المستند في شرح العروة الوثقى - ج ١٣

الشيخ مرتضى البروجردي

المستند في شرح العروة الوثقى - ج ١٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى البروجردي

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه ISBN: 964-6812-49-X
نسخة غير مصححة

وثالثاً : أنّ حمل النسيان على العمد بعيد غايته ، بل غريب جدّاً ، والقرينة المزعومة غير مسموعة ومن الجائز أن يراد من النهي عن العود شدّة المحافظة ورعاية الاهتمام كي لا يعرض النسيان.

رابعها : صحيحة زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة ، قال : فليمض في صلاته فإنّما الأذان سنة » (١). فانّ المراد من الأذان ما يشمل الإقامة بقرينة الصدر ، والوصف بالسنة التي هي في مقابل الوجوب يكشف عن الاستحباب.

وفيه : أنّه مبني على تفسير السنة بما يقابل الواجب وهو غير واضح ، فإنّها كثيراً ما تطلق على ما يقابل الفريضة ، أي التي افترضها الله في كتابه ، فيراد بها ما سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كإطلاقها على الركعتين الأخيرتين والتشهد والقراءة مع أنّها واجبة. ومن الجائز أن يكون المقام من هذا القبيل.

خامسها : الإجماع المركب ، بدعوى أنّ الأصحاب بين قائل باستحباب الأذان والإقامة كما هو المشهور. وبين قائل بوجوبهما معاً كما عن جماعة. فالتفكيك بالمصير إلى استحباب الأوّل ووجوب الثاني قول بالفصل وخرق للإجماع المركب ولم يقل به أحد ، وأوّل من تمسك بهذا الإجماع في المقام العلامة في المختلف (٢) وتبعه جماعة ممّن تأخر عنه.

وفيه أوّلاً : أنّه لم يحرز انعقاد الإجماع التعبدي على الملازمة بين الأذان والإقامة في الوجوب والاستحباب بحيث يكون كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام ، كيف وقد استند كل من أرباب القولين إلى ما يستفيدونه من نصوص الباب وأخبار المقام ، فهو معلوم المدرك ، فلا بد إذن من النظر في نفس المدرك ومن الجائز أن يستفيد ثالث ما ينتج التفكيك فيدعي دلالة بعض الاخبار على استحباب الأذان ، والبعض الآخر على وجوب الإقامة ، والإجماع‌

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤٣٤ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢٩ ح ١.

(٢) المختلف ٢ : ١٣٨.

٢٤١

والأحوط عدم ترك الإقامة (١) (١) للرجال في غير موارد السقوط (٢)

______________________________________________________

دليل لبّي لا بد فيه من القطع بالملازمة وعهدته على مدعية.

وثانياً : أنّ الصغرى ممنوعة لوجود القول بالفصل ، فقد ذهب السيد المرتضى كما سبق (١) إلى وجوب الإقامة مطلقاً على الرجال دون الأذان ، كما نسب إلى ابن أبي عقيل التفصيل بين الصبح والمغرب فيجبان فيهما وبين غيرهما من الفرائض فلا تجب إلا الإقامة ، وكذا إلى ابن الجنيد فلاحظ (٢).

وقد تحصّل لحد الآن : أنّ الوجوه المتقدمة المستدل بها لاستحباب الإقامة كلها مخدوشة ومنظور فيها ، والعمدة في المقام ما يخطر بالبال من :

الوجه السادس : الذي تمسكنا به في كثير من المقامات ، والمقام من أحراها وأظهر مصاديقها : وهو أنّ الإقامة من المسائل العامة البلوى والكثيرة الدوران ، بل يبتلي بها كل مكلف في كل يوم خمس مرّات على الأقل ، فلو كانت واجبة لاشتهر وبان وشاع وذاع ، بل أصبح من الواضحات التي يعرفها كل أحد ، لما عرفت من شدة الابتلاء وعموم الحاجة ، فكيف لم يذهب إلى وجوبها ما عدا نفراً يسيراً من الأصحاب ، وهاتيك النصوص المستدل بها للوجوب بمرأى منهم ومسمع ، وهذا خير دليل على أنّهم لم يستفيدوا من مجموعها أكثر من الاستحباب غير أنّه في الإقامة آكد.

إذن فالأقوى عدم الوجوب ، وإن كان الاحتياط في الإقامة ممّا لا ينبغي تركه والله سبحانه أعلم.

(١) وإن كان الأقوى هو الجواز حسبما عرفت.

(٢) كما سيأتي البحث حولها عند تعرض الماتن لها (٣).

__________________

(١) لا بأس بتركها وإن كان رعاية الاحتياط أولى.

(١) ، (٢) في ص ٢٢٦.

(٣) في ص ٢٨٤.

٢٤٢

وغير حال الاستعجال والسفر وضيق الوقت (١). وهما مختصان بالفرائض اليومية (٢).

______________________________________________________

(١) لا يخفى أنّ الأدلة المستدل بها لوجوب الإقامة إمّا على سبيل الفتوى أو الاحتياط الوجوبي كما صنعه في المتن لا يفرق فيها بمقتضى الإطلاق بين حال دون حال ، ولا تمتاز الموارد الثلاثة المذكورة في المتن عن غيرها.

أما الاستعجال فلم يرد فيه أيّ نص في المقام ، نعم ورد في بعض الأخبار سقوط السورة لدى الاستعجال ، أمّا الإقامة فلم ترد فيها ولا رواية ضعيفة.

وأما السفر فقد ورد في كثير من النصوص سقوط الأذان فيه ، وأمّا الإقامة فلم ترد في سقوطها ولا رواية واحدة. أجل ، ورد في بعض النصوص سقوط بعض الفصول والاكتفاء بفصل واحد عن الفصلين في حالتي السفر والعجلة ، وهو بحث آخر غير سقوط أصل الإقامة الذي هو محل الكلام ، وسيأتي البحث حوله عند تعرض الماتن له (١).

وأمّا الضيق فكذلك. ومقتضى القاعدة وقوع المزاحمة بين الإقامة بناءً على وجوبها وبين رعاية الوقت في تمام الصلاة كما هو الحال في سائر الشرائط ، فلا بد من ملاحظة ما هو الأهمّ منها (٢).

(٢) على المشهور ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، بل لم ينقل الخلاف حتى من أهل الخلاف. مضافاً إلى السيرة القطعية العملية المستمرة إلى زمن المعصومين ، ولم ترد حتى رواية ضعيفة تشعر بالأذان والإقامة لغير الصلوات اليومية مع كثرة الابتلاء بها ، فيكشف ذلك عن عدم المشروعية ، بل يكفي في العدم مجرد عدم الدليل بعد أن كانت العبادة توقيفية.

__________________

(١) في ص ٢٦٣.

(٢) هذا وجيه لو كان الوجوب على القول به نفسياً ، وأمّا لو كان شرطياً فلا وجه للادراج في باب المزاحمة وملاحظة مرجّحاته على ما تكرر عنه ( دام ظله ) نظير ذلك في غير مورد.

٢٤٣

أجل ، قد يقال باستفادة ذلك إمّا في مطلق الصلوات ، أو في خصوص الصلوات الواجبة من بعض الروايات

منها : موثقة عمار الواردة في المريض : « لا بدّ من أن يؤذّن ويقيم ، لأنّه لا صلاة إلا بأذان وإقامة » (١) ، فإنّ إطلاقها يشمل عامّة الصلوات.

وفيه : أنّها لم تكن بصدد بيان المشروعية ليتمسّك بإطلاقها ، بل هي ناظرة إلى أنّهما في موطن مشروعيتهما لا يفرق الحال فيها بين الصحيح والسقيم ، وأنّ ما يؤذن ويقيم له الصحيح يؤذّن ويقيم له المريض أيضاً ، وإن كان شديد الوجع ، وأنّ المرض لا يسقط الحكم ، من غير نظر إلى نفس المورد وتعيينه لينعقد الإطلاق (٢).

ومنها : موثقته الأُخرى عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذّن وأقم وافصل بين الأذان والإقامة ... » إلخ (٣) فإنها تدل على المشروعية في مطلق الفرائض وإن لم تشمل النوافل كالسابقة.

ويندفع : بابتنائه على تفسير الفريضة بما يقابل المندوب ، وليس كذلك ، بل المراد كما مرّ ما يقابل السنة ، أي الذي فرضه الله تعالى في كتابه ، ومن المعلوم أنّ المفروض في الكتاب العزيز من الصلوات منحصر في اليومية ، وفي صلاة العيدين المشار إليهما في قوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (٤) ، وقوله تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (٥) حيث فسّرت الآية الأولى بصلاة عيد الأضحى والثانية بصلاة عيد الفطر ، لكن النصوص الكثيرة‌

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤٤٤ / أبواب الأذان والإقامة ب ٣٥ ح ٢.

(٢) لا يبعد استفادة الإطلاق من الكبرى الكلية المذكورة في التعليل الوارد في مقام التطبيق فلاحظ.

(٣) الوسائل ٥ : ٣٩٧ / أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ٤.

(٤) الكوثر ١٠٨ : ٢.

(٥) الأعلى ٨٧ : ١٤ ١٥.

٢٤٤

وأمّا في سائر الصلوات الواجبة (١) فيقال « الصلاة » ثلاث مرات (١).

______________________________________________________

تضمّنت نفي الأذان والإقامة عن صلاة العيدين التي منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : صلاة العيد ركعتان بلا أذان ولا إقامة » (١).

وصحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : ليس يوم الفطر ولا يوم الأضحى أذان ولا إقامة » (٢) فيبقى تحت الموثقة من الفرائض خصوص الصلوات اليومية.

(١) أي غير اليومية من غير فرق بين العيدين وغيرهما ، وبين الجماعة والفرادى ، وهذا الإطلاق لم يرد فيه نص. نعم ، ورد ذلك في خصوص صلاة العيدين ، فقد روى الصدوق والشيخ بإسنادهما عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « قلت له : أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال : ليس فيهما أذان ولا إقامة ، ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرات ... » الحديث (٣) والكلام يقع في سندها تارةً والدلالة اخرى.

أمّا السند : فقد عبّر عنها المحقق الهمداني بخبر إسماعيل الجعفي (٤) ولكن الصحيح كما في الفقيه : إسماعيل بن جابر ، فانّ هذا الرجل وإن كان جعفياً أيضاً إلا أنّ إسماعيل الجعفي في كلام الصدوق يراد به إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي ، كما يظهر من المشيخة (٥) وقد رواها الشيخ أيضاً في التهذيب عن إسماعيل بن جابر ، وطريقه كطريق الصدوق إليه صحيح ، فإنّ الثاني وإن اشتمل على محمد‌

__________________

(١) الظاهر اختصاص الاستحباب بالصلاة جماعة.

(١) ، (٢) الوسائل ٧ : ٤٢٩ / أبواب صلاة العيد ب ٧ ح ٧ ، ٥.

(٣) الوسائل ٧ : ٤٢٨ / أبواب صلاة العيد ب ٧ ح ١ ، الفقيه ١ : ٣٢٢ / ١٤٧٣ ، التهذيب ٣ : ٢٩٠ / ٨٧٣.

(٤) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : ٢٠٦ السطر ٣٥.

(٥) لكن يظهر من المعجم خلافه لاحظ المعجم ٤ : ٣١ / ١٣١٠.

٢٤٥

ابن موسى المتوكل إلا أنّنا اعتمدنا عليه أخيراً.

إنّما الكلام في الرجل نفسه ، فقد ذكره النجاشي (١) وقال : إسماعيل بن جابر روى حديث الأذان ، له كتاب ، وهكذا الشيخ في الفهرست (٢) ، ولم يوثقه أيّ منهما.

نعم ، ذكر في رجاله قائلاً : إسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي ثقة ممدوح له أُصول رواها عنه صفوان بن يحيى (٣).

والظاهر بل المطمأن به أنّ المراد به هو إسماعيل بن جابر الآنف الذكر ، والتوصيف بالخثعمي سهو من قلمه الشريف قدس‌سره أو غلط من النسّاخ فأُبدل الجعفي بالخثعمي وأنّهما شخص واحد.

ويدلنا على ذلك أُمور :

أحدها : أنّ الخثعمي لو كان شخصاً آخر وله كتاب روى عنه صفوان فلما ذا لم يذكره الشيخ بنفسه في فهرسته ، ولا النجاشي في كتابه ، مع أنّه ذو كتاب ومعروف بطبيعة الحال ، بل ولماذا لم يذكر الشيخ إسماعيل بن جابر في رجاله مع أنّه أيضاً له كتاب. فمن عدم تعرض كل منهما لما تعرض إليه الآخر يستكشف الاتحاد.

ثانيها : أنّه لم يرد عن الخثعمي ولا رواية واحدة ، ولو كان غير الخثعمي وله كتاب فلما ذا لم يرو عنه الشيخ في كتابيه واقتصر على الرواية عن الجعفي فحسب ، فلولا أنّهما شخص واحد لم يتضح وجه لهذا التفكيك مع فرض اشتراكهما في أنّ لكل منهما كتاباً وهو معروف فليتأمل.

نعم ، ورد في كتاب الحج عن الكافي رواية عن إسماعيل الخثعمي (٤) ورواها‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.

(٢) الفهرست : ١٥ / ٤٩.

(٣) رجال الطوسي : ١٢٤ / ١٢٤٦.

(٤) الكافي ٤ : ٥٤٥ / ٢٦.

٢٤٦

بعينها في الوافي (١) ولكن عن إسماعيل بن الخثعمي. وكيف ما كان ، فعلى تقدير صحة النسخة فهو مجهول الحال كما لا يخفي.

ثالثها : أنّ العلامة في الخلاصة (٢) عند ما عنون إسماعيل بن جابر ترجمه بعين العبارة المتقدمة عن الشيخ في رجاله حيث قال : ثقة ممدوح ... إلخ فمن المطمأن به أنّه أخذ ما ذكره من رجال الشيخ ، وكانت النسخة الموجودة عنده مشتملة على الجعفي دون الخثعمي.

ويؤكده : أنّ نسخة الرجال التي كانت عند المولى الشيخ عناية الله على ما ذكره في مجمع الرجال كانت هو الجعفي دون الخثعمي (٣) ، وكذلك الموجود في نسخة النقد للفاضل التفريشي (٤). ومن ذلك كله يتضح أنّ إسماعيل بن جابر موثق ، لتوثيق الشيخ إياه في رجاله. مضافاً إلى وقوعه في أسانيد كامل الزيارات (٥) فالرواية إذن معتبرة السند.

وأمّا من ناحية الدلالة : فلا شبهة في دلالتها على سقوط الأذان والإقامة واستحباب التكبير ثلاثاً بدلاً عنهما ، وإنّما الكلام في أمرين :

أحدهما : في أنّ ذلك هل يختص بالصلاة جماعة أو يعمّ الفرادى؟ الظاهر هو الأوّل لقوله عليه‌السلام : ولكنه ينادى ... إلخ ، فإنّ النداء إنّما هو لأجل اجتماع الناس وإعلامهم بدلاً عن الأذان.

فلا دليل إذن على الاستحباب في صلاة المنفرد.

ثانيهما : هل الحكم يختص بمورده ، أعني صلاة العيدين ، أو يتعدى إلى بقية الصلوات غير اليومية كصلاة الاستسقاء والآيات وغيرهما؟

__________________

(١) الوافي ١٤ : ١٣٠٩ / ١٤٣٢١.

(٢) الخلاصة : ٥٤ / ٣٠.

(٣) مجمع الرجال ١ : ٢٠٧.

(٤) نقد الرجال ١ : ٢١٢.

(٥) ولكنه لم يكن من مشايخه بلا واسطة ، فلا توثيق من هذه الناحية.

٢٤٧

نعم يستحب الأذان في الاذن اليمنى من المولود والإقامة في اذنه اليسرى (١)

______________________________________________________

مقتضى الجمود على النص هو الأوّل ، ولكن مناسبة الحكم والموضوع تستدعي الثاني ، وهو الأظهر ، لإلغاء خصوصية المورد بحسب الفهم العرفي بعد أن كانت الغاية من النداء هو الاجتماع الذي لا يختص بمورد دون مورد.

(١) لمعتبرة السكوني عن ابي عبد الله عليه‌السلام « قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من ولد له مولود فليؤذّن في اذنه اليمنى بأذان الصلاة ، وليقم في اذنه اليسرى ، فإنّها عصمة من الشيطان الرجيم » (١).

ومعتبرة حفص الكناسي عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : مروا القابلة أو بعض من يليه أن يقيم الصلاة في اذنه اليمنى فلا يصيبه لمم ولا تابعة أبداً » (٢) فإنّه لا غمز في سند هذه الرواية إلا من ناحية معلى بن محمد حيث إنّه لم يوثق ، بل قال ابن الغضائري أن حديثه يعرف وينكر ، (٣) ولكنا لا نعتمد على تضعيفه ولا على توثيقه ، فإنّه وإن كان ثقة جليل القدر إلا أنّه لم يثبت لدينا صحة إسناد كتابه إليه.

نعم ، وصفه النجاشي بأنّه مضطرب الحديث والمذهب (٤) لكن هذا التعبير لا ينافي التوثيق كما مرّ غير مرّة إذن فلم يثبت جرح للرجل ليكون معارضاً مع التوثيق المستفاد من وقوعه في أسناد تفسير القمي ، كما أنّ الكناسي بنفسه أيضاً من رجال التفسير وإن لم يرد فيه توثيق صريح.

فالنتيجة : أنّ الروايتين معتبرتان سنداً وأمّا من حيث الدلالة فظاهرهما المنافاة ، لدلالة الأُولى على أنّه يؤذّن في اليمنى والثانية على أنّه يقيم ، ومن ثمّ‌

__________________

(١) الوسائل ٢١ : ٤٠٥ / أبواب أحكام الأولاد ب ٣٥ ح ١.

(٢) الوسائل ٢١ : ٤٠٦ / أبواب أحكام الأولاد ب ٣٥ ح ٣.

(٣) مجمع الرجال ٦ : ١١٣.

(٤) رجال النجاشي : ٤١٨ / ١١١٧.

٢٤٨

يوم تولّده (١) أو قبل أن تسقط سرّته (٢).

وكذا يستحب الأذان في الفلوات عند الوحشة من الغول وسحرة الجن (٣).

وكذا يستحب الأذان في اذن من ترك اللحم أربعين يوماً ، وكذا كلّ من ساء خلقه (٤).

______________________________________________________

جمع بينهما بحمل الإقامة على الأذان.

وفيه : أنّ الأذان وإن أُطلق على الإقامة في بعض النصوص المتقدمة ، إلا أنّ العكس غير معهود والأولى الجمع بالحمل على التخيير.

(١) كما هو الظاهر من معتبرة الكناسي المتقدمة ، حيث إنّ القابلة المأمورة بالإقامة في اذن المولود تمضي ليومها غالباً ولا تبقى إلى أن تنقطع السرة ، فيكون ظرف الاستحباب هو هذا اليوم ، بل لعله المنصرف من معتبرة السكوني أيضاً كما لا يخفى.

(٢) كما في رواية أبي يحيى الرازي عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : إذا ولد لكم المولود إلى أن قال ... وأذّن في اذنه اليمنى وأقم في اليسرى يفعل ذلك قبل أن تقطع سرته ... » إلخ (١).

ولكنها لضعف سندها من أجل جهالة كل من أبي إسماعيل وأبي يحيى لا يمكن التعويل عليها ، إذن يختص الاستحباب بيوم الولادة عملاً بمعتبرة الكناسي.

(٣) قد نطقت بذلك جملة من النصوص ، غير أنّها بأجمها ضعيفة السند ، فيبتني الحكم بالاستحباب على قاعدة التسامح. نعم إنّ ذكر الله حسن على كل حال ، إلا أنّ عنوان الأذان بخصوصه لا دليل معتبر عليه.

(٤) دل على الحكم فيهما صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله ( عليه‌

__________________

(١) الوسائل ٢١ : ٤٠٦ / أبواب أحكام الأولاد ب ٣٥ ح ٢.

٢٤٩

والأولى أن يكون في اذنه اليمنى (١). وكذا الدابة إذا ساء خلقها (٢).

ثم إنّ الأذان قسمان : أذان الإعلام وأذان الصلاة (٣).

______________________________________________________

السلام ) « قال : اللحم ينبت اللحم ، ومن تركه أربعين يوماً ساء خلقه ومن ساء خلقه فأذّنوا في أُذنه » (١) فإنّ الصحيحة كما دلت على الاستحباب في تارك اللحم أربعين يوماً دلت عليه في من ساء خلقه ولو من غير جهة ترك اللحم ، حيث إنّه عليه‌السلام طبّق الكبرى على المورد.

(١) صحيحة هشام المتقدمة خالية عن هذا التقييد. نعم ورد ذلك في رواية الواسطي (٢) ولكنها ضعيفة السند ، ولا بأس برعاية القيد رجاء وعلى سبيل الأولوية.

(٢) ففي رواية أبي حفص الأبار « ... وإذا ساء خلق أحدكم من إنسان أو دابة فأذّنوا في اذنه الأذان كله » (٣) ولكن ضعفها من جهة الإرسال وجهالة الأبار يمنع عن الاعتماد عليها إلا من باب قاعدة التسامح ، وقد عبّر عنها المحقق الهمداني (٤) وبعض من تأخر عنه برواية حفص ، والصحيح أبي حفص.

(٣) يقع الكلام تارةً في مشروعية كل من القسمين ، وأُخرى في الفرق بين الأذانين ، فهنا جهتان :

أمّا الجهة الاولى : فلا شبهة في مشروعية أذان الصلاة وقد دلت عليه النصوص المتقدمة بأسرها ، التي منها حديث الصفّ والصفّين من الملائكة ، وما تضمّن أنّه لا صلاة إلا بأذان وإقامة ، بل قد عرفت أنّ جمعاً استفادوا الوجوب منها فضلاً عن المشروعية والاستحباب.

__________________

(١) الوسائل ٢٥ : ٤٠ / أبواب الأطعمة المباحة ب ١٢ ح ١.

(٢) الوسائل ٢٥ : ٤١ / أبواب الأطعمة المباحة ب ١٢ ح ٧.

(٣) الوسائل ٢٥ : ٤٢ / أبواب الأطعمة المباحة ب ١٢ ح ٨.

(٤) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : ٢٣٢ السطر ٢١.

٢٥٠

فدعوى اختصاص التشريع بأذان الاعلام ، نظراً إلى ما تقتضيه نفس التسمية بالأذان ، حيث إنّه بمعنى الاعلام ، لا وجه لها ، إذ المستفاد من تلك النصوص استحبابه لأجل الصلاة سواء أتحقق معه الاعلام أيضاً أم لا.

وأمّا مشروعيته للاعلام بدخول الوقت وإن لم يرد المؤذّن الصلاة ، فتدل عليه السيرة القطعية المتصلة بزمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ويظهر من معتبرة زرارة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان له مؤذّنان : ابن أُمّ مكتوم وبلال ، وأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله « قال : فإذا أذّن بلال فعند ذلك فأمسك » (١).

وقد دلت على استحبابه نصوص كثيرة ، كصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من أذّن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة » (٢).

وعن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : من أذّن عشر سنين محتسباً يغفر الله له مدّ بصره وصوته في السماء » (٣).

وروى الشيخ بإسناده عن سليمان بن جعفر عن أبيه قال : « دخل رجل من أهل الشام على أبي عبد الله عليه‌السلام فقال له : إنّ أوّل من سبق إلى الجنة بلال ، قال : ولم؟ قال : لأنه أوّل من أذّن » (٤) إلى غير ذلك مما دل على استحباب أذان الاعلام في نفسه.

وبالجملة : فكلّ من النوعين سائغ يستحب في حد نفسه ، وبما أنّ النسبة بينهما عموم من وجه فربما يتداخلان ويكون أذان واحد مجمعاً للعنوانين ، فيقصد به الاعلام والصلاة معاً ، كما قد يفترقان. ومقتضى إطلاق الدليل في كل‌

__________________

(١) الوسائل ١٠ : ١٢٠ / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب ٤٩ ح ٣.

(٢) الوسائل ٥ : ٣٧١ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢ ح ١.

(٣) الوسائل ٥ : ٣٧٢ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢ ح ٥.

(٤) الوسائل ٥ : ٣٧٣ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢ ح ٧.

٢٥١

ويشرط في أذان الصلاة كالإقامة قصد القربة ، بخلاف أذان الاعلام فإنه لا يعتبر فيه ، ويعتبر أن يكون أوّل الوقت ، وأما أذان الصلاة فمتصل بها وإن كان في آخر الوقت (١).

______________________________________________________

من الطرفين ثبوت الاستحباب في كلتا الصورتين.

(١) وأمّا الجهة الثانية ، فقد ذكر في المتن الفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : اعتبار قصد القربة في أذان الصلاة دون الإعلام ، فالأوّل عبادي دون الثاني.

أما الاعتبار في الأوّل ، فلم ينهض عليه دليل لفظي. نعم ، بالإضافة إلى الإقامة يمكن الاستئناس له بالنصوص المتقدمة (١) الناطقة بأنّ الإقامة من الصلاة ، وأنّ الداخل فيها بمثابة الداخل في الصلاة ، بدعوى أنّ مقتضى عموم التنزيل ترتيب جميع الأحكام التي منها كونها عبادية.

وأمّا الأذان ، فالنصوص الواردة فيه عارية حتى عن مثل هذا اللسان ، إلا أنّ الصحيح مع ذلك اعتباره فيه ، لأنّه المتسالم عليه بين الفقهاء ، بل المرتكز في أذهان المتشرعة ، فإنّهم يرونه بلا ريب عملاً قربيّاً عباديا كسائر أجزاء الصلاة ، فلا ينبغي التأمل في ذلك.

وأما عدم الاعتبار في الثاني ، فلأنّ الغاية من تشريعه هو الاعلام الحاصل بدون قصد التقرب أيضاً ، ومع الشك فالمرجع إطلاق الدليل بعد إمكان التقييد به وإن أنكره صاحب الكفاية حسبما فصّلنا البحث حوله في الأُصول (٢).

ومع الغض عن الإطلاق فالمرجع الأصل العملي ، أعني استصحاب عدم الجعل ، فإنّه أمر حادث مسبوق بالعدم ، والمتيقن منه تعلقه بطبيعة الأذان. وأمّا جعل التقييد بقصد القربة زائداً على ذلك لتنتزع منه الشرطية فهو مشكوك‌

__________________

(١) في ص ٢٣٥.

(٢) محاضرات في أصول الفقه ٢ : ١٥٥.

٢٥٢

وفصول الأذان ثمانية عشر (١) الله أكبر أربع مرّات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمّداً رسول الله ، وحيّ على الصلاة ، وحي على الفلاح ، وحيّ على خير العمل ، والله أكبر ، ولا إله إلا الله ، كل واحدة مرّتان.

______________________________________________________

مدفوع بالأصل (١).

وأمّا التمسك بأصالة البراءة فلا مجال له ، لا العقلية لعدم احتمال العقاب بعد فرض الاستحباب ، ولا الشرعية إذ المرفوع فيما لا يعلمون هو إيجاب الاحتياط غير المحتمل (٢) في المقام ، واستحبابه ثابت على كل حال ، فلا معنى لرفعه. وتمام الكلام في محله.

ثانيهما : اختصاص أذان الإعلام بأوّل الوقت ، ووجهه ظاهر ، فإنّه شرّع للاعلام بدخوله فلا مقتضي لاستحبابه بعد انقضائه ، كما لا مقتضي له قبل دخوله إلا في أذان الفجر ، حيث لا يبعد جواز تقديمه على الفجر للايقاظ والتهيؤ كما سيجي‌ء البحث عنه (٣).

وأمّا أذان الصلاة ، فلأجل أنّه متصل بها فهو من توابعها ومقارناتها ، فلا جرم يمتد وقته حسب امتداد وقت الصلاة فيستحب حتى في آخر الوقت.

(١) إجماعاً كما ادعاه غير واحد ، وقد دلت عليه طائفة من الأخبار نقتصر على المعتبرة منها.

__________________

(١) لا يخفى أنّ كلا من الإطلاق والتقييد ، أعني لحاظ الطبيعة بنحو بشرط شي‌ء ولحاظها بنحو اللا اقتضائيّ بشرط القسمي أمر وجودي وحادث مسبوق بالعدم ، وأصالة عدم تعلق الجعل بكل منهما معارض بأصالة عدم تعلقه بالآخر ، ومن ثم التجأ ( دام ظله ) في مبحث الأقل والأكثر [ في مصباح الأُصول ٢ : ٤٢٩ ] إلى التمسك بأصالة البراءة عن التقييد ، السليمة عن المعارضة بأصالة البراءة عن الإطلاق كما لا يخفى.

(٢) نعم ، ولكنّ الوجوب الشرطي محتمل فيمكن دفعه بأصالة البراءة الشرعية كما صرح ( دام ظله ) بذلك في الأُصول. لاحظ الدراسات ٣ : ٢٤٦.

(٣) في ص ٣٣٨.

٢٥٣

فمنها : ما رواه الكليني بإسناده عن إسماعيل الجعفي قال : « سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : الأذان والإقامة خمسة وثلاثون حرفاً ، فعدّ ذلك بيده واحداً واحداً ، الأذان ثمانية عشر حرفاً ، والإقامة سبعة عشر حرفاً » (١).

وقد تقدم قريباً (٢) نبذ من الكلام حول إسماعيل الجعفي الذي هو مردد بين ابن جابر وابن عبد الرحمن وابن عبد الخالق ، حيث إنّه يطلق على كل واحد من هؤلاء الثلاثة كما يظهر من مشيخة الفقيه ، ولم يعلم المراد منهم في المقام بعد أن كان الراوي عنه أبان بن عثمان الذي هو من أصحاب الصادق عليه‌السلام. نعم ، لو صدرت الرواية بعد زمانه عليه‌السلام لتعيّن إرادة الأوّل لموت الأخيرين في زمان حياته عليه‌السلام ولكنّها وردت عن الباقر عليه‌السلام ، فلا معيّن في البين.

غير أنّ من المطمأن به أنّ المراد به هو الأوّل ، لما ذكره النجاشي من أنّه هو الذي روى حديث الأذان (٣).

وكيف ما كان ، فهو معتبر على كل تقدير ، إذ الأوّل قد وثّقه الشيخ في رجاله كما سبق (٤) ، والأخيران بين موثوق وممدوح. فالرواية إذن معتبرة السند.

وأمّا من حيث الدلالة ، فهي وإن كانت مجملة حيث لم يبيّن فيها الكيفية إلا على سبيل الإشارة والإجمال وأنّها ثمانية عشر حرفاً ، إلا أنّ السيرة العملية والتعارف الخارجي يكشفان القناع عن هذا الإجمال بعد انطباق العدد على عملهم من الإتيان بالتكبيرات أربعاً وبباقي الفصول مثنى مثنى.

ومنها : موثقة المعلى بن خنيس (٥) المتضمنة لذكر الفصول الثمانية عشر على‌

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤١٣ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ١ ، الكافي ٣ : ٣٠٢ / ٣.

(٢) في ص ٢٤٥.

(٣) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.

(٤) في ص ٢٤٦.

(٥) الوسائل ٥ : ٤١٥ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٦.

٢٥٤

النهج المذكور في المتن. فإنّ الرجل وإن كان فيه كلام ولكنه موثق على الأظهر.

ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي جميعاً عن أبي عبد الله عليه‌السلام (١) المشتملة على الكيفية المذكورة في المتن ، ولا غمز في السند إلا من ناحية الرجلين المزبورين ، وهما من رجال كامل الزيارات (٢).

ولكن بإزائها روايات اخرى دلت على أنّ فصول الأذان كلها مثنى مثنى كالإقامة وهي :

صحيحة صفوان الجمّال قال : « سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى » (٣).

وصحيحة عبد الله بن سنان قال : « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الأذان فقال : تقول : الله أكبر الله أكبر » إلى آخر الفصول كلها مثنى مثنى (٤).

وما رواه الشيخ بإسناده عن زرارة والفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه‌السلام وقد تضمنت بيان الفصول كما ذكره (٥) وقد عبّر عن الأخيرة أيضاً بالصحيحة ، وليس كذلك ، لاشتمال السند على ابن السندي ولم يوثق ، فالعمدة ما عرفت من الصحيحتين.

والجمع العرفي بين الطائفتين يستدعي حمل الطائفة الأُولى على الأفضلية ، لصراحة الثانية في إجزاء مثنى مثنى في عامّة الفصول. أما الأُولى فغايتها الظهور في لزوم الأربع في التكبيرات الأُول ، فتحمل على الندب ، ومن المعلوم أنّ مجرد قيام السيرة العملية على مضمون الاولى لا يستوجب تعينها ، كيف وربما تجري سيرتهم على ما يقطع بعدم وجوبه كالقنوت ، فلا يستكشف منها‌

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤١٦ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٩ ، التهذيب ٢ : ٦٠ / ٢١١.

(٢) ولكنه لا ينفع كما مرّ غير مرّة.

(٣) الوسائل ٥ : ٤١٤ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٤ ، ٥.

(٤) الوسائل ٥ : ٤١٤ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٤ ، ٥.

(٥) الوسائل ٥ : ٤١٦ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٨ ، التهذيب ٢ : ٦٠ / ٢١٠.

٢٥٥

وفصول الإقامة سبعة عشر (١) : الله أكبر في أوّلها مرّتان ويزيد بعد حيّ على خير العمل قد قامت الصلاة مرّتين ، وينقص من لا إله إلا الله في آخرها مرّة.

______________________________________________________

أزيد من المشروعية دون اللزوم ، هذا.

وربما يظهر من بعض النصوص زيادة الفصول عمّا ذكر. ففي مرسلة النهاية : « أنّها سبعة وثلاثون فصلاً ، يضيف إلى ما ذكر التكبير مرتين في أوّل الإقامة » (١).

وفي مرسلته الأُخرى « أنّها ثمانية وثلاثون فصلاً ، يضيف إلى ذلك لا إله إلا الله مرّة أُخرى في آخر الإقامة » (٢). وفي مرسلته الثالثة « إنّها اثنان وأربعون فصلاً ، يضيف إلى ذلك التكبير في آخر الأذان مرّتين وفي آخر الإقامة مرتين » (٣) لكن ضعفها بأجمعها بالإرسال يمنع عن الاتكال عليها ، إلا بناءً على قاعدة التسامح أو الإتيان بقصد الرجاء.

(١) إجماعاً كما ادعاه غير واحد بالسنة مختلفة ، غير أنّ النصوص الواردة في المقام لا تشهد بذلك ، ما عدا موثقة إسماعيل الجعفي المتقدمة (٤) المتضمنة أنّ الإقامة سبعة عشر حرفاً بضميمة السيرة الخارجية المفسرة لذلك ، والمبيّنة أنّ نقصها بحرف واحد من حروف الأذان الثمانية عشر هو نتيجة نقص تهليل من الأخير بعد تبديل التكبير مرتين من أوّلها بقول : قد قامت الصلاة مرّتين فيما قبل التكبير من آخرها. وأمّا بقية النصوص فهي مختلفة :

فمنها : ما دل على أنّ الإقامة مثنى مثنى كصحيحة صفوان المتقدمة.

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال :

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤٢١ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٢٠ ، النهاية : ٦٨.

(٢) الوسائل ٥ : ٤٢٢ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٢١ ، النهاية : ٦٨.

(٣) الوسائل ٥ : ٤٢٢ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٢٢ ، النهاية : ٦٩.

(٤) في ص ٢٥٤.

٢٥٦

ويستحب الصلاة على محمّد وآله عند ذكر اسمه (١).

______________________________________________________

الأذان مثنى مثنى ، والإقامة واحدة واحدة » (١).

ومنها : صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : الإقامة مرّة مرّة ، إلا قول الله أكبر الله أكبر فإنه مرّتان » (٢).

والجمع بين الأخيرتين بارتكاب التقييد بأن يراد من الواحد في صحيحة معاوية ما عدا التكبير غير وجيه ، إذ مضافاً إلى ما يراه العرف من التنافي بينهما لدى عرضهما عليه كما لا يخفى فتدبر جيداً ، أنّ هذا النوع من الجمع خاص بالواجبات ، أمّا المستحبات فيحمل المقيد فيها على أفضل الأفراد حسبما تقرر في محله (٣).

إذن فمقتضى الصناعة في مقام الجمع بين هذه النصوص بأجمعها هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل كما ذكره جماعة.

بيد أنّ هناك رواية واحدة تكون شاهدة للجمع بوجه آخر ، وهي صحيحة أبي همام عن أبي الحسن عليه‌السلام « قال : الأذان والإقامة مثنى مثنى ، وقال : إذا أقام مثنى ولم يؤذّن أجزأه في الصلاة المكتوبة ، ومن أقام الصلاة واحدة واحدة ولم يؤذّن لم يجزئه إلا بالأذان » (٤) ، حيث تضمنت التفصيل بين اقتران الإقامة بالأذان فتجزئ فيها واحدة واحدة ، وبين الاقتصار عليها ، فلا بدّ وأن تكون مثنى مثنى. وبذلك يجمع بين النصوص ، وهذا الجمع هو المتعيّن.

(١) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : في حديث « قال : وصلّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو‌

__________________

(١) ، (٢) الوسائل ٥ : ٤٢٤ و٤٢٥ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢١ ح ١ ، ٣.

(٣) محاضرات في أصول الفقه ٥ : ٣٨٤.

(٤) الوسائل ٥ : ٤٢٣ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢٠ ح ١.

٢٥٧

وأمّا الشهادة لعلي عليه‌السلام بالولاية وإمرة المؤمنين فليست جزءاً منهما (١).

______________________________________________________

غيره » (١) مضافاً إلى العمومات الآمرة بالصلاة عليه عند ذكره من غير فرق بين الأذان وغيره ، الواردة في أبواب الذكر من الوسائل (٢).

بل ، إنّ ظاهر الأمر هو الوجوب ، وحيث لا معارض له فينبغي الفتوى به كما أفتى به صاحب الوسائل حيث أخذه في عنوان بابه في المقام.

لكن الذي يمنعنا عنه أنّ المسألة كثيرة الدوران جدّاً ، بل من أعظم ما تعمّ به البلوى ، فلو كان الوجوب ثابتاً والحالة هذه لاشتهر وبان وشاع وذاع ، بل كان من أوضح الواضحات ، فكيف لم يفت به معظم الفقهاء ما عدا نفراً يسيراً ، بل وكيف لم تجر عليه سيرة المتشرعة إلا القليل ، لو لم ندّع جريان سيرة أكثرهم على عدم الالتزام كما لا يخفى. فالأقوى إذن ما عليه المشهور من الاستحباب.

(١) قال الصدوق في الفقيه ما لفظه : والمفوّضة ( لعنهم الله ) قد وضعوا أخباراً وزادوا بها في الأذان محمّد وآل محمّد خير البرية مرتين ، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ علياً ولي الله مرتين ، ومنهم من روى بدل ذلك أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين حقاً مرتين ، ولا شك أنّ علياً ولي الله وأنّه أمير المؤمنين حقاً وأنّ محمداً وآله خير البرية ، ولكن ذلك ليس في أصل الأذان ... إلخ » (٣).

وعن الشيخ في النهاية : فأمّا ما روي في شواذ الأخبار من قول : أنّ علياً ولي الله وآل محمد خير البرية ، فممّا لا يعمل عليه في الأذان والإقامة ، فمن عمل‌

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٤٥١ / أبواب الأذان والإقامة ب ٤٢ ح ١.

(٢) الوسائل ٧ : ٢٠١ / أبواب الذكر ب ٤٢.

(٣) الوسائل ٥ : ٤٢٢ / أبواب الأذان والإقامة ب ١٩ ح ٢٥ ، الفقيه ١ : ١٨٨ / ذيل ٨٩٧.

٢٥٨

به كان مخطئاً ، (١) ونحوه عن المبسوط ثم قال : ولو فعله إنسان لم يأثم به غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله. (٢) ونحوه ما في المنتهي (٣) وغيره من كلمات الأصحاب. هذا وربما يتمسك لإثبات الاستحباب بقاعدة التسامح ، نظراً إلى ما سمعته من ورود الشهادة الثالثة في شواذ الأخبار.

وفيه : مضافاً إلى أنّ القاعدة غير تامة في نفسها ، إذ لا يثبت بها إلا الثواب دون الاستحباب ، لتكون الشهادة من فصول الأذان واجزائها المستحبة كما فصلنا البحث حوله في الأُصول (٤) أنّه على تقدير تسليمها فهي خاصة بصورة بلوغ الثواب فحسب لا بلوغه مع بلوغ عدمه كما في المقام ، حيث إنّ الراوي وهو الشيخ والصدوق قد بلغنا عنه القطع بكذب تلك الرواية وعدم الثواب على الشهادة.

أضف إلى ذلك : أنّها لو كانت جزءاً من الأذان لنقل ذلك عن المعصوم عليه‌السلام ولفعله ولو مرّة واحدة ، مع أنّ الروايات الحاكية للأذان خالية عن ذلك بتاتاً.

نعم ، قد يقال : إنّ رواية الاحتجاج تدل عليه بصورة العموم فقد روى الطبرسي في الاحتجاج عن القاسم بن معاوية عن الصادق عليه‌السلام « أنه إذا قال أحدكم لا إله إلا الله محمّد رسول فليقل علي أمير المؤمنين » (٥) ، لكنّها لضعف سندها غير صالحة للاستدلال إلا بناءً على قاعدة التسامح ، ولا نقول بها كما عرفت.

ولعلّ ما في البحار من كون الشهادة من الأجزاء المستحبة (٦) مستند إلى‌

__________________

(١) النهاية : ٦٩.

(٢) المبسوط ١ : ٩٩.

(٣) المنتهي ٤ : ٣٨١.

(٤) مصباح الأُصول ٢ : ٣١٩.

(٥) الاحتجاج ١ : ٣٦٦ / ٦٢.

(٦) البحار ٨١ : ١١١.

٢٥٩

ولا بأس بالتكرار في حيّ على الصلاة أو حيّ على الفلاح (١) للمبالغة في اجتماع الناس ، ولكن الزائد ليس جزءاً من الأذان.

______________________________________________________

هذه الرواية ، أو ما عرفته من شهادة الصدوق والشيخ وغيرهما بورود النصوص الشاذة ، هذا.

ولكنّ الذي يهوّن الخطب أنّنا في غنى من ورود النص ، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد أن كانت الولاية من متممات الرسالة ومقوّمات الايمان ، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (١) بل من الخمس التي بني عليها الإسلام ، ولا سيّما وقد أصبحت في هذه الأعصار من أجلي أنحاء الشعار وأبرز رموز التشيع وشعائر مذهب الفرقة الناجية ، فهي إذن أمر مرغوب فيه شرعاً وراجح قطعاً في الأذان وغيره ، وإن كان الإتيان بها فيه بقصد الجزئية بدعة باطلة وتشريعاً محرّماً حسبما عرفت.

(١) ويستدل له برواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام « قال : لو أنّ مؤذّناً أعاد في الشهادة أو في حيّ على الصلاة أو حيّ على الفلاح المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماماً يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس » (٢).

بل هي تدل على جواز التكرار في الشهادة أيضاً ، كل ذلك إذا لم يكن بقصد الجزئية ، بل لغاية اجتماع الناس على ما نطقت به الرواية ، ولكنها ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالموثقة في بعض الكلمات لمكان علي بن أبي حمزة الراوي عن أبي يصير ، فإنه البطائني المعروف بالكذب كما مرّ غير مرّة.

نعم ، تدل على التكرار في خصوص حيّ على الفلاح صحيحة زرارة قال : « قال لي أبو جعفر عليه‌السلام في حديث : إن شئت زدت على التثويب حيّ‌

__________________

(١) المائدة ٥ : ٣.

(٢) الوسائل ٥ : ٤٢٨ / أبواب الأذان والإقامة ب ٢٣ ح ١.

٢٦٠