مسير السبايا(مكتوبة)
الرادود:الشيخ عبد الزهراء الكعبي
سجال أراك أراك تزهو مورقا ... عودا فما لك مورقا لا تدمع
أيروق عينا منزل بك رائق ... ومنازل التنزيل قفر بلقع
والدين قوض أهله فمحله ... دثر وشتت شملهم المتجمع
لله أقمار أفلن بكربلاء ... ولا بيثرب والمحصل مطلع
أنست بهم أرض الطفوف وأوحشت ... أهضاب يثرب والمقام الأرفع
طف به تعفر آل أحمد ... من بكاؤهم يدعو فيك الإمام أبو الأئمة والذي
هو للنبوة والإمامة مجمع
مولى بتربته الشفاء وتحت قبته الدعاء من كل داع يسمع
فيك الذي أشجى البتول ونجلها ... ولها النبي وصنوه متفجع
فحياة أصحاب الكساء حياته ... وبغيهم جميعا صرعوا
ما أحدث الحدثان خطبا فادعا ... إلا وخطب السبط منه أفظع
دم يباح ورأس فوق الرماح وشلو بشب السفاح موزع
لهفي لآل محمد لما دمعت عين بأطراف الأسنة تقرع
تدجى جوانبها وتضرم فوقها ... ويباع طعن...
يقول السيد ابن طاووس: وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول.
فخرجن بنات رسول الله وحريمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق الحماة والأحبة.
قال حميد بن مسلم: ورأيت امرأة من بني بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد.
فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين في فسطاطهن وهم يسلبونهن، أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط وقالت: يا آل بكر بن وائل، أتسلب بنات رسول الله؟!
لا حكم إلا لله، يا لثارات رسول الله. فأخذها زوجها وردها إلى رحله. ثم أخرجوا النساء من الخيام وأشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات.
فقلن للأعداء: بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين. فمروا بهن على المصارع، فلما نظرت النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن.
مروا بهن على القتلى مصرعات ... ما بين من عفر في جانب بمصطلم
ومضرج زينب جسم الحسين علي ... بغى غير بنت من نادري.
نادت عيني يا حسين ... أملي وعقد جماني منظود ... ودعتك الله يا عيوني.
خذوك عني يا يا غالي ... تجري وخيول البارود ... أنا على إخوتي ما جاوبوني ... يا أهل الحمية ما تجوني من أجل خلوي.
يقول الراوي: فوالله لا أنسى زينب بنت علي وهي تندب أخاها وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا جداه يا محمد، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسينك مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، وإلى الله المشتكى.
وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى، وإلى فاطمة الزهراء، وإلى حمزة سيد الشهداء، ومحمداه، هذا حسين بالعراء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بأبي من أضحى عسكره يوم الاثنين نهبا.
بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من ردت له الشمس حتى صلى، فبكت والله كل عدو وصديق.
ثم إن سكينة عانقت جسد أبيها، فاجتمع عليها عدة من الأعراب فجروها عنه.
يقول الراوي: فوالله لا أنسى زينب بنت علي وهي تندب أخاها وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا جداه يا محمد، صلى عليك ملائكة السماء...
(بكاء ونحيب الجمهور) ... موالاتك يا والدي ... أنا أريد الموت ... ما ونت من عظم الكلم ... فبكت جميع الأعداء لما نظرت نحوها على جسد أبيها.
فاجتمع عليها عدة من الأعراب فجروها عن جسد أبيها ... قامت والدموع جارية وكأنها تنادي ... موية برضاك لو مرت علي ... أنا يجرني العدو من بين إخوتي وأطرح وجهي الرمل.
وتدري بحالتك ما تخليني ... اسمع النوح الحزين اللي بيه...
يقول الراوي: ثم إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد.
وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فقطعت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا حتى قدموا بها إلى الكوفة.
ثم أقام ابن سعد بمن تخلف من عيال الحسين وحمل نساءه على أقتاب الجمال وهن ودائع الأنبياء وساقوهن كما يساق سبي الترك والروم في أشد المصائب والهموم.
وروي أن رؤوس أصحابه كانت ثمانية وسبعين رأسا، فاقتسمتها القبائل لتتقرب بها إلى ابن زياد وإلى يزيد. فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث.
وجاءت هوازن باثني عشر رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاءت سائر الناس بثلاثة عشر رأسا.
ولما انفصل ابن سعد عن كربلاء، خرج قوم من بني أسد وصلوا على تلك الجثث الطواهر السواكب ودفنوها على ما هي الآن عليه. وسار ابن سعد بالسبايا المشار إليهم، فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهم.
قال: فأشرفت امرأة من الكوفيات وقالت: من أي الأسارى أنتم؟ فأجابتها بنات علي: نحن أسارى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فنزلت من سطحها فجمعت لهن ملاء وأزرا ومقانع فأعطتهن.
وقد غصت الطرقات في وجوه أهل البيت، وكأني بالعقيلة نادت: شمال الناس تدور وتتفرج علينا ... منا من يصيح بالعلم ... ما يختجلنا والينا ... ورؤوس في الرماح تفكر.
قال بشير بن خزيم الأسدي: فجعلت أهل الكوفة ينوحون ويبكون، فقال علي بن الحسين: أتنوحون وتبكون من أجلنا فمن الذي قتلنا؟ ونظرت إلى زينب بنت علي يومئذ ولم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين.
وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت: الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطاهرين. أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والمكر، أتبكون فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة.
إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء.
أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا.
فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرستكم.
ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة. ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟
وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له هتكتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ لقد جئتم بها صلعاء عنقاء شوهاء كطلاع الأرض وملء السماء. أفعجبتم أن مطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون.
فلا يستخفنكم المهال، فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر وإن ربكم لبالمرصاد. فرأيت الناس حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا إلى جانبي يبكي قد بل لحيته بدموع عينيه وهو يقول.
وهو يقول: بأبي أنتم وأمي، شبابكم خير الشباب، وكهولكم خير الكهول، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى. وخطبت بعدها فاطمة الصغرى وكان لها من العمر أحد عشر سنة.
فأبكت جميع من حضر فقالت: الحمد لله عدد الرمل والحصى وزنة العرش إلى السماء، أحمده وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب المسلوب حقه المقتول من غير ذنب.
كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمودا نقيا طيب العريكة.
معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه اللهم فيك لومة لائم ولا عذل عاذل، هديته اللهم للإسلام صغيرا وحمدت مناقبه كبيرا ولم يزل ناصحا لك ولرسولك حتى قبضته إليك زاهدا في الدنيا غير حريص عليها راغبا في الآخرة مجاهدا لك في سبيلك.
رضيته فهديته إلى صراط مستقيم. أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا فجعل بلاءنا حسنا.
وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجته على الأرض في بلاده لعباده، وأكرمنا الله بكرامته وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم على كثير ممن خلق تفضيلا بينا.
فكذبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا كأنا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم قرت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراء.
على الله ومكرا مكرتم والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير.
لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. تبا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب فكأن قد حل بكم وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض.
ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين. ويلكم أتدرون أية يد طعنتنا منكم وأية نفس نزعت إلى قتالنا أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا.
والله قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع على أفئدتكم وختم على سمعكم وبصركم وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون، فتبا لكم يا أهل الكوفة أي تراث لرسول الله قبلكم.
وذحول لديكم بما عندتم بأخي علي بن أبي طالب عليه السلام جدي وبني عترته الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال: نحن قتلنا عليا وبني علي بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءهم سبي ترك ونطحناهم فأي نطاح.
فقالت: أيها القائل الكثكث والأثلب، افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس فكظم وعك كما أقعى أبوك، فإنما لكل امرئ ما كسب وما قدمت يداه، أحدتمونا وويلا لكم على ما فضلنا الله تعالى به.
فما ذنبنا إن جاشت دهرا بحورنا وبحرك ساج ما يواري الدعامصا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين.
فقد أحرقت قلوبنا وأمرضت نحورنا وأضرمت أجوافنا، فسكتت. وخطبت أم كلثوم بنت علي عليهما السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها رافعة صوتها بالبكاء فقالت.
يا أهل الكوفة سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبا لكم وسحقا وويلا لكم، أتدرون أي دواه دهتكم وأي وزر على ظهوركم حملتم.
وأي دماء سفكتموها وأي كريمة أصبتموها وأي صبية سلبتموها وأي أموال انتهبتموها، قتلتم خير رجالات بعد النبي ونزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إن حزب الله هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
قتلتم أخي ظلما فويل لأمكم، ستجزون نارا حرها يتوقد، سفكتم دماء حرم الله سفكها وحرمها القرآن ثم محمد، فضج الناس بالبكاء والنحيب ونشرت النساء شعورهن.
ووضعت التراب على رؤوسهن وخمشت وجوههن ولطمت خدودهن ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال فلم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم. ثم قالوا بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمتك.
غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ منه وممن ظلمك وظلمنا، فقال عليه السلام: هيهات هيهات أيتها الغدرة المكرة.
حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل؟ كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ولم ينسني ولم ينسني ثكل رسول الله.
وثكل أبي وبني أبي وجده وأمه بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن تكون لا لنا ولا علينا ... ثم قال: لا غرو إن قتل الحسين فشيخه قد كان خيرا من حسين وأكرما، فلا تفرحوا يا أهل كوفة بالذي أصيب حسين كان ذلك أعظما، قتيل بشط نهر روحي فداؤه جزاء الذي أرتاد نار جهنما ... ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأسا برأس فلا لنا ولا علينا.
قال الراوي: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس وأذن إذنا عاما، وجيء برأس الحسين فوضع بين يديه، فجعل ينظر إليه ويبتسم وكان في يده سوط فجعل يضرب به ثناياه ويقول: إنه كان حسن الثغر.
ثم قال: لقد أسرع الشيب إليك أبا عبد الله. يوم بيوم بدر. وكان عنده أنس بن مالك فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله وكان مخضوبا بالوسمة. وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله وهو شيخ كبير.
فلما رآه يضرب ثناياه، قال له: ارفع سوطك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله ما لا أحصي كثرة يقبلهما، ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك أتبكي لفتح الله؟
لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وهو يقول: أيها الناس، أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة، والله ليقتلن خياركم وليستعبدن شراركم.
فبعدا لمن رضي بالذل والعار. ثم قال: يا ابن زياد لأحدثنك أغلظ عليك من هذا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى ثم وضع يده على يافوخيهما ثم قال.
ثم قال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كانت وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله عندك يا ابن زياد؟ وأدخل نساء الحسين وصبيانه إلى مجلس ابن زياد، فجلست زينب بنت علي متنكرة، فسأل عنها فقيل هذه زينب ابنة علي، فأقبل عليها.
فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يا عدو الله، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلا جميلا.
هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج ثكلتك أمك يومئذ يا ابن مرجانة.
قال الراوي: فغضب ابن زياد وكأنه هم بها، فقال له عمرو بن حريث: إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.
فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوك شاعرا سجاعا، فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة؟ إن لي عن السجاعة لشغلا ولكن صدري بما أقول ضاق. ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال من هذا؟ فقيل علي بن الحسين.
فقال: أليس قد قتل الله عليا؟ فقال علي عليه السلام: كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس.
فقال: بل قتله الله، فقال علي عليه السلام: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فقال ابن زياد: أولك جرأة على رد جوابي؟ خذوه واضربوا عنقه، فدمعت عينا عمته زينب فتعلقت به.
فقالت: يا ابن زياد حسبك ما أبدت من دمائنا، إنك لم تبق منا أحدا، فإن كنت قد عزمت على قتله فاقتلني معه ... وأنا له عون ولا أدعه.
ولا أخليه أخي وأخي قد وهبته ... فضاق صدره وأقبل غيظا وحمية ... ونادى المؤذن بالصلاة فخاف الفتنة ... لا عفت بالرمل والحتف يجري من بين عيني وتدمع عيني وتبقى عبرتي بصدري تكسر ... فقال علي بن الحسين لعمته: اسكتي يا عمه حتى أكلمه، ثم أقبل على ابن زياد فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة؟ ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين فحمل إلى داره.
إلى جانب المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت علي: لا تدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو مملوكة فإنهن سبين كما سبينا، ثم أمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في سكك الكوفة وشوارعها.
ثم إن ابن زياد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال في بعض كلامه: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر الأمير يزيد وأشياعه وقتل الكذاب ابن الكذاب. فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وكان من خيار الشيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى.
وكانت عينه اليسرى قد ذهبت في يوم الجمل والأخرى في يوم صفين، وكان يلازم المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل، فقال: يا ابن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله، أتقتلون أبناء النبيين.
وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟ فغضب ابن زياد وقال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله، أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرا وتزعم أنك على دين الإسلام؟
وا غوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار ينتقمون منك ومن طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين؟ قال: فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه وقال: علي به، فتبادرت إليه الجلاوزة.
من كل ناحية ليأخذوه، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمه فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد: اذهبوا إلى هذا الأعمى أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه فأتوني به. فانطلقوا إليه فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن.
ليمنعوا صاحبهم، وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمره بقتال القوم، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل منهم جماعة، قال: ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه.
فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال لها: ناوليني سيفي، فناولته السيف، فجعل يذب عن نفسه ويقول: أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر ... عفيف شيخي وابن أمي عامري ... كم دارع من جمعكم وحاسري ... وبطل جدلته مغادري ... فجعلت ابنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلا أخطر بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة، وجعل القوم يدورون عليه من كل جهة.
وهو يذب عن نفسه فلم يقدر عليه أحد، وكلما جاءوه من جهة قالت: يا أبت جاءوك من جهتك كذا، حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به، فقالت ابنته: وا ذلاه! يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه وهو يقول: أقسم لو يفتح لي عن بصري ... راق عليكم موردي ومصدري ... قال الراوي: فما زالوا به حتى أخذوه، ثم حمل فأدخل على ابن زياد فلما رآه قال: الحمد لله الذي أخزاك.
فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله، وبماذا أخزاني؟ والله لو فرج لي عن بصري لراق عليك موردي ومصدري، فقال ابن زياد: يا عدو الله، ما تقول في عثمان بن عفان؟ فقال: يا عبد بني علاج، يا ابن مرجانة، وشتمه: ما أنت وعثمان؟ أساء أو أحسن وأصلح أم أفسد؟ والله تبارك وتعالى ولي خلقه يقضي بينهم.
ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت غصة بعد غصة، فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين، أما إني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك أمك وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه وأبغضهم إليه، فلما كف بصري يئست من الشهادة والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها وعرفني الإجابة في قديم دعائي، فقال ابن زياد: اضربوا عنقه، فضربت عنقه وصلب في السبخة.
قال الراوي: وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين عليه السلام وخبر أهل بيته.
فلما وصل كتاب عبيد الله بن زياد إلى يزيد ووقف عليه، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين ورؤوس من قتل معه وبحمل أثقاله ونسائه وعياله. قال ابن الجوزي: وسار القوم بهم وكلما نزلوا منزلا.
ابن أبي طالب ابن فاطمة بنت رسول الله، قالوا: هذا رأس ابن بنت نبيكم؟ قالوا: نعم، قالوا: بئس القوم أنتم، لو كان للمسيح ولد لأسكناه أحداقنا. ثم قال لهم في شيء؟ قالوا: وما هو؟ قال: عندي عشرة آلاف درهم.
تأخذونها وتعطوني الرأس يكون عندي تمام الليل وإذا رحلتم تأخذونه، قالوا: وما يضرنا؟ فناولوه الرأس وناولهم الدراهم، فأخذوا الرأس فغسله وطيبه وتركه عنده فجعله على فخذه وجلس يبكي الليل كله.
فلما أسفر الصبح قال: يا رأس لا أملك إلا نفسي وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدك محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشهد أني مولاك، ثم خرج من الدير وما فيه وصار يخدم أهل البيت عليهم السلام. ثم سار القوم برأس الحسين والأسارى من رجاله، فلما قربوا من دمشق.
دنت أم كلثوم من شمر، وكان من جملتهم، فقالت له: لي إليك حاجة، قال: ما حاجتك يا ابنة علي؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في طريق قليل النظار.
وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحوها عنها، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال. فأمر في جواب سؤالها أن يجعلوا الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرا، وسلك بهم بين النظار على تلك الصفة حتى أتوا بهم باب دمشق.
فوقفوا على درجات باب المسجد الجامع حيث يقام السبي، وذلك في اليوم الأول من شهر صفر. قال الراوي: وجاء شيخ ودنا من نساء الحسين وعياله عليه السلام وهم في ذلك الموضع، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم. فقال له علي بن الحسين: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى؟ قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك، فقال علي عليه السلام: فنحن القربى يا شيخ. فهل قرأت في بني إسرائيل: وآت ذا القربى حقه؟ فقال الشيخ: قد قرأت، فقال علي بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ. فهل قرأت هذه الآية: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؟ قال: نعم، فقال له علي بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ.
فهل قرأت هذه الآية: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال علي عليه السلام: فنحن أهل البيت الذين خصنا الله بآية التطهير. فبقي الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به.
والتفت إلى زين العابدين وقال: بالله عليك أنتم هم؟ فقال الإمام: إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله إنا لنحن هم، فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك من عدو آل محمد من جن وإنس. ثم قال: هل لي من توبة؟ قال: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب. فبلغ يزيد بن معاوية.
فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل. قال سهل بن سعد الساعدي: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار، كثيرة الأشجار، وقد علقوا الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون.
وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعل لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن؟ فرأيت قوما يتحدثون، فقلت: يا قوم، لكم بالشام عيد لا نعرفه؟ قالوا: يا شيخ نراك غريبا، فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دما؟
والأرض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: ولم ذاك؟ قالوا: هذا رأس الحسين عترة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يهدى من أرض العراق، فقلت: واعجبا! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟ فقلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب الساعات. فبينما أنا كذلك فرأيت الرايات يتلو بعضها بعضا، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ورائه نسوة على جمال بغير وطاء، فدنوت من أولاهن فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين.
فقلت: ألك حاجة إلي؟ فقالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله.
وتأخذ مني أربعمائة دينار، قال: وما هي؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك ودفعته إليه ما وعدته. قال الزهري: لما جاءت الرؤوس كان يزيد في منظرة له على جيرون، فأنشد لنفسه: نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح فلقد قضيت من الغريم ديوني.
ثم أدخل ثقل الحسين عليه السلام مع نسائه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرنون في الحبال، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال، قال له علي بن الحسين عليه السلام: أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحالة؟
والسبايا فبكى الناس جميعا، وأمر يزيد بفك الحبال وأمر بوضع الرؤوس بين يديه فبكت النسوة وفاطمة وسكينة، وقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا؟ فبكى الناس وبكى أهل يزيد حتى علت الأصوات بالبكاء، فقالت: يا آل كوفة سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبا لكم وسحقا وويلا لكم، أتدرون أي دواه دهتكم.
وأي دماء سفكتموها وأي كريمة أصبتموها وأي صبية سلبتموها وأي أموال انتهبتموها، قتلتم خير رجالات بعد النبي ونزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إن حزب الله هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
قتلت أخي ظلما فويل لأمكم، ستجزون نارا حرها يتوقد، سفكتم دماء حرم الله سفكها وحرمها القرآن ثم محمد، فضج الناس بالبكاء والنحيب ونشرت النساء شعورهن ووضعت التراب على رؤوسهن وخمشت وجوههن ولطمت خدودهن ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال، فلم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم. فقالوا بأجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمتك.
غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ منه وممن ظلمك وظلمنا، فقال عليه السلام: هيهات هيهات أيتها الغدرة المكرة.
حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل؟ كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ولم ينسني ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي وجده وأمه بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي وغصصه تجري في فراش صدري.
ومسألتي أن تكون لا لنا ولا علينا ... ثم قال: لا غرو إن قتل الحسين فشيخه قد كان خيرا من حسين وأكرما، فلا تفرحوا يا أهل كوفة بالذي أصيب حسين كان ذلك أعظما، قتيل بشط نهر روحي فداؤه جزاء الذي أرتاد نار جهنما ... ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأسا برأس فلا لنا ولا علينا.
قال الراوي: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس وأذن إذنا عاما، وجيء برأس الحسين فوضع بين يديه، فجعل ينظر إليه ويبتسم وكان في يده سوط فجعل يضرب به ثناياه ويقول: إنه كان حسن الثغر.
ثم قال: لقد أسرع الشيب إليك أبا عبد الله. يوم بيوم بدر. وكان عنده أنس بن مالك فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله وكان مخضوبا بالوسمة.
ثم قال: لقد أسرع الشيب إليك أبا عبد الله. يوم بيوم بدر. وكان عنده أنس بن مالك فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مخضوبا بالوسمة، وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله وهو شيخ كبير.
فلما رآه يضرب ثناياه، قال له: ارفع سوطك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله ما لا أحصي كثرة يقبلهما، ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك أتبكي لفتح الله؟ لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا؟ فبكى الناس وبكى أهل يزيد حتى علت الأصوات بالبكاء، فقال يزيد: يا بن مرجانة، لو كان بينه وبينكم رحم لما فعل هذا بالسبايا.
فقال علي بن الحسين: يا يزيد، ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الصفة مقرنين في الحبال؟ فأمر يزيد بفك الحبال، وجيء برأس الحسين فوضع بين يديه في طشت من ذهب.
فجعل ينكث ثنايا الحسين بقضيب في يده ويقول: إنه كان حسن الثغر، فقال له أبو برزة الأسلمي: ويلك يا يزيد! أتنكث بقضيبك ثغر الحسين؟
أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبله ويقبل أخاه حسنا ويقول: "أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقاتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا".
ثم إن يزيد تمثل بأبيات ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا ... خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم ... من بني أحمد ما كان فعل.
فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام فقالت:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون".
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟
وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.
فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين"؟
أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟ قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد.
ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي، ولا من رجالهن ولي.
وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟ وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟
ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله ... تنكثها بمخصرتك.
وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب.
وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.
اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا. فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك.
ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهاك حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم.
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون". وحسبك بالله حاكما، وبمحمد صلى الله عليه وآله خصيما، وبجبريل ظهيرا.
وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا. ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك.
وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء.
فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل.
ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، "وما ربك بظلام للعبيد". وإلى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها.
وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين. فالحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة.
ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فقال يزيد:
يا صيحة تحمد من صوائح ... ما أهون الموت على النوائح
ثم التفت رجل نصراني وهو رسول قيصر إلى يزيد، وقال: إن عندنا في بعض الجزر حافر حمار عيسى عليه السلام ونحن نحج إليه في كل عام من الأقطار ونعظمه.
كما تعظمون كتبكم، فأشهد أنكم على باطل. فغضب يزيد من هذا القول وأمر بقتله، فقام النصراني إلى الرأس وقبله وتشهد الشهادتين ثم قتل.
ثم أمر يزيد برأس الحسين فوضع أمامه في طشت من ذهب، وكانت النساء خلفه، فقامت سكينة وفاطمة تتطاولان النظر إليه ويزيد يستر عنهن.
فلما رأينه صرخن بالبكاء، ثم أذن يزيد للناس إذنا عاما، فدخلوا وهو ينكت ثغر الحسين بمخصرته ويقول: يوم بيوم بدر.
فقام إليه يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم، وأنشد:
لهام بجنب الطف أدنى قرابة ... من ابن زياد العبد ذي النسب النغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وليس لآل المصطفى اليوم من نسل
فضربه يزيد على صدره وقال: اسكت لا أم لك. وأما العقيلة زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب: يا حسيناه يا حبيب رسول الله.
يا ابن مكة ومنى، يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء... خذوه يا يزيد واتركوا روحي وياكم... فأشجت والله كل من حضر.
ثم إن يزيد دعا بنساء الحسين وصبيانه فجلسوا بين يديه، ورأى علي بن الحسين مغلولا، فقال له: يا علي، إن أباك قطع رحمي وجهل حقي وسلطاني فصنع الله به ما رأيت.
فقال علي عليه السلام: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير". فقال يزيد: بل "بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
ثم دعا يزيد بالرؤوس فدفعها إلى علي بن الحسين مع نساء آل البيت، وأمر بحملهم إلى المدينة المنورة مع النعمان بن بشير وجماعة معه.
فسار القوم برأس الحسين والأسارى، فلما شارفوا المدينة، نزل علي بن الحسين وضرب فسطاطه وأنزل النساء، ثم قال لبشير بن جذلم: يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شيء؟
فقال بشير: بلى يا ابن رسول الله، فدخلت المدينة وأنا رافع صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها ... قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج ... والرأس منه على القناة يدار
الجسم منه بكربلاء مضرج ... والرأس منه على القناة يدار.
ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه.
قال بشير: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا وبرزت من خدرها ضاربة وجهها وهي تدعو بالويل والثبور، ولم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم.
ثم جاؤوا بأجمعهم وهم يقولون: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمتك، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله.
فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك، فقال علي بن الحسين لعمته: اسكتي يا عمه حتى أكلمهم، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم.
أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل؟ كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه.
ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي وجده وأمه بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي وغصصه تجري في فراش صدري.
ثم قال عليه السلام:
لا غرو إن قتل الحسين فشيخه ... قد كان خيرا من حسين وأكرما
رضينا منكم رأسا برأس فلا لنا ولا علينا، ثم أمر بالرؤوس فدفنت في محلها بجنب القبور الطاهرة.
ثم إن السبايا دخلن دار الحسين، فصاحت الهاشميات صياحا واحدا وأقمن مأتم الحسين عليه السلام، وضجت المدينة بأسرها بالبكاء والعويل.
فقامت العقيلة زينب وأخذت بعضادتي باب دار أخاها الحسين ونادت: يا دار أين أهلك؟ أين الحماة؟ أين البدور اللوامع؟
فعلا النحيب من كل جانب، وجاءت النساء يواسين العقيلة وبنات الرسالة في مصابهن الجلل، وقد اتشحت الدار بالسواد والحزن الشديد.
ثم إن الإمام علي بن الحسين عليه السلام جمع نساءه وعياله وأمر بإقامة العزاء المستمر على أبي عبد الله الحسين في كل يوم وليلة.
وكان الإمام لا يقدم له طعام إلا ومزجه بدموع عينيه، ويقول: كيف آكل وقد قتل ابن رسول الله جائعا؟ وكيف أشرب وقد قتل ابن رسول الله عطشانا؟
فبقي على هذه الحال من البكاء والندبة ينوح ليل نهار على مصاب أبيه وإخوته وأصحابه الكرام الذين قضوا في أرض الطفوف.
وكانت العقيلة زينب عليها السلام تشاركه في هذا العزاء العظيم، وتنعى أخيها الحسين بكلمات تفطر الصخر الصم وتجري الدموع السواكب.
وتقول: يا حسين يا نور عيني، ويا مهجة قلبي، ودعتك الله يا غريب كربلاء، يا مظلوم الطفوف، صلى الله عليك وعلى جثتك الطاهرة المعفرة بالتراب.
(يزيد في حال ترنم بأبيات ابن الزبعري):
«...لست من خندف إن لم أنتقم ... من بني أحمد ما كان فعل»
فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهما السلام) فقالت:
«الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين. صدق الله سبحانه كذلك يقول: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون}.»
«أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا. فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين}؟»
«أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟ قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي، ولا من رجالهن ولي.»
«وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟ وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك. وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله)، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.»
«اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا. فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهاك حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}. وحسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما، وبجبريل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، {بئس للظالمين بدلا}، وأيكم {شر مكانا وأضعف جندا}.»
«ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرى. ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل. ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، {وما ربك بظلام للعبيد}، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.»
«فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين. والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وهو حسبنا ونعم الوكيل.»
فقال يزيد:
يا صيحة تحمد من صوائح ... ما أهون الموت على النوائح
ثم استشار يزيد أهل الشام في أمرهم... فقال رجل من أهل الشام أحمر: «يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية (يشير إلى فاطمة بنت الحسين)...» فتعلقت فاطمة بعمتها زينب وقالت: «وا ذلاه! أأوتم وأستخدم؟» فقالت العقيلة زينب للشامي: «لا ولا كرامة لك ولا له...»