منازل الاخرة
والمطالب الفاخرة


تأليف
المحدّث الكامل والمذكِّر العامل
الحاج الشيخ عبّاس القميّ (قدّس سرّه)
المتوفّى 1359 هـ. ق.

( 2 )

هوية الكتاب



( 3 )


بسم الله الرحن الرحيم
    الحمد لله غير مقنوطٍ من رحمته ، ولا مخلوٍّ من نعمته ، ولا مأيوسٍ من مغفرته والصلاة والسلام على أشرف بريّته محمّد وآله سيّما المعصومين من أهل بيته وعترته ، معادن العلم وينابيع الحكم.
    من المناسب أن نبدأ كلمتنا بكلامٍ لمولانا أمير المؤمين عليه السلام كان كثيراً ما ينادى به أصحابه :
    تجهّزوا رحمكم الله ! فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلّوا العُرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد ، فإنّ أمامكم عقبة كؤوداً منازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها والوقوف عندها.
(نهج البلاغة : 321 ، الكلام 204).

    الكتاب الماثل بين يديكم أيّها الكرام بيان مختصر لتلكم العقبات والمنازل المشار إليها في كلام إمام الموحدّين وسيّد المبشّرين والمنذرين بعد رسول ربّ العالمين ؛ من جملة تأليف المحدّث الكامل والمذكّر العامل المرحوم الحاج الشيخ عبّاس القمّي ـ تغمّده الله برحمته ـ وقد كان كتبه باللغة الفارسيّة ، ولأهميته وتعميماً للفائدة اهتمّ الفاضل النبيل والسيّد الجليل سماحة المحقق السيّد ياسين الموسوي ـ دامت إفاضاته ـ بترجمة هذا السفر القيّم إلى العربيّة مع مزيا شتّى نافعة ، ذكرها هو نفسه في التقديم.
( 4 )
وبما أنّ مؤسّستنا منذ تأسيسها تهدف إلى نشر الكتب الدينية النافعة ، قامت بطبع هذا الأثر الخالد بعد ملاحظته وتصحيحه وتكميل بعض نواقصه الفنيّة أو التحقيقية ، رجاء أن يكون لمن وُفّق لقرائته تذكرة وتعيها اُذن واعية.
    وختاماً نرى من الضروري أن نلفت نظر القارىء الكريم إلى أنّ عمل الترجمة محفوف بصعوبات تتأتّى من اختلاف خصوصيّات كلّ لغة وأساليبها ـ خصوصاً في التشبيهات والكنايات والأمثال ـ والمترجم وإن كان عارفاً باللغتين ومتعهّداً للأمانة قد يفوت عنه انتقال بعض المفاهيم الدقيقة ، خصوصاً فيما يرتبط بالشعر والأدب ، وهذه الترجمة أيضاً لا تخلو عن هذه المشكلة ، لكن «مالا يدرك كلّه لا يترك كلّه» . ولله الحمد ولأوليائه صلواته وتحيّاته.
مؤسّسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة




( 5 )
الإهداء
بسم الله الرحمن الرحيم

    الى الصامدين بوجه الباطل ، دفاعاً عن قباب علي والحسين والعباس ومسلم..
    الى الطالبين بثار الشهيد الصدر وجميع الشهداء الأبرار..
    الى المقاومين الأبطال الجنود المجهولين في الأرض المعروفين في السماء ..
    الى من يقاتل على أرض العراق نيابة عن كل مسلم في الدنيا...
    الى المجاهدين الذين امتلأ العراق منهم ، واتّحد الغرب والشرق على سلب حقّهم ، واخماد جذوتهم واطفاء نورهم ، ويأبى الله تعالى إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون..
    إليكم يا شرف العراق أحمل جهدي المتواضع هذا اقدمه هدية في درب الحقّ والدفاع عن أهل البيت عليهم السلام..
    إليكم جميعاً : من بقي يقاتل حتّى الرمق الأخير يقاوم ويتحمل عطش الهجير وجوع الأيّام وارهاب صدام..
    والى من استشهد في هذا الطريق وسجّل اسمه في سجّل الشهداء وبقي اسمه في الخالدين ، وإن كان عند الناس جندياً مجهولاً لم يعرفوه ولم يعرفوا مقاومته ، ولم يعرفوا عطشه وجوعه وبسالته وشجاعته ، مع أنه جاهد نيابة عنهم جميعاً واستشهد مدافعاً عن مبادئهم جميعاً وعن شرفهم الديني جميعاً .. لأنه قاتل من أجل تحرير عتبات أهل البيت عليهم السلام في العراق من احتلال الكفار ومن هدّمها..
( 6 )
    وبقيت قباب علي والحسين والعباس ومسلم تشهد على الكفار وحشيّتهم وتشهد لاولئك الأبرار انّهم أنصار الله عزّ وجلّ وأنصار رسوله صلى الله عليه وآله وأنصار أهل البيت عليهم السلام.
    لا يهمّكم يا رفقاء الدرب فالمشوار مهما طال فالنصر لكم بإذن الله عزّ وجلّ..
    وهنيئاً لكم أيها المجاهدون فإن لكم في الجنّة باباً يقال له باب المجاهدين وتدخلون الجنّة وأنتم متقلدين سيوفكم ، والجمع بَعدُ في الموقف لم يتمّ حسابهم وما يجرى عليهم من الأهوال ؛ فتسبقوا الكل ، وتسبق إليكم ملائكة الجنّة مرحّبة بكم...(1).
* * *

(1) اقتباس من الحديث الشريف المروي في الأمالي للشيخ الصدوق : ص 462.


( 7 )
مقدمة التحقيق والتعريب :

بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الأولين الى قيام يوم الدين.
    يعيش العالم الاسلامي والمسلمون عموماً من يوم الغزو الاستعماري والفكري للبلاد الاسلامية صراعاً شديداً مع العدو الغازي ، وقد تنوعت أساليب الصراع بتنوع الظروف ووجهات المعارك العسكرية والفكرية ، وباختلاف أشكال الحروب الفكرية الشرقية والغربية ، وقد خرج الاسلام الحنيف والامّة المرحومة منتصرة بجميع معاركها المقدّسة التي خاضتها ضد الكفّار والمنافقين مع ما كابدته الامّة من ألم وعذاب وفقدان الأحبة وتحمّل مشاق الغربة وما الى ذلك ، وما زالت المعارك مستمرة ، فإن الاستعمار لا يريد أن ينفض يده من هذه الأرض الطيبة ومن استعمار واستعباد هذا الشعب المسلم العظيم.
    وتفنن الاستعمار بأساليبه العدوانية ، وأكد على ضرروة ايجاد حواجز عقائدية وفكرية ونفسية بين الانسان المسلم وبين شخصيته الاسلامية ، ودخل اليه من جميع الجوانب المختلفة ليخترق هذا الكيان العظيم ، وقد وفق لفترات من الزمن أن يسيطر أو يخترق بعض السواتر أو الحواجز والموانع ، ولكنه ببسالة أهل الحقّ عاد خائباً خاسراً أكثر مواقعه التي احتلها بصعوبة ومشقة.
( 8 )
وكان أبرز سلاح استخدمه العدو الكافر والمنافق في حروبه الاستعمارية هو الرجوع الى المادية بشكليها الشرقي (الالحادي) والغربي بالابتعاد عن المُثل الاخلاقية والقيم الانسانية وابدالها بالابتذال والخلاعة واحياء النوازع الذاتية والانانية في الانسان ، وابعاد العنصر الغيبي والروحي من تفكيره.
    وكان الشيطان أكبر معين للعدو ، وقد وقف الى جنبه يعينه بما يستطيع لينجح بمشروعه المادي ، فإنهما قد اجتمعا على هدف واحد بل هما في الواقع حركة واحدة.
    وجاءت المفاجأة العظمى بانتصار الحركة الروحية والدينية بغتةً بقيادة الامام الخميني رحمه الله ، فتراجعت تلك الجيوش المادية أمام قوة الروحانية العظيمة التي بعثتها حركة الامام الخميني قدس سره في المجتمع الاسلامي وفي الانسان المسلم في كل أرجاء العالم.
    ولكن العدو استخدم شتى الأساليب لقمع تلك القوة التي كسرته وأبشع اسلوب أكد عليه مرّة اُخرى هو مشروع المادية.
    وأنا على يقين بأنه سوف يعود مرّة اُخرى خائباً خاسراً أمام قوة الطرح الاسلامي ، وأصالته الروحية الاسلامية.
    وأعتقد أنّ من أهم العناصر التي تنجح معركتنا الكبيرة هو عرض الاسلام بشتى مواضيعه الى المسلمين والى العالم كافّة.
    ومن أهم تلك الجوانب هو التأكيد على تثبيت الروحانية الأصيلة في نفوس المسلمين ، وليس هنا محل تفصيل لهذا الموضوع المهم ، ولكننا ملزمون بالتأكيد عليه لأننا مازلنا نعيش المعركة المادية بضراوتها وقوتها . ولابدّ أن ندحر الفكر المادي بشتى أشكاله ونخلّص المسلمين من شرّه ، لأننا إذا أردنا أن نحافظ على الشخصية الاسلامية فانّ من أهم مرتكزاتها ومميزاتها هو روحانيتها وعمق علاقتها بالغيب، ولا يمكننا أن نوفق بالنجاح في معركتنا هذه الاّ بعد أن ندحر ما حاوله العدو من التشكيك بهذه الأصالة واختراق العقل المسلم بالتشكيك
( 9 )
بالروحانية وانّها تمثل نوعاً من أنواع اللا واقعية والفردية والانزواء والتخلف.
    ولا يمكنني أن احصر وجهة الدفاع عن الروحانية بنوع خاص من الأساليب والطروحات ، وانّما الصحيح العكس ، فانّنا نحتاج الى أساليب متنوعة ومتعددة من اجل الحفاظ على تلك الأصالة والدفاع عنها لنحتفظ بالتالي بشخصية إنساننا المسلم كما كان دائماً قوياً بفكره وعقيدته وشخصيته وبنائه للحضارة الانسانية.
    ووجدت في كتاب (منازل الآخرة) للعلاّمة الأخلاقي الكبير والمحدّث الجليل الشيخ عباس القمي رحمه الله معيناً يمكننا أن نطرحه للجيل المسلم ليساهم في بناء الحصانة الدفاعية في شخصيته ؛ ولذلك عجلت بنقل الكتاب من اللغة الفارسية التي كتب بها الى اللغة العربية مع أعمال اُخرى أضفتها الى الترجمة لأضفي عليه ما يمكنه أن يعين في زيادة فائدته.
    واستعنت بروحانية مؤلفه الرجل الجليل الذي أثرى المكتبة الاسلامية بنفائس مؤلفاته وتحقيقاته وما زالت تأخذ موقعاً كبيراً في حركتنا الفكرية والأخلاقية ، وأبرز تلك الكتب التي خرجت من يراعه الشريف كتابه (مفاتيح الجنان) الذي هو المنهاج الروحي طبق ما ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة علهيم السلام ، والذي حظي برواج كبير بين أتباع المذهب الحقّ ، ولا تكاد تجد بيتاً من بيوتهم يخلو منه.
    ويتلخص عملنا في هذا الكتاب بالاُمور التالية :
    1 ـ قمنا بترجمة هذا الكتاب (منازل الآخرة) من اللغة الفارسية الى اللغة العربية ، وقد راعينا المحافظة على المعنى الفارسي بما يؤديه من الألفاظ العربية مع المحافظة على الأصل العربي من الروايات والأخبار والقصص التي ترجمها المؤلّف من العربية الى الفارسية ، ولذلك فقد قمنا بقدر الوسع بتتبع تلك الأخبار لارجاعها الى الأصل العربي . وعليه فانّ جيمع الآثار الواردة في هذه الترجمة قد نقلناها من اُصولها التي ترجمت منها الى الفارسية.
    2 ـ قمنا بتحقيق روايات وأحاديث الكتاب إضافةً الى التعليق على بعض
( 10 )
المطالب التي ظننا وجود حاجة للتعليق عليها.
    3 ـ ذكرنا في الهامش بعض الروايات التي اختزلها المؤلّف ، أو التي أشار إليها ولم يذكرها . وكذلك ذكرنا بعض الروايات التي رأينا فائدة في ذكرها.
    4 ـ أضفنا في آخر الكتاب فصلاً في الجنّة وأحوالها كما ألمحنا اليه في عنوان (موضوع الكتاب) من هذا التقديم.
    5 ـ كتبنا ترجمة بأحوال المؤلّف قدس سره تحت عنوان (حياة العلاّمة الشيخ القمّي رحمه الله).
    6 ـ كتبنا بحثاً حول موضوع الكتاب بمقدار ما تصورناه من ضرورة لتكوين رؤية متكاملة عن الموضوع عند القارىء المثقف.
    مع أني أرتقب من القارىء الكريم غضّ الطرف عن الزلل والنقص لانّ الممكن محكوم بهما ، ولكن أنتظر النقد الذاتي والموضوعي لأجل تلاقي الأخطاء بالطبعات القادمة إن شاء الله تعالى.
    والله عزّ وجلّ الموفّق للصواب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

قم المقدّسة
عش آل محمّد صلى الله عليه وآله
ياسين الموسوي
غفر الله تعالى له ولوالديه بمحمّد وآله الطاهرين






( 11 )
كلمة المترجم حول :
موضوع الكتاب

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
    عندما نريد التعرّف على الرؤية الاسلامية للكون والانسان والحياة فإننا لابدّ وأن ننطلق من أحد طريقين أولهما الطريق الأتمّ والأكمل الذي يبدأ الحركة النزولية بالنفوس النزولي من المبدأ الى الانسان ، لأن الرؤية الاسلامية تؤكد على دور الانسان من الخلق والوجود بحيث اعتبرته خليفة الله عزّ وجلّ وأن الله تعالى خلقه على صورته ولا يتمّ الإيمان بالله عزّ وجلّ وتوحيده إلاّ بالإيمان بالانسان الكامل (وهو النبي والأوصياء علهيم السلام).
    والرؤية الثانية صعودية حيث تنطلق من الانسان لمعرفة الله عزّ وجلّ والتقرب إليه ، وهذه الطريقة هي الاسلوب العام لهداية البشر ، فقد بعث الله تعالى الانبياء وتبعهم بالائمة والاوصياء علهيم السلام وجعلهم القدورة للعالمين (1) ، ويمكن لعامّة الناس أن يتبعوا الرسل وأوصياءهم عليهم السلام ويقتدوا بهم لتوصلوا الى القرب بعد
(1) قال تعالى في سورة الاحزاب آية 21 : (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة).
    وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 4 : (قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه).
    وقال تعالى في سورة الممتحنة آية 6 : (لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد).

( 12 )
المعرفة للحقّ تعالى : (مَن أراد الله بدأ بكم)(2).
    والرؤية الاسلامية واحدة بكلا الطريقين ، فإن المعادلة الفلسفية الكونية الاسلامية ترتكز على فهم العلاقة بين الله تعالى والانسان سواء كان انساناً كلياً كاملاً ـ وهم كمّل الخلق ـ أو كان انساناً عادياً في طريق الكدح الى الله تعالى صعودياً أو تسافلياً . والصعودي هم المؤمنون الذين يسعون جاهدين لارتقاء مدارج الكمال والتسافل(2) مختص بمن سلك الطريق المعاكس لاولئك السالكين.
    وفي الرؤية الاسلامية الكونية أن لِمَوقِع الانسان الكوني المَركَزي والمهم صار الانسان خليفة الله تعالى وصار حراً بسلوكه الفكري والحركي ومسؤولاً عن عقائده وأعماله وتصرفاته وحركاته وسكناته.
    ولهذا الموقع المهم للانسان اهتمت العقيدة الاسلامية بتربيته ليكون أهلاً للمسؤولية الكبرى التي وقعت على عاتقه بادارة كثير مما خلق الله تعالى لأنه عزّ وجلّ سخّر كل شيء له وجعله رهن ارادة الانسان وحركته كما نصت على ذلك كثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى : (ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض واسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً)(3).
    ومنها قوله تعالى : (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعاً منه إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون)(4).
    ومنها قوله تعالى : (وسخرنا مع داود الجبالُ يُسبحن والطير وكنا فاعلين)(5).
    ومنها قوله تعالى : (ولسليمان الريح عاصفةً تجري بأمره الى الارض التي
(1) الزيارة الجامعة الكبير| التهذيب : ج 6 ، ص 99 . الفقيه : ج 2 ، ص 596.
(2) قال تعالى في سورة التين الآية 4 ـ 6 : (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم * ثمّ رددناه أسفل سافلين * إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون).
(3) سورة لقمان : الآية 20.
(4) سورة الجاثية : الآية 13.
(5) سورة الانبياء : الآية 79.

( 13 )
باركنا فيها وكُنا بكل شيء عالمين)(1).
    ومنها قوله تعالى متحدثاً عن داود عليه السلام : (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق * والطير محشورةً كل له أواب * وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب)(2).
    ومنها قوله تعالى متحدثاً عن سليمان عليه السلام : (فسخرنا له الريحَ تجري بأمره رخاءً حيث أصاب * والشياطين كل بنَّاءٍ وغوَّاصٍ * واخرين مقرنين في الاصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)(3).
    والانسان مجمع العوالم ومظهر الكمالات وقد صدق من قال :
وتحسب انّك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر(4)

    وقد ساعدت العقيدة الاسلامية الانسان للتعرف على كيفية ترقّيه الكمالي ليكون مؤهلاً للتصدي الى موقعه الطبيعي الذي اراده الحقّ تعالى من خلقه له.
    كما أن الرؤية الاسلامية قد وضحت للانسان مفهوم الحياة التي اكسبته القدرة والحيوية والحركة والفعل ، لأن الانسان بدون حياة غير قادر على الفعل والاختيار وغير قادر على القيام بالمهمات الكبرى وغيرها . إذ أن الحياة هي الجهاز المحرّك للانسان.
    ولكن : هل معنى ذلك أن مهمة الانسان ودوره سوف ينتهي بموته ؟ وينهدم كل شيء بناه عندما كان يتحرك كانت حياته معطاءة ؟
    وهنا توضيح الرؤية الاسلامية أن الانسان هو مركز التلقي للارادة الإلهية إما مباشرة ـ وهم الانبياء والرسل والمحدّثون ـ وإما بواسطة ، وهم باقي الناس.
    وتوضيح أيضاً أن الانسان هو مركز الحركة الكونية.
(1) سورة الانبياء : الآية 81.
(2) سورة ص : الآية 18 ـ 20.
(3) سورة ص : الآية 36 ـ 39.
(4) نسب هذا البيت من الشعر للامام علي عليه السلام .. راجع الديوان المنسوب للامام علي عليه السلام جمع وترتيب عبدالعزيز الكرم : ص 57.

( 14 )
كما أنها توضح أيضاً أن الانسان خُلِقَ ليتحرك ويدير المركز الحركي الكوفي بمعنى من المعاني الصحيحة التي لا مجال الى بيان تفصيلها في هذه العجالة ؛ بل بينت الرؤية الاسلامية ـ طبق نظام تفصيلي ـ المركز الحركي الكوني للانسان الكامل والانسان العادي ، والعلاقات الكونية بالانسان وغير ذلك.
    كما أن النظام التفصيلي تعرض لشرح مفهوم الحياة للانسان باعتباره فاعل الحركة الكونية الكبيرة.
    وذكرت أن الانسان خلق ليبقى وأنه لا ينتهي ولا يفنى بمجرد أن تنتهي مهمته في هذه الدنيا(1) التي تشكل اُولى المراحل الحياتية له.
    واكدت على أن هذه الحياة مهمة في طريقه الحركي نحو الصعود والتكاثر ، لأنها المكان الذي يستطيع أن يبني الانسان فيه موقعه في العوالم الاُخرى التي سوف تلي هذه الدنيا التي يعيش فيها.
    ومن الفوارق الأساسية بين هذه الدنيا والعوالم الاُخرى ، هو أن الانسان جاء الى هذه الدنيا بغير اختياره وبدون طلب أو ارادة منه ، ولكنّ سكناه في هذه الدنيا وبقاءه فيها انّما هي بارادته.
    وأما العوالم الاُخرى فانّه سوف يعمّرها ويدخلها بارادته ويختار موقعه في تلك العوالم بارادة تامّة منه.
    وللانسان أن يبني تلك العوالم وهو في هذه الدنيا لأن (الدنيا مزرعة الآخرة)(2).
(1) روى الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه علل الشرائع : ج 1 ، ص 11 باب 9 ، ح 5 بسند صحيح عن مسعدة بن زياد . قال : قال رجل لجعفر بن محمّد : يا أبا عبد الله ، إنا خلقنا للعجب ؟ ! قال : وما ذاك ، لله أنت . قال : خلقنا للفناء ؟ ! فقال : مَه، يا بن أخ ! خلقنا للبقاء ، وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونارٌ لا تخمد ، لكن قل : انما نتحرك من دارٍ الى دار.
    وروى الشيخ الطوسي في أماليه ج 1 ، ص 220 ، المجلس 8 ، ح 27 بإسناده الى أمير المؤمنين عليه السلام انه قال في كلام له عليه السلام : (أيها الناس إنا خلقنا واياكم للبقاء لا للفناء ، ولكنكم من دارٍ الى دارٍ تنقلون ، فتزودوا لما انتم صائرون عليه وخالدون فيه).
(2) عوالي اللآلي لابن أبي جمهور : ج 1 ، ص 267 ، الفصل 10 ، ح 66.

( 15 )
فقد يولد الانسان في هذه الدنيا وبدون اختيار منه في عائلة غنية أو فقيرة ، ولكنه قادر على أن يغير طريقه حياته في هذه الدنيا بارادته على ضوء حركته الذاتية فإنه (ليس للانسان إلاّ ما سعى)(1) و(فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)(2) وقال تعالى : (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكوراً)(3).
    وقال تعالى : (إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى)(4) وكذلك فانّ الانسان يولد في العوالم الاُخرى بارادته ويحدد المكان والبيئة والموقع الاجتماعي فيها باختياره وهو في الدنيا ، فانّ العوالم الاُخرى انّما تبنى بأعمال الانسان في هذه الدنيا التي يعيش فيها.
    روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام قال :
    جاء رجل الى أبي ذر ، فقال : يا أبا ذر مالنا نكره الموت ؟
    فقال : لانّكم عمّرتم الدنيا ، وأخربتم الآخرة ، فتكرهون ان تنقلوا من عمران الى خراب .
    فقال له : فكيف ترى قدومنا على الله ؟
    فقال : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يرد على مولاه...»(5).
    * وروي عن سويد بن غفلة أنه قال : «دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً مما يحتاج إليه البيت» ؟
    فقال عليه السلام : «يابن غفلة ! أن اللبيب العاقل لا يتأثث في دار النقلة ، ولنا دار أمن
(1) سورة النجم : الآية 39.
(2) سورة الملك : الآية 15.
(3) سورة الاسراء : الآية 19.
(4) سورة طه : الآية 15.
(5) الكافي : ج 9 ، ص 458 ، ح 20.

( 16 )
قد نقلنا إليها خير متاعنا ، وإنّا عن قليل إليها صائرون...»(1).
    وعلى ضوء الرؤية الاسلامية للانسان وللحياة وللكون فانّ حياة الانسان سوف لا تنتهي بموته ، بل بالعكس فانّ هذه الحياة الاُولى التي يعيش فيها ضيقة وصبعة ، وسوف يتخلّص من كثير من صعوباتها وضيقها بانتقاله الى العوالم الاُخرى ولكن ذلك يعتمد على ما يبذله من جهد في بناء مواقعه الحياتية في العوالم الاُخرى وهو في الدنيا.
    كما أنه سوف يعاني الامرّين والأشد في تلك العوالم فيما إذا لم يهتم في هذه الدنيا ببناء عوالمه تلك لأنه قد يمكنه تجاوز كثير من الأخطاء العمدية في هذه الحياة الدنيا ، ويمكنه أن يتخلّص بالتواءاته من كثير من المواقف الحرجة والحسابات القانونية والاجتماعية ، لأن هذه الدنيا هي دنيا العمل بلا حساب ، وأما تلك العوالم فهي بالعكس تماماً فلا ينفعه دهاؤه ولا تنفعه حيله ، لأن تلك العوالم حساب بلا عمل ، اضافة الى أن هذه الدنيا يحكمها الغموض ويسيطر عليها قانون التمويه لاختفاء الحقائق وراء مظاهر لا تمثلها ولا تمت اليها بصلة ، ولكن العوالم الاُخرى بعكس ذلك فهي عوالم الحقائق (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)(2).
    وذلك اليوم (يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون)(3) والحقائق تكشفت ، فيسعى الانسان جاهداً الى أن يتحرّك ويعمل ليعوض عمّا سبق ويتخلّص من الورطات الجديدة التي وقع فيها ولكنه لا يستطيع.
    ولذلك ففي الرؤية الاسلامية أن الحياة الحقيقية هي تلك الحياة التي سيعيشها الانسان بعد انتقاله إليها بعد بالموت ، وقد عبّر القرآن الكريم عن تلك الحياة (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)(4) أي أن الانسان في تلك العوالم
(1) عدة الداعي لابن فهد الحلي :ص 109 ، باب 2 . وعنه في البحار : ج 70 ، ص 321 ، 322.
(2) سورة ق : الآية 22.
(3) سورة القلم : الآية 42.
(4) سورة العنكبوت : الآية 64.

( 17 )
مملوءٌ حياة وحركة ، فإن لفظة الحيوان على وزن فعلان الذي يتضمن الكثرة والفوران ، فالحياة الحقيقة المملوءة حيوية وحركة انّما هي بعد الموت.
    ولو قرأت الروايات التي تحدّثت عن تلك العوالم لرأيت أحداثاً كثيرة جداً لابدّ له أن يمرّ عليها.
    الانسان وهو في هذه الدنيا يجهل تلك الأحداث والعوالم والمنازل ، لأنه بعيد عنها مكاناً وزماناً ، فانّ المكان الذي يعيشه في هذه الحياة الدنيا يختلف عن المكان الذي سوف يعيشه في تلك العوالم (يوم تبدل الارض غير الارض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار)(1).
    وانّ الزمان الذي يحكمه في هذه الدنيا يختلف كلياً عن الزمان الذي يكون في تلك العوالم فمن تلك الأيّام ما تطول فتكون خمسين ألف سنة كما في قوله تعالى : (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)(2).
    ومنها ما يقصر فيكون ألف سنة كما في قوله تعالى : (وإن يوماً عند ربّك كألف سنة مما تعدون)(3).
    وقال تعالى : (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون)(4).
* * *

    ولأهمية تلك الأحداث في حياة الانسان فقد جدّ للتعرف عليها بشتى الطرق والوسائل العلمية ، وقد أثرت أهداف كل باحث في انتخاب طريقته الخاصّة به للتعرف على تلك العوالم ، فالفيسلوف مثلاً يحاول أن يبحث بأدواته العلمية للتعرّف على تلك العوالم لتتمّ في عقله ونفسه الصورة العقلية والفكرية عن الانسان والحياة والعوالم الغيبية الاُخرى التي لم يدركها ببصره وحواسه.
    بينما ينهج الاخلاقي بدراسة تلك العوالم لأجل أن ينذر أو يبشر نفسه والآخرين الذين يهتم بوعظهم وصلاحهم ، فيحسنوا ويصلحوا أحوالهم وأعمالهم.
(1) سورة ابراهيم : الآية 48.
(2) سورة المعارج : الآية 4.
(3) سورة الحج : الآية 47.
(4) سورة السجدة : الآية 5.

( 18 )
    ومهما اختلف القوم فالمسألة ليست داخلة ضمن معدودات الترف الفكري ، بل انّها من المسائل الحياتية المهمة جداً سواءاً نوقشت بالطريقة الفلسفية أو بالطريقة الأخلاقية أو غيرها.
    وبما أن بداية العوالم الاُخرى تبتدأ بالموت وتنتهي بالمعاد فلذلك كانت مسألة الموت والمعاد من المسائل المهمّة التي عولجت بعدة طرق من البحث ، فقد اهتم بها الفكر الاسلامي والعقيدة الاسلامية فعدت خامس اصول الدين بعد التوحيد والعدل والنبوة والامامة ، ولأهميتها فقد اهتم بها الفكر الفلسفي والكلامي الاسلامي وقد نوقشت قضايا المعاد لإثبات النشأة الآخرة وحشر الاجسام ونشر الأرواح والنفوس ، والمعاد الجسماني ، أو الروحاني ، والبحث في بقاء النفوس وتجرّدها والنفوس التي تحشر والنفوس التي لا تحشر ، وهل أن الاجسام التي ترزق المعاد هي تلك الاجسام التي أحسنت في الدنيا ، وهي التي عصت الحقّ تعالى فيها ، أم انّها أجسام اُخرى لم تكن في الدنيا ولم تحسن فيها ولم تسيء فيها. وقد اتفق العِلمان في بعض مسائلهما وقد اختلفا في مسائل اُخرى كما هو ديدنهما ، ولكن كالعادة لكل منهما طريقته بالاستدلال والبرهنة ـ وليس هنا محل الاطالة والاطناب والتفصيل ـ ولكن الشيء الذي لابدّ من الاشارة إليه هنا هو انّ العلمين قد ناقشا قضايا الموت والمعاد من وجهة عقائدية طبق قوانين الاثبات ، يعني أن قضايا الموت والمعاد التي نوقشت في هذين العلمين ـ وإن اختلف الحجم الكمّي للمسائل أو الاسلوب الاستدلالي وطريقته ـ ولكنهما حصرا البحث بمقدار ما يرتبط بالاثبات أو النفي لما يراد معرفته ، أو بما يتعلق بالعقيدة الاسلامية.
    أما الفكر العرفاني الاسلامي فقد ركز اهتماماته اهتماماته على مسائل الموت والمعاد باعتبار أن بها يتحقق الوصول الى وطن سلوك العارفين(1) ، وأن الموت وما بعده
(1) الوطن عند العرفاء هو محل هبوط الحقيقة التي تهوي اليها النفوس الكلية ، وهو دار هجرة السالكين في طي منازل السلوك واعظمها هجرتهم من وجودهم الاعتباري والرحيل الى الوطن الحقيقي فيكون بالله بعد أن يفنى في الله تعالى.
( 19 )
غاية تجوهر نفوسهم ووصولها الى الغاية القصوى بلقاء الله تعالى.
    فانّ للسالك غايتان أقربهما غاية تجوهر النفس بقطعها وطيّها المراحل الاُولى التي هي مقدمة الغاية القصوى ، ولا يمكنه أن يحصّل الغاية القصوى إلاّ بعد حصوله على الغاية الاُولى والغاية القصوى هي لقاء الله تعالى.
    بينما الغاية الاُولى هي لقاء أعماله وما كسبته يداه وتتم بالموت والمعاد ، قال عزّ وجلّ : (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك احداً)(1) وصار الموت والقبر وما بعده والمعاد غاية اولى ، لأن الانسان سوف يبعث كما مات لما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله انّه قال : «كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون» ، وفي الخبر عنه صلى الله عليه وآله : «يبعث كل عبد على ما مات عليه» وفي الخبر الآخر عنه صلى الله عليه وآله : «يموت الرجل على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه».
    وغاية السالك أن يبذل جهده لتقوم عليه قيامته وقد تحققت تمام انسانيته ليحشر يوم القيامة وهو انسان مبصر وقد ذكر أهل المعرفة انّه لا يمكن للسالك أن ينال غايته القصوى بلقاء الله عزّ وجلّ إلاّ بعد ان تقوم عليه قيامات وكلّما تقوم عليه قيامة من قياماته في الاُولى(2) فقد تمّت له حركة من حركاته السلوكية ـ وذلك اذا امكنه أن يحافظ على مقامها أو يرتقي الى الأعلى منها الى حين تقوم عليه قيامته بموته الطبيعي ـ وانقضى عنه مقام من مقامات القرب ، واذا لم يتمكن السالك من طي تلك المقامات فإنه سوف يطويها ـ إن وفقه الحقّ تعالى وكان ذلك العبد محسوباً عنده تبارك وتعالى من السالكين ـ وفي الآخرة ولكنه سوف يطويها بالقهر والقوة والغلبة ، بينما طَويه لها في الاُولى ـ لو وفق لها بلطفه تعالى وتوفيقه العبد للمجاهدات وقطع فيافي السلوك ـ سوف تكون على نحو آخر وقد يكون التوفيق الالهي نصيبه بأنه يطويها أو يطوي بعضها وهي خامدة باختلاف أحوال
(1) سورة الكهف : الآية 49.
(2) (الاُولى) بالاصطلاح أوسع مفهوماً من (الدنيا) ، فإن الانسان السالك قد يكون في الاُولى ولكنه لا يكون في هذه الدنيا ولا عكس.

( 20 )
السائرين ومقاماتهم.
    وتبتدىء القيامات بالقيامات الأنفسية وهي القيامة الأنفسية الصغرى ثمّ الوسطى ، ثمّ الكبرى ، وتنتهي بالقيامات الآفاقية(1) ، وقد عبّر الشيخ الكاشاني عن القيامة بمعناها العام انّها : (الانبعاث بعد الموت الى حيوات أبدية)(2) ، ويشير بـ (الحيوات) الى تعدد الحياة بعد تعدد القيامة ، فإنه بعد كل قيامة حياة غير الحياة التي عاشها قبل قيامته تلك.
    وقد قسّمها الكاشافي الى ثلاثة أقسام :
    أولها : الانبعاث بعد الموت الطبيعي الى حياة أحد البرازخ العلوية أو السفلية بحسب حال الميت في الحياة الدنيوية لقوله عليه السلام : «كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون».
    وهي القيامة الصغرى المشار إليها في قوله عليه السلام : «من مات فقد قامت قيامته».
    وثانيها : الانبعاث بعد الموت الارادي الى الحياة القلبية الأبدية في العالم القدسي ، كما قيل مت بالارادة تحيا بالطبيعة.
    وهي القيامة الوسطى ، المشار إليها في قوله تعالى : (أومَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً...)(3).
    وثالثها : الانبعاث بعد الفناء في الله الى الحياة الحقيقية عند البقاء بالحقّ.
    وهي القيامة الكبرى المشار إليها بقوله تعالى (فاذا جاءت الطامة الكبرى)(5)(4).
    فالقيامة لا تبتدأ عند أهل المعرفة من موت الانسان الطبيعي وانّما هي معه في
(1) قد وضحنا ذلك في شرحنا على رسالة السير والسلوك المنسوبة الى الآية العظمى السيّد محمّد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم قدس سره : 1155 ـ 1212 هـ ق.
(2) اصطلاحات الصوفية للشيخ كمال الدين عبد الرزاق القاشاني : 146.
(3) سورة الانعام : الآية 122.
(4) سورة النازعات : الآية 34.
(5) اصطلاحات الصوفية للقاشاني : ص 146.

( 21 )
الحياة الدنيا ، ووفقاً لهذا القانون الكوفي فإنهم يثبتون انّ الجنّة والنار تلازم صاحبها في هذه الدنيا ابتداءً من جنّة الأعمال ونار الأعمال ولكن قد حجبتهما الحجب الظلمانية عند الانسان فلا يراهما إلاّ بعد الممات ، وذلك لأنه يتخلّص من الحجب الظلمانية واغلظها الجسم العنصري الذي حبس روحه ونفسه وعقله فيه فلم ير الحقائق إلاّ بعد أن يتخلّص منه وينطلق في العوالم الاُخرى التي تسكن إليها وفيها الأرواح والنفوس فتكشف لها بعض الحقائق الكبرى طبق المواصفات النسبية مع التكامل الروحي والنفسي لكل إنسان.
    وأما نار الأعمال وجهنمها في هذه الدنيا وكذلك جنّة الأعمال وفردوسها فهي محجوبة عن الناس إلاّ النفوس الكلية والنفوس القوية التي منحها الحقّ تعالى قدرة رؤية تلك الحقائق.
    واستشهد على هذه الحقيقة بعدة آيات منها قوله تعالى : (يستعجلونك بالعذاب وان جهنم لمحيطة بالكافرين)(1) وقوله تعالى : (احاط بهم سرادقها)(2).
    فالمقصود بالاحاطة هي الاحاطة المطلقة ابتداءاً من هذه الدنيا الى ذلك العالم الآخر والعوالم التي تلي عالم الحياة الدنيا.
    كما ان هناك نصوص كثيرة جداً تشهد على هذه الحقائق يحتاج تفصيلها الى بحوث مستقلة.
    ولم ينكر أهل المعرفة تلك العوالم التي يلاقيها الانسان بعد موت جسمه بل العكس من ذلك فإنهم يعتبرون أن الارواح عندما تتجرد عن أجسامها تكون أقدر على معرفة تلك الحقائق الثابتة ، وحينئذٍ فمن الطبيعي أن تكون النفوس التي قطعت القيامات الأنفسية أقدر على ادراك القيامات الافاقية ، ولذلك فهي تكون أسرع في قطع القيامات التي قطعتها في الاُولى ، وسوف تمر بها كالبرق الخاطف ، وقد أشارت الى هذه الحقائق مجموعة من الروايات الشريفة فمنها الروايات التي
(1) سورة العنكبوت : الآية 54.
(2) سورة الكهف : الآية 29.

( 22 )
وردت لأخذ الاستعداد والتهيؤ لدخول القبر ، لأن الانسان قادم على عالم لم يدخله من قبل ولم يتعرف عليه.
    * روى ثقة الاسلام الكليني في الكالفي الشريف بإسناده عن محمّد بن عجلان قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : «لا تفدح ميتك بالقبر ولكن ضعه أسفل منه بذراعين ، أو ثلاثة ، ودعه يأخذ اهبته»(1).
    * وروى عنه بإسناده عن يونس قال : حديث سمعته عن أبي الحسن موسى عليه السلام ما ذكرته وأنا في بيت إلاّ ضاق عليّ ؛ يقول : «اذ أتيت بالميت شفير قبره فامهله ساعة فانّه يأخذ اهبته للسؤال»(2).
    * وروى الشيخ الطوسي رحمه الله في تهذيب الأحكام بمضمرة أبي عطية قال : «اذا أتيت بأخيك الى القبر فلا تفدحه ، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتّى يأخذ اهبته ثمّ ضعه في لحده...»(3).
    وذكر الصدوق رحمه الله في الفقيه قال : «وإذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لأن للقبر أهوالاً عظيمة ويتعوذ حامله بالله من هول المطلع ، ويضعه قرب شفير القبر ، ويصبر عليه هنيئة ثمّ يقدمه ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ثمّ يقدمه الى شفير القبر»(4).
    والرواية صريحة بانّ روح الميت المجردة تدرك مالم تدركه في هذه الحياة الدنيا.
    وقد يكون الانسان قد تعرّف على هذا المنزل من خلال مجاهداته ورياضاته النفسية والروحية ، ولكنه يبقى غير واصل الى مقام حساب منكر ونكير فلذلك فعليه ان يستعد لحسابهما ، وأما لو كان ذلك الانسان قد جاهد نفسه وقطع ذلك
(1) الكافي : ج 3 ، ص 191 ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح 1.
(2) الكافي : ج 3 ، ص 191 ، كتاب الجنائز ، باب (في وضع الجنازة دون القبر) ، ح 2.
(3) تهذيب الاحكام للطوسي : ج 1 ، ص 312 ، باب 13 ، ح 75 ، ورقم الحديث العام 907.
(4) من لا يحضره الفقيه للصدوق : ج 1 ، ص 107 ، تحت الرقم 44 ، والرقم 497 ، باب 25 (الصلاة على الميت).

( 23 )
المنزل بمجاهداته في الاُولى فحينئذٍ يكفى حسابهما كما دلت الروايات التي أشارت بعضها الى الأعمال التي تدفع هول حساب منكر ونكير(1).
    وهكذا بالنسبة للمنازل البرزخية الاُخرى ، وحتّى هول يوم القيامة وما فيه من مواقف يمرّ بها الانسان فإن كان قطعها في الاُولى فإنه يكفاها في الآخرة ، وقد وضّحت هذه الحقيقة مجموعة من الروايات منها التي وردت في الصراط فانّه ان كفيه الانسان في الاُولى فانه يمرّ عليه يوم القيامة كالبرق الخاطف.
    وحتّى جهنم ولزوم المرور عليها والورود فيها الذي نصّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى : (وان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً)(2) ، فانّ هناك من لا يمرّ عليها بالآخرة ، لأنه مرّ بها وعليها في الاُولى ، كما ورد عن جابر بن عبدالله الانصاري رحمه الله انّ النبي صلى الله عليه وآله سئل عنه(3) فقال : «اذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا ان نرد النار ؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة»(4).
(1) منها ما رواه الصدوق رحمه الله في كتاب (فضائل الشيعة) : ص 46 ، ح 1 ، بإسناده عن ابن عمر قال : سألنا النبي صلى الله عليه وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام فغضب صلى الله عليه وآله ثمّ قال :
    والحديث الشريف طويل ، الى أن يقول : «ألا ومن أحبّ علياً بعث الله اليه ملك الموت كما يبعث الى الانبياء ، ودفع الله عنه هول منكر ونكير ، وبيّض وجهه ، وكان مع حمزة سيد الشهداء .. الحديث».
    وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله قال : «ألا ومن مات على حب آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير..». رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ، ص 220 ، في تفسير الآية 23 من سورة الشورى.
    ونقله المجلسي في البحار : ج 23 ، ص 233 ، وفي : ج 27 ، ص 111، عن الكشاف نقله الرازي في تفسيره ، واليّد ابن طاووس في الطرائف ، وفي البحار : ج 68 ، ص 137 ، ح 76 ، عن جامع الاخبار .
(2) سورة مريم : الآية 71.
(3) يعني سئل عن قوله تعالى : (وان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً).
(4) تفسير البيضاوي : ج 3 ، ص 61 ، في تفسير الآية 71 من سورة مريم . ونقله عنه المجلسي في البحار : ج 8 ، ص 250.