المناظرة الثانية
قال سلطان الواعظين في حديثه مع الحافظ في حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام :
الحافظ : لا ينحصر الدليل على كفركم وشرككم في هذه الرواية حتى
تؤوّلها وتخلص منها ، بل في كلّ الاَدعية الواردة في كتبكم نجد أثر الكفر
والشرك ، من قبيل : طلب حاجاتكم من أئمّتكم من غير أن تتوجّهوا إلى الله ربّ
العالمين ، وهذا أكبر دليل على الكفر والشرك !!
قلت : ما كنت أظنّك أن تتبّع أسلافك إلى هذا الحدّ ، فتغمض عينيك ،
وتتكلّم من غير تحقيق بكلّ ما تكلّموا ، فإنّ هذا الكلام في غاية السخافة ، وبعيد
عن الاِنصاف والحقيقة ، فإمّا أنك لا تدري ما تقول أو أنك لا تعرف معنى الكفر
والشرك!!
الحافظ : إنّ كلامي في غاية الوضوح ، ولا أظنه يحتاج إلى توضيح ، فإنّه
من البديهة أنّ من أقرّ بوجود الله عزّ وجلّ واعتقد أنّه هو الخالق والرازق ، وأن لا
مؤثّر في الوجود إلاّ هو ، لا يتوجّه إلى غيره في طلب حاجة ، وإذا توجّه فقد
أشرك بالله العظيم .
والشيعة كما نشاهدهم ونقرأ كتبهم لا يتوجّهون إلى الله أبداً ، بل دائماً
يطلبون حوائجهم من أئمّتهم بغير أن يذكروا الله سبحانه ، حتى نشاهد فقراءهم
والسائلين الناس في الاَسواق ذكرهم : يا علي ويا حسين ، ولم أسمع من أحدهم
حتى مرّة يقول : يا الله !! وهذا كلّه دليل على أن الشيعة مشركون ، فإنّهم لا يذكرون
الله تعالى عند حوائجهم ولا يطلبون منه قضاءها ، وإنّما يذكرون غير الله ويطلبون
حوائجهم من غيره سبحانه !
قلت : لا أدري .. هل أنت جاهل بالحقيقة ولا تعرف مذهب الشيعة ؟ ! أم
إنّك تعرف وتحرف ، وتسلك طريق اللجاج والعناد ؟! لكن أرجو أن لا تكون
كذلك ، فإنّ من شرائط العالم العامل : الاِنصاف ، وفي الحديث الشريف : إنّ العالم
بلا عمل كشجرة بلا ثمر.(2)
ولمّا نسبت إلينا الشرك في حديثك كراراً والعياذ بالله ! وأردت بهذه
الدلائل العامّية التافهة أن تثبت كلامك السخيف الواهي ، وتكفّر الشيعة الموحّدين
المخلصين في توحيد الله عزّ وجلّ غاية الخلوص ، والمؤمنين بما جاء به خاتم
الاَنبياء صلى الله عليه وآله ، فإذا كان هذا التكرار والاِصرار في تكفيرنا بحضورنا فكيف هو في
غيابنا ؟!
واعلم أنّ أعداء الاِسلام الّذين يريدون تضعيف المسلمين وتفريقهم حتى
يستولوا على ثرواتهم الطبيعية ويغصبوا أراضيهم ، فهم فرحون بكلامكم هذا ،
ويتّخذوه وسيلة لضرب المسلمين بعضهم ببعض ، كما أنّني أجد الآن في هذا
المجلس بعض العوام الحاضرين من أتباعكم قد تأثّروا بكلامكم ، فبدؤا ينظرون
إلينا نظر شزرٍ ، حاقدين علينا باعتقادهم أنّنا كفّار فيجب قتلنا ونهب أموالنا!!
وفي الجانب الآخر ، انظر إلى الشيعة الجالسين ، وقد ظهرت على وجوههم
علائم الغضب ، وهم غير راضين من كلامك هذا ، ونسبة الشرك والكفر إليهم ،
فيعتقدون أنّك مفترٍ كذّاب ، وأنّك رجل مُغرض ، وعن الحق مُعرض ، لاَنّهم
متيقّنون ببراءة أنفسهم ممّا قلت فيهم ونسبت إليهم .
والآن لكي تتنوّر أفكار الحاضرين بنور الحقيقة واليقين ، ولكي تتبدّد عن
أذهانهم ظلمات الجهل وشبهات المغرضين ، أتكلّمُ للحاضرين باختصار موجز
عن الشرك ومعناه ، واُقدم لكم حصيلة تحقيق علمائنا الاَعلام ، أمثال : العلامة
الحلّي ، والمحقّق الطوسي ، والعلامة المجلسي رضوان الله عليهم ، وهم
استخرجوها واستنبطوها من الآيات القرآنية الكريمة والاَحاديث المرويّة عن
النبي صلى الله عليه وآله وعترته الهادية سلام الله عليهم .
نوّاب : إنّ انعقاد هذا المجلس كان لتفهيم العوام وإثبات الحقّ أمامهم ، كما
قلت سابقاً ، فأرجوكم أن تراعوا جانبهم في حديثكم ، وأن تتكلّموا بشكل نفهمه
نحن العوام .
قلت : حضرة النوّاب ! إنّني دائماً اُراعي هذا الموضوع ، لا في هذا المجلس
فحسب ، بل في جميع مجالسي ومحاضراتي ومحاوراتي العلمية والكلامية ، فإنّي
دائماً أتحدّث بشكل يفهمه الخاصّ والعامّ ، لاَنّ الغرض من إقامة هذه المجالس
وانعقادها ـ كما قلتم ـ هو تعليم الجهلاء وتفهيم الغافلين ، وهذا لا يتحقق إلاّ
بالبيان الواضح والحديث السهل البسيط الذي يفهمه عامّة الناس ، والاَنبياء كلّهم
كانوا كذلك ، فقد روي عن خاتم الاَنبياء وسيّدهم صلى الله عليه وآله أنّه قال : إنّا معاشر الاَنبياء
اُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم.(3) أقسام الشرك
إنّ الحاصل من الآيات القرآنية ، والاَحاديث المرويّة ، والتحقيقات
العلمية ، أنّ الشرك على قسمين ، وغيرهما فروع لهذين ، وهما : الشرك الجلي ،
أي: الظاهر ، والآخر : الشرك الخفي ، أي : المستتر .الشرك الجلي
أمّا الشرك الظاهري ، فهو عبارة عن : اتّخاذ الاِنسان شريكاً لله عزّ وجلّ ،
في الذات أو الصفات أو الاَفعال أو العبادات .
أ ـ الشرك في الذات ، وهو : أن يشرك مع الله سبحانه وتعالى في ذاته أو
توحيده ، كالثنويّة وهم المجوس ، اعتقدوا بمبدأين : النور والظلمة .
وكذلك النصارى ... فقد اعتقدوا بالاَقانيم الثلاثة : الاَب والابن وروح
القدس ،
وقالوا : إن لكلّ واحد منهم قدرة وتأثيراً مستقلاً عن القسمين الآخرين ،
ومع هذا فهم جميعاً يشكّلون المبدأ الاَوّل والوجود الواجب ، أي : الله ، فتعالى الله
عمّا يقولون علوّاً كبيراً .
والله عزّ وجلّ ردّ هذه العقيدة الباطلة في سورة المائدة ، الآية 73 ، بقوله :
( لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ إله واحد ) وبعبارة
اُخرى : فالنصارى يعتقدون : أنّ الاَلوهية مشتركة بين الاَقانيم الثلاثة ، وهي :
جمع أقنيم ـ بالسريانية ـ ومعناها بالعربية : الوجود .
وقد أثبت فلاسفة الاِسلام بطلان هذه النظرية عقلاً ، وأنّ الاتّحاد لا يمكن
سواءً في ذات الله تبارك وتعالى أو في غير ذاته عزّ وجلّ .
ب ـ الشرك في الصفات ... وهو : أن يعتقد بأنّ صفات الباري عزّ وجلّ ،
كعلمه وحكمته وقدرته وحياته هي أشياء زائدة على ذاته سبحانه ، وهي أيضاً
قديمة كذاته جلّ وعلا ، فحينئذٍ يلزم تعدد القديم وهو شرك ، والقائلون بهذا هم
الاَشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الاَشعري البصري ، وكثير من
علمائكم التزموا بل اعتقدوا به وكتبوه في كتبهم ، مثل : ابن حزم وابن رشد
وغيرهما ، وهذا هو شرك الصفات ... لاَنّهم جعلوا لذات الباري جلّ وعلا قرناء
في القدم والاَزلية وجعلوا الذات مركّباً ، والحال أنّ ذات الباري سبحانه بسيط لا
ذات أجزاء ، وصفاته عين ذاته .
ومثاله تقريباً للاَذهان ـ ولا مناقشة في الاَمثال ـ :
هل حلاوة السكّر شيء غير السكّر ؟
وهل دهنية السمن شيء غير السمن ؟
فالسكّر ذاته حلوٌ ، أي : كلّه .
والسمن ذاته دهن ، أي : كلّه .
وحيث لا يمكن التفريق بين السكّر وحلاوته ، وبين السمن ودهنه ، كذلك
صفات الله سبحانه ، فإنّها عين ذاته ، بحيث لا يمكن التفريق بينها وبين ذاته عزّ
وجلّ ، فكلمة : «الله» التي تطلق على ذات الربوبية مستجمعة لجميع صفاته ، فالله
يعني : عالم ، حيٌّ ، قادر ، حكيم ... إلى آخر صفاته الجلالية والجمالية والكمالية.
ج ـ الشرك في الاَفعال ... وهو الاعتقاد بأنّ لبعض الاَشخاص أثراً
استقلالياً في الاَفعال الربوبية والتدابير الاِلهية كالخلق والرزق أو يعتقدون أن
لبعض الاَشياء أثراً استقلالياً في الكون ، كالنجوم ، أو يعتقدون بأن الله عزّ وجلّ
بعدما خلق الخلائق بقدرته ، وفوّض تدبير الاُمور وإدارة الكون إلى بعض
الاَشخاص ، كاعتقاد المفوّضة ، وقد مرّت روايات أئمّة الشيعة في لعنهم
وتكفيرهم ، وكاليهود الّذين قال الله تعالى في ذمّهم : ( وقالت اليهود يد الله
مغلولة غُلّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف
يشاء )(4).
د ـ الشرك في العبادات .. وهو أنّ الاِنسان أثناء عبادته يتوجّه إلى غير الله
سبحانه ، أو لم تكن نيّته خالصة لله تعالى ، كأن يرائي أو يريد جلب انتباه الآخرين
إلى نفسه أو ينذر لغير الله عزّ وجلّ ..!!
فكلّ عمل تلزم فيه نيّة القربة إلى الله سبحانه ، ولكنّ العامل حين العمل إذا
نواه لغير الله أو أشرك فيه مع الله غيره ، فهو شرك .. والله عزّ وجلّ يمنع من ذلك في
القرآن الكريم إذ يقول : ( فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا
يشرك بعبادة ربّه أحداً )(5).
الحافظ : استناداً إلى هذا الكلام الذي صدر منكم الآن فأنتم مشركون ،
لاَنّكم قلتم : إنّ من نذر لغير الله فهو مشرك ، والشيعة ينذرون لاَئمّتهم وأبناء
أئمّتهم.(6)النذر عندنا
قلت : العقل السليم والمنطق الصحيح يقضيان بأنّ أحداً لو أراد أن يعرف
عقائد قوم ، فيجب أن لا ينظر إلى أقوال وأفعال جهّالهم ، وإنّما ينظر إلى مقال
وأفعال علماء القوم .
وأنتم إذا أردتم التحقيق عن الشيعة ومعتقداتهم ، فعليكم أن تنظروا إلى
كتب علمائهم ومحقّقيهم ، فتعرفوا الشيعة من خلال أقوال فقهائهم وأعمالهم .
فإذا شاهدتم بعض العوام منّا قد نذر ـ نذراً على غير طبق الشرع الحنيف
جهلاً بالمسألة ويكفيه صيغة النذر الصحيحة الشرعية ـ ، فلا تحسبوه من معتقدات
الشيعة ، فإنّ في كلّ مذهب وملّة يوجد هناك عوام يجهلون مسائل دينهم ، وهذا
ليس عندنا فحسب .
وأنتم إذا لم تكونوا مغرضين ، ولم تكونوا بصدد خلق المعائب والاَباطيل
على الشيعة ، فراجعوا كتب فقهائهم وانظروا إلى سيرة المؤمنين منهم العارفين
للمسائل الدينية ، فإنّ التوحيد الخالص والمصفّى من كلّ شائبة لا يكون إلاّ عند
الشيعة الاِمامية .
وأرجو منكم أن تراجعوا كتابي : شرح اللمعة(7) ، وشرائع الاِسلام(8) ، وأيّ كتاب آخر يضمّ المسائل الفقهية ، وحتى الرسائل العملية لفقهائنا المعاصرين ،
وهم مراجع الشيعة في مسائل دينهم .
راجعوا في هذه الكتب «باب النذر» فتجدون إجماع فقهائنا : انّ النذر عمل
عبادي يجب فيه شرطان :
الاَوّل : نيّة القربة ، أنّه ينذر قربة إلى الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه .
والثاني : إجراء صيغة النذر بهذا الشكل : لله أن أفعل كذا وكذا ، أو : أترك كذا
وكذا» فيذكر بدل الجملة الاَخيرة ، نذره إيجاباً كان أو سلباً ، فإذا تعذّر عليه إجراء
الصيغة باللغة العربية أو صعب عليه ذلك ، فيترجم مفهومه إلى لغته ويجريه بلسانه .
وأمّا إذا نوى النذر لغير الله سبحانه أو أشرك معه آخر ، سواءً كان نبياً أو
إماماً أو غيره ، فالنذر باطل .
فيجب على العلماء أن يعلّموا الجاهلين ويبيّنوا لهم كلّ مسائل الدين ، ومنها
مسائل النذر ، فالنذر يكون لله وحده لا شريك له .
ولكنّ الناذر يكون مخيّراً في تعيين مصرف النذر ، فمثلاً : له أن يقول : لله
عليّ نذر أن أذبح شاة عند مرقد النبي صلى الله عليه وآله أو عند مرقد الاِمام علي عليه السلام أو غيرهما
أو يقول : لله عليّ نذر أن أذبح شاة واُطعم لحمها السادة الشرفاء ، أو الفقراء ، أو
العلماء ... إلى آخره .
أو يقول : لله عليَّ نذر أن اُعطي ثوباً لفلان ، بالتعيين ، أو لعالمٍ ، على غير
تعيين .
فكلّ هذه الصيغ في النذر صحيحة ، ولكن إذا لم يذكر الله كأن يقول : نذرت
للنبيّ أو الاِمام أو الفقيه أو الفقير أو اليتيم ... إلى آخره ، كلّ هذه الصيغ باطلة غير
صحيحة .
وكذلك إذا ذكر الله سبحانه مع آخر ... كأن يقول : نذرت لله وللنبيّ ، أو
نذرت لله ولفلان ... فهو باطل غير صحيح وكان آثماً إن كان عالماً بالمسألة ، وإن
كان جاهلاً بالمسألة فنذره باطل وهو غير آثم .
فالواجب علينا وعلى كلّ فقيه وعالم أن يبلّغ مسائل الدين ويكتب أحكامه
الاِلهيّة ويعرضها على العوام ليتعلّموا ويعملوا بها .
ويجب على العوام أيضاً استماع المسائل الدينية وتعلّمها والعمل بها ، فإذا
ما تعلّموا ولم يعملوا بتكاليفهم كما ينبغي ، فالاِشكال يرد عليهم لا على دينهم
ومذهبهم .
وكم من أهل السنّة والجماعة يشربون الخمر ويلعبون القمار ويرتكبون
الفاحشة ، فهل هذا دليل على أنّ مذهبهم يجيز لهم تلك المعاصي والذنوب ؟! وهل
الاِشكال يرد على مذهبهم ، أم عليهم ؟!الشرك الخفي
أمّا القسم الثاني من الشرك ، فهو الخفيّ ، ويتحقّق في نيّة الرياء والسمعة في
العبادات ، فقد ورد في الخبر : أنّ من صلّى أو صام أو حجّ .. وهو يريد بذلك أن
يمدحه الناس فقد أشرك في عمله.(9)
وفي الخبر المروي عن الاِمام جعفر بن محمد الصادق 8 أنّه قال : لو أنّ
عبداً عمل عملاً يطلب به رحمة(10)الله والدار الآخرة ثمّ أدخل فيه رضا أحد من
الناس كان مشركاً.(11)
وروي عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : اتّقوا الشرك الاَصغر ، فقالوا : وما الشرك
الاَصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء والسمعة.(12)
وروي عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ ،
فإنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء(13) ثمّ قال صلى الله عليه وآله : من
صلّى أو صام أو تصدّق أو حجّ للرياء فقد أشرك بالله .
فالواجب في الصلاة وغيرها من العبادات أن تكون النية فيها خالصة لوجه
الله وقربة إلى الله وحده ، بأن يتوجّه الاِنسان في حين عمله العبادي إلى ربّه عزّ
وجلّ ، ويتكلّم معه وحده ، ويركّز ذهنه ، ويوجّه قلبه إلى الذات الموصوفة
بالصفات التي ذكرناها ، وذلك هو الله لا إله إلاّ هو .
وأكتفي بهذا المقدار ، وأظنّ بأنّ الحقّ قد انكشف للحاضرين المحترمين ،
بالخصوص المشايخ والعلماء في المجلس ، فأرجو أن لا ينسبوا الشرك إلى
الشيعة بعد هذا ، ولا يُمَوِّهوا الحقيقة على العوام .
تبسّم الشيخ عبد السلام ضاحكاً وقال : وهل بقي عندكم شيء في هذا
المضمار ، فاكتفيتم بهذا المقدار ؟! فالرجاء إن بقي عندكم شيء في الموضوع
فبيّنوه للحاضرين .
قلت : هناك قسم آخر جعلوه من أقسام الشرك ، ولكنّه مغفور ، وهو :الشرك في الاَسباب
وهو الذي يتحقّق في أكثر الناس من غير التفات ، فإنّهم يتّخذون الوسائط
والاَسباب للوصول إلى أغراضهم وتحقيق آمالهم ، أو إنّهم يخشون بعض الناس
ويخافون من بعض الاَسباب في الاِحالة دون حوائجهم وآمالهم ، فهذا نوع من
الشرك ، ولكنه معفوٌّ عنه .
والمقصود من الشرك في الاَسباب : أنّ الاِنسان يعتقد بأنّ الاَسباب مؤثّرة
في الاَشياء والاُمور الجارية ، مثلاً : يعتقد أنّ الشمس مؤثرة في نمو النباتات ، فإذا
كان اعتقاده أنّ هذا الاَثر من الشمس بالذات من غير إرادة الله تعالى فهو شرك .
وإذا كان يعتقد أنّ الاَثر يصدر من الله القادر القاهر فهو المؤثّر والشمس
سبب في ذلك ، فهو ليس بشرك ، بل هو حقيقة التوحيد ، وهو من نوع التفكّر في
آيات الله وقدرته سبحانه .
وهكذا بالنسبة إلى كلّ الاَسباب والمسبّبات ، فالتاجر في تجارته ، والزارع
في زراعته ، والصانع في صناعته ، والطبيب في طبابته ، وغيرهم ، إذا كان ينظر إلى
أدوات مهنته ، وأسباب صنعته وآثارها ، نظراً استقلالياً ، وأنّ الآثار الصادرة من
تلك الاَسباب والاَدوات تصدر بالاستقلال من غير إرادة الله تعالى ، فهو شرك ،
وإن كان ينظر إلى الاَسباب والاَدوات نظراً آلياً فيعتقد أنّها آلات ، والله تعالى هو
الذي جعل فيها تلك الآثار ، فلا مؤثّر في الوجود إلاّ الله ، فهو ليس شركاً بل
التوحيد بعينه .الشيعة نزيهون من أنواع الشرك
بعد أن بيّنا أقسام الشرك وأنواعه ، فأسألكم : أي أقسام الشرك تنسبوه إلى
الشيعة ؟!
ومن أيّ شيعي عالم أو عامّي سمعتم أنّه يشرك بالله سبحانه في ذاته أو
صفاته وأفعاله ؟!
وهل وجدتم في كتب الشيعة الاِمامية والاَخبار المرويّة عن أئمّتهم عليهم السلام ما
يدلّ على الشرك بالتفصيل الذي مرّ ؟!
الحافظ : كلّ هذا البيان صحيح ، ونحن نشكركم على ذلك ، ولكنّكم إذا
دقّقتم النظر في معتقداتكم بالنسبة لاَئمّتكم ، ستصدّقونني لو قلت إنّكم تطلبون
الحوائج منهم ، وتتوسّلون بهم في نيل مقاصدكم وتحقيق مطالبكم ، وهذا شرك !
لاَنّا لا نحتاج إلى واسطة بيننا وبين ربّنا ، بل في أيّ وقت أحببنا أن نتوجّه إلى الله
تعالى ونطلب حاجاتنا منه فهو قريب وسميع مجيب .
قلت : أتعجّب منك كثيراً ! لاَنّك عالم متفكّر ، ولكنّك متأثّر بكلام أسلافك
من غير تحقيق ، وكأنّك كنت نائماً حينما كنت اُبيّن أنواع الشرك ! فبعد ذلك
التفصيل كلّه ، تتفوّه بهذا الكلام السخيف وتقول : بأنّ طلب الحاجة من الاَئمّة
شرك!!
فإذا كان طلب الحاجة من المخلوقين شرك ، فكلّ الناس مشركون !
فإذا كانت الاِستعانة بالآخرين في قضاء الحوائج شرك ، فلماذا كان الاَنبياء
يستعينون بالناس في بعض حوائجهم .
اقرأوا القرآن الكريم بتدبّر وتفكّر حتى تنكشف لكم الحقيقة ، راجعوا قصّة
سليمان عليه السلام في سورة النمل ، الآيات 38 ـ 40 : ( قال يا أيّها الملأ أيكم يأتيني
بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن
تقوم من مقامك وإنّي عليه لقويّ أمين ، قال الذي عنده علم من الكتاب أنا
آتيك به قَبلَ أن يرتدّ إليك طرفك فلمّا رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل
ربّي... ).
من الواضح أنّ الاِتيان بعرش بلقيس من ذلك المكان البعيد ، بأقلّ من لمحة
البصر ، لم يكن هيّناً وليس من عمل الاِنسان العاجز الذي لا حول له ولا قوّة ، فهو
عمل جبّار خارق للعادة ، وسليمان مع علمه بأنّ هذا العمل لا يمكن إلاّ بقدرة الله
تعالى وبقوّة إلهية ، ومع ذلك ما دعا الله سبحانه في تلك الحاجة ولم يطلبها من ربّه
عزّ وجلّ ، بل أرادها من المخلوقين ، واستعان عليها بجلسائه العاجزين .
فهذا دليل على انّ الاستعانة بالآخرين في الوصول إلى مرادهم ، وطلب
الحوائج من الناس ، لا ينافي التوحيد ، وليس بشرك كما تزعمون ، فإنّ الله سبحانه
وتعالى جعل الدنيا دار أسباب ومسبّبات ، وعالم العلل والمعلولات .
وحيث إنّ الشرك أمر قلبي ، فإذا طلب الاِنسان حاجته من آخر ، أو استعان
في تحقّق مراده والوصول إلى مقصوده بمن لا يعتقد بألوهيّته ولا يجعله شريكاً
للباري ، وإنّما يعتقد أنّه مخلوق لله عزّ وجلّ ، وهو إنسان مثله ، إلاّ أنّ الله عزّ وجلّ
خلقه قوياً وقادراً بحيث يتمكّن من إعانته في تحقّق مراده وقضاء حاجته ، فلا
يكون شركاً .
وهذا أمر دائر بين المسلمين جميعاً ، يعمل به المؤمنون عامة ، وهناك كثير
من الناس يقصدون زيداً وبكراً ويقضون ساعات على أبوابهم ليطلبوا منهم
حوائجهم ويستعينوا بهم في أمورهم ، من غير أن يذكروا الله تعالى .
فالمريض يذهب عند الطبيب ويتوسّل به ويستغيث به ويريد منه معالجة
مرضه ، فهل هذا شرك ؟!
والغريق وسط الاَمواج يستغيث بالناس ويستعين بهم في إنقاذه من الغرق
والموت ، من غير أن يذكر الله عزّ وجلّ ، هل هذا شرك ؟!
وإذا ظلم جبّارٌ إنساناً ، فذهب المظلوم إلى الحاكم وقال : أيها الحاكم ،
أعنّي في إحقاق حقّي ، فليس لي سواك ولا أرجو أحداً غيرك في دفع الظلم عنّي ،
فهل هذا شرك ؟! وهل هذا المظلوم مشرك ؟!
وإذا تسلّق لصّ الجدار وأراد أن يتعدّى على إنسان فيسرق أمواله ويهتك
عرضه ، فصعد صاحب الدار السطح واستغاث بالناس وطلب منهم أن يدفعوا عنه
السوء ، وهو في تلك الحالة لم يذكر الله تعالى فهل هو مشرك ؟!
لا أظنّ أن هناك عاقلاً ينسب هؤلاء إلى الشرك ، ومن ينسبهم إلى الشرك
فهو : إمّا جاهل بمعنى الشرك أو مغرض !!
فأيّها السادة الحاضرون أنصفوا ، وأيّها العلماء احكموا ولا تغالطوا في
الموضوع !!
|
| ولمـّا رأيت الناس قـد ذهبت بهم | * | مذاهبُهم فـي أبحر الغـيّ والجهـلِ |
| ركبتُ على اسم الله في سفن النجا | * | وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل |
| وأمسكتُ حبـل الله وهـو ولاؤهم | * | كما قـد اُمـرنا بالتمسّك بـالحبـلِ |
| إذا افترقت في الدين سبعون فرقة | * | ونيّفاً على ما جاء في واضح الـنقلِ |
| ولم يك ناجٍ منـهم غيـر فـرقة | * | فقل لي بها يا ذا الرجاحـة والـعقلِ |
| أفـي الفـرقة الهـلاك آل محمد | * | أم الفرقة اللاتـي نجت منهم قل لـي |
| فإنْ قلتَ في الناجين فالقول واحد | * | وإن قلتَ في الهلاك حـفت عن العدلِ |
| إذا كـان مـولى القوم منهم فإنّني | * | رضيت بـهم لا زال فـي ظلّهم ظلّي |
| رضيت عليّـاً لي إمـاماً ونسـله | * | وأنت من البـاقين في أوسع الحلِّ(33) |
فلا يخفى على من أمعن ونظر في هذه الاَبيات لعرف تصريح الشافعي وهو
إمام أهل السنّة والجماعة ، بأنّ آل محمد صلى الله عليه وآله ومن تمسّك بهم ، هم الفرقة الناجية
وغيرهم هالكون ، وفي وادي الضلالة تائهون !!
فحسب أمر النبي الكريم صلى الله عليه وآله وهو كما قال الله الحكيم : ( وما ينطق عن
الهوى ، إن هو إلاّ وحي يوحى )(34).
الشيعة يتمسّكون بآل محمد الاَطهار وعترته الاَبرار ، ويتوسّلوان بهم إلى
الله سبحانه ، هذا من جانب .
ومن جانب آخر فقد خطر الآن ببالي ، بأنّ الناس إذا كانوا لا يحتاجون إلى
وسيلة للتقرّب إلى ربّهم عزّ وجلّ والاستغاثة به ، وإنّه مَن توسّل بأحد إلى الله
تعالى فقد أشرك .
فلماذا كان عمر بن الخطاب ـ وهو الفاروق عندكم ـ يتوسّل ببعض الناس
إلى الله سبحانه في حالات الشدّة والاضطرار ؟!
الحافظ : حاشا الفاروق عمر من هذا العمل ، إنّه غير ممكن !! وإنّي لاَوّل
مرّة أسمع هذه الفرية على الخليفة ! فلابدّ أن تبيّنوا لنا مصدر هذا القول حتى نعرف
صحّته وسقمه .
قلت : كما ورد في كتبكم المعتبرة : أنّ الفاروق كان في الشدائد يتوسّل إلى
الله سبحانه بأهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة عليهم السلام ، وقد تكرّر منه هذا العمل في
أيّام خلافته عدّة مرّات ، ولكنّي اُشير إلى اثنين منها حسب اقتضاء المجلس :
1 ـ نقل ابن حجر في كتابه الصواعق بعد الآية (الرابعة عشر) في المقصد
الخامس قال : وأخرج البخاري أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا قحطوا استسقى
بالعبّاس وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا محمد صلى الله عليه وآله إذا قحطنا فتسقينا ، وإنّا
نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، فَيُسقَون .(35)
قال ابن حجر : وفي تاريخ دمشق : (36) إنّ الناس كرّروا الاستسقاء عام
الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا ، فقال عمر : لاَستسقينَّ غداً بمن
يسقيني الله به ، فلمّا أصبح غَدا للعبّاس فدقّ عليه الباب ، فقال : من ؟ قال : عمر .
قال : ما حاجتك ؟ قال : اخرج حتى نستسقي الله بك ، قال : اقعد .
فأرسل إلى بني هاشم أن تطهّروا والبسوا من صالح ثيابكم ، فأتوه ، فأخرج
طيباً فطيّبهم ، ثمّ خرج وعليٌّ عليه السلام أمامه بين يديه والحسن عليه السلام عن يمينه ،
والحسين عليه السلام عن يساره ، وبنو هاشم خلف ظهره .
فقال : يا عمر ! لا تخلط بنا غيرنا ، ثمّ أتى المصلّى فوقف ، فحمد الله وأثنى
عليه ، وقال : اللهمّ إنّك خلقتنا ولم تؤامرنا ، وعلمت ما نحن عاملون قبل أن
تخلقنا ، فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا ، اللهمّ فكما تفضّلت في أوّله ، تفضّل
علينا في آخره .
قال جابر : فما برحنا حتى سحّت السماء علينا سحّاً ، فما وصلنا إلى منازلنا
إلاّ خوضاً .
فقال العبّاس : أنا المسقى ، ابن المسقى خمس مرّات ، وأشار إلى أنّ أباه
عبد المطّلب استسقى خمس مرّات فسُقي(37).
2 ـ في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد قال : وروى عبدالله بن مسعود :
إنّ عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعبّاس ، فقال : اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك
وقفيّة آبائه وكُبْر رجاله ، فإنّك قلت وقولك الحقّ : ( أمّا الجدار فكان لغلامين
يتيمين في المدينة ... )(38)فحفظتهما لصلاح أبيهما ، فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه ،
فقد دلونا به إليك مشتشفعين ومستغفرين .
ثمّ أقبلَ على الناس فقال : ( استغفروا ربّكم إنّه كان غفاراً )(39)إلى
آخره ، انتهى نقل ابن أبي الحديد.(40)
فهذا عمر الخليفة ، يتوسّل ويتقرّب بعمّ(41)النبيّ صلى الله عليه وآله إلى الله سبحانه ، وما
اعترض عليه أحد من الصحابة ، ولا يعترض اليوم أحد منكم على عمله ، بل
تحسبون أعماله حجّة فتقتدون به ، ولكنّكم تعارضون الشيعة لتوسّلهم بآل
محمد صلى الله عليه وآله وعترته ، وتنسبون عملهم إلى الكفر والشرك ، والعياذ بالله !!
فإذا كان التوسّل بآل محمد صلى الله عليه وآله والاستشفاع بعترته الهادية عند الله عزّ
وجلّ ، شركٌ على حسب رواياتكم فإنّ الخليفة الفاروق يكون مشركاً ، وإذا
تدفعون عنه الشرك والكفر ، ولا تقبلون نسبته إليه ، بل تصحّحون عمله وتدعون
المسلمين إلى الاقتداء به ، فعمل الشيعة وتوسّلهم بآل محمد صلى الله عليه وآله أيضاً ليس
بشرك ، بل حسن صحيح .
وعلى هذا يجب عليكم أن تستغفروا ربّكم من هذه الافتراءات والاتّهامات
التي تنسبونها لشيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وتكفّرونهم وتقولون إنّهم مشركون .
ويجب عليكم أن تنبّهوا جميع أتباعكم وعوامكم الجاهلين على أنّكم كنتم
مخطئين في اعتقادكم بالنسبة للشيعة ، فهم ليسوا بمشركين ، بل هم مؤمنون
وموحّدون حقّاً .
أيّها الحاضرون الكرام والعلماء الاَعلام ! إذا كان عمر الفاروق مع شأنه
ومقامه الذي تعتقدون به له عند الله سبحانه ، وأهل المدينة ، مع وجود الصحابة(42)
الكرام فيهم ، دعاؤهم لا يُستجاب إلاّ أن يتوسّلوا بآل محمد صلى الله عليه وآله ويجعلوهم
الواسطة والوسيلة بينهم وبين الله عزّ وجلّ حتى يجيب دعوتهم ويسقيهم من
رحمته ، فكيف بنا ؟! وهل يجيب الله سبحانه دعوتنا من غير واسطة وبلا وسيلة ؟!
فآل محمد صلى الله عليه وآله وعترته في كلّ زمان هم وسائل التقرّب إلى الله تعالى ، وبهم
ـ أي : بسببهم وبشفاعتهم ودعائهم ـ يرحم الله عباده .
فهم ليسوا مستقلّين في قضاء الحوائج وكفاية المهامّ ، وإنّما الله سبحانه هو
القاضي للحاجات والكافي للمهمّات ، وآل محمد صلى الله عليه وآله عباد صالحون وأئمّة
مقرّبون ، لهم جاه عظيم عند ربّهم ، وهم شفعاء وجهاء عند الله عزّ جلّ ، منحهم
مقام الشفاعة بفضله وكرمه ، فقد قال سبحانه : ( من ذا الّذي يشفع عنده إلاّ
بإذنه )(43).
هذا هو اعتقادنا في النبي صلى الله عليه وآله وعترته الهادية آله المنتجبين الطيّبين
الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين...(44)
1 ـ العالم الذي لا يعمل بعلمه بمنزلة الصفا إذا وقع عليه القطر زلق عنها . (حلية الاَولياء
للاَصفهاني : ج 2 ص 372)
2 ـ العالم بغير عملٍ كالمصباح يحرق نفسه ويضيء للناس . (كنز العمال : ج 10 ص 210 ح
29109 ، الفردوس بمأثور الخطاب : ج 3 ص 73 ح 4206)
إنّه وقع الخلط في معنى اللام الجارة الداخلة على لفظ (الله أو النبي والولي) فإذا قلت : نذرت لله ،
أو نذرت للنبي ، فإنّه على وجهين ، الاَول : أن تكون اللام الجارة متعلّقة بالنذر ، وبمقتضى النذر
يجعل الناذر نفسه مديوناً لمدخول اللام ، وفي هذه الصورة إن كان مدخول اللام هو (الله تعالى)
فهو صحيح ، وإن كان غيره فباطل محرم .
الثانية : أن تكون اللام بمعنى الانتفاع كأن يجعل الناذر لله على نفسه مقداراً من المال للحجاج
والفقراء ، فيطلق على هذا المال انّه للفقراء والحجاج ، ولكن لا بالمعنى الاَول ، بل بمعنى انّه
ينتفعون بهذا النذر ، وليس معنى جعل الفقراء والحجاج مدخولاً للاّم أن الناذر أشركهما لله ! بل
معناه أن هذا النذر قد أوقعه لله فقط ، وجعل نفسه مديوناً له في هذا النذر ، لينتفع به الحجاج
والفقراء ، وهذا صحيح بلا إشكال ، فالنذر للنبيّ صلى الله عليه وآله والاَوصياء والاَولياء ، هو بمعنى جعل
نفسه مديوناً لله وإهداء الثواب لهم ، وهذا مصرّح به في كتب الفقه ، وقالوا : إن شرط صحة النذر ،
أن يتعهد لله تعالى وأن يجعل لله عليه ، فليراجع المراجع إلى أي كتاب من فقه الاِمامية شاء ، فإنّه
يجد ذلك . انتهى . راجع : بحوث مع السنّة والسلفية للسيد مهدي الروحاني : ص 137 .
وإن أردت المزيد من الاَدلّة على جواز ذلك وثبوته عند المذاهب الاِسلامية فراجع : كتاب
الغدير للعلاّمة الاَميني : ج 5 ص 180 ـ 183 .
فلو كان التوسل وطلب الحاجة من غير الله شركاً فلماذا لم ينههم يعقوب عنهما ، بل نراه
قدأيدهم على طلبهم ووعدهم بالاِستغفار لهم ؟! وما الذي دعى أولاد يعقوب للتوبة بهذه
الصورة فيجعلونه واسطة بينهم وبين الله ، فلماذا لا يستغفرون الله من دون وساطة أحد من
المخلوقين ؟!! هذا ممّا يدلّ على أنّ المرتكز في الاِذهان والثابت عندهم عملياً أنّ الولي الذي
له مقام عند الله إذا شُفع أو توسل به في مسألة من المسائل شفعه الله فيها ، وما ذلك إلاّ
لمقامه عنده ، وكونه وسيلة من الوسائل إليه تعالى ، ولذا من مننه تعالى على هذه الاَمة أن
جعل النبي صلى الله عليه وآله رحمة لهم ووسيلة يلتجئون إليه قال تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ رحمة
للعالمين )( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) وقال تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم
جاوؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) النساء | 64 ، وفي
هذه الآية الكريمة أخذ القرآن يوبخ أولئك الذين لم يجعلوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسيلة لهم فيما بينهم
وبين الله تعالى ، ولم يستفيدوا من وجوده المبارك ، وربما يقول قائل : إن هذا جائز في حال
حياته أما بعد مماته فلا ، لكونه شركاً بالله تعالى ؟ نقول لهؤلاء : إذا كان هذا يُعد شركاً فلا فرق
في عدم جوازه سواءً كان في حياته أو بعد مماته ، فإنّ الشيء لا ينقلب عما هو عليه ، وإذا
كان جائزاً فلا فرق سواءً كان في حياته أو بعد مماته ، إذ انّ النبي صلى الله عليه وآله أتاه الله الدرجة الرفيعة ،
وهو الوسيلة إلى الله في الدنيا والآخرة ، فلا بدع لو توسّل به المؤمن في كل يوم وقال : يا
وجيهاًعند الله اشفع لنا عند الله .
1 ـ كتاب الجرح والتعديل للرازي .
2 ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني .
3 ـ تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني .
4 ـ العلل المتناهية في الاَحاديث الواهية لابن الجوزي .
5 ـ كتاب الموضوعات لابن الجوزي .
6 ـ تنزيه الشريعة المرفوعة عن الاَخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق الكناني.
7 ـ الفوائد المجموعة في الاَحاديث الموضوعة للشوكاني .
8 ـ سلسلة الاَحاديث الضعيفة للاَلباني .
وغيرها الكثير من الكتب المعنية بهذا الموضوع .
ومنها : روايته عن بعض الرواة الذين عُرفوا بعدائهم الشديد لاَمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام هذا مع التزام أئمّة الحديث في عدم الرواية في من يطعن في الخلفاء أو يبغضهم ، والتزام
علماء الجرح والتعديل في الجرح فيهم وتضعيف روايتهم كما يظهر ذلك لكلّ من راجع الكتب
المعنية في ذلك كلسان الميزان لابن حجر وميزان الاعتدال للذهبي وكتاب المجروحين لابن
حبان ـ وذلك أمثال : عثمان بن حريز الذي كان يتقرّب لله في كلّ صباح بلعن أمير المؤمنين ( عليه السلام )
سبعين مرّة ، وعمران بن حطان رأس الخوارج هو الآخر من شيوخ البخاري ورواته ، وهو القائل
يمتدح عبد الرحمن بن ملجم :| يا ضربة من تقي ما أراد بها |
* |
إلا ليبلُغَ من ذي العرش رضوانا |
| إنّـي لاَذكره حيناً فأحسـُبه |
* |
أوفـى البريّة عند الله الله ميزانا |
وقد رد عليه أحد أكابر اُدباء أهل السنة عبد القاهر التميمي في قوله:| إني لاَذكره يـومـاً فألعنه |
* |
دهراً وألعن من يعطيه غفرانا |
راجع أبيات عمران بن حطان في : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 13 ص 241 ، الغدير
للاَميني : ج 1 ص 324 وج 5 ص 294 وج 9 ص 393 وج 1 ص 341 .
وأخرج ابن عبد البرّ (في الاستيعاب : ج 2 ص 815) ، من وجوهٍ ، عن عمر ، أنّه استسقى به . قال
: اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك ونستشفع به ، فاحفظ فيه نبيّك كما حفظت الغلامين بصلاح
أبيهما ، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين ... الخبر .
وفي رواية لابن قتيبة (ورواه أيضاً ابن عساكر في تاريخ دمشق : ج 26 ص 363) : اللهمّ إنّا
نتقرّب إليك بعمّ نبيّك وبقية آبائه وكُبْر رجاله ، فإنّك تقول وقولك الحقّ : (أمّا الجدار
فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً) فحفظتهما لصلاح أبيهما
، فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه ، فقد دنونا (دلونا) به إليك مشتشفعين .
وأخرج ابن سعد (ورواه أيضاً ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : ج 26 ص 359) : إنّ كعباً قال
لعمر : إنّ بني إسرائيل كانوا إذا اصابتهم سنة استسقوا بعصبة نبيّهم . فقال عمر : هذا العباس
انطلقوا بنا إليه ، فأتاه ، فقال : يا أبا فضل ! ما ترى ما الناس فيه ؟ وأخذ بيده وأجلسه معه على
المنبر وقال : اللهمّ إنّا قد توجّهنا إليك بعمّ نبيّك ، ثمّ دعا العبّاس.
1 ـ قوله : اللهمّ هذا عمّ نبيّك نتوجه إليك به فاسقنا راجع : المستدرك للحاكم : ج 3 ص 3 ،
والتلخيص للحافظ الذهبي بهامش المستدرك نفس المصدر المذكور .
2 ـ قوله : فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه فقد دَلَوْنا به إليك مستشفعين ومستغفرين راجع : تاريخ
مدينة دمشق لابن عساكر : ج 26 ص 363 ، وقال ابن عساكر في ص 364 معلقاً وشارحاً
للحديث : وقوله : فقد دَلَوْنا به إليك : اي متتنا واستشفعنا ، وأصله من الدلو ، لاَنّ الدلو به يستقى
الماءُ وبه يوصل إليه ، وكأنه قال : قد جعلناه ، إلى ما عندك من الرحمة والغيث .
3 ـ قوله : وهذا عمّ نبيّك نحن نتوسّل به إليك . راجع : تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : ج 26
ص 360 .
4 ـ قوله : اللهمّ إنّا توجّهنا إليك بعمّ نبيّك وصنو أبيه ، فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولما
أمطروا وأخصبت الاَرض ، وعاش الناس ، قال عمر : هذه الوسيلة إلى الله والمكان منه. نفس
المصدر السابق : ج 26 ص 359 ـ 360 .
5 ـ قوله : اللهمّ هذا عمّ نبيّك نتقرّب إليك به . نفس المصدر السابق : ج 26 ص 359 .
6 ـ قوله : اللهمّ إنّا نستشفع إليك بعمّ نبيّك أن تذهب عنّا المحل ، وأن تسقينا الغيث . نفس المصدر
السابق : ج 26 ص 358 .
7 ـ قوله : اللهمّ إنّا كنا إذا قحطنا على عهد نبيّنا صلى الله عليه وآله توسلنا إليك بنبيّنا ، اللهمّ إنّا نتوسّل إليك بعمّ
نبيّك . نفس المصدر السابق : ج 26 ص 355 ـ 356 .
8 ـ قوله : اللهمّ إنّ هؤلاء عبادُك ، وبنو إمائك ، أتوك راغبين متوسّلين إليك بعمّ نبيّك عليه الصلاة
والسلام ، فاسقنا سقياً نافعة تعمّ البلاد وتحيي العباد ، اللهمّ إنّا نستسقي بعمّ نبيّك ونستشفع إليك
بشيبته .
فسقوا ، ففي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب : | بعمـي سقا الله الحجاز وأهلـه |
* |
عشية يستسقـي بشيبتـه عُمَرْ |
| توجه بالعباس في الجدب راغباً |
* |
إليه فما أن رام حتى أتى المطرْ |
| منـا رسـول الله فينـا تـراثهُ |
* |
فهل فوق هذا للمُفَاخر مفتـخرْ |
نفس المصدر السابق : ج 26 ص 361 .