Logo
لإجراء العمليات قم أولاً بتسجيل الدخوللإجراء العمليات قم أولاً بتسجيل الدخول
٤.٥K
لإجراء العمليات قم أولاً بتسجيل الدخول

في خوارق المهدي وكراماته التي ظهرت للناس

قال الشيخ علي بن عيسى الإربلي في كتابه كشف الغمة : إن الناس ينقلون قصصاً وأخباراً في خوارق العادات ، للإمام المهدي رضي الله عنه ، يطول شرحها ، وأنا أذكر من ذلك قصتين ، قريب عهدهما بزماني وحدثني بهما جماعة من ثقات إخواني.

الأولى : إنه كان في بلد الحلة بين الفرات والدجلة ، رجل اسمه إسماعيل بن الحسن ، قال إخواني : حكى لنا إسماعيل : إنه خرج على فخذي الأيسر توتة مقدار قبضة الإنسان ، فعجزت الأطباء عن علاجها ، فجاء بغداد ورأى أطباء الإفرنج فقالوا : لا علاج لها ، فتوجه إلى سامراء وزار الإمامين علي الهادي والحسن العسكري رضي الله عنهما ، ونزل السرداب ودعا الله تعالى تضرعاً إليه ، واستغاث بالإمام المهدي رضي الله عنه ، ثم مضى إلى دجلة فتغسل ثم لبس ثوبه ، فرأى أربعة فرسان خارجين من باب سور البلد ، واحد منهم شيخ بيده رمح ، وشاب آخر عليه فرجية ملونة ، فصاحب الرمح يمين الطريق ، والشابان يسار الطريق ، والشاب صاحب الفرجية على الطريق ، فقال له صاحب الفرجية : أنت تروح غداً إلى أهلك ؟ فقال : نعم. قال صاحب الفرجية له : تقدم إلي حتى أُبصر ما يوجعك. فتقدم إليه ومد يده إليه فعصر التوتة بيده فأوجعه ، ثم استوى على سرجه فقال الشيخ صاحب الرمح : أفلحت يا إسماعيل هذا الإمام. ثم ذهبوا وهو مشى معهم فقال الإمام : إرجع ! فقال : لا أُفارقك أبداً. فقال الإمام : المصلحة في رجوعك ! فقال : لا أُفارقك أبداً ؛ فقال الشيخ : يا إسماعيل أما تستحي ؟ يقول لك الإمام إرجع مرتين فتخالفه ؟! فوقف وتقدم الإمام خطوات ثم التفت إليه وقال : يا إسماعيل إذا وصلت إلى بغداد ، فلا بد أن يطلبك أبو جعفر ـ يعني الخليفة المستنصر بالله ـ فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه ، وقل لولدنا الرضا ، ليكتب لك إلى علي بن عوض ، فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد. ثم صار مع أصحابه ، فلم يزل قائماً يبصرهم حتى غابوا. ثم قعد على الأرض ساعة متأسفاً محزوناً وباكياً على مفارقتهم ، ثم جاء إلى سامراء ، فاجتمع القوم حوله وقالوا : نرى وجهك متغيراً ، فما أصابك ؟ فقال : هل عرفتم الفرسان الذين خرجوا من البلد وساروا ساحل الشط ؟ قالوا : هم الشرفاء أرباب الغنم ! فقال لهم : بل هم الإمام وأصحابه الشابان ، وصاحب الفرجية هو الإمام ، مس بيده المباركة مرضي. فقالوا : أرناه ، فكشف فخذه فلم يروا له أثراً ، فمزقوا ثيابه وأدخلوه في خزانة ، ومنعوا الناس عنه لكيلا يزدحموا عليه.

ثم إن الناظر من طرف الخليفة جاء الخزانة ، وسأله عن هذا الخبر ، وعن اسمه ونسبه ووطنه ، وعن خروجه من بغداد أول هذا الأسبوع ، ثم ذهب عنه ، فبات إسماعيل في الخزانة ، فصلى الصبح ، وخرج مع الناس إلى أن بعد من سامراء ، فرجع القوم ووادعوه ، فسار منفرداً حتى وصل إلى موضع ، فرأى الناس مزدحمين على القنطارة العتيقة ، يسألون عمن ورد عليهم عن اسمه ونسبه وموضع مجيئه. فلما لاقوه عرفوه بالعلامات المذكورة فمزقوا ثيابه وأخذوها تبركاً. وكان الناظر كتب إلى بغداد وعرّفهم الحال ، وكان الوزير طلب السعيد رضي الدين ليعرّفه صحة الخبر ، فخرج رضيّ الدين الذي هو كان من أصدقاء إسماعيل ، وكان ضيفه قبل خروجه إلى سامراء ، فلما رآه رضي الدين وجماعة معه ، فنزلوا عن دوابهم ، وأراهم فخذه فلم يروا شيئاً ، فغشي على رضي الدين ساعة ، ثم أخذه بيده وأدخله عند الوزير القمي ، وهو يبكي ويقول : هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي ! فسأله الوزير عن القصة ، فحكاها فله فأحضر الأطباء الذين رأوا مرضه ، وسألهم متى رأيتموه ؟ قالوا : منذ عشرة أيام. فكشف فخذ إسماعيل فليس فيها أثر قالوا : هذا عمل المسيح عليه السلام ! فقال الوزير : نحن نعرف مَنْ عملها ! ثم أحضره الوزير عند الخليفة ، فسأله عن القصة فحكى له ما جرى ، فأعطاه ألف دينار فقال : ما أجسر أن آخذ منه ذرة ! فقال الخليفة : ممن تخاف ؟ فقال : من الذي فعل بي هذا ؛ قال لي : لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً. فبكى الخليفة. ثم قال علي بن عيسى كنت أحكي هذه القصة لجماعة عندي ، وكان شمس الدين ولده حاضراً عندي ، لا أعرفه قال : أنا ابنه من صلبه فقلت : هل رأيت فخذ أبيك وهي مجروحة ؟ قال : إني كنت صبياً في وقت جراحة فخذه ، ولكن سمعت القصة من أبي وأُمي وأقربائي وجيراني ، ورأيت فخذه بعدما صلحت ولا أثر فيها ، ونبت في موضعها شعر. وقال أيضاً : سألت السيد صفي الدين محمد بن محمد ، ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله ، أخبراني بصحة هذه القصة ، وأنهما رأيا إسماعيل في مرضه وصحته ، وحكى لي ولده أن أباه ذهب إلى سامراء بعد صحته أربعين مرة ، طمعاً أن يعود له الوقت الذي رآه.

الثانية : حكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسني ، إن أباه عطوة لا يعترف بوجود الإمام محمد المهدي رضي الله عنه ويقول : إذا جاء الإمام وأبرأني من هذا المرض أُصدق قولكم ، ويكرر هذا القول. فبينا نحن مجتمعون وقت العشاء الأخيرة ، صاح أبونا فأتيناه سراعاً فقال : الحقوا الإمام في هذه الساعة خرج من عندي. فخرجنا فلم نر أحداً ، فجئنا إليه وقال : إنه دخل إليّ شخص وقال : يا عطوة ، فقلت : لبيك من أنت ؟ قال : أنا المهدي قد جئت إليك أن أشفي مرضك. ثم مد يده المباركة وعصر وركي ، وراح فصار مثل الغزال. قال علي بن عيسى : سألت عن هذه القصة غير ابنه فأقرّ بها.

وفي كتاب الغيبة عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال : دخلت على أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه ، وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده. قال لي قبل إظهاري : يا أحمد ، إن الله تبارك وتعالى لم يخلِ الأرض ، منذ خلق آدم عليه الصلاة والسلام ، إلى أن تقوم الساعة ، من حجة على خلقه ، به يدفع البلاء عن أهل الأرض ، وبه ينزل الغيث ، وبه تخرج بركات الأرض قال : فقلت له : يا ابن رسول الله جعلت فداك ! فمن الإمام والخليفة بعدك ؟ فنهض مسرعاً ودخل بيته ، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر ، من أبناء ثلاث سنين فقال : يا أحمد ، لولا كرامة الله عليك ما عرضت عليك ابني هذا ! إنه سميّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكنيته بكنيته ، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ! يا أحمد مثله مثل الخضر ، في طول العمر وفي العلم اللدني. والله ليغيبن غيبة لا ينجو الناس من زمان غيبته من ضعف الدين ، إلا من ثبته الله عز وجل على القول بإمامته. فقال أحمد : قلت : يا مولاي هل من علامة له يطمئن قلبي ؟ فنطق الصبي وقال : يا أحمد أنا بقية خلفاء الله في أرضه ، وأنا المنتقم من أعدائه ، فلا تطلب إماماً غيري من بعد أبي ـ أنا أمرٌ من أمر الله ، وسرٌ من سر الله ، وغيب من غيبه ، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ، تكن غداً معنا في عليين. قال : ففرحت فرحة عظيمة وقلت : لله الحمد والمنة على إحسانه.

وفي كتاب الغيبة : كان في غيبته الصغرى ، النواب المنصوبون واحداً بعد واحد ، يخرج من عندهم توقيعاته وأوامره ونواهيه ، وأخباره عن مغيبات الأُمور ، إلى أن صار نائبه وكيله أبو الحسن علي بن محمد السمري ، فاستقام في النيابة إلى آخر عمره ، فدخل يوماً في بيت تظهر التوقيعات فيه ، رأى مكتوباً فيه : يا علي بن محمد ، إنك بعد ستة أيام تلقى الله عز وجل ، وتنقل من الدنيا. وأنت آخر نوّابي فلا أجعل بعدك نائباً إلى ظهوري. فمات بعد ستة أيام سنة تسع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله. وفي كتاب الغيبة عن شقيق الأرزاني قال : أمرنا المعتضد بالله الخليفة العباسي ، ونحن ثلاثة نفر وقال لنا : إذهبوا إلى سامراء مختفين ـ ووصف لنا محلة وداراً ـ فإذا رأيتم في هذه الدار رجلاً آتوني به. فجئنا إلى سامراء ودخلنا الدار فلم نر فيها أحداً ، ثم رأينا فيها ستراً فرفعنا الستر ، فإذا بيت كبير كان فيه ماء ، وفي أقصى البيت حصير على الماء ، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة ، وهو قائم يصلي. فسبق أحمد بن عبد الله ودخل في الماء فغرق واضطرب ، فأخرجته بيدي وغشي عليه ساعة ثم أفاق ، ثم فعل صاحبي الثاني فعل صاحبي الأول ، فناله ما نال الأول ، وبقينا متحيرين فقلنا لصاحب البيت : المعذرة إلى الله وإليك وإنا تائبون إلى الله ، فما التفت إلى ما قلنا ، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه. وكان المعتضد ينتظرنا فدخلنا عنده في الليل ، فحكينا ما رأينا فقال : هل لقيتم أحداً قبلي وجرى منكم إليه قول ؟ قلنا : لا بل كتمناه عن الناس والله ! وحلفنا بأشد أيمان أن لا نخبر أحداً ما دام المعتضد حياً ، لأنه لو بلغ إليه خبر ليضربن أعناقنا ! ولم نحدّث به إلا من بعده.

وفي كتاب الغيبة عن سعد بن عبد الله القمي قال : كنت رجلاً مشتغلاً بغوامض العلوم ، وأثبت في دفتر نيفاً وأربعين مسألة من صعاب المسائل ، على أن أسأل أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد الحسن العسكري ، وقد خرج قاصداً نحو سامراء ، فلحقته فدخلنا بالإذن عند مولانا ، وعلى عاتق أحمد بن إسحاق جراب فيه مائة وستون صرة من الدنانير والدراهم ، وعلى كل صرة منها ختم صاحبها ، وعلى فخذ الأيمن لمولانا غلام كالقمر ، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وغرائب الفصوص المركبة عليها ، قد أهداها إليه رؤساء البصرة ، وبيده قلم يسطر. وقبض الغلام أصابعه ومولانا يدحرج الرمانة ويشغله بإدارتها كيلا يمنعه عن كتابته. فلما فرغ من الكتابة ، أخرج أحمد جرابه من كسائه فقال مولانا : يا بنيّ فض الخاتم عن هدايا مواليك ! فقال : يا مولاي أيجوز أن أمد يداً طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة ؟ فقال مولانا : يا ابن إسحاق أخرج ما في الجراب ، فأول صرة أخرجها ابن إسحاق قال الغلام : هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم ، تشتمل على اثنين وستين ديناراً من مال حرام ، لأن صاحبها وزن في شهر كذا من سنة كذا ، على حائك من جيرانه من الصوف مناً وربع منّ ، فسرقه سارق من عنده ، فأخبر به الحائك فكذبه ، فأخذ منه بدل ذلك منّاً وربع منّ غزلاً اتخذ منه ثوباً ، فباع الثوب وثمنه هذه الدنانير. فلما فتح الصرة وجد رقعة باسم من أخبر عنه ، وعددها مطابق لما قال ، فقال مولانا : صدقت يا بني ! ثم أخرج ابن إسحاق صرة أُخرى فقال الغلام : هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم ، تشتمل على خمسين ديناراً لا يحل لنا مسها ، لأنها ثمن حنطة خان صاحبها ، أخذ بكيل وافٍ وباع بكيل بخس. فقال مولانا : صدقت يا بني ! ثم قال مولانا : يا بن إسحاق إحملها بأجمعها لتردها على أربابها ، وآتنا بثوب العجوزة.

فلما انصرف ابن إسحاق ليأتيه بالثوب قال لي مولانا : يا سعد ، ما جاء بك ؟ قلت : شوقاً إلى لقائك. قال : فالمسائل التي أردت أن تسألها ، سلهن قرة عيني ـ وأومى إلى الغلام ـ فقال الغلام : سل عما بدا لك ! فسألت مسائلي واحدة بعد واحدة ، فأجابني بجواب شافٍ. ومن جملة مسائله ، سأله عن تأويل كهيعص قال : فالكاف كربلاء والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد الملعون ، والعين عطش العترة ، والصاد صبره. وسأله عن تأويل : ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (1) قال : كان موسى عليه السلام شديد الحب لأهله ، فقال تعالى : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ، أي انزع حب أهلك عن قلبك. ثم انصرفت عنهما ، فاستقبلني ابن إسحاق الوكيل باكياً وقال : فقدت ثوب العجوزة. فقلت : رأيته مبسوطاً تحت قدمي مولانا ! فدخل عليه وخرج متبسماً وقال : خبرك صحيح.

وفي كتاب الغيبة عن محمد بن علي القمي قال : إن علي بن الحسين بن موسى كان تحته بنت عمه ، ولم يرزق منها ولداً ، وكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح ، الذي كان وكيلاً للإمام في غيبته ، بعد موت وكيله محمد بن عثمان العمري ، أن يسأل الإمام أن يدعو الله تبارك وتعالى ، أن يرزقه أولاداً من بنت عمه. فخرج الجواب : يا علي إنك لا ترزق ولداً من بنت عمك ، وستملك جارية ديلمية ترزق منها ولدين فقيهين ، وأوسطهما زاهد غير فقيه ! فرزق محمداً والحسين فقيهين باهرين ، وكان بينهما أخ زاهد لا فقه له.

الهوامش

1. سورة طه ، الآية : 12.

مقتبس من كتاب : [ ينابيع المودّة ] / الصفحة : 514 ـ 518 / الناشر : منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت / الطبعة : 1

التعلیقات

اکتب التعلیق...

المضافة أخيراً