الإمام موسى الكاظم عليه السلام سيرة وتاريخ

علي موسى الكعبي

الإمام موسى الكاظم عليه السلام سيرة وتاريخ

المؤلف:

علي موسى الكعبي

المحقق: المترجم:
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) الناشر: مركز الرسالة المطبعة: ستاره ISBN: 978-600-5213-37-9
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: F:Book-LibraryENDQUEUEEmam-Mousa-Kadhemimagesimage001.gif

١

٢

Description: F:Book-LibraryENDQUEUEEmam-Mousa-Kadhemimagesimage002.gif

٣

٤

كلمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ نبينا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الهداة الأطهار الميامين ، وبعد..

تُعدّ ظاهرة الاشتباه بالباطل من الظواهر الفكرية والثقافية الأشدّ وضوحاً في تاريخ المسلمين ، لأن من شأن من يدعو إلى الباطل ويروّجه أن يخلطه بشيء من الحق ، ويلبسه لباسه ، وإلاّ لما اشتبه العاقل بالباطل الصرف الذي لا حقّ معه ، وفي هذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ألاَ أن الحق لو خَلَصَ ـ يعني من مزج الباطل ـ لم يكن اختلاف ، ولو أن الباطل خَلَصَ ـ يعني من مزج الحق ـ لم يخفَ على ذي حِجىٰ ، لكنّه يُؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ، فيمتزجان ، فيجللان معاً ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنىٰ ».

وفي تاريخ المسلمين شواهد لا تحصى على هذه الظاهرة التي لازمت الفكر الإسلامي منذ وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى يوم الناس هذا ، ومن هنا كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول : « سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفىٰ من الحق ، ولا أظهر من الباطل ».

والسبب في ذلك هو تفشّي ظاهرة امتزاج الباطل بشيء من الحق على أكثر من صعيد ، وانطلاء ذلك على معظم الناس إلاّ من عصم الله عزّوجلّ.

والدين الخاتِم الذي جاء لنصرة الحق وإذلال الباطل يستحيل أن يغفل عن تلك الظاهرة ولا يعالجها علاجاً شافياً وحاسماً ليقطع بذلك كل مخاصمة أو جدل.

ويجد المتتبع عشرات الأدلّة الشرعية الصريحة في كيفية الخروج من هذه الظاهرة منتصراً بجعل كلمة الحق هي العليا على ما سواها من كلمات الباطل.

ولا خلاف بأن القرآن الكريم هو سيد الأدلّة بلا منازع ، وهو الحجّة البالغة والدليل القاطع لما فيه من البيان والهدىٰ ، قال تعالىٰ : ( هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ).

ومن الواضح أنّ القرآن الكريم حمّال ذو وجوه ، بل ويمكن لأهل كل اتجاه الاستدلال ببعض آياته المتشابهة على صحّة ما يعتقده ويتبنّاه ، ومن هنا نرى أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام ينهى ابن عباس حين أرسله إلى الخوارج عن الاحتجاج عليهم بالقرآن ، بل أمره بالاحتجاج بالسنّة الثابتة ، خشية مما ذكرناه.

٥

وفي هذا الصدد نرى السنّة الشريفة الثابتة قد بيّنت للأُمّة ـ بياناً شافياً كافياً ـ مَن هو القيّم الحقيقي بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على الكتاب العزيز ، الحافظ لمعانيه وأسراره المدرك لجميع مقاصده وأهدافه ، ويعلم تأويله وتنزيله ، ولا يختلف في شيء منه ، حتىٰ أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله جعل المتمسّك بالقرآن الكريم دون قيمه كاللا متمسّك به أصلاً ، الأمر الذي بيّنه حديث الثقلين الشريف بكل وضوح فقال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً ، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض ».

وفي حديث صريح آخر : « عليكم بالقرآن فإنه الشفاء النافع والدواء المبارك ، عصمة لمن تمسّك به ، ونجاة لمن اتبعه ، أتدرون من المتمسّك به.. هو الذي يأخذ القرآن وتأويله عنّا أهل البيت ».

ومن هنا كان سلمان الفارسي رضي‌الله‌عنه يصيح بالناس بعد يوم السقيفة : « انزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد ، لا بل منزلة العينين من الرأس ، وإذا رأيتم الفتن نحوكم كقطع الليل المظلم فعليكم بأهل بيت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنهم القادة وإليهم المقادة ».

وقد كانت حياة أهل البيت : حافلة بأسمى آيات التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحق وإماتة الباطل ، وقد دفعوا عليهم‌السلام ضريبة مواقفهم الرسالية غالية حتىٰ كانوا بين قتيل أو مراقب أو سجين.

وهذا الكتاب ـ عزيزي القارئ ـ يبيّن بكل جلاء ووضوح كيف استطاع الإمام السابع من أئمة أهل البيت موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام أن يحفظ الدين الحنيف من حالات التردّي التي أصابته على أيدي السلطات الحاكمة في زمانه ، حتىٰ قدّم لذلك حياته الشريفة فداء لدين جده محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله. وفيه دراسة واعية لشخصية الإمام الكاظم عليه‌السلام بأبعادها المختلفة مع استجلاء مواقفه الرسالية الخالدة على أكثر من صعيد ، آملين من الله عزّوجلّ أن يتقبّله بفضله ، ويجزل المثوبة لمؤلّفه ، وأن يحقّق الأهداف المرجوّة من ورائه. وهو الهادي إلى سواء السبيل.

مركز الرسالة

٦

المُقدَّمةُ

الحمد لله ربّ العالمين ، وسلامه على عباده الذين اصطفى محمد وآله خير الورى.

إنّ الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام من قمم الروح والفكر والجهاد ، وصفحات حياته مليئة بالعبر والمظاهر الفذّة التي تمتلك القلوب وتستولي على المشاعر ، فلقد أوتي أروع قيم الكمال وأرفع معالي الأخلاق وأجلّ مظاهر العظمة التي طبعت شخصيته الكريمة وميزتها عن سائر من عاصره في العبادة وغزارة العلم والحكمة والبلاغة والحلم والزهد والكرم والشجاعة والتقوى والخلق الرفيع ، فكان رمزاً لقيم الفضيلة وشيم المروءة وقدوةً صالحة للإنسانية ، ممّا جعله يمتلك أزمّة القلوب ويحظى بمحبة الناس على اختلاف مشاربهم ، ويعترف له بالتقدم بالعلم والفضل حتى أعدائه ، فقد ورد عن الرشيد أنه قال للمأمون : يا بُني ، هذا وارث علم النبيّين ، هذا موسى بن جعفر بن محمّد ، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا (١).

وللإمام الكاظم عليه‌السلام دور فاعل في الحياة الإسلامية وانفتاح على الواقع الإسلامي كله ، فهو إزاء تصرفات حكام زمانه الذين أمعنوا في اضطهاده والتنكيل به ، ركّز جهوده في المضمار العلمي والمعرفي بعيداً عن التدخل في شؤون البلاط ورجاله.

من هنا عاش هذه المرحلة ، واستطاع أن يملأها علماً وفكراً وروحانيةً ،

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٣٠٧ / ١ ، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ٩٣ / ١٢.

٧

فترك إسهامات علمية واسعة ورصيداً معرفياً لا ينضب ، فقد واصل نشاط مدرسة آبائه المعصومين عليهم‌السلام ، وكان له دور كبير في رفدها بعلومهم الغرّاء وسننهم السمحاء ، مما له الأثر الفاعل في ترسيخ مبادئ العقيدة وتربية نخبة صالحة من أصحابه الرواة الثقات والفقهاء والمؤلفين أمثال : علي بن يقطين ومحمد بن أبي عمير وهشام بن الحكم وغيرهم ، الذين يعدّون القاعدة المؤمنة بمرجعية الإمام عليه‌السلام ويشكّلون الامتداد الروحي والفكري له في أوساط الأُمّة ، وتتأكد الحاجة إلى مثل هذه الجماعة الصالحة في زمان الإمام الكاظم عليه‌السلام بسبب سياسة القهر والإقصاء المفروضة عليه من قبل السلطة.

وفي هذا الاتجاه ترك الإمام الكاظم عليه‌السلام بحوثاً كلامية وعقائدية عديدة انبرى فيها لخدمة عقائد الإسلام والدفاع عن أصوله ونشر فروعه ، منها مناظراته المتضمنة تأصيل مبدأ الإمامة ، وبيان حقوق أهل البيت عليهم‌السلام ، فضلاً عن سعة الرواية عنه في كافة أبواب شرائع الإسلام ، كما توجه إلى تهذيب النفس والسلوك ضمن إطار قصار الحكم والمواعظ والوصايا التي خاطب بها أصحابه ، وعلى رأسها وصيته إلى هشام بن الحكم المشتملة على المواعظ البليغة والحكم الرائعة والأقوال الجامعة سيما في مجال العقل وأهميته وجنوده.

وضمن هذا الإطار أسهم عليه‌السلام في رصد الانحرافات التي كانت تفرض نفسها على حركة الفكر الإسلامي ، ليصحّحها ويقوّمها في الاتجاه الصحيح ، كسعيه في إبطال القياس والرأي والاستحسان ، ورفض البدع وتأكيد السنن.

ولعل من أبرز إسهاماته في الحياة الإسلامية صلته الفقراء ومساعدة المحرومين في غلس الليل ، وكانت صراره يضرب بها المثل ، فكان يقال : عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي الفقر !

وكان عليه‌السلام في سيرته اختصاراً لسيرة جده المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله في التوجّه إلى الله

٨

تعالى والانقطاع إليه ، فهو أكثر الناس عبادة لله تعالى وأعظمهم طاعة حتى لُقّب بالعبد الصالح لشدة انقطاعه إلى ربه واجتهاده في العبادة والتقوى ، ولقب بزين المجتهدين ؛ إذ لم يرَ أحد نظيراً له في الطاعة والعبادة ، وكان عليه‌السلام في السجن لا يفتر عن العبادة ، يحيي الليل كلّه صلاةً وقراءةً للقرآن ودعاءً واجتهاداً ساهراً في محراب عبادته ، ويصوم النهار في أكثر الأيام ، ولا يصرف وجهه من المحراب.

ومع أنّ الإمام عليه‌السلام لم يشترك في الميادين السياسية ولم ينضم إلى الثوار من الطالبيين ، فقد عمل العباسيون على عزله عليه‌السلام عن أتباعه ومواليه بإيداعه في ظلمات السجون حتى قضى بالسم شهيداً بأمر من هارون اللارشيد ، وليس ثمة سبب إلاّ الخوف من دور الإمام الفاعل في الحياة الإسلامية والغيرة من روحانية شخصيته التي تستقطب مختلف أوساط الأُمّة.

وعلى رغم ظروف الحرمان والاضطهاد والتضييق والعذاب النفسي والجسدي ، فقد واجه كل تلكم المآسي بعزم ثابت وإرادة صلبة وتصميم راسخ ، فكان عليه‌السلام مثالاً للصبر والإصرار والتحدّي ، حتى سُمّي الكاظم لما تحمل من صعاب وما كظم من غيظ عما فعله الظالمون به حتى مضى شهيداً في حبسهم ، وكان في السجن سيد الصابرين الذي يشكر خالقه ، لأنه لبّى دعاءه ففرغه لعبادته والانقطاع لطاعته بقوله : « اللّهمّ إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللّهمّ وقد فعلت ، فلك الحمد » (١). ومع محيط السجن القاهر كان عليه‌السلام يمتلك امتداداً روحياً عظيماً في الواقع الإسلامي.

ما قدمناه قبس من حياة إمامنا الكاظم عليه‌السلام ، أما بعد شهادته فانه يعرف

__________________

(١) الإرشاد ٢ : ٢٤٠ ، الفصول المهمة : ٢٢٠.

٩

بباب الحوائج إلى الله ، لنجح مطالب المتوسلين إلى الله تعالى به ، وقبره ترياق مجرب لإجابة الدعاء كما عبّر عنه الشافعي.

وثمة صفحات اُخرى من سيرة هذا الإمام العظيم تضيء لنا العقيدة والشريعة والمنهج وظلمات الحياة كلها ، ندعها للقارئ الكريم ضمن فصول هذا الكتاب السبعة ، آملين أن نعيش فكره ومواعظه ووصاياه.

فسلام عليه في الخالدين ، وسلام عليه يوم وُلد ، ويوم استُشهد ، ويوم يُبعث حيّاً ، ومنه تعالى نستمدّ العون والتوفيق.

* * *

١٠

الفصل الأوّل

ملامح عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام

١٤٨ ـ ١٨٣ ه‍

لا يخفى ما للحياة السياسية في أي عصر من أهمية بالغة في معرفة مجمل أوضاعه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ، ذلك لأنّ السلطة الحاكمة تمسك بأسباب التغيير الاجتماعي والاقتصادي في أوساط الجماهير ، لكن ذلك يرتبط بنوع الجهاز الحاكم وطبيعة أدائه ، من هنا سنقدم قراءة تاريخية تتضمّن أهم سمات العصر الذي عاش فيه الإمام أبو الحسن الكاظم عليه‌السلام والحكام الذين عاصروه لأهمية ذلك في معرفة تاريخه وقراءة سيرته عليه‌السلام.

الحكام المعاصرون للإمام عليه‌السلام :

تسنّم الإمام الكاظم عليه‌السلام منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام الصادق عليه‌السلام سنة ( ١٤٨ ه‍ ) ، فعاصر في سني إمامته ( ١٤٨ ـ ١٨٣ ه‍ ) أربعة من حكام بني العباس تتمثل في بقية ملك المنصور أبي جعفر ( ١٣٦ ـ ١٥٨ ه‍ ) ، ثم ملك ابنه المهدي ( ١٥٨ ـ ١٦٩ ه‍ ) ، ثم ملك ابنه الهادي موسى ( ١٦٩ ـ ١٧٠ ه‍ ) ، ثم ملك أخيه هارون الملقب بالرشيد ( ١٧٠ ـ ١٩٣ ه‍ ) ، واستُشهد الإمام الكاظم عليه‌السلام بعد مضي ثلاث عشرة سنة من ملك هارون (١) مسموماً في حبس

__________________

(١) وعلى رواية وفاته بسنة ( ١٨٦ ه‍ ) يكون بعد مضي ١٥ سنة من حكم هارون.

١١

السندي بن شاهك يوم الجمعة لست بقين من رجب (١) ، وقيل : لست خلون من رجب سنة ( ١٨٣ ه‍ ) ، وله من العمر نحو خمس وخمسين سنة (٢) ، ودُفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش ، وهي مدينة الكاظمية حالياً.

أهم سمات هذا العصر :

امتازت الدولة العباسية في عصرها الأوّل ( ١٣٢ ـ ٢٣٣ ه‍ ) بقوّة أداء السلطة المركزية وعلوّ هيبتها وسطوة أجهزتها وتماسك ثغورها وشموخ عمرانها ، ونلاحظ ازدياد نفوذ البرامكة وبعض الجواري وتدخلهم في إدارة الملك ، ومن جانب آخر أثقلت الدولة كاهل المواطن بالضرائب التي كانت تُجبى بالقوة وباستخدام شتى وسائل القمع والإرهاب ، مع انصراف رجال البلاط إلى الاستحواذ على معظم الأموال العامة وإنفاقها في وسائل اللهو والترف والبذخ بينما تعيش الأكثرية الساحقة من الناس على الكفاف وينهكها الجوع والفقر ، وتفتك بها الأمراض والأوبئة ، ولا يختلف رجال الدولة عن النهج العباسي القاضي بمراقبة أصحاب الأئمة وتقييد حركتهم ، وقمع الثائرين من العلويين بالعنف والبطش إلى حد الوحشية في التعذيب والقتل وإزهاق الأرواح ، وشهدت هذه المدة تقريب رجال السلطة للشعراء ، والإنفاق عليهم سيما النواصب الذين يكنون العداء لأهل البيت عليهم‌السلام.

وكان لما تقدم تداعيات وخيمة ، أبرزها : تردي مجمل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وارتفاع وتيرة الثورات الداخلية ، ونشوء الدول كدولة الأدارسة ، وتنامي الحركات المتطرفة ، وقد عالجت الدولة كل

__________________

(١) وقيل : لخمس بقين من رجب ، تاريخ بغداد ١٣ : ٢٧ ـ ٣٢ ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم / ابن الجوزي ٩ : ٨٨.

(٢) الإرشاد / الشيخ المفيد ٢ : ٢١٥ ، سير أعلام النبلاء / الذهبي ٦ : ٢٧٤.

١٢

ذلك بقوة جيوشها وهيبة سلطانها ، وفيما يلي أهم خصائص هذا العصر :

١ ـ قوة السلطة المركزية :

يعدّ العصر العباسي الأوّل العصر الذهبي من حيث قوّة السلطة المركزية واستفحال جيشها وتماسك ثغورها ، ومن مظاهر ذلك كثرة البعوث والجيوش المتوجهة لغزو الترك سنة ( ١٤٨ ه‍ ) ، وغزو بلاد الروم من سنة ( ١٤٩ ه‍ ) إلى سنة ( ١٨٢ ه‍ ) ، وما تخلل تلك البعوث من تقدم في بلاد الروم ، إذ تمكّن الجيش من فتح سمالو والوصول إلى خليج القسطنطينية وأنقرة ومدينة أصحاب الكهف ، وافتتح مطمورة ، وسبى وأسر خلقاً كثيراً من الروم وغنم أموالاً جزيلة حتى طلب ملك الروم في أكثر من مرة الصلح على أن يدفع الجزية (١).

ونشهد أيضاً غزو الهند سنة ( ١٦٠ ه‍ ) وما رافقه من حصار لأحد مدنها حتى فتحها عنوة بعد نصب المجانيق عليها ورميها بالنفط وإحراق طائفة منها وإهلاك بشر كثير من أهلها ، وقد هلكت أعداد غفيرة من الجيش عند الانصراف بالأوبئة والغرق (٢).

وفي سنة ( ١٦٧ ه‍ ) غزا العباسيون جرجان جيش كثيف لم يُرَ مثله (٣) ، وفي سنة ( ١٧٨ ه‍ ) غزا الجيش بلاد ما وراء النهر وفتح بلاداً كثيرة منها كابل (٤).

ومن المظاهر التي تدل على قوة السلطة المركزية أيضاً أن أغلب الملوك دخلوا في طاعة الخلافة ، فكان منهم ملك كابل ، وملك طبرستان ، وملك

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٩٦ ، البداية والنهاية / ابن كثير ١٠ : ١١٢ و ١١٨ و ١٢١ و ١٢٣ و ١٣٧ و ١٤٤ و ١٥٥ و ١٥٦ و ١٨١ و ١٩٠ و ١٩٣.

(٢) البداية والنهاية ١٠ : ١٣٩.

(٣) البداية والنهاية ١٠ : ١٥٩.

(٤) البداية والنهاية ١٠ : ١٨٣ ـ ١٨٥.

١٣

السغد ، وملك طخارستان ، وملك باميان ، وملك فرغانة ، وملك أسروشنة ، وملك سجستان ، وملك الترك ، وملك التبت ، وملك السند ، وملك الصين ، وملك الهند وغيرهم (١).

ومن مظاهر ذلك أن الرأس الحاكم ( الخليفة ) يستطيع أن يعزل من يشاء من العمال والولاة ويولي غيرهم ، دون أن يترتب عليه انفصال الوالي وتغلبه على ولايته وجباية خراجها ، كما نشهده في العصور اللاحقة.

غير أن قوة الدولة كانت مشفوعة بظلم فظيع عبّر عنه مؤسس الدولة وداعيتها أبو مسلم الخراساني في موضع يتجافى فيه المرء عن الكذب ، نقل عن ربيع الأبرار للزمخشري قال : كان أبو مسلم يقول بعرفات : اللهمّ إني تائب إليك مما لا أظنك تغفر لي ! فقيل له : أفيعظم على الله تعالى غفران ؟! فقال : إني نسجت ثوب ظلم ما دامت الدولة لبني العباس ، فكم من صارخة تلعنني عند تفاقم الظلم ، فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه ؟ (٢).

٢ ـ توسع العمران :

إنّ النهضة العمرانية تتبع قوّة السلطة المركزية واستقرارها ، غير أنها كانت على حساب حاجة الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمع التي كانت تعاني تحت وطأة الضرائب ، مع وجود الأقلية المستأثرة بالمال العام من حواشي السلطان وأطرافه ممن انشغلوا ببناء القصور الفارهة التي لا تعود إلى الصالح العام.

ولعل أهم مظاهر العمران في هذا العصر هو بناء مدينة بغداد وسورها ، إذ أمر المنصور بتخطيطها سنة ( ١٤٥ ه‍ ) وجعلها دار ملكه بدلاً من الهاشمية التي بناها السفاح ، وبناء الرافقة بالرقة سنة ( ١٥٥ ه‍ ) على منوال بناء بغداد ، وبناء

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٩٧.

(٢) الكنى والألقاب / الشيخ عباس القمي ١ : ١٥٧.

١٤

المصيصة ، وبناء سور وحفر خندق حول الكوفة ، وذكر المؤرخون أن المنصور أخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها من كل إنسان من أهل اليسار أربعين درهماً ، وقد فرضها أولاً خمسة دراهم خمسة دراهم ، ثم جباها أربعين أربعين !! فقال في ذلك بعضهم :

يا لقومي ما رأينا

من أمير المؤمنينا

قسم الخمسة فينا

وجبانا أربعينا

وحين بنى المنصور مدينة المصيصة أخذ أموال الناس حتى ما ترك عند أحد فضلاً ، وكان مبلغ ما أخذ ثمانمائة ألف ألف درهم.

وفي سنة ( ١٥٧ ه‍ ) بنى المنصور قصره المسمى بالخلد في بغداد ، فاكتمل سنة ( ١٥٨ ه‍ ) وسكنه أياماً يسيرة ثم مات وتركه وخرب القصر من بعده.

وفي سنة ( ١٥٩ ه‍ ) بنى المهدي الرصافة وخندقها ، وفي سنة ( ١٦٦ ه‍ ) ذهب المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ الذي بناه بالآجر ، وبنى الهادي قصراً سماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد (١) ، وأمر الرشيد ببناء طرسوس في سنة ( ١٧١ ه‍ ) فأحكم بناءها ، وجعل لها خمسة أبواب وحولها سبعة وثمانين برجاً ، ولها نهر عظيم يشق وسطها عليه القناطر المعقودة (٢).

٣ ـ ميل رجال الدولة إلى البذخ واللهو :

إن الصفة الغالبة على رجال الدولة وعلى رأسهم ( الخليفة ) هي الاسراف في انفاق الأموال الطائلة العائدة إلى بيت المال لأغراضهم الخاصة ، كاقتناء الجواري والسراري والقيان والمغنين والشعراء وبناء القصور ، فحينما استخرج

__________________

(١) البداية والنهاية ١٠ : ١٧٠.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٨٧ و ٤١٠ ، البداية والنهاية ١٠ : ١٢١ و ١٢٣ و ١٢٨ و ١٣٠ و ١٣٤ و ١٣٧ و ١٥٨ و ١٥٩.

١٥

المهدي أموال أبيه المنصور من الذهب والفضة وصفها المؤرخون بأنها لا تحدّ ولا توصف كثرة (١) ، وذكروا أن المهدي كان أول خليفة حُمل له الثلج إلى مكة سنة ( ١٦٠ ه‍ ) (٢) ، وكان أول من لعب بالصوالجة في الإسلام ، وكان يسمع الغناء ويشرب النبيذ (٣).

وفي سنة ( ١٦٦ ه‍ ) سخط المهدي على يعقوب بن داود وزيره الذي فوّض إليه جميع أمر الخلافة ، لأسباب منها أنه كان يعظه في تعاطيه شرب النبيذ بين يديه وكثرة سماع الغناء ، فكان يلومه على ذلك ويقول : ما على هذا استوزرتني ولا على هذا صحبتك ، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الحرام يشرب الخمر ويغنى بين يديك ؟! وفي ذلك يقول بعض الشعراء حثّاً للمهدي على تعاطي الخمرة وسماع الغناء :

فدع عنك يعقوب بن داود جانباً

وأقبل على صهباء طيبة النشر (٤)

وحينما حاول ( المهدي ) أن يتحرى المبرر لتناول الخمرة ، لا يبالي الإمام الكاظم عليه‌السلام أن يجيبه بكل قطعية وصراحة غير مجامل ولا مداهن ، قال علي ابن يقطين : « سأل المهدي أبا الحسن عليه‌السلام عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله ؟ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها ؟ فقال له أبو الحسن عليه‌السلام : بل هي محرمة في كتاب الله عز وجل. فقال له : في أي موضع هي محرمة في كتاب الله جل اسمه ، يا أبا الحسن ؟ فقال : قول الله عز وجل : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ

__________________

(١) البداية والنهاية ١٠ : ١٦٣.

(٢) البداية والنهاية ١٠ : ١٤١.

(٣) الاعلام / خير الدين الزركلي ٦ : ٢٢١.

(٤) البداية والنهاية ١٠ : ١٥٧.

١٦

الْحَقِّ » (١).... وأما الاثم ، فإنها الخمرة بعينها ، وقد قال الله عز وجل في موضع آخر : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) فأما الاثم في كتاب الله فهي الخمرة ، والميسر فهي النرد ( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ ) (٢) كما قال الله تعالى. قال : فقال المهدي : يا علي بن يقطين ، هذه والله فتوى هاشمية » (٣).

واشتهر عن المهدي أنه كان يحبّ اللعب بالحمام والسباق بينها ، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة : « لا سبق إلاّ في خفّ أو نعل أو حافر ، وزاد في الحديث : أو جناح ، فأمر له بعشرة آلاف ، ولما خرج قال : والله إني لأعلم أن عتاباً كذب على رسول الله » (٤). وفيه تشجيع من الخليفة على نشر البدع ، والمجاملة في دين الله ، والكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

أما الانفاق على سوق الشعراء ، فقد روي أن المهدي أجاز شاعراً بخمسين ألف دينار (٥).

وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة منها قوله :

تشابه يوماً بأسه ونواله

فما أحد يدري لأيهما الفضل

فأمر له بمائة وثلاثين ألفاً معجّلة (٦).

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ٣٣.

(٢) سورة البقرة : ٢ / ٢١٩.

(٣) الكافي ٦ : ٤٠٦ / ١ ، تفسير العياشي ٢ : ١٤٦ / ١٥٨٠.

(٤) البداية والنهاية ١٠ : ١٦٣.

(٥) الاعلام / خير الدين الزركلي ٦ : ٢٢١.

(٦) البداية والنهاية ١٠ : ١٧٠.

١٧

وحين عاد الفضل بن يحيى من خراسان أنشده مروان بن أبي حفصة :

ما الفضل إلاّ شهاب لا أفول له

عند الحروب إذا ما تأفل الشهب

فأمر له بمائة ألف درهم (١).

ولا تقف سياسة البذخ والاسراف بالمال العام على رأس الهرم في السلطة وحسب ، بل تمتد إلى قاعدة عريضة من ولاة الدولة وعمالها وقادتها ، ففي سنة ( ١٧٣ ه‍ ) توفّي بالبصرة محمد بن سليمان (٢) ، فأمر الرشيد بالاستيلاء على أمواله ، فوجدوا من ذلك شيئاً كثيراً من الذهب والفضة والأمتعة والأملاك ، ومن جملته وجدوا من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار ، ومن الدراهم ستة آلاف ألف (٣).

ولجواري البلاط السهم الأوفر من بيت المال ، فقد عثر عند خالصة إحدى حظيات المهدي على عشرة آلاف دينار (٤). وكان للخيزران جارية المهدي وأم الهادي والرشيد ضياع كثيرة غلتها في كل سنة ألف ألف وستين ألفاً (٥).

أما المغنون فحديثهم ذو شجون ، ففي هذا العصر عكف الخلفاء على سماع الغناء وتقريب المغنين وبذلوا لهم أموالاً جزيلة من الصلات والهبات ، حتى أصبحوا طبقة مرفهة في المجتمع ، ومنهم مخارق بن يحيى الجزار ، وكان الرشيد العباسي يعجب به حتى أقعده مرة على السرير معه ، وأعطاه ثلاثين ألف

__________________

(١) البداية والنهاية ١٠ : ١٨٣.

(٢) هو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، جمع له المنصور بين البصرة والكوفة ، وزوجه المهدي ابنته العباسة ، وكان دخله في كل يوم مائة ألف.

(٣) البداية والنهاية ١٠ : ١٧٣.

(٤) البداية والنهاية ١٠ : ١٣٤.

(٥) البداية والنهاية ١٠ : ١٧٥.

١٨

درهم (١). وزنام الزامر ، وكان من مطربي الرشيد والمعتصم والواثق ، وله معهم أخبار ، وعده الثعالبي من صدور مطربي المتوكل أيضاً (٢). وحكم بن ميمون الوادي الذي طالت مدة حياته فعاصر الوليد بن عبد الملك وغناه ، واتصل ببني العباس منذ أيام المنصور وانقطع إليهم ، فاشتهر وأصاب مالاً وافراً وحظوة ، وأدرك هارون الرشيد وغناه (٣). وابراهيم الموصلي ، وكانت له عند العباسيين منزلة حسنة ، وأول من سمعه منهم المهدي العباسي ، ولما ولي موسى الهادي أغدق عليه نعمه ، وكذلك هارون الرشيد من بعده ، وجعله من ندمائه وخاصته (٤). وابنه إسحاق الموصلي ، وهو من أشهر ندماء الخلفاء ، نادم الرشيد والمأمون والواثق ، ولما مات نعي إلى المتوكل فقال : ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته (٥). وإسماعيل بن جامع السهمي ، ويعرف أيضاً بابن أبي وداعة ، اتصل بهارون الرشيد فحظي عنده (٦).

٤ ـ سوء الأوضاع الاقتصادية والصحية :

ذكرنا أن هناك قلّة متخمة تستأثر برأس المال وتبدّده في حياة البذخ والترف بينما تعاني أكثرية الناس من تدهور أوضاعها الاقتصادية والخدمية وتعيش حياة البؤس والفقر والحرمان ، بسبب كثرة الضرائب واستعمال القسوة في جبايتها إلى جانب انتشار الأمراض والأوبئة ، مما ترك آثاراً وخيمة على بنية

__________________

(١) الاعلام / خير الدين الزركلي ٧ : ١٩١.

(٢) الاعلام / خير الدين الزركلي ٣ : ٤٩.

(٣) الاعلام / خير الدين الزركلي ٢ : ٢٦٧.

(٤) الاعلام / خير الدين الزركلي ١ : ٥٨.

(٥) الاعلام / خير الدين الزركلي ١ : ٢٩٢.

(٦) الاعلام / خير الدين الزركلي ١ : ٣١١.

١٩

المجتمع وسلوك أفراده ، وقد حفّزت تلك الأوضاع قطاعات واسعة من الناس على الثورة في عدة أجزاء من جسم الدولة ، ففي سنة ( ١٧٨ ه‍ ) وثبت الناس في مصر بولاتها عدة مرات بسبب ثقل الضرائب والالتزامات المالية (١).

وأخذ الرشيد العمال والدهاقين وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات وغيرهم ، وكان عليهم أموال مجتمعة ، فولى مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن سام ، فطالبهم بصنوف من العذاب (٢).

والذي يزيد من فقامة الأوضاع كثرة الأمراض التي تحصد آلاف البشر ، فعن سنة ( ١٥٨ ه‍ ) قال الواقدي : وأصاب الناس في هذه السنة وباء شديد فتوفي فيه خلق كثير وجمّ غفير (٣) ، وفي سنة ( ١٦٧ ه‍ ) وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة (٤) ، وأصاب الناس في آخر سنة ( ١٦٨ ه‍ ) وباء وموت كثير وظلمة وتراب أحمر (٥).

وفي خضمّ التدهور الذي تعاني منه الأمة على صعيد أحوالها المعاشية ، نجد الإمام الكاظم عليه‌السلام يقدم النصح للرشيد حينما تتهيأ له فرصة الكلام عند قدوم الرشيد إلى المدينة في الموسم فقابله الإمام الكاظم عليه‌السلام وجهاً لوجه قائلاً : « إن الله عز وجل قد فرض على ولاة عهده أن ينعشوا فقراء الأُمّة ، ويقضوا عن الغارمين ، ويؤدّوا عن المثقل ، ويكسوا العاري ، ويحسنوا إلى العاني ، وأنت أولى من يفعل ذلك. ولا يتردد الرشيد من أن يقول : أفعل

__________________

(١) البداية والنهاية ١٠ : ١٨١ ـ ١٨٣.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤١٥.

(٣) البداية والنهاية ١٠ : ١٣٧.

(٤) البداية والنهاية ١٠ : ١٥٩.

(٥) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤٠١.

٢٠