والمولى له معان كثيرة ، منها : الرَّب ، والمالك ، والسيِّد ، والعبد ، والمُنعم ، والمنعَم عليه ، والمُعتِق ، والمُعتَق ، والناصر ، والمُحِب ، والتابع ، والجار ، وابن العم ، والحليف ، والعقيد ، والصَّهْر ، والولي الذي يلي عليك أمرك (2) .
=
قال ابن الأثير بعد تعداد المعاني المذكورة : وأكثرها قد جاء في الحديث ، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه ، وكل مَن ولِيَ أمراً أو قام به فهو مولاه ووَلِيّه (1) .
قال : وقول عمر لعلي : أصبحتَ مولى كل مؤمن أي ولِيّ كل مؤمن (2).
والمراد بالمولى في الحديث هو الولي ، وهو القائم بالأمر الأولى بالتصرف ، لما ورد في كثير من طرق الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أيها الناس ، ألستُ أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه (3).
وقد جاء وُصِف أمير المؤمنين عليه السلام بالولي في أحاديث أخر ، منها : ما أخرجه الترمذي في سننه ، والنسائي في الخصائص ، والحاكم في المستدرك ، وأحمد في المسند ، وابن حبان في صحيحه ، والألباني في سلسلته الصحيحة ،
قال ابن الأثير في النهاية ، وابن منظور في لسان العرب ، والجوهري في الصحاح : كل من ولِيَ أمر واحد فهو وَلِيّه.
ومنه يتضح أن معنى « ولِيّ كل مؤمن بعدي » هو المتولِّي لأمور المؤمنين من بعدي ، وهو معنى آخر للخليفة من بعدي ، لأن الخلفاء هم ولاة أمور المسلمين.
وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « بعدي » دليل على أنه لا يريد بالولي المحب ولا الناصر والمنعِم ولا غيرها من المعاني ، لأن المعاني الأخَر كالرَّب والمالك والسيد والعبد والمُعتِق والجار وابن العم والصَّهْر وغيرها لا تصح في المقام ، وأما المحب والناصر والمنعِم عليه فهي غير مرادة أيضاً ، لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «بعدي » دليل على أن المراد بلفظ ( الولي ) غير ذلك ، لأن هذه الأمور كانت ثابتة لعلي عليه السلام حتى في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذِكر البعدية حينئذ لغو ، فلا يصح أن يقال : علي مُحِبُّكم أو ناصركم أو منعِم عليكم من بعدي ، لأنه عليه السلام كان كذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولوضوح هذا الحديث في الدلالة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام أنكره
قال في منهاج السنة : قوله : « هو ولي كل مؤمن بعدي » كذِبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن ، وكل مؤمن ولِيّه في المحيا والممات. فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان ، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها : والي كل مؤمن بعدي (1) .
والجواب : أما من ناحية سند الحديث فيكفي في اعتباره أن الترمذي حسَّنه في سننه، والحاكم صحَّحه في مستدركه، وابن حبان أخرجه في صحيحه، والألباني أورده في سلسلته الصحيحة.
قال الألباني بعد أن حكم بصحة هذا الحديث : فمن العجيب حقاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنة 4|104.
ثم قال : فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ، إلا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة (2).
وأما من ناحية دلالة الحديث فهو واضح كما مرَّ ، وأما قوله : « بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن » ، فمراده أن المجيء بلفظ بعدي لغو ، وهذا صحيح إذا كان المراد به المحب والناصر ، فيكون أمير المؤمنين عليه السلام ولي كل مؤمن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته. لكنا بيَّنَّا أن هذا المعنى غير مراد ، لما ذكرناه وذكره هو من المحذور ، وهو استلزام اللغوية في قوله : بعدي.
وقوله : ( وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها : والي كل مؤمن بعدي ) مردود بما سمعت من تصريح علماء اللغة بأن المولى والولي بمعنى واحد، وبأن كل من ولِيَ أمر واحد فهو وَلِيّه. فيكون كل مَن وَلِيَ أمر المسلمين وَلِيَّهم،وتكون الولاية بمعنى الإمارة ، فيصح أن يقال : ( ولي كل مؤمن ) بهذا
وأما لزوم التعبير بـ ( والي كل مؤمن ) للدلالة على هذا المعنى فهو غير صحيح ، وأهل اللغة يقولون : ( فلان والي البلد ) ، فتضاف كلمة ( والي ) إلى البلد ، ولا تضاف إلى المسلمين أو المؤمنين إلا من باب جواز الإضافة لأدنى ملابسة.
3 ـ حديث المنزلة : وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1).
فأوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن منزلة علي عليه السلام منه صلى الله عليه وآله وسلم كمنزلة هارون من موسى عليهما السلام ، إلا أن عليّاً عليه السلام ليس بنبي، وبيَّن القرآن الكريم هذه المنزلة في آيات كثيرة :
منها : قوله تعالى ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح
وقوله تعالى ( واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري ) (2).
وقوله تعالى ( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) (3).
فدلَّت الآية الأولى على أن هارون خليفة موسى في قومه ، ودلّت الآيتان الأخريان على أنه وزير موسى عليه السلام.
وذلك يدل على أن أمير المؤمنين عليه السلام هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قومه. وتدل المناسبة التي صدر فيها الحديث على أن هذا المعنى هو المراد ، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم عن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك ، واستخلف عليّاً، فقال: أَتُخَلِّفني في النساء والصبيان ؟ قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي ؟ (4)
فذَكَرَ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بمناسبة استخلاف علي عليه السلام على المدينة لـمَّا ذهب لغزوة تبوك. وهذا يدل على أن المنزلة المذكورة في الحديث هي منزلة الخلافة
وقال الإيجي في الرد على ذلك : الجواب : منع صحة الحديث ، أو المراد استخلافه على قومه في قوله ( اخلفني في قومي ) لاستخلافه على المدينة ، ولا يلزم دوامه بعد وفاته... كيف والظاهر متروك ، لأن من منازل هارون كونه أخاً ونبيَّاً (1).
والجواب : أن الحديث صحيح السند، بل هو متّفق عليه، بل هو متواتر، ويكفي في الدلالة على أنه صحيح ومتَّفق عليه أنه مروي في الصحيحين، ونص على صحَّته كثير من حفاظ الحديث كالترمذي والحاكم والذهبي وغيرهم، حتى ابن تيمية وابن حزم اللذان أنكرا كل فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام لم يسعهما إنكار هذا الحديث، ونص على تواتره السيوطي في ( قطف الأزهار المتناثرة ) والكتاني في ( نظم المتناثر ) ، والزبيدي في ( لقط اللآلئ المتناثرة ) وغيرهم.
وأما قوله : « لا يلزم دوامه بعد وفاته » فهو مكابرة ، لأن النبي لم يقيد هذه المنزلة بحال الحياة ، أو بتلك الواقعة ، بل هي في الحديث مطلقة شاملة لكل الأزمنة ، وفي كل الوقائع.
وقوله : ( كيف والظاهر متروك ، لأن من منازل هارون كونه أخاً ونبيَّاً ) مردود بأن الظاهر صحيح ، أما كونه أخاً فهي صفة ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام بنص حديث المؤاخاة (2) واعتراف علماء أهل السنة به (3).
=
وأما النبوة فقد صرَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المنزلة باستثنائها ، حيث قال: « إلا أنه لا نبي بعدي » ، فلا تكون النبوة ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام.
وقال ابن تيمية : ( والنبي صلى الله عليه وسلم إنما شبَّه عليّاً بهارون في أصل الاستخلاف لا في كماله ) (1) يريد به أن هارون لم يخلُف موسى بعد موته ، بل خلَفَه يوشع ابن نون ، والمطلوب هو الدلالة على الاستخلاف بعد الموت ، لا حال الحياة فقط.
والجواب : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أن منزلة علي عليه السلام منه هي منزلة هارون من موسى ، وهذه المنزلة أوضحها القرآن الكريم ، وليس المراد بالحديث هو المشابهة بين علي وهارون من جميع الجهات. وأما أن هارون عليه السلام لم يخلف موسى عليه السلام بعد وفاته فما ذلك إلا لأنه مات في حياة موسى عليه السلام ، ولو كان حيّاً لَخلَفَه بعد وفاته كما خلَفَه في حياته ، لأنه لا يصح أن يكون خليفة موسى عليه السلام غير نبي مع وجود النبي.
4 ـ علي مع الحق : وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : علي مع الحق، والحق مع علي.
فقد أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد ـ في حديث ـ أن علي بن أبي طالب مرَّ ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الحق مع ذا ، الحق مع ذا (2).
وعن حذيفة أنه قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها ، فإنها على الهدى (3).
وأخرج الحاكم عن علي عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم أدِر الحق معه حيث دار (1).
قال الفخر الرازي : ومَن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدِر الحق مع علي حيث دار (2).
وعليه ، فمن كان مع الحق والحق معه ، فهو المتعين للاتباع دون غيره ، كما قال جل وعلا ( أفمَن يهدي إلى الحق أحق أن يُتَّبَع أمَّن لا يَهِدِّي إلا أن يُهدَى فما لكم كيف تحكمون ) (3).
5 ـ علي مع القرآن : وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لن يتفرقا حتى يرِدا عليَّ الحوض (4).
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل أيضاً على أنه عليه السلام مع الحق والقرآن وأنهما معه :
منها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومن عصى عليّاً فقد عصاني (5).
وذلك لأن أمير المؤمنين عليه السلام مع الحق ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك ، فمن أطاعه فقد أطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن عصاه فقد عصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أنت تبيِّن لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي (1).
ولا يكون مبيَّناً لهم ما اختلفوا فيه ، إلا إذا كان مع الحق ، فيكون قوله رافعاً للاختلاف.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني (2) .
وذلك لأن مَن فارق علياً عليه السلام فقد فارق الحق ، فيكون حينئذ مفارقاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : مَن يريد أن يحيى حياتي ، ويموت موتي ، ويسكن جنَّة الخلد التي وعدني ربّي ، فليتولَّ علي بن أبي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة (3).
وهذه الأحاديث وغيرها تدل على أنه عليه السلام هو الإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن مَن بايع غيره واتبع سواه فقد فارقه ، ومن فارقه فارق الحق كما مر في الأحاديث المتقدمة.
قد يلتبس الأمر على بعضهم فيقول : إن مسألة الخلافة التي هي من أهم المسائل تتطلَّب أن يُنَص على الخليفة الحق بنصوص صريحة واضحة لا تحتاج
وتحرير الجواب عن ذلك يتحقق بأمور :
1 ـ أن النصوص الصريحة الدالة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل ، رواها الشيعة بطرق كثيرة جداً ، تفوق حد الحصر ، وهي مبثوثة في كتب الأحاديث المعتبرة عند الشيعة الإمامية ، وقد رواها الثقات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وعن غيرهم ، وفيها غنى وكفاية ، إلا أن أهل السنّة يردّونها ويحكمون عليها بأنها مكذوبة ، لمخالفتها لأحاديثهم ، فلذا رأينا أن نحتج عليهم بما في كتبهم لا بما في كتب الشيعة.
2 ـ أن النصوص الصريحة مروية أيضاً في كتب أهل السنة ، إلا أن علماءهم ردّوا تلك الأحاديث إما بأنها منكرة ، فلا تكون حجَّة ، أو اتهموا راويها بالتشيع والرفض ، فأسقطوا كل مروياته عن الاعتبار.
فإذا كان الحديث الدال على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام أو أفضليته حديثاً منكَراً عندهم ، وراويه إما أن يكون كذَّاباً أو شيعياً أو رافضياً ، فلا غرابة حينئذ في أن لا يسلم حديث واحد يدل على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ؟
3 ـ مع كل ذلك فقد روى أهل السنة نصوصاً واضحة صريحة تدل على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وأفضليته :
منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي (1).
وعند البوصيري عن أبي يعلى ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفة من بعدي (1).
ومنها : ما أخرجه الحاكم وأبو نعيم والخطيب البغدادي والهيثمي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أنا سيد ولد آدم ، وعلي سيد العرب (2).
ومنها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصحَّحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أُوحي إليَّ في علي ثلاث : أنه سيّد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغُر المُحجّلين (3).
ومنها : ما أخرجه ابن المغازلي في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مَن ناصَبَ علياً الخلافة بعدي فهو كافر ، وقد حارب الله ورسوله ، ومن شكَّ في علي فهو كافر (4).
ومنها : ما أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، قال: فتنفّس فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: نُعِيَت إليَّ نفسي. قلت: فاستخلِف. قال: مَن ؟ قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ثم تنفّس. قلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: نُعِيَت إليَّ نفسي يا ابن مسعود. قلت: فاستخلِف. قال: مَن ؟ قلت: عمر. فسكت ثم مضى ساعة ثم تنفّس. قال: فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: نُعِيَت إليَّ نفسي يا ابن
ومنها : ما أخرجه ابن عساكر عن بريدة الأسلمي ، قال : أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلِّم على علي بأمير المؤمنين (2).
ومنها : ما أخرجه الترمذي والحاكم وأبو نعيم والخطيب البغدادي عن أنس بن مالك ، قال : كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير ، فقال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء علي فأكل معه (3).
ومنها : ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي فقال : هذا أول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب (4) المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين (5).
=
قد يقال : إنا إذا أخذنا بهذه الأحاديث فلازم ذلك أن تخطِّئ كل الصحابة ونفسِّقهم ، وهذا لا يصح.
1 ـ أنا قد أوضحنا فيما تقدم أن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم من لم يبايع أبا بكر ، ومنهم من أُكرِه على البيعة ، منهم من لم يكن راضياً لكنه لا يستطيع أن ينكر على من تولّوها في شيء ، ومنهم من رأى أن صلاح أمر المسلمين في ترك الخلاف ، ومنهم من شايع وبايع. وهؤلاء منهم المعذور عند الله بلا شك ولا ارتياب.
وعليه فالأخذ بتلك النصوص الدالة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام لا يستلزم تفسيق كل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو واضح.
2 ـ أنا لو سلمنا أن الأخذ بتلك النصوص يستلزم تفسيق كل الصحابة ، فهذا لا يوجب ترك النصوص الصحيحة الثابتة ، وذلك لأن الحجّة إنما ثبتت لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا حجة لقول أو فعل شخص غيره ، ولا سيما إذا عارض الأحاديث الثابتة.
3 ـ أن الأحاديث الصحيحة دلَّت على أن الأمّة ستغدر بعلي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما ذلك الغدر إلا إقصاؤه عليه السلام عن منصبه الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به ونص به عليه.
ومن تلك الأحاديث ما رواه الحاكم في المستدرك ، وابن حجر في المطالب العالية ، والبوصيري في مختصر الإتحاف وغيرهم ، عن علي عليه السلام أنه قال : إن مما عهد إليَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمّة ستغدر بي بعده (1).
=
وعنه عليه السلام قال : والله إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم : إنهم سيغدرون بك من بعدي (1).
وأخرج الهيثمي وابن حجر والبوصيري عن علي عليه السلام ـ في حديث ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجهش باكياً ، قال : قلت : يا رسول الله ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي... (2)
فإذا عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام بذلك فلا وجه لتبرئة مَن حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه بالغدر.
والخلاصة أن خلافة أبي بكر لم تكن منصوصاً عليها كما اعترف به علماء أهل السنة، ودلَّت عليه الأحاديث الصحيحة ، وكذلك لم تكن بالإجماع كما أوضحناه فيما مرّ ، ولم تدل على صحَّتها أحاديث صحيحة، والنصوص التي تمسّكوا بها مع التسليم بصحّتها لا تدل على الخلافة.
ثم إنها لم تكن بالشورى ، لأنها كانت فلتة كما نصَّ عليه عمر في حديث السقيفة ، ولم تكن ببيعة أهل الحل والعقد ، لأن عامة المهاجرين لم يكونوا في السقيفة ، ومَن بايع بعد ذلك كان إما عن اجتهاد لا يكون مُلزِماً لغيره ، وإما عن إكراه ، وإما عن ضغن لعلي عليه السلام ، وإما لغير ذلك مما لا يكون حجة على أحد من الناس.
ومن ذلك كله يتضح أنه لا يوجد مصحِّح معتبر لخلافة أبي بكر ، والله العالم بحقائق الأمور.