوا بساكنة بعد حركة ، كاظمة بعد نطق ، لتعظيم هدوّي وخفوت أطرافي ، انّه واعظ لكم من نطق البليغ ، ودّعتكم وداع امرئ مرصد لتلاق ، وغدا ترون وتكشف لكم عن سرائري ، عليكم السلام الى يوم المرام ، كنت بالأمس صاحبكم واليوم عظة لكم وعدا افارقكم ، إن أبق فأنا وليّ دمي ، وإن متّ فالقيامة ميعادي والعفو أقرب للتقوى ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (١).

وقال عليه‌السلام : إنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وأنّ الآخرة قد أشرفت وأقبلت باطّلاع ، وأنّ المضمار اليوم وغدا السباق ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد حسن عمله ، ومن قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله ، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون في الرهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، ومن لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، ومن لا يستقيم له الهدى يخزيه الضلال ، وانّكم قد امرتم بالظعن ودللتم على الزاد ، وأخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل (٢).

وقال عليه‌السلام : لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخّر التوبة لطول الأمل ، ويقول في الدنيا قول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين ، إن اعطي منها لم يشبع ، وإن منع لم يقنع ويعجز عن شكر ما اوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر ولا يأتمر ، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم ، ويبغض الطالحين وهو منهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، ويقيم على ما يكره ، إن سقم ظلّ نادما ، وإن صحّ أمن لاهيا ، يعجب بنفسه إذا عوفي ، ويقنط إذا ابتلي ، تغلبه نفسه على ما بطن ، ولا يغلبها على ما يستيقن ، لا يثق من الرزق بما ضمن له ، ولا يعمل من العمل بما فرض عليه ، إن استغنى بطر وفتن ، وإن افتقر قنط ووهن ، فهو من الذنب والنعمة

__________________

(١) نهج البلاغة : ص ٢٠٧ خطبة ١٤٩ مع اختلاف في بعض ألفاظها.

(٢) نهج البلاغة : ص ٧١ خطبة ٢٨.

٣٨٥

موقر يبتغي الزيادة ولا يشكر ، يحكم على غيره لنفسه ، ولا يحكم عليها لغيره ، فهو يطاع ويعصي ، ويستوفي ولا يوفي (١).

وقال عليه‌السلام : مثل الدنيا كمثل الحيّة ليّن لمسها وفي جوفها السمّ الناقع ، يهوى إليها الصبيّ الجاهل ويحذرها ذو اللبّ الحاذر (٢).

وقال عبد الرحمن السلمي : كنت عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام إذ أتاه سلمان الفارسي رضي‌الله‌عنه فقال : كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟

قال : أصبحت ولي ثمانية مطالبين.

قال : من هم؟

قال : الله عزّ وجلّ يطالبني بفرائضه ، ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطالبني بسنّته ، والملكان يطالباني بلفظي ، ونفسي تطالبني باللذّة ، والشيطان بالهوى ، وعيالي بالقوت ، وملك الموت يطالبني بنفسي (٣).

وقال عليه‌السلام : يجب للمسلم على المسلم سبع خصال : يسلّم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويعوده إذا مرض ، ويتّبع جنازته إذا مات ، ويحبّ له ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، ويواسيه بماله.

وقال عليه‌السلام : قصم ظهري اثنان : عالم فاسق وجاهل ناسك ، هذا يدعو الناس الى فسقه بعلمه ، وهذا يدعو الناس إلى جهله بنسكه.

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري : قام رجل الى أمير المؤمنين عليه‌السلام فسأله عن الإيمان ، فقام عليه‌السلام خطيبا فقال : الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهّل شرائعه لمن ورده ، وأعزّ أركانه على من حاربه ، وجعله عزّا لمن والاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتمّ به ، وزينة لمن تحلّى به ، وعصمة لمن اعتصم به ، وحبلا لمن تمسّك به ، وبرهانا لمن تكلّم به ، ونورا لمن استضاء به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاجّ به ، وعلما لمن وعاه ، وحديثا لمن رواه ، وحكما لمن قضى به ، وحلما لمن

__________________

(١) نهج البلاغة : ص ٤٩٧ حكمة ١٥٠.

(٢) نهج البلاغة : ص ٤٨٩ الحكمة ١١٩.

(٣) نهج البلاغة : ٤٨٩ الخطبة ١١٧.

٣٨٦

حرب ، ولبّا لمن تدبّر ، وفهما لمن فطن ، ويقينا لمن عقل ، وتبصرة لمن عزم ، وآية لمن توسّم ، وعبرة لمن اتّعظ ، ونجاة لمن صدق ، ومودّة من الله لمن أصلح ، وزلفا لمن ارتقب ، وثقة لمن توكّل ، وراحة لمن فوّض ، وجنّة لمن صبر. الحقّ سبيله ، والهدى صفته ، والحسنى مأثرته ، فهو أبلج المنهاج ، مشرق المنار ، مضيء المصابيح ، رفيع الغاية ، يسير المضمار ، جامع الحيلة ، متنافس السبقة ، كريم الفرسان. التصديق منهاجه ، والصالحات مناره ، والفقه مصابيحه ، والموت غايته ، والدنيا مضماره ، والقيامة جلبته ، والجنّة سبقته ، والنار نقمته ، والتقوى عدّته ، والمحسنون فرسانه. فبالإيمان يستدلّ على الصالحات ، وبالصالحات يعمر الفقه ، وبالفقه يرهب الموت ، وبالموت تختم الدنيا ، وبالقيامة تزلف الجنّة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين.

فالإيمان على أربع دعائم : الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد. فالصبر من ذلك على أربع شعب : الشوق ، والشفق ، والزهادة ، والترقّب.

ألا من اشتاق الى الجنّة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرّمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع الى الخيرات. واليقين على أربع شعب : على تبصرة الفطنة ، وتأوّل الحكمة ، وموعظة العبرة ، وسنّة الأوّلين. فمن تبصّر في الفطنة تبيّن الحكمة ، ومن تبيّن الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة عرف السنّة ، ومن عرف السنّة فكأنّما كان في الأوّلين. والعدل على أربع شعب : على غامض الفهم ، وغمارة العلم ، وزهرة الحكم ، وروضة الحلم. فمن فهم نشر جميل العلم ، ومن علم عرف شرائع الحكم ، ومن عرف شرائع الحكم لم يضلّ ، ومن حكم لم يفرط امره وعاش في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدق في المواطن ، وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الكافر ، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه ، ومن شنأ الفاسقين غضب لله ، ومن غضب لله تعالى فهو مؤمن حقّا. فهذه صفة الإيمان ودعائمه.

٣٨٧

فقال له السائل : لقد هذّبت يا أمير المؤمنين وأرشدت فجزاك الله عن الدين خيرا (١).

فصل

في مسائل سئل عنها أمير المؤمنين عليه‌السلام وأجاب وفي قضاياه

حدّث أحمد بن أبي عبد الله البرقي ويعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا ، عن ابن فضّال ، عن أيمن بن محرز الحضرمي ، عن محمّد بن سماعة الكندي ، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : لمّا بايع الناس عمر بعد موت أبي بكر أتاه رجل من شباب اليهود وهو في المسجد الحرام فسلّم عليه والناس حوله ، فقال : يا أمير المؤمنين دلّني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنّته؟ فأومأ بيده الى عليّ عليه‌السلام ، فقال : هذا.

فتحوّل الرجل الى عند عليّ فسأله : أنت كذلك؟ فقال : نعم. فقال : إنّي اسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة. فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أفلا قلت عن سبع؟ فقال اليهودي : لا إنّما أسألك عن ثلاث ، فإن أصبت فيهن سألتك عن ثلاث بعدها ، وإن لم تصب لم أسألك. فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أخبرني إن أجبتك بالصواب والحقّ تعرف ذلك؟ وكان الفتى من علماء اليهود وأحبارها يرون أنّه من ولد هارون بن عمران أخي موسى عليهما‌السلام. فقال : نعم فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : بالله الذي لا إله إلاّ هو لئن أجبتك بالحقّ والصواب لتسلمنّ ولتدعن اليهودية؟ فحلف اليهودي وقال : ما جئتك إلاّ مرتادا اريد الإسلام. فقال : يا هاروني سل عمّا بدا لك تخبر إن شاء الله تعالى. قال : أخبرني عن أوّل شجرة وضعت على وجه الأرض. وأوّل عين نبعت في الأرض ، وأوّل حجر وضع على وجه الأرض. فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أمّا سؤالك عن أوّل شجرة وضعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنّها

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٥٣ الخطبة ١٠٦ مع اختلاف في بعض الألفاظ.

٣٨٨

الزيتونة وكذبوا إنّما هي النخلة ، وهي العجوة هبط بها آدم عليه‌السلام معه من الجنّة فغرسها ، وأصل النخل كلّه منها. وأمّا قولك أوّل عين نبعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنها العين التي ببيت المقدس تحت الحجر وكذبوا ، بل هي عين الحيوان التي انتهى موسى وفتاه إليها فغسلا فيها السمكة المالحة فحيّيت ، وليس من ميّت يصيبه ذلك الماء إلاّ حيّي ، وكان الخضر على مقدّمة ذي القرنين يطلب عين الحياة فوجدها الخضر عليه‌السلام وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين.

وأمّا قولك أوّل حجر وضع على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنّه الحجر الذي في بيت المقدس وكذبوا ، إنّما هو الحجر الأسود هبط به آدم عليه‌السلام فوضعه على الركن والناس يستلمونه ، وكان أشدّ بياضا من الثلج فاسودّ من خطايا بني آدم قال : فأخبرني كم لهذه الامّة إمام هدى هادين مهديّين لا يضرّهم من خذلهم؟ وأخبرني أين منزل محمّد في الجنّة؟ ومن معه من امّته في الجنّة؟

قال : أمّا قولك كم لهذه الامّة من إمام هدى هادين مهديّين لا يضرّهم من خذلهم فإنّ لهذه الامّة اثنا عشر إماما.

وأمّا قولك أين منزل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجنّة ففي أشرفها وأفضلها جنّة عدن.

وأمّا قولك من مع محمّد في الجنّة من امّته فهؤلاء الاثنا عشر أئمّة الهدى. قال الفتى : صدقت ، فو الله الذي لا إله إلاّ هو انّه مكتوب عندي بإملاء موسى وخطّ هارون بيده قال : فأخبرني كم يعيش وصيّ محمّد بعده؟ وهل يموت موتا أو يقتل قتلا؟ فقال له عليّ عليه‌السلام : ويحك يا يهودي أنا وصيّ محمّد بعده ، أعيش بعده ثلاثين سنة لا أزيد يوما ولا أنقص يوما ، ثمّ ينبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة ثمود فيضربني ضربة هاهنا في قرني فيخضب منّي لحيتي. ثمّ بكى عليّ بكاء شديدا ، فصرخ الفتى وقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله (١).

وحدّث عبد الله بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه قال : شهدنا مجلس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فأتاه نفر من العجم فسلّموا عليه وقالوا :

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٦ ص ٢٢٠ باب ٤٠ ح ٢٠ نقلا عن كتاب مقتضب الأثر : ص ١٧.

٣٨٩

يا أمير المؤمنين جئناك نسألك عن ستّ خصال فإن أنت أجبتنا آمنّا وصدّقنا وإلاّ كذّبنا وجحدنا.

فقال عليه‌السلام : سلوا متفقّهين ولا تسألوا متعنّتين.

قالوا : أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ، والحمار في نهيقه ، والديك في نقيعه ، والضفدع في نقيقه ، والدرّاج في صياحه ، والقمري في صفيره؟ فقال عليّ عليه‌السلام : إذا التقى الزحفان ومشى الرجال الى الرجال بالسيوف رفع الفرس رأسه الى السماء فقال : سبحان الملك القدّوس ، ويقول الحمار في نهيقه : اللهمّ العن الظلمة ، ويقول الديك بالأسحار : اذكروا الله يا غافلين ، ويقول الضفدع في نقيقه : سبحان المعبود في لجج البحار ، ويقول الدرّاج في صياحه : الرحمن على العرش استوى ، ويقول القمري في صفيره : اللهمّ العن مبغضي آل محمّد. قالوا : آمنّا وصدّقناك وما على الأرض أعلم منك. فقال لهم عليه‌السلام : ألا افيدكم عن الفرس؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين. قال : إنّ للفرس في كلّ يوم ثلاث دعوات مستجابات. يقول في أوّل النهار : اللهمّ وسّع على سيّدي الرزق ، ويقول في وسط النهار : اللهمّ اجعلني الى سيّدي أحبّ إليه من أهله ، ويقول في آخر النهار : اللهمّ ارزق سيّدي عليّ الشهادة (١).

وروي أنّ عمر استدعى امرأة كان يتحدّث عندها الرجال ، ففزعت وارتاعت وخرجت معهم ، فأملصت فوقع ولدها الى الأرض يستهلّ ثمّ مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسألهم عن الحكم في ذلك. فقالوا بأجمعهم : نراك مؤدّبا ولم ترد إلاّ خيرا ولا شيء عليك في ذلك. وأمير المؤمنين عليه‌السلام جالس لا يتكلّم ، فقال له عمر : ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟

قال : قد سمعت ما قالوا. قال : فما تقول أنت؟ قال : قد قال القوم ما سمعت. قال : أقسمت عليك لتقولنّ ما عندك في ذلك. قال : إن كان القوم راقبوك فقد

__________________

(١) الاختصاص : ص ١٣٦.

٣٩٠

غشّوك ، وإن كانوا ارتئوا فقد قصّروا ، الدية على عاقلتك لأنّ قتل الصبيّ خطأ تعلّق بك. فقال : أنت والله نصحتني من بينهم ، والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي. ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام (١).

وروي أنّ امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما ولدا لها بغير بيّنة ، فالتبس الحكم في ذلك على عمر وفزع فيه الى عليّ عليه‌السلام ، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما فأقامتا على النزاع والاختلاف. فقال عليه‌السلام عند ذلك : ائتوني بمنشار.

فقالت له الامرأتان ما تصنع به؟ فقال : أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه. فسكتت إحداهما وقالت الاخرى : الله الله يا بالحسن إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها.

فقال : الله اكبر هذا ابنك دونها ، ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت. فاعترفت المرأة الاخرى بأنّ الحقّ مع صاحبتها والولد لها دونها. فسرّ عمر ودعا لأمير المؤمنين عليه‌السلام بما فرّج عنه في القضاء (٢).

وروي عن يونس عن الحسن أنّ عمر اتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها.

فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : إن خاصمتك بكتاب الله عزّ وجلّ خصمتك ، إنّ الله تعالى يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ويقول : ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) وإذا تمّمت المرأة الرضاع سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا كان الحمل ستّة أشهر.

فخلّى عمر سبيل المرأة وقال : لو لا عليّ لهلك عمر ، وثبت الحكم بذلك. فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنهم الى يومنا هذا (٣).

ومن ذلك أنّ امرأة نكحها شيخ كبير فحملت ، وزعم الشيخ أنّه لم يصل إليها

__________________

(١) الإرشاد : ص ١٠٩ ط بصيرتي قم.

(٢) الإرشاد : ص ١١٠.

(٣) الإرشاد : ص ١١٠.

٣٩١

وأنكر حملها ، والتبس الأمر على عثمان ، وسأل المرأة : هل افتضّك الشيخ؟ ـ وكانت بكرا ـ فقالت : لا. فقال عثمان : أقيموا الحدّ عليها.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : للمرأة سمّين : سمّ المحيض وسمّ البول ، فلعلّ الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سمّ المحيض فحملت منه ، فسلوا الشيخ عن ذلك.

فسئل فقال : قد كنت انزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : الحمل له والولد ولده وأرى عقوبته على الإنكار له. فصار عثمان الى قضائه بذلك (١).

وروي أنّ رجلا كانت له سريّة فأولدها ، ثمّ اعتزلها وأنكحها عبدا له ، ثمّ توفي السيّد فعتقت بملك ابنها لها ، وورث ولدها زوجها ، ثمّ توفّي الابن فورثت من ولدها زوجها ، فارتفعا الى عثمان يختصمان تقول : هذا عبدي ، ويقول : هي امرأتي ولست مفرّجا عنها.

فقال عثمان : هذه مشكلة ، وأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام حاضر فقال : سلوها هل جامعها بعد ميراثها له. فقالت : لا. فقال : لو أعلم أنّه فعل ذلك لعذّبته ، اذهبي فإنه عبدك ليس له عليك سبيل إن شئت أن تسترقّيه أو شئت أن تعتقيه أو تبيعيه فذلك لك (٢).

وقيل : إنّ امرأة ولدت على فراش زوجها ولدا له بدنان ورأسان على حقو واحد ، فالتبس الأمر على أهله أهو واحد أم اثنان؟ فصاروا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام يسألونه عن ذلك ليعرف (٣) الحكم فيه. فقال لهم أمير المؤمنين عليه‌السلام : اعتبروه إذا نام ثمّ أنبهوا إحدى البدنين والرأسين فإن انتبها جميعا معا في حالة واحدة فهما انسان واحد ، وإن استيقظ أحدهما والآخر نائم فهما اثنان وحقّهما من الميراث حقّ اثنين (٤).

وقيل : إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام دخل ذات يوم المسجد فوجد شابّا حدثا يبكي

__________________

(١) الإرشاد : ص ١١٢ ـ ١١٣.

(٢) الإرشاد : ص ١١٣.

(٣) كذا ، وفي الإرشاد : ليعرفوا.

(٤) الإرشاد : ص ١١٣ ـ ١١٤.

٣٩٢

وحوله قوم ، فسألهم عنه فقال : إنّ شريحا قضى عليّ قضيّة لم ينصفني فيها.

قال : وما شأنك؟ قال : إنّ هؤلاء النفر ـ وأومأ إلى نفر حضور ـ أخرجوا أبي معهم في سفر فرجعوا ولم يرجع ، فسألتهم عنه ، فقالوا : مات ، فسألتهم عن ماله الذي استصحبه ، قالوا : ما نعرف له مالا ، فاستحلفهم شريح وتقدّم إليّ بترك التعرّض لهم.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام لقنبر : اجمع القوم وادع لي شرطة الخميس ، ثمّ جلس ودعا النفر والحدث معهم ، فسأله عمّا قال : فادّعى الدعوى وجعل يبكي ويقول : أنا والله أتّهمهم على أبي يا أمير المؤمنين فإنّهم احتالوا عليه حتى أخرجوه معهم وطمعوا في ماله.

فسأل أمير المؤمنين عليه‌السلام القوم ، فقالوا كما قالوا لشريح : مات الرجل ولم نعرف له مالا فنظر أمير المؤمنين عليه‌السلام في وجوههم ثمّ قال لهم : ما ذا تظنّون؟ أتظنّون أنّي لا أعلم ما ذا صنعتم بأبي هذا الفتى؟! إنّي إذا لقليل العلم. ثمّ أمر بهم أن يفرّقوا ، ففرقوا الى سطح المسجد واقيم كلّ واحد منهم إلى جانب اسطوانة من أساطين المسجد ، ثمّ دعا عبيد الله بن أبي رافع كاتبه يومئذ فقال له : اجلس ، ثمّ دعا واحدا منهم فقال له : أخبرني ولا ترفع صوتك في أيّ يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الغلام معكم؟ فقال : في يوم كذا وكذا.

فقال لعبيد الله : اكتب. ثمّ قال له : في أيّ شهر كان؟ فقال : في شهر كذا.

قال : اكتب. قال : في أيّ سنة؟

قال : في سنة كذا.

قال : فكتب عبيد الله ذلك كلّه.

قال : فبأيّ مرض مات؟

قال : بمرض كذا.

قال : ففي أيّ منزل مات.

قال : في موضع كذا.

٣٩٣

قال : من غسّله وكفّنه؟

قال : فلان.

قال : فيم كفّنتموه؟

قال : بكذا.

قال : فمن صلّى عليه؟

قال : فلان.

قال : فمن أدخله القبر؟

قال : فلان. وعبيد الله بن أبي رافع يكتب.

فلمّا انتهى إلى دفنه كبّر أمير المؤمنين عليه‌السلام تكبيرة وسمعها أهل المسجد. ثمّ أمر بالرجل فردّ إلى مكانه. ودعا آخر من القوم فأجلسه بالقرب منه ، ثمّ سأله عمّا سأله الأول عنه ، فأجاب بما خالف الأول بالكلام كلّه ، وعبيد الله بن أبي رافع يكتب. فلمّا فرغ من سؤاله كبّر تكبيرة سمعها أهل المسجد. ثمّ أمر بالرجلين جميعا أن يخرجا عن المسجد نحو السجن فيوقف بهما على بابه. ثمّ دعا بالثالث فسأله عمّا سأل الرجلين ، فحكى خلاف ما قالا ، وكتب ذلك عنه ، ثمّ كبّر وأمر بإخراجه نحو صاحبيه. ودعا برابع من القوم فاضطرب قوله وتلجلج ، فوعظه وخوّفه فاعترف أنّه وأصحابه قتلوا الرجل وأخذوا ماله وأنّهم دفنوه في موضع كذا بالقرب من الكوفة ، فكبّر أمير المؤمنين عليه‌السلام وأمر به إلى السجن.

واستدعى واحدا من القوم فقال له : زعمت أنّ الرجل مات حتف أنفه وقد قتلته : أصدقني عن حالك وإلاّ نكّلت بك فقد وضح لي الحقّ في قضيّتكم. فاعترف الرجل بما اعترف به صاحبه. ثمّ دعا الباقين فاعترفوا عنده بالقتل وسقطوا في أيديهم واتّفقت كلمتهم على قتل الرجل وأخذ ماله. فأمر من مضى مع بعضهم إلى موضع المال الذي دفنوه فاستخرجه منه وسلّمه إلى الغلام ابن الرجل المقتول.

ثمّ قال له : ما الذي تريد قد عرفت ما صنع القوم بأبيك؟ قال : أريد أن يكون القضاء بيني وبينهم بين يدي الله عزّ وجلّ ، وقد عفوت عن دمائهم في الدنيا. فدرأ أمير المؤمنين عليه‌السلام عنهم حدّ القتل وأنهكهم عقوبة.

٣٩٤

فقال شريح : يا أمير المؤمنين كيف هذا الحكم؟ فقال له : إنّ داود عليه‌السلام مرّ بصبيان يلعبون وينادون بواحد منهم يا مات الدين والغلام يجيبهم ، فدنا داود عليه‌السلام منهم فقال له : يا غلام ما اسمك؟ قال : اسمي مات الدين. قال له : من سمّاك بهذا الاسم؟ قال : امّي. قال داود عليه‌السلام : وأين امّك؟ فقال : في منزلها. فقال داود عليه‌السلام : انطلق بنا إلى امّك. فانطلق به إليها فاستخرجها من منزلها فخرجت.

فقال لها : يا أمة الله ما اسم ابنك هذا؟ قالت : اسمه مات الدين. قال لها داود عليه‌السلام : ومن سمّاه بهذا الاسم؟ قالت : أبوه. قال : وما كان سبب ذلك؟ قالت : إنّه خرج في سفر له ومعه قوم وأنا حامل بهذا الغلام فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي ، فسألتهم عنه فقالوا مات ، فسألتهم عن ماله فقالوا ما ترك مالا ، فقلت لهم :

هل أوصاكم بوصيّة؟ قالوا : نعم زعم انّك حبلى وإن ولدت جارية أو غلاما فسمّيه مات الدين ، فسمّيته كما أوصى ولم احبّ خلافه. فقال لها داود عليه‌السلام : هل تعرفين القوم؟ قالت : نعم. فقال لها : انطلقي مع هؤلاء ـ يعني قوما بين يديه ـ فاستخرجهم من منازلهم. فلمّا حضروا حكم فيهم بهذه الحكومة ، فثبت عليهم الدم واستخرج منهم المال ، ثمّ قال لها : يا أمّة الله سمّي ابنك هذا عاش الدين (١).

وروى الحسن بن محبوب قال : حدّثني عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال :

سمعت ابن أبي ليلى يقول : قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام بقضية ما سبقه إليها أحد ، وذلك أنّ رجلين اصطحبا في طريق فجلسا يتغدّيان ، فأخرج أحدهما خمسة أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة ، فمرّ بهما رجل فسلّم عليهما ، فقالا له : الغداء ، فجلس معهما يأكل ، فلمّا فرغ من أكله رمى إليهما ثمانية دراهم وقال إليهما : هذه عوض عمّا أكلت من طعامكما ، فاختصما وقال صاحب الثلاثة : هذه نصفان بيننا. فقال صاحب الخمسة : بل لي خمسة ولك ثلاثة. فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام وقصّا عليه القصّة.

فقال عليه‌السلام : هذا أمر فيه دناءة ، والخصومة فيه غير جميلة والصلح أحسن.

__________________

(١) الإرشاد : ص ١١٥.

٣٩٥

فقال صاحب الثلاثة : لست أرضى إلاّ بمرّ القضاء. قال أمير المؤمنين عليه‌السلام :

فإذا كنت لا ترضى إلاّ بمرّ القضاء فإنّ لك واحدا من ثمانية ولصاحبك سبعة. فقال : سبحان الله وكيف صار هذا؟ فقال له : أخبرك أليس كان معك ثلاثة أرغفة؟ قال : بلى. قال : هي تسعة أثلاث ، ولصاحبك خمسة؟ قال : بلى قال : هي خمسة عشر ثلثا ، الجميع أربعة وعشرون ثلثا ، أكلت أنت ثمانية وبقي لك واحد ، وأكل صاحبك ثمانية وبقي له سبعة ، وأكل الضيف ثمانية ، فلمّا أعطاكم الثمانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحد. فانصرف الرجلان على بصيرة من أمرهما في القضية (١).

وقضى عليه‌السلام في رجل ضرب امرأة فألقت علقة أنّ عليه ديتها أربعين دينارا ، وتلا قوله عزّ وجلّ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ).

ثمّ قال : في النطفة عشرون دينارا ، وفي المضغة ستون دينارا ، وفي العظم قبل أن يستوي خلقا ثمانون دينارا ، وفي الصورة قبل أن تلجها الروح مائة دينار ، فإذا ولجتها الروح كان فيها ألف دينار (٢).

فصل

في الأشعار التي تدلّ على فضل أمير المؤمنين

عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام

قال حسّان بن ثابت في ذكر المقام بغدير خم :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم

بخمّ فاسمع للنبيّ مناديا

يقول فمن مولاكم ووليّكم

فقالوا ولم يبدو هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا

ولن تجدنّ منّا لك اليوم عاصيا

__________________

(١) الإرشاد : ص ١١٧.

(٢) الإرشاد : ص ١١٩.

٣٩٦

فقال له قم يا عليّ فإنّني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا (١)

وقالت أم الحكم بنت الزبير تردّ على هند يوم بدر وتذكر عليّا :

إن كنت غير خبيرة فاستخبري

يا هند عن أبويك حين علاهما

وسلي أبا حسنا عليّ عنهما

وعن الوليد فسائلي لما هما

وقال عليّ بن الحسين عليهما‌السلام يذكر يوم بدر والغدير :

من شرّف الأقوام يوما برأيه

فإنّ عليّا شرّفته المناقب

وقول رسول الله والحقّ قوله

وإن رغمت منهم انوف كواذب

فإنّك منّي يا عليّ مواليا

كهارون من موسى أخ لي وصاحب

دعاه ببدر فاستجاب لأمره

وسارع في ذات الإله يضارب

فما زال يعلوهم به وكأنّه

شهاب تلقّاه القوابس ثاقب

وقال الحجّاج بن غلاظ في يوم احد :

لله أيّ مذبّب عن حرمة (٢)

أعني ابن فاطمة المعمّ المخولا (٣)

ظفرت يداك بضربة مشهورة

تركت اميّة للجبين مجدّلا (٤)

وعللت سيفك بالنخيع ولم تكن

لتردّه عطشان حتى ينهلا (٥)

فشددت شدّة ماجد وكشفتهم

بالجر إذ يهوون أخول أخولا (٦)

__________________

(١) المناقب لابن شهرآشوب : ج ٣ ص ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) في المصدر : حزبه.

(٣) الذب : الدفع والمنع ، والمراد بفاطمة هي فاطمة بنت أسد ، والمعمّ المخوّل : أي كريم الأعمال والأخوال.

(٤) في المصدر :

جادت يداك له بعاجل طعنة

تركت طليحة للجبين مجدلا.

والمجدل : المصروع المقتول.

(٥) في المصدر « بالدماء » بدل « بالنخيع » و « حران » بدل « عطشان » وهما بمعنى واحد ، والعلل : الشرب الثاني ، والنهل : الشرب الأول.

(٦) كشف الغمة : ج ١ ص ١٩٦ ـ ١٩٧ وفيه « باسل » بدل « ماجد » ، و « بالسفح » بدل « بالجر إذ » ، و « أسفل أسفلا » بدل « أخول أخولا ».

٣٩٧

وقال المعروف بابن رميم يحرّض قريشا على قتله عليه‌السلام :

في كلّ مجمع غاية أجزاكم جذع

أبرّ على المذاكي القرّح

لله درّكم الما تأنفوا

قد يدفع الضيم الكريم ويستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم

قتلا وحدّ غراره لم يصفح

أين الكهول وأين كلّ دعامة

في المعضلات وأين زين الأبطح

وقال مالك بن عبادة الغافقي يمدح أمير المؤمنين عليه‌السلام :

رأيت عليّا لا تلبّث قرنه

إذا ما دعاه حاسرا ومسربلا

وكم قد أذاق الموت من ذي حفيظة

رئيسا معمّا في العشيرة مخوّلا

فأصبح تقتات الضباع عظامه

وآخر بين العسكرين مجدّلا

ولمّا قتل عليه‌السلام في بني قريظة رجالهم قال حسّان :

لله أي كريهة أبليتها

ببني قريظة والنفوس تطّلع (١)

أردى رئيسهم وآب بتسعة

طورا يشلّهم وطورا يدفع (٢) (٣)

وقال حسّان أيضا لمّا دفع النبيّ عليه‌السلام يوم خيبر الراية الى عليّ عليه‌السلام :

وكان عليّ أرمد العين يبتغي

دواء فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

فبورك مرقيّا وبورك راقيا

وقال سأعطي الراية اليوم صارما

كميّا محبّا للرسول مواليا

يحبّ الإله والإله يحبّه

به يفتح الله الحصون الأوابيا

وأصفى بها دون البريّة كلّها

عليّا وسمّاه الوزير المؤاخيا

وخرج النابغة الجعدي من منزله وسأل عن حال الناس يوم موت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلقيه عمران بن حصين وقيس بن صرمة وقد عادا من السقيفة ، فقال : ما وراءكما؟ فقال عمران بن حصين :

__________________

(١) التطلّع : الانتظار.

(٢) أراده : أهلكه ، وآب : رجع ، والشل والشلل : الطرد.

(٣) كشف الغمّة : ج ١ ص ٢٠١.

٣٩٨

إن كنت أدري فعليّ بدنة

من كثرة التخليط أدري من انه

وقال قيس بن صرمة :

أصبحت الامّة في أمر عجب

والملك فيهم قد عدا لمن غلب

قد قلت قولا صادقا غير كذب

إنّ غدا يهلك أعلام العرب

فقال النابغة : ما فعل أبو حسن عليّ؟ فقيل له : مشغول بتجهيز النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فقال :

قولا لأصلع هاشم إن أنتما

لاقيتماه لقد حللت أرومها

وإذا قريش بالفخار تساجلت

كنت الجدير به وكنت زعيمها

وعليك سلّمت الغداة بامرة

للمؤمنين فما رعت تسليمها

نكثت بنو تيم ابن مرّة عهده

فتبوأت نيرانها وجحيمها

وتخاصمت يوم السقيفة والذي

فيه الخصام غدا يكون خصيمها

وقال النعمان بن زيد صاحب راية الأنصار في هذا اليوم :

يا ناعي الإسلام قم فانعه

قد مات عرف وأتى منكر

ما لقريش لا علا كعبها

من قدّموا اليوم ومن أخّروا

مثل عليّ من خفي أمره

عليهم والشمس لا تنكر

وليس يطوى علم باهر

سام يد الله له تنشر

حتّى يزيلوا صدع ملمومة

والصدع في الصخرة لا يجبر

كبش قريش في وغى حربها

صدّيقها فاروقها الأكبر

وكاشف الكرب إذا خطّه

أعيا على واردها المصدر

كبّر لله وصلّى وما

صلّى ذوو الغيث ولا كبّروا

تدبيرهم أدّى إلى ما أتوا

تبّا لهم يا بئس ما دبّروا

وقال العبّاس بن عبد المطّلب رضي الله عنهما :

عجبت لقوم أمّروا غير هاشم

على هاشم رهط النبيّ محمّد

وليسوا بأكفاء لهم في عظيمة

ولا نظراء في عفاف وسؤدد

وقال عتبة بن أبي سفيان بن عبد المطّلب :

٣٩٩

فكان وليّ الأمر من بعد أحمد

عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه

وصيّ رسول الله حقّا وصهره

وأوّل من صلّى ومن لان جانبه

وقال عتبة بن أبي لهب بن عبد المطّلب :

تولّت بنو تيم على هاشم ظلما

وذادوا عليّا من إمارته قدما

ولم يحفظوا قربى بنيّ قريبه

ولم ينفسوا فيمن تولاّه علما

وقال عبادة بن الصامت في يوم السقيفة :

يا للرجال أخّروا عليّا

عن رتبة كان لها مرضيا

وقال عبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمح :

لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة

على الدين معروف العفاف موفّقا

عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا

صدوقا وللجبّار قدما مصدّقا

أبا حسن فارضوا به وتتابعوا (١)

فليس كمن فيه لدى العيب مرتقا (٢)

عليّ وصيّ المصطفى ووزيره

وأوّل من صلّى لدى العرش واتّقى (٣)

رجعتم إلى نهج الهدى بعد زيغكم

وجمعتم من ثلمه ما تفرّقا

وكان أمير المؤمنين بن فاطم

بكم إن عرى خطب أبر وأرفقا

وقال زفر بن الحارث (٤) بن حذيفة الأسدي :

فحوطوا عليّا وانصروه فانّه

وصيّ وفي الإسلام أوّل أوّل

فإن تخذلوه فالحوادث جمّة

فليس لكم في الأرض من متحوّل (٥)

وقال أبو سفيان صخر بن حرب بن اميّة يوم السقيفة :

بني هاشم ما بال ميراث أحمد

تنقّل عنكم في لقيط وحامل

__________________

(١) في المصدر وتمسكوا ، وفي نسخة : وتبايعوا.

(٢) في المصدر : يرى العيب منطقا.

(٣) الى هنا في كفاية الطالب للكنجي : ص ١٢٧ ، وكذا الغدير : ج ٣ ص ٢٣٣.

(٤) في الغدير : يزيد ، وفي هامشه : في بعض المصادر زفير بن زيد.

(٥) الغدير : ج ٣ ص ٢٣٢ ـ ٢٣٣ مع اختلاف يسير.

٤٠٠