شرح الأصول من الحلقة الثانية - ج ١

الشيخ محمّد صنقور علي البحراني

شرح الأصول من الحلقة الثانية - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمّد صنقور علي البحراني

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: المؤلّف المطبعة: ثامن الحجج
نسخة غير مصححة

الأصول وأما المقدمة الثانية فيتم تنقيحها في علم الأصول فيشكّل من مجموع المقدمتين قياسا صغراه المقدمة الأولى وكبراه المقدمة الثانية بالبيان الذي بيّنّاه في تعريف علم الأصول.

وبهذا يتّضح أنّ علم الأصول بمثابة علم المنطق لبقيّة العلوم حيث إن المنطق يساهم في إعطاء الضوابط للوصول إلى النتائج في شتى العلوم ، كذلك يصنع علم الأصول بالنسبة للفقه ، فعلاقة علم الأصول بعلم الفقه هي علاقة علم المنطق بسائر العلوم من حيث إنّه المحرّر لوسائل المعرفة والعاصم للفكر عن الخطأ في النتيجة العلمية ، وبهذا تتّضح فائدة علم الأصول.

٢١
٢٢

الحكم الشرعي وتقسيمه

الحكم من كل قضية هو ما ثبت لموضوع تلك القضية وحمل عليها ولا فرق بين الحكم الشرعي وبين غيره من الأحكام من هذه الجهة ، وإنما قيدناه بالشرعي باعتبار أن الحكم وقع في مسألة وقضية يكون إثبات حكمها لموضوعها بيد الشارع.

فكما نقول إن الرفع الثابت للفاعل حكم نحوي ، وإن عدم امتناع الصدق على كثيرين في الكلّي حكم منطقي ، وإن المعلول لا يتخلّف عن علته حكم فلسفي ، باعتبار أن إثبات هذه الأحكام لموضوعاتها يتم في علم اللغة والمنطق والفلسفة ، فكذلك المقام ، فإن وجوب الصلاة وحرمة الخمر وفساد القرض الربوي أحكام شرعية باعتبار أن إثبات هذه الأحكام لموضوعاتها إنما هو من الشارع المقدّس.

إذا اتّضح هذا ، فنقول : إن الأحكام الشرعية هي عبارة عن مجموعة من الاعتبارات المبرزة والمجعولة من قبل الله تعالى الناشئة عن أغراض وملاكات يراها المولى جلّ وعلا ، والتي منها تنظيم حياة الإنسان والارتقاء به إلى مستوى الكمال الروحي والاجتماعي ، قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (١) ، وقال تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٤٥

٢٣

يا أُولِي الْأَلْبابِ ) (١) ، هذا ما يتصل بالتنظيم الاجتماعي لحياة الإنسان ، وأما ما يتّصل بروحه وتكامله النفسي ، فمثل قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٢) ، إذن هذه الأحكام المجعولة من قبل الشارع المقدس توجّه الإنسان وتحركه نحو ما فيه كماله ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) (٣).

ثم إن الأحكام الشرعيّة تنقسم إلى قسمين :

الأوّل : الأحكام التكليفيّة :

وهي عبارة عن الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع ويكون لها اتصال بأفعال المكلّفين مباشرة وابتداء ، كاعتبار الحرمة والوجوب على عهدة المكلف ، فالوجوب يحرك المكلف ابتداء نحو الفعل ، كما أن الحرمة تحرك المكلف نحو ترك الفعل المجعول له الحرمة مباشرة وبدون واسطة ، واعتبار الوجوب على عهدة المكلف موجب للانبعاث نحو ذلك الفعل بدون انتظار شيء آخر ، فكلّ ما كان له توجيه مباشر للمكلّف فهو حكم تكليفي سواء كان ذلك التكليف إلزاميا كالوجوب أو الحرمة ، أو لم يكن إلزاميا كالاستحباب والكراهة والإباحة ، إذ أنّها جميعا تشترك في أنّها تتصل بفعل المكلف دون أن تكون منوطة بشيء آخر ، نعم إطلاق عنوان التكليفية عليها من باب تسمية الشيء باسم بعضه إذ أنّ « التكليفية » تعني جعل

__________________

(١) سورة البقرة : ١٧٩

(٢) سورة البقرة : ١٨٣

(٣) سورة الاسراء : ٩

٢٤

الكلفة وجعل الذمة مشغولة به ، وهذا إنما يناسب الأحكام الإلزامية.

الثاني : الأحكام الوضعية :

وهي الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع التي لا تكون تكليفية ، فكل حكم ليس بتكليفي فهو حكم وضعي كالحكم بالفساد والصحة والملكيّة والزوجيّة وهكذا ، وهذه كلها تشترك في أنها ليس لها اتصال مباشر بتحريك المكلف ، وإنما هي اعتبارات شرعية تكون عادة موضوعا لأحكام تكليفية ، وهي عادة ما تكون منوطة بأمر خارجي إذا اتفق حصوله ترتب الحكم الوضعي ، فمثلا إذا اتفق الغرر في البيع حكم الشارع بفساد ذلك البيع ، وإذا اتفق أن توضأ المكلف حكم الشارع بطهارته الحدثية ، وإذا ما تحقق الإيجاب من المرأة والقبول من الرجل حكم الشارع بالزوجية ، وإذا اشترط الشارع الاستقبال في الصلاة فهذا يعني الشرطية.

والأحكام الوضعية كما ذكرنا تكون موضوعا لأحكام تكليفية من وجوب وحرمة وإباحة ، فمثلا الحكم بالزوجية يكون موضوعا لوجوب النفقة على الزوج ووجوب التمكين على الزوجة ، وإباحة نظر الزوج والزوجة إلى عورة الآخر ، وحرمة زواج الأجنبي من تلك المرأة ، وكذلك الملكية فإنها موضوع لمجموعة من الأحكام التكليفية كحرمة التصرّف في أموال المالك بغير إذنه ووجوب تخميس المال المملوك إذا فضل عن المؤونة ، وإباحة مطلق التصرفات في المملوك للمالك.

ومرادنا من أنّ الأحكام الوضعية تقع موضوعا للأحكام التكليفيّة أن الحكم الوضعي يكون في رتبة الموضوع في القضايا الحملية ويكون الحكم التكليفي في رتبة المحمول والحكم ، فمثلا الزوجية تقتضي وجوب النفقة ،

٢٥

فالزوجية ـ التي هي حكم وضعي ـ وقعت موضوعا لحكم تكليفي وهو وجوب النفقة.

مبادئ الحكم التكليفي :

وقبل بيان المراد من مبادئ الحكم التكليفي لا بدّ من تقديم مقدمتين :

الأولى : وهي أن كل فعل اختياري يصدر من فاعل مختار لا بدّ أن يمرّ عبر مراحل ذهنية قبل صدور الفعل خارجا وهذه المراحل هي :

أولا : تصوّر الفعل ثم تصوّر فائدته ثم التصديق والإذعان بتلك الفائدة ثم ينشأ عن ذلك شوق ورغبة للفعل ثم يترتب على تلك الرغبة والشوق العزم على إيجاده ، وهذا العزم يتفاوت بتفاوت مستوى الرغبة والشوق ، وبعد طيّ كل هذه المراحل تصل النوبة لإعمال القدرة على إيجاد ذلك الفعل في الخارج فيسعى نحو تحقيقه في الخارج بالوسائل التي يراها مناسبة ، فتارة يعمل قواه العضلية في سبيل تحقيق ذلك الفعل وهذا ما يعبّر عنه بالإرادة التكوينية كتحرك العطشان بنفسه لتحصيل الماء ، وتارة أخرى يصدر أمرا ـ بتحصيل الماء ـ لعبده أو ولده مثلا ويعبّر عن ذلك بالإرادة التشريعية.

الثانية : إنّ الأحكام التشريعية الصادرة عن الله جلّ وعلا ليست جزافيّة بل هي أحكام نشأت عن مصالح أو مفاسد في متعلقاتها ، وهذا هو ما اشتهر عن الإمامية ـ أن أحكام الله تابعة للمصالح والمفاسد ـ فوجوب الصلاة مثلا ناشئ عن مصلحة في متعلق ذلك الوجوب وهكذا حرمة الخمر فإنها ناشئة عن مفسدة في متعلق الحرمة وهو شرب الخمر.

إذا اتضحت هاتان المقدّمتان فنقول : إنّ الحكم الشرعي وكذلك

٢٦

الأحكام الصادرة عن الموالي العرفيين يمرّ بمرحلتين.

المرحلة الأولى : عبّر عنها المصنّف بمرحلة الثبوت للحكم ، ويقصد بها واقع العمليّة الذهنية التي يتدرّج فيها الفكر للوصول إلى الحكم ، وهي التي بيّنّاها في المقدمة الأولى.

ولا بأس بتطبيقها على المورد ، وهو الحكم في مرحلة الثبوت.

فالمولى العرفي مثلا يتصوّر أولا الحكم الذي هو فعل من الأفعال ثم يتصور فائدته ثم يحصل له الإذعان والتصديق بتلك الفائدة والمصلحة المعبّر عنها بالملاك ، فهذه مراحل ثلاث تولّد الشوق والإرادة لتحصيل هذا الحكم ومرتبة هذا الشوق والإرادة تتفاوت قوّة وضعفا بحسب ما ادركه المولى من مستوى تلك المصلحة ، فكلما كانت المصلحة أكيدة وشديدة كانت الإرادة قوية ومتناسبة مع مستوى المصلحة المدركة ، ثم تصل النوبة إلى مرحلة الاعتبار التي هي حالة نفسانية تفترض وتعتبر ذلك الحكم على عهدة المكلّف ، وهذا الاعتبار ليس أكثر من التماس كيفية يرتبها المولى استعدادا لإبراز مطلوبه ، وهي ليست أمرا أساسيا في مرحلة الثبوت للحكم ، ولذلك لو افترض عدمه لما كان ذلك مؤثرا على سير الحكم وخروجه من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات ، بخلاف المصلحة مثلا فإنه لو افترض عدمها لأثّر ذلك على سير الحكم وخروجه من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات.

وخلاصة القول إن الحكم في مرحلة الثبوت يمرّ بثلاث مراحل :

الأولى : هي المصلحة المدركة « الملاك » ، وقد طويت في هذه المرحلة المراحل التي سبقتها كما اتّضح مما تقدّم.

٢٧

الثانية : الإرادة ، والتي قلنا إنها تتفاوت بتفاوت مستوى المصلحة والملاك.

الثالثة : وهي الاعتبار ، وقد قلنا إنها حالة نفسانية تفترض وتعتبر الحكم ـ المشتمل على المصلحة والإرادة ـ على عهدة المكلّف ، وهي ليست أكثر من التماس كيفية تهي لغرض إبراز المطلوب بها ، فهي أشبه بالكلام النفسي الذي يرتّبه المتكلّم في نفسه استعدادا لإلقائه.

هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى للحكم وهي مرحلة الثبوت.

المرحلة الثانية : وهي مرحلة الإثبات للحكم ، وهي تبدأ من حيث تنتهي المرحلة الأولى.

وهذه المرحلة عبارة عن إبراز وإظهار الحكم الناشئ عن الملاك والإرادة ، فالمولى يبيّن في هذه المرحلة النتيجة التي رست عليها نفسه في مرحلة الثبوت ويستخدم لهذا الغرض أحد الوسائل التي يتم بها الإبراز والإظهار مثل الجملة الإنشائية الطلبية كالأمر أو النهي أو الجملة الخبرية المسوقة لغرض الإنشاء والطلب.

ثم إنه قد يبرز الحكم عن طريق بيان تعلّق إرادته بفعل مباشرة كأن يقول : « أريد كذا » ، وقد يبرزه عن طريق الاعتبار ، والمراد من الاعتبار هنا هو افتراض الفعل على عهدة المكلّف وأنّه مجعول عليه ومسئول عنه كقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (١) ، فالمولى يقول : إنّ من حقه على الناس حجّ البيت ، ومن الواضح أنّ هذا الاعتبار يكشف عن

__________________

(١) سورة آل عمران : ٩٧

٢٨

تعلّق إرادة المولى بذلك المعتبر ، إذ أنّه لا يمكن أن يعتبر شيئا على عهدة المكلّف جزافا وعبثا ودون إرادة ، وبعد أن يبرز المولى إرادته مباشرة أو عبر الاعتبار يكون من حقه على العبد إطاعته والجريان على وفق إرادته قضاء لحق المولوية ، وهذا من مدركات العقل العملي حيث إنّه يدرك استقلالا لزوم طاعة المولى وولي النعمة.

إذا اتضح كلّ ما ذكرناه يتّضح المراد من عنوان البحث وهو « مبادئ الحكم » وأنّه عبارة عن الملاك والإرادة ، وأمّا الاعتبار فهو نفس الحكم المأخوذ في العنوان وذلك إذا افترضنا أن الاعتبار ليس شيئا آخر غير الحكم الناشئ عن الملاك والإرادة فالملاك والإرادة هما مبدأ الحكم ومنشأ جعله والذي يكون واسطة وسببا لإيجاب العقل امتثال مرادات المولى ، وهذا يعني أن الحكم روحا هو عين الملاك والإرادة حيث إنّهما الموضوع والواسطة لثبوت إيجاب العقل للامتثال ، فحكم العقل لوجوب الامتثال موضوعه الإرادة المولويّة. وليس للاعتبار الإنشائي أيّ دخالة في إثبات الحكم العقلي ـ بوجوب الامتثال ـ لموضوعه وهي المرادات المولوية ولذلك لو لم يكن هناك اعتبار إنشائي وعرفنا من طريق آخر تعلّق إرادة المولى بإيجاد فعل ، لحكم العقل بوجوب الطاعة والامتثال.

مبادئ الأحكام التكليفيّة الخمسة :

وهذا البحث ليس بحثا عن الأحكام الخمسة وإنما هو بحث عن مناشئ هذه الأحكام ، ومن الطبيعي أن يكون هناك تناسب بين حقيقة هذه الأحكام وبين مبادئها ومناشئ جعلها.

٢٩

والأحكام التكليفية الخمسة : هي الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة.

أمّا الوجوب : فناشئ عن مصلحة أوجبت تولّد إرادة بحجم تلك المصلحة التي بلغت مبلغا لا يسمح معها بالترخيص في ترك متعلقها.

وأمّا الحرمة : فناشئة عن مفسدة شديدة أوجبت تولّد كراهة ومبغوضية بحجم تلك المفسدة التي بلغت مبلغا لا يسمح معها بالترخيص في فعل متعلق تلك المفسدة.

وأمّا الاستحباب : فناشئ أيضا عن مصلحة في متعلقها إلاّ أنّ هذه المصلحة ضعيفة ولذلك يتولّد عنها إرادة بحجمها توجب مطلوبية الفعل بمستوى لو لم يتصدّ المكلّف لإيجاده لما كان في ذلك بأس.

وأمّا الكراهة : فكذلك تكون ناشئة عن مفسدة في متعلقها توجب تولّد مبغوضية بقدرها أي بمستوى لا يمانع المولى من ارتكابها.

وأمّا الإباحة : فهي على قسمين :

الأولى : الإباحة بالمعنى الأخص.

والثانية : الإباحة بالمعنى الأعم.

فالإباحة بالمعنى الأخص هي القسم الخامس من الأحكام التكليفية الخمسة وهي التي يتساوى فيها الفعل والترك بنظر المولى ، فليس له أيّ ترجيح لأحدهما على الآخر ، وهذا ما يجعلها قسيما للأحكام التي سبقتها ؛ وذلك لأنّها وإن كانت تشترك معها في أنها حكم تكليفي إلا أنها لا تنطبق على أحد من تلك الأقسام ، فعلاقتها معهم علاقة التباين.

ولعلّ هذا هو منشأ التعبير عنها بالإباحة بالمعنى الأخص إذ أنها

٣٠

مختصة بمعنى لا يتداخل مع أحد من الأقسام التي سبقته.

وتنقسم الإباحة بالمعنى الأخص إلى قسمين :

الأول : الإباحة الاقتضائية ، وهي المشتملة على الملاك والمصلحة في متعلقها وهذا الملاك هو السعة والتسهيل على المكلفين وسمّيت بالاقتضائية لأن الحكم بالإباحة نشأ عن مقتض وسبب وهو التسهيل على المكلّفين.

الثاني : الإباحة غير الاقتضائية ، وهي الخالية عن أيّ ملاك يقتضي ترجيح الفعل أو الترك أو يقتضي جعل الإباحة ، وما ذكرناه هو التعبير الأنسب ، إذ لا يخلو تعبير المصنّف من تسامح واضح ، حيث إن الحديث عن الإباحة بالمعنى الأخص التي تكون دائما خالية عن أي ملاك يقتضي الإلزام فعلا أو تركا.

القسم الثاني : الإباحة بالمعنى الأعم.

وهي التي تعني عدم الإلزام بالفعل أو الترك ، ولذلك فهي تنطبق مع الاستحباب والكراهة والإباحة بالمعنى الأخص ، إذ أنها جميعا تنضوي تحت عنوان جامع هو عدم الإلزام.

وهذا النوع من الإباحة ليس قسيما للأحكام التكليفية الأربعة ، نعم هو قسيم للأحكام الإلزامية التي هي الوجوب والحرمة ، وسمّيت الإباحة بالمعنى الأعم لأنها تعمّ الكراهة والاستحباب بالإضافة إلى الإباحة بالمعنى الأخص.

التضاد بين الأحكام التكليفية :

التضاد : هو التنافي والتعاند والتباين الناشئ عن التغاير التام بين

٣١

الشيئين أو الأشياء ، فإذا كان هناك أمران وجوديان بينهما تمام التغاير فإن هذا يقتضي عدم اجتماعهما على موضوع واحد ، وإن أمكن ارتفاعهما عنه.

وبعبارة أخرى : إنّ كلّ عنوان بينه وبين عنوان آخر تمام المباينة والمغايرة بحيث لا يلتقي معه في أي فرد من أفراده فهو التضاد القاضي باستحالة الاجتماع ، فالنسبة بين المتضادين هي نسبة التباين.

والتباين كما هو واضح ينحلّ إلى سالبتين كليتين يكون أحد الضدّين موضوعا والآخر محمولا له وكذا العكس ، مثلا الأسود والأبيض بينهما تمام التنافي والتعاند ، فهما إذن ضدان ويتولّد عن النسبة بينهما سالبتان كليتان الأولى « لا شيء من الأبيض بأسود » والثانية « لا شيء من الأسود بأبيض ».

فموضوع إحدى القضيّتين محمول الأخرى.

إذن كل عنوانين يتولّد عن النسبة بينهما سالبتان كليتان فهما متضادان.

إذا اتضح هذا فنقول : نحن إذا لاحظنا العلاقة والنسبة بين الأحكام لوجدنا أنها متضادة ومتباينة بدليل أننا لو حلّلنا العلاقة بينهما لكانت كالعلاقة والنسبة بين السواد والبياض ، فمثلا الوجوب والحرمة لو حللنا النسبة بينهما لوجدناها تنحلّ إلى سالبتين كليتين الأولى « لا شيء من الوجوب بحرمة » والثانية « لا شيء من الحرمة بوجوب » ، فبينهما تمام التباين والتعاند ، وهكذا ينسحب الكلام إلى سائر الأحكام ، فالعلاقة بين الاستحباب وبين الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة هي التباين ، وكذا العلاقة بين الكراهة وبين سائر الأحكام.

ولكن لا بدّ من الالتفات إلى شيء ، وهو : أن التنافي الواقع بين

٣٢

الأحكام منشؤه التنافي الواقع بين ملاكات هذه الأحكام ، إذ أنه لو كانت هذه الأحكام جزافية واعتبارية محضة لما كان بينها أي تناف وتضاد.

وتوضيح ذلك : لو كان الوجوب أو الحرمة أو سائر الأحكام مجرد اعتبارات محضة ليس وراءها منشأ وسبب لما كانت متضادة ؛ وذلك لأن الاعتبار كما قيل سهل المؤونة إذ أنه ينشأ عن كيفية نفسانية تفترض ثبوت شيء لشيء دون أن يكون لذلك الافتراض واقع ومبرّر كافتراض الليل نهارا والحجر ماء فإنه لا مانع من أن أهيء نفسي تهيئة خاصة أجعلها تذعن أنّ الليل نهار والحجر ماء.

ويمكن تنظير ذلك بالأطفال عندما يلعبون مدرسة ، فإنهم يعتبرون أحدهم مدرّسا والآخر تلميذا ، ثم يعكسون ذلك الاعتبار فيعتبرون الأول تلميذا والآخر مدرّسا ؛ كلّ ذلك لأنّ الاعتبار لمّا كان افتراضا جزافيا فلا محذور في عروض اعتبارين متنافيين على موضوع واحد فيمكن اعتبار هذا الماء حارا وفي نفس الوقت نعتبره باردا.

وقديما قال الشاعر العربي :

فإذا نشوت فإنني ربّ الخورنق والسدير

وإذا صحوت فإنني ربّ الشويهة والبعير

فإنّه إذا أخذت الخمرة منه مأخذها فإنه يعتبر نفسه ملك العرب والعجم وإذا ما آب إليه رشده فهو ليس أكثر من مالك لشاة وبعير.

إذا اتضح هذا فالكلام ينسحب إلى الأحكام التكليفية ، فإنها لو كانت اعتبارية محضة لما كان هناك أيّ محذور في جعل الوجوب والحرمة على فعل واحد وفي وقت واحد ، ومنه نعرف أن دعوى التضاد بين

٣٣

الأحكام مرجعها إلى التضاد بين مبادئ تلك الأحكام من المصالح والمفاسد والمبغوضية والمحبوبية ، فاستحالة اجتماع الوجوب والحرمة منشؤه استحالة أن يكون هذا الفعل مشتملا على مصلحة تامة ومفسدة تامة وإرادة تامة ومبغوضية تامة ، وكذلك الاستحباب والوجوب فإنه يستحيل اجتماعهما لاستحالة اجتماع مبدأيهما ، إذ لا يمكن أن يكون الفعل مرادا بالإرادة التامة الآبية عن الترخيص ومرادا بإرادة ناقصة لا تأبى الترخيص ، ولا يمكن أن يكون الفعل ذا مصلحة شديدة ويكون ذا مصلحة ضعيفة ، وهكذا سائر الأحكام في علاقاتها مع بعضها البعض.

استحالة اجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد :

كان الكلام فيما سبق حول التضاد بين الأحكام وأنه يستحيل اجتماع حكمين متغايرين على فعل واحد ، والكلام هنا عن إمكان اجتماع حكمين متماثلين وعدم إمكانه.

فنقول : إن الأحكام لو كانت مجرّد اعتبارات محضة لما كان هناك أيّ بأس من اجتماع حكمين متماثلين على فعل واحد وذلك لما بيّنّاه سابقا ، ولكن لما كانت الأحكام اعتبارات شرعية ناشئة عن مبادئ وملاكات في متعلقات تلك المعتبرات الشرعية ، فالنتيجة تختلف عن الفرض السابق ، فيكون اجتماع حكمين متسانخين من قبيل اجتماع المثلين الذي قام الدليل العقلي على استحالته ؛ وذلك لأنّ اجتماع المثلين يؤول إلى اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد ، وهو مستحيل لاستحالة صدور الواحد عن كثيرين ، إذ الواحد لا يصدر إلا عن واحد ، فإذا قلنا إن فعلا واحدا واجب

٣٤

بوجوبين فهذا يعني أن وجوب هذا الفعل نشأ عن مصلحتين مستقلتين وإرادتين مستقلّتين ، وهذا مستحيل.

نعم لو كانت المصلحتان متداخلتين بحيث تشكّلان بمجموعهما مصلحة واحدة وعلّة تامة ، وكذلك لو كانت الإرادتان تشكّلان بمجموعهما إرادة واحدة شديدة لأمكن ذلك ، ولكنّ هذا خروج عن الفرض ، إذ أنّ هذا يعني عدم وجود وجوبين لهذا الفعل بل هو وجوب واحد ناشئ عن مصلحة مركّبة وإرادة واحدة مؤكدة ، وهذا ما نروم إثباته إذ أنّه يمكن توارد مجموعة من المصالح تشكّل بمجموعها مصلحة واحدة تامة ، وكذلك مجموعة من الرغبات والإرادات تنتهي إلى إرادة واحدة مؤكّدة تكون هي ملاك الوجوب وتكون منتجة لوجوب واحد.

فالنتيجة هي عدم إمكان اجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد لاستحالة اجتماع المثلين.

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة :

ذهب الإماميّة إلى أنّ لكلّ واقعة من وقائع الحياة حكما إلهيّا يصيبه المجتهد أو يخطئه ، وأنّه لا تخلو واقعة من حكم حتى « أرش الخدش » (١) كما

__________________

(١) وسائل الشيعة : باب ٤٨ من أبواب ديّات الأعضاء الحديث ١ ، وهي مرويّة عن الشيخ الكليني بسند متّصل إلى أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، والظاهر أنّ أبا بصير في الرواية هو إمّا ليث بن البختري أو يحيى الأسدي ، وذلك لقرائن منها أنّ الإمام عليه‌السلام قد كنّاه في الرواية بأبي محمد ، ولم تذكر هذه الكنية لأحد ممّن كنّي بأبي بصير غير ابن البختري

٣٥

ورد عن أهل البيت عليهم‌السلام لذلك يسمّى الإمامية « بالمخطّئة » ؛ لأنّهم يقولون إنّ هناك أحكاما واقعية لكل فعل من أفعال المكلفين ، نعم المجتهد في مقام بحثه عن الحكم الواقعي قد يخطئه ولا يصيبه ، فيكون ما وصل إليه من حكم منافيا لما هو الواقع ، هذا ما عليه الإمامية ، وفي مقابل هذا القول ما ذهب إليه العامة من أنّه ليس لله تعالى في كل واقعة حكم ، بل إنّ أحكام الله تابعة لآراء المجتهدين فيكون كلّ مجتهد مصيبا ، إذ أنّه لا واقع لهذه الأحكام حتى يكون ما وصل إليه المجتهد مصيبا مع المطابقة ومخطئا مع عدم المطابقة لذلك يعبّر عنهم في عرف الأصوليّين بالمصوّبة.

والذي يدلّ ـ على ما ذهب إليه الإمامية من أنّه لا تخلو واقعة من حكم ـ نصوص كثيرة.

منها : قوله تعالى : ( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) (١).

وفي تفسير العيّاشي عن عبد الله بن الوليد قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « قال الله لموسى : ( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) فعلمنا أنّه لم يكتب لموسى الشيء كله ، وقال الله لعيسى : ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) ، وقال الله لمحمّد ( عليه وآله السلام ) : ( وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) » (٢).

__________________

ـ والأسدي على أنّ من المحتمل تعيّن الأسدي ، وعلى أيّ حال فالرواية معتبرة لانحصار الراوي في أحدهما

(١) سورة النحل : ٨٩

(٢) تفسير العيّاشي في تفسير سورة النحل ، رقم الرواية ٥٨ ، ج ٢ ص ٢٦٦

٣٦

الحكم الواقعي والحكم الظاهري :

بعد أن اتضح المراد من الحكم الشرعي تعرّض المصنّف رحمه‌الله إلى تقسيم الحكم الشرعي وأنّه ينقسم إلى قسمين :

الأول : الحكم الواقعي :

والمراد من الحكم الواقعي هو : الحكم المجعول على موضوعه ابتداء دون أن يفترض الشك في حكم آخر لذلك الموضوع ، فالمولى حينما يلحظ فعلا من أفعال المكلّفين مشتملا على مصلحة تامة ، فإنه يجعل له الوجوب باعتبار أنّ ذلك الفعل مشتمل على تلك المصلحة التامة وليس هناك واسطة لثبوت الحكم لموضوعه غير أهليّة ذلك الموضوع لأن يجعل عليه الوجوب ، فمثلا « الصلاة واجبة » الوجوب في هذه القضية حكم واقعي ، إذ أنه يثبت لموضوعه وهي الصلاة ابتداء ودون أن يكون لثبوته واسطة هي الشك في حكم الصلاة بل إن ثبوت الوجوب للصلاة باعتبار ما للصلاة من مصلحة تامة بنظر المولى.

وبعبارة أخرى : إنّ المولى قد يجعل الأحكام لموضوعاتها ابتداء وقد يجعلها في ظرف الشك وعدم العلم بالأحكام الحقيقية المجعولة ابتداء ، فيجعل البراءة من حرمة لحم الأرنب في ظرف الشك والجهل بالحكم الواقعي لأكل لحم الأرنب ، فالأول هو ما يصطلح عليه بالحكم الواقعي.

الثاني : الحكم الظاهري :

المراد من الحكم الظاهري هو : الحكم المجعول على موضوعه مع افتراض الشك في الحكم الواقعي لذلك الموضوع ، ففي موارد الجهل بحكم

٣٧

موضوع من الموضوعات قد يجعل المولى حكما آخر ويقول « إذا كنت جاهلا وشاكا في الحكم الواقعي لهذا الموضوع فحكم الموضوع في هذه الحالة كذا » ، فمثلا إذا كنت شاكا في حكم شرب العصير العنبي فهو لك حلال ، فثبوت الحلّية للعصير العنبي إنما يكون في ظرف الشك في الحكم الواقعي لشرب العصير العنبي ، ولم تثبت الحلّية له ابتداء.

وبهذا يتّضح أن الأصول العملية مثل أصالة الحلّ والطهارة ، وكذلك الأمارات الظنّية مثل خبر الثقة والظهور هي أحكام ظاهرية ؛ إذ أن حجيتها جعلت في ظرف الشك بالأحكام الواقعية ، فأصالة الحل مثلا حكمت بثبوت الحلية لجميع الأشياء في ظرف الشك في الحكم الواقعي لهذه الأشياء ، أمّا ما علم حكمه الواقعي فليس مشمولا لأصالة الحلّ ، وكذلك أصالة الطهارة « كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنّه قذر » (١) فإنّها حكمت بطهارة الأشياء ولكن في ظرف عدم العلم بحكمها الواقعي ، فلو علمنا مثلا أنّ الخنزير نجس وأن الماء طاهر واقعا ، فلا يكون هذا ان الموضوعان مشمولين لأصالة الطهارة ، إذ أنها إنما تجري في ظرف الشك وعدم العلم بالطهارة أو النجاسة الواقعتين ، وبهذا يتّضح أنّ الأحكام الظاهرية في طول الأحكام الواقعية ومتأخرة عنها ، ففي كل مورد يكون الحكم الواقعي معلوما لا تصل النوبة للحكم الظاهري ؛ وذلك لأن الحكم الظاهري أخذ في موضوعه ـ أو ما يشابه ذلك ـ عدم العلم بالحكم الواقعي فمع العلم بالحكم

__________________

(١) معتبرة عمّار بن موسى الساباطي عن ابي عبد الله عليه‌السلام ، وسائل الشيعة : الباب ٣٧ من أبواب النجاسات الحديث ٤

٣٨

الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري ، ومن الواضح أن الأحكام تابعة لموضوعاتها ثبوتا وانتفاء.

وبعبارة أخرى : إنّ الموضوع بالنسبة إلى الحكم في رتبة العلة بالنسبة إلى معلولها ، فكما أن المعلول تابع لعلّته ثبوتا وانتفاء ، فكذلك الحكم تابع لموضوعه ثبوتا وانتفاء ، فإذا قلنا : أكرم الرجل العالم ، فإن العالم أخذ في موضوع الحكم بوجوب الإكرام ، فإذا ثبتت العالمية للرجل وجب إكرامه وإذا انتفت انتفى وجوب الإكرام لانتفاء موضوعه وهو العالمية ، والمقام من هذا القبيل ، فالحلية الثابتة للأشياء إنما هي ثابتة لها في ظرف الشك ، فكأنما المولى قال « الشيء المشكوك حكمه الواقعي فهو حلال » فإذا انتفى الشك وعلمنا بحكم ذلك الشيء ينتفي الحكم الظاهري تبعا لانتفاء موضوعه وهو الشك ، وكذا الكلام في خبر الثقة فإنّ قوله تعالى ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) إثبات لحجية الخبر في ظرف الشك وعدم العلم بالحكم الواقعي ، فكأنما الشك وعدم العلم بالحكم الواقعي موضوع أو قل جزء موضوع لحجية مفاد الخبر ، وبالتالي لو كنّا نعلم بحكم واقعي في مورد وجاء خبر الثقة على خلافه أو وفقه لما كان لهذا الخبر أيّ حجية ، إذ أنّ الحجّية مجعولة له في ظرف الشك ولا شك ، في المقام بحسب الفرض.

وبما ذكرنا يتضح معنى قول المصنّف « ولو لا وجود الأحكام الواقعية لما كان هناك أحكام ظاهرية » ؛ وذلك لأنّ الأحكام الواقعية بمثابة الموضوع أو جزء الموضوع للأحكام الظاهرية ، ومن الواضح أن الأحكام

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٧

٣٩

تابعة لموضوعاتها فحينما ينعدم الموضوع أو لا يوجد لا يكون هناك حكم ، فنحن حين افترضنا أنّ الشك في الحكم الواقعي هو جزء الموضوع للحكم الظاهري ، فهذا يعني أنه لو لم يكن هناك حكم واقعي أصلا لما كان هناك حكم ظاهري ، إذ أنه واقع في رتبة المحمول والحكم ، وهذا يقتضي وجود الموضوع أولا « وهو الحكم الواقعي ».

الأمارات والأصول :

بعد اتّضاح معنى الحكم الظاهري وأنّه الحكم المجعول في موارد الشك في الحكم الواقعي تصل النوبة إلى ما ينقسم إليه الحكم الظاهري ، فإنّه ينقسم إلى قسمين :

القسم الأوّل :

الحكم الظاهري في مورد الأمارات ، وهذا يقتضي بيان معنى الأمارات ؛ وذلك لأنّ الأمارة غير الحكم الظاهري ، إذ الحكم الظاهري هو الحجية التي تجعل للأمارة أو لا تجعل لها.

فنقول : إنّ الأمارات هي عبارة عن الأدلّة الظنيّة التي لها نحو كشف عن الواقع إلا أنّ هذا الكشف ليس تاما ، فمثلا خبر الثقة أمارة وذلك لأنّه دليل ظنّي يكشف عن الواقع كشفا ناقصا ، وقلنا بأنّه ناقص لأنه لا يعطي الإراءة التامة للواقع ولا يورث القطع بالتطابق بين مفاده والواقع بل يبقى احتمال عدم المطابقة قائما معه.

وكذا الكلام في الظهورات العرفيّة فإنّها كواشف ظنية عن مرادات المتكلمين ، إذ أنه يبقى احتمال عدم إرادة هذا المعنى الظاهر للمتكلّم قائما معه ،

٤٠