القواعد الفقهيّة - ج ١

آية الله السيّد محمّد حسن البجنوردي

القواعد الفقهيّة - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد حسن البجنوردي

المحقق: مهدي المهريزي المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: نشر الهادي المطبعة: مطبعة الهادي ISBN: 964-400-030-7
نسخة غير مصححة

وجوب الغسل أو التيمّم ، وليس ببعيد فهو خارج عن محلّ الكلام لأنّ كلامنا الآن في الضرر الذي يرتفع به الحكم الشرعي الإلزامي ؛ هذا في باب الضرر.

وأمّا باب الحرج فليس كذلك ، أي ارتكاب الفعل الحرجي لا حرمة فيه فليس بمبعد ، فقياس أحدهما بالآخر لا وجه له ؛ لأنّ مناط البطلان في العبادة الضرريّة كالوضوء أو الغسل الضرريين ليس في العبادة الحرجيّة ، بل العبادة الحرجيّة التي يأتي بها مع المشقّة تكون آكد في العبوديّة ، ولعلّه يشير إلى هذا الحديث المشهور أنّ « أفضل العبادات أحمزها » (١) أي أشدّها ، ولا شكّ في أنّ تحمّل المشاقّ في سبيل امتثال أوامر المولى ونواهيه ممدوح عند العقل والعقلاء ، إلاّ أن يكون المولى نهى عن تحمّله وإيقاع نفسه في المشقّة ، فحينئذ يكون عاصيا ويكون حاله حال الفعل الضرري ويكون خارجا عن مفروض الكلام ؛ لأنّ كلامنا في ما إذا كان الحرج موجبا لرفع الحكم الإلزامي إذا كان حرجيّا ، لا فيما إذا كان الفعل الحرجي منهيا كما أنّ الفعل الضرري يكون منهيّا.

والحاصل : أنّ قاعدة الحرج وكذلك قاعدة الضرر حكم امتناني ، غاية الأمر أنّ الفعل الضرر حرام بدليل آخر لا ربط له بالقاعدة ، بخلاف قاعدة الحرج فإنّه ليس هناك دليل آخر يدلّ على حرمة ارتكاب الفعل الحرجي.

وهذا هو السرّ في فتوى المشهور ببطلان الوضوء والغسل الضرري دون الحرجي منهما.

وأمّا الإشكال على صحّة العبادات الحرجيّة بأنّ الحرج يرتفع به الأمر كما هو مفاد هذه القاعدة ، فيكون إتيانها بقصد الأمر تشريعا محرّما.

ففيه : أنّ قصد الملاك كاف في عدم كونه تشريعا محرّما ، كما أنّه في باب الواجبين‌

__________________

(١) راجع : « بحار الأنوار » ج ٦٧ ، ص ١٩١ ، باب النيّة وشرائطها ومراتبها ، ذيل ح ٢ ، وص ٢٣٧ ، باب الإخلاص معنى قربه تعالى ، ذيل ح ٦.

٢٦١

الضدّين الذي أحدهما أهمّ يسقط أمر المهمّ ، ومع ذلك أو عصى امتثال أمر الأهمّ وأتى بالمهمّ ، فالتحقيق صحّة عبادته ؛ لكفاية الملاك في التقرّب بها ولا يحتاج إلى الأمر ؛ ففيما نحن أيضا كذلك.

إن قلت : إنّ هناك ـ أي في باب الواجبين المتزاحمين الضدّين الذي أحدهما أهمّ ملاكا ـ نعلم بوجود الملاك مع سقوط الأمر ؛ لأنّ سقوط الأمر هناك من باب عدم القدرة ، والقدرة العقليّة نعلم بعدم دخلها في الملاك ، فدليل وجوب ذلك الواجب المهمّ كما أنّه دالّ على وجوبه كذلك دالّ على وجود الملاك فيه ، والوجوب والأمر سقط بواسطة عدم القدرة ، وأمّا الدليل على وجود الملاك فباق بحاله.

قلنا : فيما نحن فيه أيضا كذلك ، فإنّ المرفوع هو الإلزام من باب الامتنان لا الملاك ؛ لأنّه لا امتنان في رفع الملاك ، بل رفعه يكون خلاف الامتنان ، بل لا يمكن رفعه في عالم التشريع ؛ لأنّه أمر تكويني ورفعه لا بدّ وأن يكون بأسبابه التكوينيّة ، لا بمثل لا حرج ولا ضرر ، بناء على ما هو التحقيق من أنّ مفادهما رفع الحكم الشرعي ، بل ولو على القول بكون مفادهما نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

وأمّا ما يقال : من عدم الدليل على وجود الملاك بعد عدم الأمر وارتفاعه بواسطة الحرج ؛ لأنّ الملاك كان يستكشف من الأمر ، فإذا سقط الأمر فليس هناك دليل كاشف عن وجوده.

ففيه : أنّ الإطلاقات وعمومات الأدلّة الأوّلية كانت دليلا على أمرين : أحدهما الوجوب ، والآخر هو الملاك. ودلالتها على الوجوب سقط عن الاعتبار بواسطة حكومة هذه القاعدة عليها ، وأمّا دلالتها على وجود الملاك فباق على حاله.

لا يقال : بأنّ ظهور الإطلاقات والعمومات الأوّليّة في وجود الملاك حتّى في حال كون تلك الأحكام حرجيّة ملازم مع ظهورها في الوجوب ، فإذا سقط ظهورها في الوجوب عن الاعتبار بواسطة هذه فيسقط ظهورها في وجود الملاك أيضا عن‌

٢٦٢

الاعتبار.

ففيه : أنّ التفكيك بين المتلازمين في الحجيّة لا مانع منه كما ، أنّه في الخبرين المتعارضين كلّ واحد منهما يسقط دلالته المطابقيّة عن الاعتبار بواسطة المعارضة ، فكلّ واحد منهما ليس حجّة في مدلوله المطابقي ـ أي مؤدّاه ـ ولكن كلاهما معتبران في مدلولهما الإلزامي ، أي نفي الحكم الثالث الذي هو خلاف مؤدّى كلّ واحد منهما.

وأمّا ما يقال : من أنّ لازم عدم بطلان الوضوء أو الغسل مع كونهما حرجيّين أن يكون مخيّرا بين الوضوء أو الغسل وبين التيمم في حال كونهما حرجيّين ، وهذا معلوم العدم ؛ لأنّ التفصيل قاطع للشركة ، فإنّ قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) (١) علّق التيمّم على عدم وجود الماء ، وعند الوجدان بمعنى التمكّن من استعماله لا محلّ للتيمّم ، بل إمّا الوضوء أو الغسل ، كلّ في محلّه ، كما أنّه عند عدم الوجدان يتعيّن عليه التيمّم ولا محلّ للوضوء ولا للغسل ، وحيث أنّهما نقيضان فلا ثالث غيرهما ، وإلاّ يلزم إمّا اجتماع النقيضين وإمّا ارتفاع النقيضين ، بمعنى أنّه لو كان محلّ الاثنين ـ أي الوضوء مثلا والتيمم ـ جمعا أو تخييرا يلزم اجتماع النقيضين ، وإن لم يكن الاثنين فيلزم ارتفاع النقيضين ، فلا بدّ وأن يكون الواجب عند القيام إلى الصلاة أحدهما المعيّن لا التخيير بينهما.

وفيه : أنّه من الممكن أن يكون في مقام الثبوت عدم وجدان الماء عند القيام للصلاة بمعنى عدم التمكّن من استعماله عقلا أو شرعا علّة منحصرة لوجوب التيمّم ، وأمّا مع التمكّن وعدم مانع شرعي أو عقلي فإن لم يكن استعماله شاقّا وحرجيّا فيجب الوضوء أو الغسل كلّ في محلّه ومورده. وأمّا إن كان شاقّا وحرجيّا فيكون مخيرا بين التيمم وبين الطهارة المائيّة أي الوضوء أو الغسل كلّ في محلّه ومورده.

وأمّا في مقام الإثبات فلو لم تكن هذه القاعدة في البين ، كان مقتضى ظاهر الآية‌

__________________

(١) النساء (٤) : ٤٣.

٢٦٣

أنّه عند عدم الوجدان وظيفته التيمّم ، وعند الوجدان الوضوء أو الغسل ، ولكن بعد ورود الدليل على عدم جعل الحكم الحرجي وعلمنا أنّه تعالى في مقام الامتنان ، فلا بدّ وأن يكون المرفوع هو الوجوب والإلزام لا الصحّة ؛ لأنّ رفع الصحّة خلاف الامتنان ، فبمقتضى رفعه لا بدّ وأن يكون التيمّم صحيحا.

ومن طرف آخر حيث أنّ الطهارة المائيّة أيضا صحيحة ؛ لأنّ المرفوع هو الإلزام لا الصحّة ، فيكون مخيّرا بين الطهارة المائيّة وبين الطهارة الترابيّة.

وبعد التأمّل فيما ذكرنا نعرف أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ قدس‌سره في حاشيته على العروة في هذا المقام من ادّعاء القطع بعدم التخيير بين الطهارتين لا يخلو من غرابة.

والحقّ في المقام هو صحّة الوضوء والغسل الحرجيّين ما لم يصل إلى حد الضرر المحرّم ، وإن كان الاحتياط بالجمع بينهما حسن ، بمعنى أنّه لو توضّأ أو اغتسل وتحمّل الحرج والمشقّة لا يترك التيمّم وأمّا لو تيمّم فلا يحتاج إلى الطهارة المائيّة قطعا.

الأمر الثاني : في أنّ هذه القاعدة هل هي حاكمة على جميع العمومات وإطلاقات أدلّة الأحكام الإلزاميّة ، سواء كانت تلك الأحكام من الواجبات أو كانت من المحرّمات؟ وعلى تقدير كونها شاملة للمحرّمات أيضا كالواجبات ، فهل تختصّ حكومتها على أدلّة محرّمات الصغائر أو يشمل الكبائر أيضا؟

فنقول : ظاهر الآية الشريفة ـ التي هي أساس قاعدة نفي العسر والحرج ، واستشهد الإمام عليه‌السلام في موارد عديدة بها ، وجعلها كبرى كلّية طبّقها على صغرياتها المتعدّدة في أبواب مختلفة ، أعني قوله تبارك وتعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ـ هو العموم لكلّ حكم شرعي حرجي ، سواء كان من الواجبات أو من المحرّمات ، وسواء كانت المحرّمات صغيرة أو كبيرة ، ولكن الظاهر أنّ بناء الفقهاء والأصحاب ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ ليس على العمل بذلك العموم والأخذ به ، خصوصا إذا كان المراد من الحرج والضيق العرفي الذي أخذ‌

٢٦٤

موضوعا للرفع في الآية الشريفة هو الحرج الشخصي لا النوعي ، كما هو كذلك ؛ لأنّه ليس في أغلب المحرّمات الكبيرة كالزناء بذات البعل وأمثاله إلاّ ويكون تركها لبعض الأشخاص حرجيّا ، ولا شكّ في أنّ الفقيه لا يرضى من نفسه أن يفتي بجواز ارتكاب ذلك المحرّم.

ولعلّ السرّ في ذلك أنّ هذا الحكم ـ أي رفع الحكم الحرجي ـ من اللطف والامتنان على العباد ، وإيقاع المكلّف في المفسدة العظيمة المترتّبة على ذلك المحرّم والذنب الكبير برفع الإلزام عنه خلاف اللطف والامتنان.

مثلا الشخص الذي له عطف ورأفة على ولده الوحيد العزيز عنده ، يأمره بما فيها المصالح له ، وينهاه عن الأفعال التي فيها مفاسد على اختلاف تلك المصالح والمفاسد خفّة وشدّة ، وقلّة وكثرة ، وصغرا وكبرا ، كلّ تلك الأوامر والنواهي من باب اللطف والشفقة عليه ، حتّى أنّ إعمال المولويّة والوعد على الامتثال ، والوعيد على العصيان كلّ ذلك من باب اللطف والإحسان إليه ، لأنّ لا يفوت منه المصالح ، ولا يقع في المفاسد خصوصا إذا كانت المفاسد عظيمة.

فاذا قال لذلك الولد : التكاليف التي وجّهتها إليك إذا كان العمل على طبقها وامتثالها شاقّا عليك وتقع في الضيق من ناحية العمل بها والجري على وفقها ، فهي مرفوعة عنك ولا تضيق على نفسك وأنت في سعة. وعلمنا أنّ صدور هذا الكلام من ذلك الولد الرؤوف من باب اللطف والامتنان على ذلك الولد ، فهل نفهم منه أنّه رخصة في كلّ ما فيه مفسدة عظيمة ، أو ترك كلّ ما فيه مصلحة ملزمة عظيمة؟! كلاّ ، ثمَّ كلاّ.

فاللازم على الفقيه في مقام إجراء هذه القاعدة أن يعمل النظر ، ويهتمّ غاية الاهتمام بأن يكون المورد ممّا لا يرضى الشارع بتركه ولو كان الفعل حرجيّا شاقّا على المكلّف ، كالواجبات التي بني الإسلام عليها ، كالصلاة ، والزكاة ، وصوم شهر رمضان ،

٢٦٥

والحج وأمثالها ممّا لا يرضى الشارع بتركها على كلّ حال. وكذلك لا يكون ممّا لا يرضى بفعله لاشتماله على المفسدة العظيمة ، كقتل النفس المحرّمة ، والزنا بذات البعل ، واللواط ، والفرار عين الزحف وارتكاب المعاملة الربويّة ، والقمار ، وشرب الخمر ، وسائر المحرّمات الكبيرة التي مذكورة في الفقه في أبواب ذكر العدالة فيها ، عصمنا الله من الزلل والخطأ.

والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وظاهرا وباطنا.

٢٦٦

١٠ ـ قاعدة

الغرور‌

٢٦٧
٢٦٨

قاعدة الغرور (*)

ومن القواعد المعروفة المشهورة في أبواب الضمانات « قاعدة الغرور ».

وهي عبارة عند الفقهاء عن صدور فعل عنه أوجب الضرر عليه بواسطة انخداعه عن آخر ولو يكن ذلك الآخر قاصدا لانخداعه ، بل هو أيضا كان مخدوعا أو كان جاهلا ومشتبها.

وعلى كلّ حال يشترط في كونه مغرورا أن يكون جاهلا بترتّب الضرر على فعله بحيث لا يتدارك ؛ لأنّه من الممكن أن يكون مغرورا مع علمه يترتّب الضرر على فعله للقطع بتداركه هذا ، ولكن خدع في أن هذا الضرر يتدارك ويتعقّب بنفع كثير ، فحكموا برجوع المغرور بالمعنى المذكور إلى من غرّه وخدعه ولو كان الغارّ جاهلا بأنّ فعله صار سببا لانخداع المغرور ؛ وذلك لأنّه لا يشترط في صدق عناوين الأفعال أن يكون الفاعل قاصدا لتلك العناوين ، فالذي قام أو قعد مثلا ولو غفلة من دون قصد إلى عنوان القيام والقعود يصدق عليه أنّه قام أو قعد ؛ فالذي أوقع شخصا في ارتكاب فعل يترتّب عليه الضرر مع جهله بحقيقة الحال بل أو همه أنّه ينتفع بهذا الفعل ،

__________________

(*) « القواعد والفوائد » ج ٢ ، ص ٦١ و ١٣٧ ؛ « الحق المبين » ص ٨٧ و ٩٢ ؛ « عوائد الأيّام » ص ٢٨ ؛ « عناوين الأصول » عنوان ٤٧ ؛ « خزائن الأحكام » العدد ١٧ : « قواعد فقه » ص ٩٣ ؛ « القواعد » ص ١٨٣ ؛ « قواعد فقه » ص ٧١ ؛ « قواعد فقهية » ص ٦٧ و ٨١ ؛ « القواعد الفقهية » ( مكارم الشيرازي ) ج ٤ ، ص ٢٨٤ ؛ « المبادي العامة للفقه الجعفري » ص ٢٦١ ؛ « قاعدة غرور وتتبع كاربرد آن در فقه وقانون مدني » نوشين چترچى ، ماجستير مدرسة الشهيد مطهّرى العالية ؛ « قاعدة غرور وموارد استناد به آن در مذاهب خمسه إسلامي » حسين طالبي ، ماجستير ، جامعة طهران ، ١٣٥٨ ؛ « قاعدة غرور وكاربرد آن در فقه وقانون مدني » نوشين چترچى ، مجلة « رهنمون » العدد ٧ ؛ « دو قاعدة فقهي ( الغرور وأصالة الصحة ) » مجلّة « حق » فصليّة ، العدد ١٠ ، العام ١٣٦٦ ؛ « در غرور ودليل آن » محمد اعتضاد البروجردي ، مجلة « كانون وكلاء » ، العام ٢ ، العدد ١١.

٢٦٩

فيصدق عليه أنّه غرّه وخدعه وإن لم يكن قاصدا لخدعه ، بل ولو لم يدر أنّه خدعة.

فالفاعل المباشر الذي صدر منه الفعل الذي يترتّب عليه الضرر مع جهله ـ أي أو همه غيره ـ بأنّه لا يترتّب عليه الضرر بل ينتفع به يسمّى بالمغرور. والذي أوهمه أنّه ليس في هذا الفعل ضرر بل فيه نفع ، هو يسمّى بالغار.

ومعنى رجوع المغرور إلى الغارّ هو أنّ المغرور له أن يغرم الغارّ ويأخذ منه مقدار ما تضرر.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول :

إنّ في هذه القاعدة جهات من الكلام :

الجهة الأولى

في مستندها‌

وهو أمور :

الأوّل : النبوي المشهور بين الفريقين ، وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « المغرور يرجع إلى من غرّه » كما حكي عن المحقّق الثاني قدس‌سره في حاشية الإرشاد وعن نهاية ابن الأثير. (١)

ودلالة هذه الجملة على المقصود في المقام ـ أي رجوع المغرور إلى الغارّ فيما تضرّر من ناحية تغريره إيّاه ـ واضح لا يحتاج إلى شرح وإيضاح ؛ إذ لا معنى لرجوع المغرور إلى الغارّ في المتفاهم العرفي إلاّ هذا المعنى ، أي يكون له أخذ ما تضرّر من الغارّ.

والعمدة إثبات سندها ، وقد ادّعى بعضهم عدم وجودها في كتب الحديث ، وإن كان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، لكن صرف احتمال الوجود لا أثر له.

__________________

(١) « النهاية » ج ٣ ، ص ٣٥٦.

٢٧٠

نعم لو كانت هذه الجملة في كتب الحديث ولو بعنوان الإرسال ، أو كان ذكرها أحد الفقهاء في كتابه مرسلة ـ كما أنّ صاحب الجواهر قال في كتاب الغصب : « بل لعلّ قوله عليه‌السلام : المغرور يرجع إلى من غرّه ظاهر في ذلك » (١). والظاهر أنّه اشتباه منه ، واعتمد قدس‌سره على ما هو المعروف ، لا أنّه ينقل الحديث عن كتاب أو عن إسناد ـ لما كان شكّ في حجّيته ؛ لما ذكرنا في كتابنا « منتهي الأصول » (٢) من أنّ مدار الحجّية في الخبر هو كونه موثوق الصدور ، والوثوق بالصدور كما يحصل من عدالة الراوي أو وثاقته وإن لم يكن عادلا بل كان منحرفا عن الحقّ ، كذلك يحصل من عمل الأصحاب به ، بل من فتوى مشهور القدماء على طبقه وإن لم يستندوا إليه.

ولكن مع ذلك يحتاج إلى نقله بعنوان الحديث والرواية ، كي بواسطة عمل الأصحاب على طبق مضمونه يحصل الوثوق بصدوره ، فيكون موضوعا للحجيّة.

وأمّا ادّعاء كون هذه الجملة معقد الإجماع لما ذكروها وأرسلوها إرسال المسلمات ، فهذا إن صحّ يرجع إلى الاستدلال بالإجماع ، وسنتكلّم فيه إن شاء الله.

الثاني : بناء العقلاء ، بمعنى أنّ العقلاء في معاملاتهم وسائر أعمالهم إذا تضرّروا بواسطة تغرير الغير إيّاهم ، يرجعون فيما تضرّروا إلى الغارّ ، ويأخذون منه مقدار الضرر الذي صار سببا لوقوع المغرور فيه ، وسائر العقلاء لا يستنكرون هذا المعنى بل يغرمون الغارّ ، وهذا أمر دائر شائع بينهم من دون نكير لأحد منهم.

وعندي أنّ هذا الوجه أحسن الوجوه الذي ذكروها في هذا الباب.

إن قلت : إنّ بناء العقلاء يحتاج في حجّيته إلى الإمضاء.

قلنا : أوّلا عدم الردع يكفي في الإمضاء ، ولم يثبت ردع من طرف الشارع ، وثانيا : اتّفاقهم على الاستدلال بهذه القاعدة في موارد متعدّدة من دون اعتراض من أحدهم‌

__________________

(١) « جواهر الكلام » ج ٣٧ ، ص ١٤٥.

(٢) « منتهى الأصول » ج ٢ ، ص ١١١.

٢٧١

على هذا الاستدلال ، يكشف كشفا قطعيّا عن إمضاء الشارع لهذه الطريقة والبناء.

الثالث : الإجماع على رجوع المغرور إلى الغارّ بمقدار الضرر الذي أوقعه الغارّ فيه. ولا خلاف بينهم في ذلك ، وإن كان خلاف ففي بعض موارد تطبيق القاعدة على صغرياتها من دون تشكيك في أصل الكبرى. مثلا ربما يقع الخلاف في أنّه إذا كان الغارّ جاهلا ومشتبها ، مثلا مدح بنتا بأنّها جميلة ولها ثروة كثيرة ولكن باعتقاد أنّها كذلك لسماعة من الناس في حقّها وتصديقه إياهم مع أنّها ليست كذلك ، فاغترّ المغرور بمدحه وبذل لها مهرا كثيرا للطمع في مالها وجمالها ، فظهر أنّها ليست كذلك ، فهل في مثل هذا المورد يصدق الغارّ على الذي أوقعه في هذه الخسارة أم لا؟

وأنت خبير بأنّ هذا الخلاف لا دخل له في إنكار الكبرى فالإنصاف أنّ الفقيه المتتبّع في موارد تطبيق هذه القاعدة لا يجد بدّا إلاّ من تصديق تحقّق هذا الإجماع ووجوده ، ولكن حيث أنّه من المحتمل القريب أن يكون المتّفقون معتمدين على تلك الرواية المشهورة وإن كان مدركهم غير صحيح عند جماعة أخرى الذين ينكرون وجود تلك الرواية ، أو كانوا معتمدين على مدرك آخر وعلى هذه الاحتمالات ، فلا يكون من الإجماع المصطلح في الأصول الذي بنينا على حجّيته.

الرابع : هو أنّ الغارّ أتلف ذلك المقدار الذي خسر المغرور وتضرّر ، من جهة أنّه كان سببا لوقوع المغرور في هذه الخسارة. والسبب ها هنا أقوى من المباشر ؛ لأنّ المباشر جاهل مغرور ومخدوع ، فيكون المباشر بمنزلة آلة لتلف ذلك المقدار من المال ، فبناء على هذا ليست قاعدة الغرور قاعدة مستقلّة ، بل تكون من صغريات قاعدة التلف ، فيكون الدليل على قاعدة التلف دليلا على هذه القاعدة.

ولكن أنت خبير بأنّ هذا الوجه لا صغرى له ولا كبرى.

أمّا عدم الصغرى ، فمن جهة أنّ المراد من كون الغارّ سببا لو كان أن تغريره علّة تامّة لوقوع المغرور في هذا الضرر ، أو هو يكون جزء الأخير من العلّة التامّة ، فقطعا‌

٢٧٢

ليس كذلك ؛ لأنّ الجزء الأخير والعلّة لوقوعه في هذا الضرر هو إرادة نفسه لا تغرير الغارّ. وإن كان المراد من كونه ـ أي الغارّ ـ سببا أي تغريره معدّ من معدّات وجود هذا الضرر ، فهذا وإن كان حقّا ولكن مثل هذا المعنى لا ينبغي أن يتخيل أو يتفوّه به أحد ، لأنّه معدّات كثيرة تكون لوقوع هذا الضرر ؛ فلا وجه للرجوع إلى الغارّ وحدة وتغريمه ، مع اشتراك غيره معه في المعدّية ، بل يكون نسبة التلف إلى بعض المعدّات من المضحكات.

وأمّا عدم الكبرى ، فمن جهة أن هذا الكلام أي كون السبب ها هنا أقوى من المباشر ممنوع ، وإن سلّمنا كونه سببا ؛ لأنّ المناط في أقوائيّة السبب من المباشر هو أن لا يتوسّط بين الفعل والسبب إرادة واختيار ، وإلاّ يكون الفعل مستندا إلى الفاعل المختار ، وهو يثاب أو يعاقب على الفعل لا الذي غرره وأغواه.

ولعلّه إلى هذا يشير قوله تعالى حكاية عن قول الشيطان ( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) (١) اللهمّ إلاّ أن يقال : هذا فيما إذا لم يكن الفاعل المختار جاهلا بالضرر المترتّب على فعله ، أمّا لو كان جاهلا بالمفسدة والضرر المترتّب على ذلك الفعل ، كما أنّه لو وصف شخص دواء سامّة بأنّه نافع وله آثار كذا وكذا ، وغرّره على شرب تلك الدواء ، فالسبب ها هنا أقوى من المباشر وإن كان الفعل صادرا عن الفاعل المختار.

ولعلّه من هذه الجهة يقال بأنّ الطبيب ضامن وإن كان حاذقا ، بل يمكن أن يقال بأنّه يقاد لو كان عالما بأنّها سامّة ومع ذلك غرّر المريض لشربها. وفي قضيّة الشيطان عدوّ الله وعدوّ الناس أيضا يثاب أو يعاقب الناس بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وهدايتهم إلى سواء السبيل لكي لا تكون لهم الحجة على الله بل له الحجة البالغة ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة.

__________________

(١) إبراهيم (١٤) : ٢٢.

٢٧٣

ولعلّه لهذه الجهة اختار شيخنا الأعظم قدس‌سره هذا الوجه مدركا لرجوع المغرور إلى الغارّ فيما إذا كان المشتري عن الفضولي جاهلا بأنّ البائع فضولي وليس بمالك فتضرّر (١).

الخامس : الأدلّة الواردة في الموارد الخاصّة الدالّة على رجوع المغرور إلى الغارّ في مقدار الضرر الذي أوقعه فيه بواسطة تغريره له ، مثل الروايات الواردة في تدليس الزوجة الدالّة على رجوع الزوج بالمهر على المدلّس ، معلّلة بقوله عليه‌السلام « لأنّه دلّسها » في خبر رفاعة : « وإن المهر على الذي زوّجها وإنّما صار عليه المهر لأنّه دلّسها » (٢) فجعل عليه‌السلام مناط الرجوع وعلّته تدليسه لها ، أي خدع الزوج بتدليسه إيّاها وإرائتها على خلاف الواقع ، فمقتضى عموم التعليل رجوع كلّ من خدع وتضرّر إلى الذي خدعه.

وصحيح الحلبي عن الصادق عليه‌السلام في الرجل الذي يتزوّج إلى قوم ، فإذن امرأته عوراء ولم يبينوا له ، قال : « لا ترد ، إنّما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل ». قلت : أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال عليه‌السلام : « لها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها ». (٣)

ففي هذه الصحيحة وإن لم يذكر سبب ضمان الولي لما ساقه إلى زوجته العوراء ، ولكن يفهم منها من لفظة « يغرم » وأنّه يدلّ حسب المتفاهم العرفي منه تدارك الضرر الذي أوقع الزوج فيه.

وأيضا صحيح الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في رجل ولّته امرأته أمرها ، وذات‌

__________________

(١) « المكاسب » ص ١٤٦.

(٢) « الكافي » ج ٥ ، ص ٤٠٧ ، باب المدالسة في النكاح وما ترد منه المرأة ، ح ٩ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٧ ، ص ٤٢٤ ، ح ١٦٩٧ ، باب التدليس في النكاح ، ح ٨ ؛ « الاستبصار » ج ٣ ، ص ٢٤٥ ، ح ٨٧٨ ، باب حكم المحدودة ، ح ١ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٤ ، ص ٥٩٦ ، أبواب العيوب والتدليس ، باب ٢ ، ح ٢.

(٣) « الكافي » ج ٥ ، ص ٤٠٦ ، باب المدالسة في النكاح وما ترد منه المرأة ، ح ٦ ؛ « الفقيه » ج ٣ ، ص ٤٣٣ ، باب ما يرد منه النكاح ، ح ٤٤٩٨ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٧ ، ص ٤٢٦ ، ح ١٧٠١ ، باب التدليس في النكاح ، ح ١٢ ؛ « الاستبصار » ج ٣ ، ص ٢٤٧ ، ح ٨٨٦ ، باب العيوب الموجبة للردّ ، ح ٧ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٤ ، ص ٥٩٣ ، أبواب العيوب والتدليس ، باب ١ ، ح ٦.

٢٧٤

قرابة أو جارة له لا يعرف دخيلة أمرها ، فوجدها قد داست عيبا هو بها ، قال : « يؤخذ المهر منها ، ولا يكون على الذي زوّجها شي‌ء » (١).

فجعل عليه‌السلام رجوع الزوج إلى نفس الزوجة التي دلّست وغررت الزوج بستر عيبها.

وخبر محمّد ابن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال في كتاب عليّ عليه‌السلام : « من زوّج امرأة فيها عيب دلّسته ولم يبيّن ذلك لزوجها ، فإنّه يكون لها الصداق بما استحلّ من فرجها ، ويكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوّجها ولم يبيّن » (٢).

فبمحض السكوت وعدم بيان العيب حكم بالرجوع إلى الذي زوجها ، فضلا عمّا إذا أظهر عدم العيب وأخبر بسلامتها وصحتها وعدم كلّ شين.

وهذه الأخبار وإن كانت ظاهرة في رجوع الزوج المغرور الجاهل بعيب زوجته إلى الذي غرّه وستر العيب ولم يبيّن ، سواء أكانت هي المدلّسة الساترة للعيب ، أو كان هو الولي على التزويج شرعا أو عرفا ولو كانت الولاية على التزويج بتوليتها إيّاه.

والمراد بولي التزويج ليس هو المباشر لإجراء الصيغة وكالة عنها في خصوص إجراء هذا الأمر أي الصيغة فقط ، بل المراد من يكون أمر التزويج بيده شرعا أو عرفا ، بحيث ينسب التزويج إليه ولو عرفا ، فيكون هو الغارّ. ولكن لا عموم لها بحيث تكون دليلا على جواز رجوع كلّ مغرور إلى من غرّه في أيّ موضوع وأيّة معاملة ؛ لأنّها وردت في رجوع الزوج المغرور إلى زوجته المدلّسة ، أو الذي زوّجها وسكت عن بيان عيبها.

وإلقاء الخصوصيّة واستنباط الحكم الكلّي شبه قياس. نعم في رواية رفاعة كان‌

__________________

(١) « الفقيه » ج ٣ ، ص ٨٧ ، باب الوكالة ، ح ٣٣٨٦ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٤ ، ص ٥٩٧ ، أبواب العيوب والتدليس ، باب ٢ ، ح ٤.

(٢) « تهذيب الأحكام » ج ٧ ، ص ٤٣٢ ، ح ١٧٢٣ ، باب التدليس في النكاح ، ح ٣٤ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٤ ، ص ٥٩٧ ، أبواب العيوب والتدليس ، باب ٢ ، ح ٧.

٢٧٥

الحكم معلّلا بقوله عليه‌السلام « لأنّه دلّسها » فحكم برجوع الزوج على الذي زوّجها بعلّة تدليسه إيّاها ، أي ستر عيوبها عن زوجها ، فيمكن أن يقال بكون الحكم دائرا مدار هذه العلّة ، أي الرجوع دائر مدار التدليس والتغرير.

ولكن مع ذلك استظهار العموم منها لا يخلو عن إشكال ؛ لأنّ صرف سكوت المتولّي للتزويج من ذكر العيب الذي فيها يكون تغريرا موجبا للضمان بعيد جدا ، خصوصا إذا كان المتولّي للتزويج جاهلا بذلك العيب.

وسنذكر في الجهة الآتية أنّه لا فرق في مفاد القاعدة بين أن يكون الغارّ جاهلا يترتّب الضرر على الفعل الذي يفعله المغرور ، أو لا.

ومثل الروايات الواردة في رجوع المحكوم عليه إلى شاهد الزور لو رجع عن شهادته وكذّب نفسه.

منها : مرسل جميل ، عن أحدهما عليه‌السلام : « إذا شهدوا على رجل ثمَّ رجعوا عن شهادتهم وقد قضي على الرجل ، ضمنوا ما شهدوا به وغرموه ، وإن لم يكن قضى طرحت شهادتهم ولم يغرم الشهود شيئا » (١).

فهذه الرواية تدلّ على أنّ الخسارة التي وقعت على المحكوم عليه بواسطة تغرير الشهود يرجع فيها إليهم.

ومنها : حسن محمّد بن قيس ، عن الباقر عليه‌السلام قال عليه‌السلام قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام في رجل شهد عليه رجلان أنّه سرق فقطع يده حتّى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر ، فقالا : هذا السارق وليس الذي قطعت يده ، إنّما اشتبهنا ذلك بهذا ، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر ». (٢)

__________________

(١) « الكافي » ج ٧ ، ص ٣٨٣ ، باب من شهد ثمَّ رجع عن شهادته ، ح ١ ؛ « الفقيه » ج ٣ ، ص ٦١ ، باب شهادة الزور وما جاء فيها ، ح ٣٣٣٩ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٦ ، ص ٢٥٩ ، ح ٦٨٥ ، باب البينات ، ح ٩٠ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٨ ، ص ٢٣٨ ، أبواب كتاب الشهادات ، باب ١٠ ، ح ١.

(٢) « الكافي » ج ٧ ، ص ٣٨٤ ، باب من شهد ثمَّ رجع عن شهادته ، ح ٨ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٦ ، ص ٢٦١ ،

٢٧٦

ومنها : مرسل ابن محبوب عن الصادق عليه‌السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ، ثمَّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل ، فقال عليه‌السلام : « إن قال الراجع : أو همت ، ضرب الحدّ وأغرم الدية. وإن قال : تعمّدت ، قتل » (١).

ومنها : أيضا ما رواه الشيخ ـ في الصحيح ـ عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في شاهد الزور قال عليه‌السلام : « إن كان الشي‌ء قائما بعينه ردّ على صاحبه وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل » (٢).

ولكن هذه الروايات ونظائرها ممّا لم نذكرها واردة في موارد خاصّة ، واستظهار هذه القاعدة الكليّة أعني قاعدة « المغرور يرجع إلى من غرّه » في غاية الإشكال.

الجهة الثانية

في مفاد هذه القاعدة ومدلولها‌

لا شكّ في أنّ القدر المتيقّن من هذه القاعدة على تقدير اعتبارها هو فيما إذا كان الغارّ عالما بالضرر الذي يترتّب على الفعل الذي يرتكبه المغرور ، وأمّا فيما إذا كان جاهلا ومشتبها هل يصدق عليه الغارّ حتّى يكون من صغريات هذه القاعدة أم لا؟

ولتوضيح المقام نقول : الغارّ والمغرور قد يكونان عالمين بالضرر ، ففي هذه الصورة ليس غارّ ولا مغرور في البين ؛ لأنّ جهل المغرور مأخوذ في حقيقة كونه مغرورا ، وإلاّ يكون هو بنفسه مقدّما على الضرر ، ولا خدعة ولا غرور في البين وقد‌

__________________

ح ٦٩٢ ، باب البيّنات ، ح ٩٧ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٨ ، ص ٢٤٢ ، أبواب كتاب الشهادات ، باب ١٤ ، ح ١.

(١) « الكافي » ج ٧ ، ص ٣٨٤ ، باب من شهد ثمَّ رجع عن شهادته ، ح ٤ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٦ ، ص ٢٦٠ ، ح ٦٩١ ، باب البيّنات ، ح ٩٦ ؛ وح ١٠ ، ص ٣١١ ، ح ١١٦٢ ، باب من الزيادات ، ح ٣ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٨ ، ص ٢٤٠ ، أبواب كتاب الشهادات ، باب ١٢ ، ح ١.

(٢) « الكافي » ج ٧ ، ص ٣٨٤ ، باب من شهد ثمَّ رجع عن شهادته ، ح ٣ ؛ « الفقيه » ج ٣ ، ص ٥٩ ، باب شهادة الزور وما جاء فيها ، ح ٣٣٣١ ؛ « تهذيب الأحكام » ج ٦ ، ص ٢٥٩ ، ح ٦٨٦ ، باب البيّنات ، ح ٩١ ؛ « وسائل الشيعة » ج ١٨ ، ص ٢٣٩ ، أبواب كتاب الشهادات ، باب ١١ ، ح ٢.

٢٧٧

يكونان جاهلين أو مختلفين.

فالصور أربعة :

أحدها : ما تقدّم من كونهما عالمين. وقد عرفت عدم دخول تلك الصورة تحت عموم قاعدة الغرور.

وكذلك الصورة الثانية ، أي فيما إذا كان الفاعل المتضرّر عالما والغارّ جاهلا ، فخارجة عن تحت القاعدة أيضا قطعا ؛ لعدم صدق الغرور مع علمه.

أمّا الصورة الثالثة ، أي فيما إذا كان المغرور جاهلا بالضرر والغار عالما ، فهذه هي القدر المتيقّن من القاعدة على تقدير صحتها واعتبارها.

وأمّا الصورة الرابعة ، أي فيما إذا كانا جاهلين ففيه كلام من حيث أنّ الجاهل بضرر فعل إذا أوقع شخصا في ارتكاب ذلك الفعل هل يصدق عليه أنّه غرّه وخدعه أم لا؟

ربما يقال بعدم صدق عنوان « الغارّ » عليه خصوصا إذا كان مشتبها وتخيّل النفع في ذلك الفعل ودعاه إليه باعتقاد أنّه نافع له ، ثمَّ ظهر أنّه يضرّه ، كالطبيب الذي يصف الدواء الفلاني له باعتقاد أنّه نافع له ، ثمَّ بعد استعماله تبيّن أنّه ضرّه ، فمثل هذا لا يعدّ عند العرف تغريرا أو خدعا لذلك الآخر المتضرّر.

ولكن أنت عرفت فيما ذكرنا من قبل أنّ قصد عناوين الأفعال ليس معتبرا في صدق عنوان ذلك الفعل ، فاذا ضرب أحدا يصدق عليه عنوان الضرب وان لم يقصده ، فالتغرير عبارة عن ترغيب شخص إلى فعل يترتب عليه الضرر وإن كان المرغب جاهلا بترتّب الضرر على ذلك الفعل وإيقاعه في ذلك الفعل.

نعم العناوين القصديّة لا تحصل بدون قصد ذلك العنوان ، فالتعظيم الذي هو من العناوين القصديّة لا يحصل من صرف ذلك القيام والركوع بدون قصد ذلك العنوان.

٢٧٨

ولكن أنت خبير بأنّ التغرير ليس من تلك العناوين.

وخلاصة الكلام : أنّه إذا أوقع شخص شخصا آخر في ضرر فعل بترغيبه إلى ذلك الفعل أو بشكل آخر يكون مشمولا لهذه القاعدة ، وإن كان جاهلا بذلك الضرر بل ولو كان باعتقاد النفع.

نعم دخول هذه الصورة في هذه القاعدة موضوعي.

وأمّا حكم القاعدة ـ أي جواز رجوعه إلى الغارّ ـ يشمله أو لا يشمله فيحتاج إلى النظر في دليل القاعدة ، فباعتبار الأدلّة ربما يختلف الشمول وعدمه.

فلو كان المدرك هو النبوي المشهور ، أي قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « المغرور يرجع إلى من غرّه » (١) فلا فرق بين أن يكون الغارّ جاهلا بترتّب الضرر والخسارة على فعل المغرور ؛ لما ذكرنا من عدم خروجه عن كونه غارّا بواسطة جهل.

وأمّا لو كان المدرك هو الإجماع ، فالظاهر عدم شموله لما إذا كان الغارّ جاهلا ؛ لوقوع الخلاف فيه.

وأمّا لو كان المدرك هو بناء العقلاء على رجوع المغرر في خسارته إلى الغارّ ، ففي بنائهم خصوصا فيما إذا كان الغارّ مشتبها معتقدا عدم عيب وخسارة في الفعل الذي يرغب المغرور على ارتكابه ، مثلا لو اعتقد أنّ المرأة الفلانيّة ليس فيها عيب ولها من الجمال والمال والكمال كذا وكذا ، فرغب شخصا في تزويجها ، فظهر خلاف ما قال يكون بناء العقلاء في مثل هذه الصورة على تغريمه مشكل.

وأمّا لو كان مدركه قاعدة الإتلاف وأنّه السبب لوقوع هذه الخسارة على المغرور ، وأنّ السبب هنا أقوى من المباشر فعلى فرض تماميّة هذا الكلام لا فرق بين أن يكون السبب عالما أو جاهلا.

__________________

(١) سبق ذكره في ص ٢٧٠ ، رقم (١).

٢٧٩

وأمّا لو كان المدرك لها هو الأخبار الخاصّة الواردة في أبواب مختلفة ، كما ذكرنا ما ورد في باب تدليس المرأة وإخفائها عيبها ، وما ورد في باب رجوع المحكوم عليه أو وليّه بخسارته إلى شاهد الزور ، فالإنصاف أنّ تلك الأخبار ظاهرة فيما إذا كان الغارّ عالما بالضرر على فرض صدق القاعدة في تلك الموارد وأن لا يكون من موارد كون سبب الإتلاف أقوى من المباشر ، والفقهاء ذكروها في ذلك الباب وإن استدلّ بعضهم في تلك الموارد بقاعدة الغرور أيضا.

ثمَّ إنّه بناء على ما اخترنا من المدرك لهذه القاعدة هو بناء العقلاء وأنّ الروايات الواردة في هذا الباب تكون إمضاء لذلك البناء ، فيقتضي أن نقول بعدم الضمان في صورة جهل الغارّ.

ولكن الروايات الواردة في باب ضمان الطبيب تدلّ على ضمان الغارّ وإن كان جاهلا ؛ وذلك من جهة القطع بأنّ الطبيب جاهل بضرر الدواء الذي يصفه للمريض أو يكتب لعلاجه.

وعلى كل حال الذي يحصل لنا من جميع أدلّة المقام من الأخبار ومن الأقوال والوجوه الأخر هو الاطمئنان بعدم الفرق بين أن يكون الغارّ جاهلا أو يكون عالما.

وأمّا احتمال أنّ هذه المفاهيم الثلاثة ـ أعني الغرور ، والخدع ، والتدليس ـ وإن كانت الأفعال منها مثل غرّه أو خدعه أو دلّس عليه لا تدلّ بهيئتها على كون الفاعل عالما ، ولكن موادّها أخذ فيها العلم والالتفات ، دعوى يكذّبها الوجدان وملاحظة موارد الاستعمالات.

الجهة الثالثة

في ذكر جملة من موارد تطبيق هذه القاعدة‌

فنقول : لا شكّ في جريان هذه القاعدة في أغلب أبواب الفقه ، خصوصا في أبواب‌

٢٨٠