محاضرات في أصول الفقه

آية الله الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض

محاضرات في أصول الفقه

المؤلف:

آية الله الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض

المحقق: المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه ISBN: 964-7336-15-2
نسخة غير مصححة

تابعة لقصد المكلف وإلاّ فلا حرمة بحسب الواقع ، وكيف كان فلا أصل لهذه القاعدة أصلاً.

لحدّ الآن قد تبيّن أنّه لايرجع شيء من الوجوه التي ذكروها لترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب إلى محصّل.

فالصحيح هو ما حققنا سابقاً من أنّ المسألة على القول بالامتناع ووحدة المجمع في مورد الاجتماع تدخل في كبرى باب التعارض ، ولا بدّ عندئذ من الرجوع إلى مرجحات ذلك الباب ، فإن كان هناك ترجيح لأحدهما على الآخر فلا بدّ من العمل به ، وإلاّ فالمرجع هو الاصول العملية.

نعم ، قد تكون في بعض الموارد خصوصية تقتضي تقدم الحرمة على الوجوب وإن كان شمول كل منهما لمورد الاجتماع مستفاداً من الاطلاق ، وذلك كاطلاق دليل وجوب الصلاة مع إطلاق دليل حرمة الغصب ، فانّ عنوان الغصب من العناوين الثانوية ، ومقتضى الجمع العرفي بين حرمته وجواز فعلٍ بعنوانه الأوّلي في مورد الاجتماع حمل الجواز على الجواز في نفسه وبطبعه غير المنافي للحرمة الفعلية ، وذلك نظير ما دلّ على جواز أكل الرمان بالاضافة إلى دليل حرمة الغصب ، فانّ النسبة بينهما وإن كانت نسبة العموم من وجه إلاّ أنّه لا يشك في تقديم حرمة الغصب ، لما ذكرناه.

الثالث : أنّه إذا لم يثبت ترجيح لتقديم جانب الحرمة على الوجوب أو بالعكس ، فهل يمكن الحكم بصحة الصلاة في مورد الاجتماع على هذا القول ، أعني القول بالامتناع أم لا؟

فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية قدس‌سره (١) أنّه لا مانع من الحكم

__________________

(١) كفاية الاصول : ١٧٨.

١٢١

بالصحة ـ أي صحة الصلاة ـ من ناحية جريان أصالة البراءة عن حرمتها ، ومعه لا مانع من الحكم بالصحة أصلاً ، ضرورة أنّ المانع عنه إنّما هو الحرمة الفعلية ، وبعد ارتفاع تلك الحرمة بأصالة البراءة فهي قابلة للتقرب بها ، ومعه لا محالة تقع صحيحة ، ولا يتوقف جريان البراءة عنها على جريانها في موارد الشك في الأجزاء والشرائط ، بل ولو قلنا بعدم جريانها في تلك الموارد تجري في المقام ، والوجه في ذلك : هو أنّ المورد ليس داخلاً في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين ، لفرض أنّه ليس هنا شك في مانعية شيء عن المأمور به واعتبار عدمه فيه ، بل الشك هنا في أنّ هذه الحركات الصلاتية التي هي مصداق للغصب وتصرف في مال الغير هل هي محرّمة فعلاً أو لا ، فالشك إنّما هو في حرمة هذه الحركات فحسب ، ومعه لا مانع من جريان البراءة عنها وإن قلنا بالاشتغال في تلك المسألة.

نعم ، المانعية في المقام عقلية ، ضرورة أنّ مانعية الحرمة عن الصلاة ليست مانعية شرعية ليكون عدم حرمتها قيداً لها ، بل مانعيتها من ناحية أنّ صحتها لا تجتمع مع الحرمة ، لاستحالة اجتماع المبغوضية والمحبوبية في الخارج ، وعلى هذا فالحرمة مانعة عن التقرب بها عقلاً لا شرعاً ، فإذن لا يرجع الشك فيها إلى الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين ، ليكون داخلاً في كبرى تلك المسألة ويدور جريان البراءة هنا مدار جريانها فيها ، بل تجري هنا ولو لم نقل بجريانها هناك ، لأنّ الشك هنا شك بدوي.

نعم ، لو قلنا بأنّ المفسدة الواقعية الغالبة هي المؤثرة في المبغوضية ولو لم تكن محرزة ، فأصالة البراءة عندئذ لا تجري ، بل لا مناص من الالتزام بقاعدة الاشتغال ولو قلنا بجريان البراءة في الشك في الأجزاء والشرائط في تلك المسألة ، والوجه فيه واضح ، وهو أنّه مع احتمال غلبة المفسدة في الواقع كما هو

١٢٢

المفروض لا يمكن قصد القربة كما هو واضح ، هذا حاصل ما أفاده قدس‌سره مع توضيح منّا.

ونحلّل ما أفاده قدس‌سره إلى عدة نقاط :

١ ـ جريان أصالة البراءة عن الحرمة.

٢ ـ أنّه يكفي في الحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مجرد رفع هذه الحرمة بأصالة البراءة ، ولا يحتاج إلى أزيد من ذلك.

٣ ـ أنّ المقام غير داخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر.

٤ ـ أنّه لو بنينا على أنّ المؤثر في المبغوضية الفعلية هو المفسدة الواقعية وإن لم تكن محرزة فلا يمكن الحكم بالصحة وقتئذ ، لعدم إمكان التقرب بما يحتمل كونه مبغوضاً للمولى.

أمّا النقطة الاولى : فلا إشكال فيها ، لوضوح أنّ البراءة تجري ولا مانع من جريانها أبداً كما هو ظاهر.

وأمّا النقطة الثانية : فلا يمكن تصديقها بوجه ، وذلك لأنّه لا يكفي في الحكم بالصحة مجرد رفع الحرمة بأصالة البراءة ، بل لا بدّ من إحراز المقتضي له أيضاً ، وهو في المقام إطلاق دليل المأمور به بالاضافة إلى هذا الفرد ، والمفروض أنّه قد سقط بالمعارضة ، وعليه فلا مقتضي للصحة ، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى : أنّ أصالة البراءة عن الحرمة لاتثبت إطلاق دليل المأمور به واقعاً وحقيقة ليتمسك به لاثبات صحة هذا الفرد وانطباق الطبيعة المأمور بها عليه ، وهو الصلاة في الدار المغصوبة في مفروض الكلام ليقيّد به إطلاق دليل النهي بغير ذلك الفرد ، والمفروض أنّ أصالة البراءة لا ترفع إلاّ الحرمة ظاهراً

١٢٣

لا واقعاً لتثبت لوازمها العقلية أو العادية. وقد ذكرنا في محلّه (١) أنّه لا دليل على حجية الأصل المثبت. فإذن أصالة البراءة عن الحرمة في المقام لا تثبت الاطلاق ، أي إطلاق دليل المأمور به ليشمل المورد إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

نعم ، لو قامت أمارة معتبرة كخبر الثقة أو نحوه على ارتفاعها لكانت مثبتة للاطلاق لا محالة ، لما ذكرناه في موضعه (٢) من أنّ مثبتات الأمارات الحاكية عن الواقع كاخبار الثقة أو ما شاكلها حجة ، إلاّ أنّ وجود مثل هذه الأمارة في محل الكلام مفروض العدم.

وأمّا النقطة الثالثة : فالمقام وإن لم يدخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين من نقطة النظر في كون الشك في حرمة المجمع وعدم حرمته كما عرفت ، إلاّ أنّه داخل في كبرى تلك المسألة من نقطة نظر آخر ، وهي أنّ أصل وجوب الصلاة مثلاً على الفرض معلوم لنا ، والشك إنّما هو في تقييدها بغير هذا المكان ، وعليه فلا محالة يدور الأمر بين أن يكون الواجب هو المطلق أو المقيد ، فإذن بناءً على ما حققناه هناك من جريان البراءة عن التقييد الزائد تجري البراءة في المقام أيضاً ، فانّ التقييد بما أنّه كلفة زائدة دون الاطلاق فهو مدفوع بحديث الرفع أو نحوه ، وبذلك يثبت الاطلاق الظاهري للمأمور به ، إذ المفروض أنّ وجوب بقية أجزائه وشرائطه معلوم لنا والشك إنّما هو في تقييده بأمر زائد ، فاذا رفعنا هذا التقييد بأصالة البراءة يثبت الاطلاق الظاهري بضم الأصل إلى أدلة الأجزاء والشرائط المعلومتين وهو كافٍ للحكم بالصحة ظاهراً ، لفرض

__________________

(١) مصباح الاصول ٣ : ١٨١ وما بعدها.

(٢) مصباح الاصول ٣ : ١٨٦.

١٢٤

انطباق المأمور به عندئذ على الفرد المأتي به في الخارج ولا نعني بالصحة إلاّ ذلك. وعليه فنحكم بصحة الصلاة في مورد الاجتماع ظاهراً لانطباق الطبيعة المأمور بها عليها في الظاهر بعد رفع تقييدها بغير هذا المكان بأصالة البراءة ، لفرض أنّها بعد رفع ذلك التقييد صارت مصداقاً لها في حكم الشارع ، وهذا المقدار كافٍ للحكم بالصحة ، وتمام الكلام في محلّه.

وأمّا النقطة الرابعة : وهي أنّ المؤثر في المبغوضية لو كان هو المفسدة الواقعية الغالبة فلا مجال للبراءة ، فيردّها : عدم العلم بوجود مفسدة في هذا الحال فضلاً عن كونها غالبة على المصلحة للشك في أصل وجودها وأنّ المجمع في هذا الحال مشتمل على مفسدة أم لا ، والوجه في ذلك ما ذكرناه (١) من أنّ مسألة الاجتماع على القول بالامتناع داخلة في كبرى باب التعارض لا باب التزاحم ، لفرض أنّه لا علم لنا بوجود مفسدة في المجمع ، فانّ الطريق إلى إحراز اشتماله على المفسدة إنّما هو حرمته ، والمفروض أنّها مشكوك فيها وهي مرفوعة بأصالة البراءة ، ومع ارتفاعها كيف يمكن لنا العلم بوجود مفسدة فيه.

ولو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ المجمع مشتمل على كلا الملاكين كما هو مختاره قدس‌سره في باب الاجتماع ، إلاّ أنّ كون المفسدة غالبة على المصلحة غير معلومة ، ومع عدم العلم بالغلبة كانت الحرمة والمبغوضية مجهولة لا محالة فلا مانع من الرجوع إلى البراءة.

وقد تحصّل من مجموع ما ذكرناه : أنّه لا مانع من الحكم بصحة الصلاة أو نحوها في مورد الاجتماع ظاهراً على القول بالامتناع فيما إذا فرض أنّه لم يكن ترجيح لأحد الجانبين على الآخر.

__________________

(١) في المجلد الثالث من هذا الكتاب ص ٣٧٣.

١٢٥

الرابع : أنّ المحقق صاحب الكفاية قدس‌سره (١) قد ألحق تعدد الاضافات بتعدد العناوين والجهات ، بدعوى أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه لا يختص بما إذا تعلق الأمر بعنوان كالصلاة مثلاً ، والنهي بعنوان آخر كالغصب ، وقد اجتمعا في مورد واحد ، بل يعم ما إذا تعلق الأمر بشيء كالاكرام مثلاً بجهة وإضافة ، والنهي تعلق به بجهة اخرى وإضافة ثانية ، ضرورة أنّ تعدد العنوان لو كان مجدياً في جواز اجتماع الأمر والنهي مع وحدة المعنون وجوداً وماهية لكان تعدد الاضافة أيضاً مجدياً في جوازه ، إذ كما أنّ تعدد العنوان يوجب اختلاف المعنون بحسب المصلحة والمفسدة ، كذلك تعدد الاضافة يوجب اختلاف المضاف إليه بحسب المصلحة والمفسدة والحسن والقبح عقلاً والوجوب والحرمة شرعاً. وعلى هذا فكل دليلين متعارضين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه مثل أكرم العلماء ولا تكرم الفساق يدخلان في باب الاجتماع لا في باب التعارض ليرجع إلى مرجحات ذلك الباب ، إلاّ إذا علم من الخارج أنّه لم يكن لأحد الحكمين ملاك في مورد الاجتماع ، فعندئذ يدخل في باب التعارض ، كما هو الحال أيضاً في تعدد العنوانين.

وعلى الجملة : فلا فرق بين تعدد العنوان وتعدد الاضافة من هذه الناحية أصلاً. وأمّا معاملة الفقهاء قدس‌سرهم مع مثل أكرم العلماء ولا تكرم الفساق معاملة التعارض بالعموم من وجه ، فهي إمّا مبنية على القول بالامتناع أو لاحراز عدم المقتضي لأحد الحكمين في مورد الاجتماع. وأمّا في غير ذلك فلا معارضة بين الدليلين أصلاً.

وغير خفي أنّ هذا من غرائب ما أفاده قدس‌سره من جهات :

__________________

(١) كفاية الاصول : ١٧٩.

١٢٦

الاولى : أنّ فرض إحراز الفقهاء عدم وجود ملاك لأحد الحكمين في مورد الاجتماع بين الدليلين اللذين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه في جميع أبواب الفقه أمر غريب ، فان هذا يختص بمن كان عالماً بالجهات الواقعية والملاكات النفس الأمرية ، ومن هنا قد ذكرنا غير مرّة أنّه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام مع قطع النظر عن ثبوتها ، فإذن من أين يعلم الفقيه بعدم اشتمال المجمع لأحد الملاكين من أوّل الفقه إلى آخره.

وعلى الجملة : فعلى وجهة نظره قدس‌سره من أنّ المجمع في مورد الاجتماع لا بدّ أن يكون مشتملاً على ملاك كلا الحكمين معاً وإلاّ فلا يكون من باب الاجتماع أصلاً ، فلا بدّ من فرض جهة وجوب وجهة حرمة في إكرام العالم الفاسق ، ليكون داخلاً في هذا الباب ، أي باب الاجتماع.

وعلى هذا الأساس يدخل جميع موارد التعارض بالعموم من وجه كهذا المثال في هذا الباب ، إلاّ إذا علم من الخارج بعدم وجود الملاك لأحد الحكمين في مورد الاجتماع ، فوقتئذ يدخل في باب التعارض. وأمّا معاملة الفقهاء ( رضوان الله عليهم ) مع هذا المثال وما شاكله معاملة التعارض بالعموم من وجه إنّما يكون لأحد سببين :

الأوّل : من ناحية علمهم بعدم وجود الملاك لأحدهما في مورد الاجتماع في تمام أبواب الفقه.

الثاني : من ناحية التزامهم بالقول بالامتناع في المسألة ـ أي مسألة الاجتماع ـ وعدم كفاية تعدد العنوان أو الاضافة للقول بالجواز.

ولنأخذ بالمناقشة في كليهما.

أمّا السبب الأوّل : فلأ نّه يرتكز على كون الفقهاء عالمين بالجهات الواقعية

١٢٧

والملاكات النفس الأمرية ليكونوا في المقام عالمين بعدم وجود ملاك لأحدهما في مورد الاجتماع ، ولأجل ذلك عاملوا معهما معاملة المتعارضين بالعموم من وجه ، ومن الضروري أنّه ليس لهم هذا العلم فانّه يختص بالله تعالى وبالراسخين في العلم. على أنّه لو كان لهم هذا العلم لكانوا عالمين بعدم وجود ملاك لأحدهما المعيّن ، ومعه لا معنى لأن يعامل معهما معاملة التعارض ، ضرورة أنّه عندئذ يكون ملاك الآخر هو المؤثر ، وكيف كان فصدور مثل هذا الكلام من مثله قدس‌سره يعدّ من الغرائب جداً.

وأمّا السبب الثاني : فلأ نّه يبتني على أن يكون الفقهاء جميعاً من القائلين بالامتناع في المسألة ، وهذا مقطوع البطلان ، كما تقدم الكلام في ذلك بشكل واضح.

وعلى ضوء هذا البيان قد تبيّن أنّ هذا المثال وما شاكله خارج عن مسألة الاجتماع رأساً ، لا يتوهم ولن يتوهم جواز اجتماع الأمر والنهي فيه ، بداهة أنّه يستحيل أن يكون في المجمع في مورد الاجتماع وهو إكرام العالم الفاسق جهة وجوب وحرمة معاً ومحبوبية ومبغوضية كذلك ، فإذن لا محالة يدخل في كبرى باب التعارض كما صنع الفقهاء ذلك فيه وفي أمثاله ، وذلك لاستحالة جعل كلا الحكمين معاً للمجمع في مادة الاجتماع بحسب مقام الواقع والثبوت ، ونعلم بكذب أحدهما وعدم مطابقته للواقع ، بداهة أنّه كيف يعقل أن يكون إكرام زيد العالم الفاسق مثلاً واجباً ومحرّماً معاً. وعليه فلا محالة تقع المعارضة بين مدلولي دليليهما في مقام الاثبات والدلالة ، فلا بدّ من الرجوع إلى مرجحات بابها ، وهذا هو الملاك في باب التعارض ، ومن هنا قد ذكرنا سابقاً أنّ التعارض بين الحكمين لا يتوقف على وجود ملاك لأحدهما دون الآخر ، بل الملاك فيه ما ذكرناه من عدم إمكان جعل كلا الحكمين معاً في الواقع ومقام الثبوت ، ولذا

١٢٨

قلنا إنّ مسألة التعارض لا تختص بوجهة نظر مذهب دون آخر ، بل تجري على جميع المذاهب والآراء.

الثانية : أنّ ما ذكره قدس‌سره من المثال خارج عن محل الكلام في المسألة ، وذلك لأنّ العموم في هذا المثال في كلا الدليلين عموم استغراقي ، فلا محالة ينحل الحكم بانحلال موضوعه أو متعلقه فيثبت لكل فرد من أفراده حكم مستقل غير مربوط بحكم ثابت لفرد آخر منها ... وهكذا ، ولازم ذلك هو أن يكون المجمع في مورد الاجتماع وهو إكرام العالم الفاسق محكوماً بكلا هذين الحكمين على نحو الاستقلال ، بأن يكون إكرامه واجباً ومحرماً معاً ، ومن الواضح جداً أنّ القائلين بالجواز في المسألة لا يقولون به في مثل هذا المثال ، ضرورة أنّ في مثله جعل نفس هذين التكليفين معاً محال لا أنّه من التكليف بالمحال ، فإذن هذا المثال وما شاكله خارج عن محل الكلام.

الثالثة : قد تقدم في مقدمات مسألة الاجتماع أنّ محل الكلام فيها فيما إذا تعلق الأمر بعنوان كالصلاة مثلاً والنهي تعلق بعنوان آخر كالغصب ، ولكنّ المكلف قد جمع بينهما في مورد ، فعندئذ يقع الكلام في أنّ التركيب بينهما اتحادي أو انضمامي ، بمعنى أنّ المعنون لهما في الخارج هل هو واحد وجوداً وماهية أو متعدد كذلك ، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به. وعلى الثاني لا مناص من الالتزام بالقول بالجواز بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى لازمه. وقد تقدم تفصيل كل ذلك من هذه النواحي بصورة واضحة.

وعلى ضوء هذا الأساس قد ظهر أنّ مجرد تعدد الاضافة مع كون المتعلق واحداً وجوداً وماهيةً لا يجدي للقول بالجواز في مسألة الاجتماع ، بل هو خارج عن محل الكلام فيها بالكلية ، لما عرفت من أنّ محل الكلام إنّما هو فيما إذا

١٢٩

تعلق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر مباين له ، ولكن اتفق اجتماعهما في مورد واحد ، والمفروض في المقام أنّ الأمر تعلق بعين ما تعلق به النهي وهو إكرام العالم الفاسق ، غاية الأمر جهة تعلق الأمر به شيء وهو علمه ، وجهة تعلق النهي به شيء آخر وهو فسقه ، ومن المعلوم أنّ تعدد الجهة التعليلية لا يوجب تعدد المتعلق ، فالمتعلق في المقام واحد وجوداً وماهيةً وهو الاكرام ، والموضوع له أيضاً كذلك وهو زيد العالم الفاسق مثلاً ، والتعدد إنّما هو في الصفة ، فانّ لزيد صفتين : إحداهما العلم وهو يقتضي وجوب إكرامه ، والاخرى الفسق وهو يقتضي حرمة إكرامه ، ومن البديهي أن لا يعقل أن يكون إكرام زيد العالم الفاسق واجباً ومحرّماً معاً ، لأنّ نفس هذا التكليف محال ، لا أنّه مجرد تكليف بالمحال وبغير المقدور ، والمفروض أنّ صفتي العلم والفسق ليستا متعلقتين للتكليف ، بل هما جهتان تعليليتان خارجتان عن متعلق التكليف وموضوعه.

فالنتيجة : أنّ مثل هذه الموارد خارج عن محل الكلام في المسألة ، والقائل بالجواز فيها لا يقول بالجواز فيه ، بل تخيل دخول هذه الموارد في محل النزاع من مثله قدس‌سره من الغرائب جداً.

نتائج ما ذكرناه عدة نقاط :

الاولى : أنّ المناط في الاستحالة والامكان في الأحكام التكليفية إنّما هو بوحدة زمان المتعلق وتعدده ، ولا عبرة بوحدة زمان الحكمين وتعدده أصلاً ، فالفعل الواحد في زمان واحد لا يمكن أن يكون واجباً ومحرّماً معاً ولو كان تعلق الوجوب به في زمان وتعلق الحرمة به في زمان آخر ، ومن هنا قلنا باستحالة القول بكون الخروج واجباً فعلاً ومنهياً عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه.

١٣٠

الثانية : أنّ الأحكام الوضعية لا تشترك في مناط الاستحالة والامكان مع الأحكام التكليفية ، فانّ تعدد زمان الحكم في الأحكام الوضعية يجدي في رفع الاستحالة ولو كان زمان المتعلق واحداً ، ومن هنا قلنا بالكشف في باب الفضولي وأنّ المولى من زمان تحقق الاجازة يحكم بملكية المال الواقع عليه العقد الفضولي من حين العقد للمشتري إذا كان الفضولي من طرف البائع ، وللبائع إذا كان من طرف المشتري ، بل قلنا إنّ ذلك مضافاً إلى إمكانه على طبق القاعدة في خصوص المقام.

الثالثة : أنّ ما أفاده شيخنا الاستاذ قدس‌سره من عدم الفرق في الاستحالة والامكان بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية وأ نّهما على صعيد واحد من هذه الناحية ، لا يرجع إلى معنىً محصّل كما تقدم.

الرابعة : الصحيح هو أنّ الخروج من الدار المغصوبة داخل في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار ، وقد ذكرنا أنّه لا فرق في الدخول في موضوع هذه القاعدة بين أن يكون الامتناع المنتهي إلى اختيار المكلف تكوينياً أو تشريعياً ، كما أنّه لا فرق في جريان هذه القاعدة بين التكاليف الوجوبية والتكاليف التحريمية ، لما ذكرناه من أنّ هذه القاعدة ترتكز على ركيزة واحدة ، وهي أن يكون امتناع امتثال التكليف في الخارج منتهياً إلى اختيار المكلف وإرادته.

الخامسة : أنّ ما ذكره شيخنا الاستاذ قدس‌سره من أنّ الحركات الخروجية داخلة في كبرى قاعدة وجوب ردّ المال إلى مالكه ومصداق للتخلية والتخلص لا يمكن المساعدة عليه أصلاً ، وما ذكره من الوجوه لاثبات ذلك لا يتم شيء منها ، وقد ذكرنا وجه فسادها بشكل واضح فلاحظ.

١٣١

السادسة : أنّ ما ذكره المحقق صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّه لا تعارض بين خطاب صلّ وخطاب لا تغصب على القول بالامتناع غير تام ، والوجه فيه ما ذكرناه هناك من أنّ مسألة الاجتماع على هذا القول ـ أي على القول بالامتناع ووحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداً وماهية ـ تدخل في كبرى باب التعارض لا محالة ، لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به ، فاذن لا محالة تقع المعارضة بين إطلاق الخطابين.

السابعة : أنّه لا وجه لتقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي ، وما ذكره شيخنا الاستاذ قدس‌سره من الوجوه لذلك لا يتم شيء منها كما عرفت ، نعم العموم الوضعي يتقدم على الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة سواء أكان بدلياً أو شمولياً كما عرفت.

الثامنة : أنّه لا أصل لقاعدة أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ، على أنّها لا تنطبق على الأحكام الشرعية أصلاً وأجنبية عنها بالكلية كما سبق.

التاسعة : أنّ الاستقراء الناقص لا يثبت بمورد وموردين فضلاً عن التام ، مع أنّه على تقدير ثبوته لا يكون حجة. أضف إلى ذلك : أنّ ما ذكروه من الموردين خارج عن مورد القاعدة وليس تقديم جانب الحرمة فيهما مستنداً إلى تلك القاعدة.

العاشرة : الصحيح هو أنّ جانب الحرمة يتقدم على جانب الوجوب في مورد الاجتماع فيما إذا كانت الحرمة ثابتة للشيء بعنوان ثانوي ، وهو عدم إذن المالك في التصرف فيه ، فانّ جواز انطباق الطبيعة المأمور بها على المجمع في مورد الاجتماع بمقتضى الاطلاق عندئذ لا يعارض حرمته كما عرفت.

الحادية عشرة : أنّه لا شبهة في جريان البراءة عن حرمة المجمع بما هي عند

١٣٢

الشك فيها ، لفرض أنّ الشبهة بدوية وهي المقدار المتيقن من موارد جريانها.

وأمّا جريانها عن تقييد الواجب بغير هذا المكان فهو يبتني على جريانها في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين ، ولكن بما أنّا قد اخترنا جريان البراءة فيها هناك فلا محالة نقول بجريانها في المقام أيضاً.

الثانية عشرة : أنّ ما ذكره المحقق صاحب الكفاية قدس‌سره من إلحاق تعدد الاضافات بتعدد العنوانات في الدخول في محل النزاع في المسألة لا يرجع إلى معنىً محصّل أصلاً كما عرفت.

هذا آخر ما أوردناه في هذا الجزء.

إلى هنا قد تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه الجزء الرابع (١) من كتابنا محاضرات في اصول الفقه ، وسيتلوه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) [ حسب التجزئة السابقة ].

١٣٣

النهي في العبادات

يقع البحث فيه عن عدّة جهات :

الاولى : ما تقدّم من أنّ نقطة الامتياز بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة ـ وهي مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ هي أنّ النزاع في هذه المسألة كبروي ، فانّ المبحوث عنه فيها إنّما هو ثبوت الملازمة بين النهي عن عبادةٍ وفسادها وعدم ثبوت هذه الملازمة ، بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى ـ وهي تعلق النهي بالعبادة ـ وفي تلك المسألة صغروي حيث إنّ المبحوث عنه فيها إنّما هو سراية النهي في مورد الاجتماع والتطابق عن متعلقه إلى ما ينطبق عليه متعلق الأمر وعدم سرايته. وعلى ضوء ذلك فالبحث في تلك المسألة في الحقيقة بحث عن إثبات الصغرى لهذه المسألة ، حيث إنّها على القول بالامتناع وسراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه متعلق الأمر تكون من إحدى صغريات هذه المسألة ومصاديقها ، فهذه هي النقطة الرئيسية للفرق بين المسألتين.

الثانية : أنّ مسألتنا هذه من المسائل الاصولية العقلية ، فلنا دعويان : الاولى : أنّها من المسائل الاصولية. الثانية : أنّها من المسائل العقلية.

أمّا الدعوى الاولى : فلما ذكرناه في أوّل بحث الاصول (١) من أنّ المسألة الاصولية ترتكز على ركيزتين : إحداهما : أن تقع في طريق استنباط الحكم الكلي الإلهي. وثانيتهما : أن يكون ذلك بنفسها ، أي بلا ضم مسألة اصولية

__________________

(١) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص ٤ ـ ٩.

١٣٤

اخرى ، وحيث إنّ في مسألتنا هذه تتوفر كلتا هاتين الركيزتين فهي من المسائل الاصولية ، فانّها على القول بثبوت الملازمة تقع في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلي بلا واسطة ضم مسألة اصولية اخرى.

وأمّا الدعوى الثانية : فلأنّ الحاكم بثبوت الملازمة بين حرمة عبادةٍ وفسادها وعدمه إنّما هو العقل ، ولا صلة له بباب الألفاظ أبداً ، ومن هنا لا يختص النزاع بما إذا كانت الحرمة مدلولاً لدليل لفظي ، ضرورة أنّه لا يفرق في إدراك العقل الملازمة أو عدمها بين كون الحرمة مستفادة من اللفظ أو من غيره.

وبكلمة اخرى : أنّ القضايا العقلية على شكلين :

أحدهما : القضايا المستقلة العقلية ، بمعنى أنّ في ترتب النتيجة على تلك القضايا لا نحتاج إلى ضم مقدمة خارجية ، بل هي تتكفل لاثبات النتيجة بنفسها ، وهذا معنى استقلالها ، وهي كمباحث التحسين والتقبيح العقليين.

وثانيهما : القضايا العقلية غير المستقلة ، بمعنى أنّ في ترتب النتيجة عليها نحتاج إلى ضم مقدمة خارجية ، وهذا هو معنى عدم استقلالها ، وهي كمباحث الاستلزامات العقلية كمبحث مقدمة الواجب ، ومبحث الضد ، وما شاكلهما ، فانّ الحاكم في هذه المسائل هو العقل لا غيره ، ضرورة أنّه يدرك وجود الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته ، وبين وجوب شيء وحرمة ضده ، وهكذا ، ومسألتنا هذه من هذا القبيل.

الثالثة : أنّ محل النزاع في المسألة إنّما هو في النواهي المولوية المتعلقة بالعبادات والمعاملات ، وأمّا النواهي الارشادية المتعلقة بهما التي تدل على مانعية شيء لهما كالنهي عن المعاملة الغررية مثلاً وكالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه وما

١٣٥

شاكل ذلك فهي خارجة عن محل النزاع جزماً ، والسبب فيه ظاهر وهو أنّه لا إشكال ولا خلاف في دلالة تلك النواهي على الفساد ، بداهة أنّه إذا اخذ عدم شيء في عبادة أو معاملة فبطبيعة الحال تقع تلك العبادة أو المعاملة فاسدةً عند اقترانها بهذا الشيء ، لفرض أنّها توجب تقييد إطلاق أدلة العبادات والمعاملات بغير هذه الحصة فلا تشملها.

وعلى الجملة : فحال هذه النواهي حال الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط في أبواب العبادات والمعاملات ، وقد ذكرناه في أوّل بحث النواهي (١) بصورة موسعة ، وقلنا هناك إنّ الأمر والنهي في نفسهما وإن كانا ظاهرين في المولوية فلا يمكن حملهما على الارشاد من دون قرينة إلاّ أنّ هذا الظهور ينقلب في هذه النواهي والأوامر ، وعليه فلا محالة يكون مثل هذا النهي إذا تعلق بعبادة أو معاملة مقيداً لاطلاق أدلتهما بغير هذه الحصة المنهي عنها ، ومن هنا لم يقع خلاف فيما نعلم في دلالته على الفساد فيهما.

أمّا في الاولى ، فلفرض أنّها لا تنطبق على تلك الحصة ، ومع عدم الانطباق لا يمكن الحكم بالصحة حيث إنّها تنتزع من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به خارجاً. وأمّا في الثانية ، فلفرض عدم شمول دليل الامضاء لها وبدونه لا يمكن الحكم بالصحة.

الرابعة : أنّه لا إشكال ولا كلام في أنّ النهي النفسي التحريمي داخل في محل النزاع وإنّما الاشكال والكلام في موردين ، الأوّل : في النهي التنزيهي وهل هو داخل فيه أم لا؟ الثاني : في النهي الغيري.

أمّا الأوّل : فالصحيح في المقام أن يقال إنّ النهي التنزيهي المتعلق بالعبادة

__________________

(١) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص ٣٠٧.

١٣٦

تارةً ينشأ من حزازة ومنقصة في تطبيق الطبيعي الواجب على حصة خاصة منه من دون أيّة حزازة ومنقصة في نفس تلك الحصة ، ولذا يكون حالها حال سائر حصصه وأفراده في الوفاء بالغرض ، وذلك كالنهي المتعلق بالعبادة الفعلية كالصلاة في الحمام مثلاً ، والصلاة في مواضع التهمة وما شاكل ذلك. واخرى ينشأ من حزازة ومنقصة في ذات العبادة.

وبعد ذلك نقول : إنّ النهي التنزيهي على التفسير الأوّل خارج عن مورد النزاع ، بداهة أنّه لا يدل على الفساد ، بل هو يدل على الصحة. وعلى التفسير الثاني داخل فيه ، ضرورة أنّ الشيء إذا كان مكروهاً في نفسه ومرجوحاً في ذاته لم يمكن التقرب به ، فلا فرق عندئذ بينه وبين النهي التحريمي من هذه الناحية أصلاً.

وبكلمة اخرى : أنّ النهي التنزيهي إذا كان متعلقاً بالعبادة الفعلية كالصلاة في الحمام مثلاً يدل على صحتها دون فسادها ، نظراً إلى أنّ مدلوله الالتزامي هو ترخيص المكلف في الاتيان بمتعلقه ، ومعنى ذلك جواز الامتثال به وعدم تقييد الواجب بغيره ، ولا نعني بالصحة إلاّذلك ، وهذا بخلاف ما إذا كان متعلقاً بذات العبادة ، فانّه يدل على كراهيتها ومبغوضيتها ، ومن المعلوم أنّه لا يمكن التقرب بالمبغوض وإن كانت مبغوضيته ناقصة. فالنتيجة في نهاية الشوط هي أنّ النهي التنزيهي على التفسير الأوّل خارج عن محل النزاع ، وعلى التفسير الثاني داخل فيه.

وأمّا الثاني : وهو النهي الغيري كالنهي عن الصلاة التي تتوقف على تركها إزالة النجاسة عن المسجد بناءً على ثبوت الملازمة بين الأمر بشيء والنهي عن ضده فهو خارج عن مورد الكلام ، ولا يدل على الفساد بوجه ، والسبب في

١٣٧

ذلك ما عرفت بشكل موسّع في مبحث الضد (١) من أنّ هذا النهي على تقدير القول به لا يكشف عن كون متعلقه مبغوضاً كي لا يمكن التقرب به ، فان غاية ما يترتب على هذا النهي إنّما هو منعه عن تعلق الأمر بمتعلقه فعلاً ، ومن الطبيعي أنّ صحة العبادة لا تتوقف على وجود الأمر بها بل يكفي في صحتها وجود الملاك والمحبوبية.

نعم ، مع فرض عدم الأمر بها لا يمكن كشف الملاك فيها ، إلاّ أنّه مع ذلك قلنا بصحتها من ناحية الترتب على ما أوضحناه هناك. نعم ، لو لم نقل به فلا مناص من الالتزام بالفساد.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ الداخل في محل النزاع في مسألتنا هذه إنّما هو النهي النفسي التحريمي والنهي التنزيهي المتعلق بذات العبادة ، وأمّا بقية أقسام النواهي فهي خارجة عنه.

الخامسة : لا شبهة في أنّ المراد من العبادة في عنوان المسألة ليس العبادة الفعلية ، ضرورة استحالة اجتماعها مع الحرمة كذلك ، كيف فانّ معنى حرمتها فعلاً هو كونها مبغوضةً للمولى فلا يمكن التقرب بها ، ومعنى كونها عبادةً فعلاً هو كونها محبوبةً له ويمكن التقرب بها ، ومن المعلوم استحالة اجتماعهما كذلك في شيء واحد ، بل المراد منها العبادة الشأنية بمعنى أنّه إذا افترضنا تعلق الأمر بها لكانت عبادة.

وإن شئت قلت : إنّ المراد منها كل عمل لو امر به لكان عبادياً فمثل هذا العمل لو وقع في حيّز النهي صار مورداً للكلام والنزاع وأنّ هذا النهي هل

__________________

(١) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص ٣٨٠.

١٣٨

يستلزم فساده أم لا؟

والمراد من المعاملات هو كل أمر اعتباري قصدي يتوقف ترتيب الأثر عليه شرعاً أو عرفاً على قصد اعتباره وإنشائه من ناحية ، وإبرازه في الخارج بمبرزٍ ما من ناحية اخرى ، ومن الطبيعي أنّها بهذا المعنى تشمل العقود والايقاعات فلا موجب عندئذ لاختصاصها بالمعاملات المتوقفة على الايجاب والقبول ، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى : أنّ كل ما لا يتوقف ترتيب الأثر على قصده وإنشائه بل يكفي فيه مطلق وجوده في الخارج كتطهير البدن والثياب وما شاكلهما فهو خارج عن محل الكلام ولا صلة له به.

السادسة : أنّ الصحة والفساد في العبادات والمعاملات هل هما مجعولان شرعاً كسائر الأحكام الشرعية ، أو واقعيّان ، أو تفصيل بين العبادات والمعاملات فهما مجعولان شرعاً في المعاملات دون العبادات ، أو تفصيل في خصوص المعاملات بين المعاملات الكلية والمعاملات الشخصية ، فهما في الاولى مجعولان شرعاً دون الثانية ، أو تفصيل بين الصحة الواقعية والصحة الظاهرية فالثانية مجعولة دون الاولى؟ فيه وجوه بل أقوال.

قد اختار المحقق صاحب الكفاية قدس‌سره (١) التفصيل في خصوص المعاملات ، واختار شيخنا الاستاذ قدس‌سره (٢) التفصيل الأخير ، والصحيح هو التفصيل الأوّل.

وبعد ذلك نقول : إنّه لا شك في أنّ الصحة والفساد من الأوصاف الطارئة

__________________

(١) كفاية الاصول : ١٨٤.

(٢) أجود التقريرات ٢ : ٢٠٩.

١٣٩

على الموجودات الخارجية ، فالشيء الموجود يتصف بالصحة مرةً وبالفساد اخرى. وأمّا الماهيات فهي مع قطع النظر عن طروء الوجود عليها لا يعقل اتصافها بالصحة أو الفساد أبداً ، والسبب في ذلك : أنّ الصحة لا تخلو من أن تكون من الامور الانتزاعية أو الامور المجعولة ، فعلى كلا التقديرين لا يعقل عروضها على الماهية المعدومة في الخارج.

أمّا على الأوّل فظاهر ، حيث إنّها في العبادات إنّما تنتزع من انطباق الطبيعة المأمور بها على العمل المأتي به في الخارج ، كما أنّ الفساد فيها ينتزع من عدم انطباقها عليه. وكذا المعاملات ، فانّ الصحة فيها تنتزع من انطباق طبيعة المعاملة الممضاة شرعاً على الفرد الموجود في الخارج ، كما انّ الفساد فيها ينتزع من عدم انطباقها عليه ، فمورد عروض الصحة والفساد إنّما هو الفرد الخارجي باعتبار الانطباق وعدمه.

وأمّا على الثاني فكذلك ، فانّ حكم الشارع بالصحة أو الفساد إنّما هو للعمل الصادر من المكلف في الخارج ، وأمّا العمل الذي لم يصدر منه فلا يعقل أن يحكم الشارع بصحته تارةً وبفساده تارة اخرى ، هذا من ناحية.

ومن ناحية اخرى : أنّ الصحة والفساد إنّما تعرضان على الشيء المركب ذي الأثر في الخارج دون البسيط فيه ، والوجه في هذا واضح ، وهو أنّ الشيء إذا كان مركباً وكان ذا أثر فبطبيعة الحال إذا وجد في الخارج جامعاً لجميع الأجزاء والشرائط اتصف بالصحة باعتبار ترتب أثره المترقب منه ، وإذا وجد فاقداً لبعض الأجزاء أو الشرائط اتصف بالفساد باعتبار عدم ترتب أثره على الفاقد. وأمّا إذا كان بسيطاً فهو لا يخلو من أن يكون موجوداً في الخارج أو معدوماً فيه ولا ثالث لهما ، ومعه كيف يعقل اتصافه بالصحة مرة وبالفساد مرة اخرى.

١٤٠