المقتل(مكتوبة)
السيد وليد المزيدي
طيبوا أفواهكم بالصلاة على محمد وآل محمد
(اللهم صل على محمد وآل محمد)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
حتى متى يا أجفاننا عبرى
وإلى متى أكبادنا حرى
قد حل فينا يا ابنة محمد
ما لم نطق في حملها صبرا
نهضاً فقد كادت شريعة أحمد
تمحى وتنشأ شرعة أخرى
طال احتجابك سيدي فمتى
تحظى بتلك الطلعة الغرا
تغضي وتترك ثار جدك...
أتثور أم تلهو بجند تترى
وعليه حرمت الفرات وإنما
خلق الفرات لأمه مهرا
فغدا يكَرّ عليهم فتخال
الكرار مهماً طاف أو كَرّا
حتى إذا أفنى الجموع وقلّ بيـ
ـض الماضي وحطّم السّمرا
مدت يد القضاء فرمته
بسهم أصاب حشاشة الزهرا
فهوى على وجه الصعيد مصافحاً
في خده خَدّ الثرى..
هي تصرع..
أفديهم مطروحين بعرصة كربلا
والخيل منه ورضّت الصدرا
أفديهم مطروحين بعرصة كربلا
والقوم لم يلحدوا لهم قبرا
تركوه عرياناً على حرّ الصفا
ملقى الثلاث ولم يجد قبرا
ملقى الثلاث ولم يجد... قبرا
***
لما أصبح الحسين يوم عاشوراء صلى بأصحابه صلاة الصبح، قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى قد أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم، فعليكم بالصبر والقتال. فجعل زهير بن القين في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وثبت هو عليه السلام في القلب، وأعطى رايته العظمى لأخيه العباس، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر الحسين بحطب وقصب أن يجعل في خندق كانوا حفروه وأن تضرم به النار فلا يأتيهم العدو من ورائهم.
وعبّأ عمر بن سعد أصحابه فجعل عمرو بن الحجاج في الميمنة، وشمر بن ذي الجوشن في الميسرة، وعلى الخيالة عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي، وأعطى رايته ذويداً مولاه.
ولما نظر الحسين إلى جمعهم كأنهم السيل المنحدر رفع يديه بالدعاء قائلاً: اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة.
وأقبل القوم يجولون حول معسكر الحسين وينظرون إلى النار التي تضرم في الخندق، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين تعجلت بالنار في الدنيا قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن؟ فقالوا: نعم، فقال عليه السلام: أنت أولى بها صليا. فقال له مسلم بن عوسجة: يا ابن رسول الله جعلت فداك ألا أرميه بسهم؟ فمنعه الحسين وقال: لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم بقتال.
وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة حتى وقف حيال الحسين فقال له: أبشر يا حسين بالنار! فقال عليه السلام: بل أقدم على رب رحيم شفيع مطاع. ثم قال: من هذا؟ قالوا: ابن حوزة. فقال عليه السلام: حازه الله إلى النار. فاضطربت فرسه في جدول فعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض، ونفرت به الفرس وعجل الله بروحه إلى النار.
ثم دعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها وتقدم نحو القوم ونادى بأعلى صوته يسمع جلّهم: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم عليّ وحتى أعتذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون. ثم حمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلى على النبي وآله وعلى الملائكة والأنبياء، ثم قال عليه السلام: أيها الناس فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين المصدق لرسول الله بما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عمي؟ أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لأخي ولهذا لي ولأخي "هذان سيدا شباب أهل الجنة"؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق فوالله ما تعمدت كذباً منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟
ثم قال عليه السلام: فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبونني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص جراحتكم؟ فأخذوا لا يكلمونه.
فنادى عليه السلام: يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة؟ فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لا يرونك إلا ما تحب. فأبى الحسين ذلك.
فخرج زهير بن القين خطيباً فيهم وكان شيخاً صالحاً فقيهاً، ثم خرج بعد ذلك برير بن خضير يخاطب القوم فلم يسمع لهم جواباً.
فتقدم الحسين مرة أخرى وقال: الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء... إلى أن قال: تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين... وأكمل خطبتهم وإذا بالقوم يرشقون مخيم الحسين بالنبال وإذا بالحسين يقول لأصحابه: يا أصحابي قوموا فإن هذه رسل القوم إليكم.
بينما هم كذلك وإذا بالحر يقول لعمر بن سعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي. وإذا بالحر يفكر أنه يخير نفسه بين الجنة والنار، فتوجه إلى معسكر الحسين فقال: يا ابن رسول الله جعلني الله فداك، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فهل لي من توبة؟ فقال الحسين: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحر بن يزيد الرياحي. فقال: أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة. فدخلا مع معسكر الحسين.
وأقبل الأعداء يرشقون الخيام بالنبال والسهام، فقام حبيب بن مظاهر وقال: يا ابن رسول الله دعني أبارزهم، فقال: كلاً. فخرج من أصحاب الحسين من يقاتلهم ورجع، فنادى الحسين: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعوا فإن الله معكم هذا اليوم، والله لقد فتحت أبواب السماء والجنان لكم.
فكانت الحملة الأولى فحمل عمرو بن الحجاج في ميمنة جيش عمر بن سعد نحو الفرات، فاضطربوا ساعة ومرتفعت الغبرة إلا ومسلم بن عوسجة الأسدي صريع. فمشى إليه الحسين عليه السلام فإذا به رمق فقال له: رحمك الله يا مسلم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عزّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة، فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير. فقال له حبيب: لولا أني أعلم أني في أثرك لاحق بك من ساعتي لأحببت أن توصيني بكل ما أهمّك. فقال له مسلم: فإني أوصيك بهذا، وأشار إلى الحسين، فقاتل دونه حتى تموت يا حبيب منيتي.
أنا الوصي بعيالي وبيتي
إن كنت تك مثل نيتي
وللحسين وعياله وصيتي
فقال له حبيب: لأنعمنّك عيناً. ثم فاضت روحه الطاهرة رضوان الله عليه.
وهجم شمر بن ذي الجوشن في أصحابه على خيام الحسين، فحمل عليهم زهير بن القين في عشرة من أصحاب الحسين فكشفهم عن الخيام وقتل بعضهم وتفرق الباقون.
وخرج يزيد بن معقل من جيش ابن سعد فقال: يا برير بن خضير كيف ترى صنع الله بك؟ قال: صنع الله والله بي خيراً وصنع الله بك شراً، قال: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا. ثم تراجع القوم إلى الحسين فحمل شمر بن ذي الجوشن على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه، وأحيط بالحسين من كل جانب، وكان أصحاب الحسين أطواد بصيرة وهدي وثبات يقتلون كل من يبرز إليهم.
فقال عمرو بن الحجاج وكان على الميمنة: ويلكم يا حمقى مهلاً، أتدرون من تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين لا يبرز منكم أحد إلا قتلوه على كثرتهم، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. فقال ابن سعد: صدقت الرأي ما رأيت، فأرسل في العسكر يعزم عليهم أن لا يبرز رجل منكم، فلو خرجتم وحداناً لأتوا عليكم مبارزة.
فأخذت الخيل تحمل وأصحاب الحسين يثبتون، فـأبوا ولم يكونوا يحملون على جانب من هذا الجيش إلا كشفوه. فبعث عمر بن سعد برماة فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم.
وبقي القتال على أشده حتى انتصف النهار، فكان إذا قتل الرجل والرجلان من أصحاب الحسين يبين ذلك فيهم لقلتهم، ولا يبين القتل في جيش عمر بن سعد مع كثرة من يقتل منهم لكثرتهم. وكان قد قتل من أنصار الإمام أكثر من أربعين.
واقترب وقت زوال الشمس، فقال أبو ثمامة الصائدي: يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها. فرفع الحسين رأسه ثم قال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال الحصين بن تميم: إنها لا تقبل! فرد عليه حبيب بن مظاهر: زعمت الصلاة من آل الرسول لا تقبل وتقبل منك؟ فحمل عليه الحصين بن تميم فخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ ووقع عنه وحمله أصحابه فاستنقذوه. وكان حبيب من خواص أمير المؤمنين، فبرز إليهم وأخذ يقاتل إلى أن وقع صريعاً على رمضاء كربلاء، وبان الانكسار على وجه الحسين وقال: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي.
وصلى الحسين صلاة الظهر فوصل إلى الحسين سهم فتقدم سعيد بن عبد الله الحنفي ووقاه بنفسه وما زال كذلك حتى سقط على رمضاء كربلاء، فقال: أوفيت يا ابن رسول الله؟ فقال: نعم أنت أمامي في الجنة، فقضى نحبه فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.
فحمل أصحاب الحسين حملتهم الثانية وإذا بالحسين يقول: يا كرام هذه الجنة فتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، هذا رسول الله صلى الله عليه وآله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه وذبّوا عن حرم رسول الله.
فأخذ أصحاب الحسين يتقدمون الواحد والأخر، وتقدم زهير بن القين واستأذن بالقتال ووضع يده على منكب الحسين وهو يقول:
أقدم فديت هادياً مهدياً
فاليوم تلقى جدك النبيا
ثم برز وهو يرتجز ويقول:
أنا زهير وأنا ابن القين
أذودهم بالسيف عن حسين
وانبرى يقاتل لم ير مثله ولم يسمع بشبهه، وكان يحمل على القوم ويقاتلهم حتى وقع صريعاً على رمضاء كربلاء.
ثم برز برير بن خضير إلى الميدان وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين. فقاتل حتى استشهد بين يدي الحسين.
واشتد القتال والتحم وكثر القتل والجراح في أصحاب الحسين عليه السلام، ثم قال: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى.
وتقدم بعد ذلك شوذب مولى شاكر فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله أستودعك الله وأسترعيك، ثم قاتل حتى قتل.
وأخذ أصحاب الحسين يبرزون الواحد والأخر حتى لم يبق منهم أحداً.
ولما لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته عزموا على الحرب وملاقاة الحتوف، أقبل بعضهم يودع بعضاً.
وأول من تقدم علي الأكبر بن الحسين وكان أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، فاستأذن أباه في القتال فأذن له، ثم نظر إليه الحسين نظرة آيس منه وأرخى عليه السلام عينيه وبكى محترقاً قلبه مظهراً حزنه إلى الله، ورفع سبابتيه نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقاً ومزقهم تمزيقاً.
فبرز علي الأكبر وهو يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال: أبة العطش قد قتلني وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء؟ فقال: يا بني ما أسرع اللحاق بجدك، وسيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً.
فرجع علي الأكبر يقاتل حتى وقع صريعاً على رمضاء كربلاء، ونادى: يا أبتاه هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول لك العجل فإن لك كأساً مدخورة.
فأقبل الحسين ورأى ولده مقطعاً إرباً إرباً، فبكى وانحنى عليه وهو يقول: ولدي علي على الدنيا بعدك العفا.
جعد وعنده شافه مغمض العين
دمع ما سايب على خده
يا بويه من ضرب رأسك
يا نور عيني من خمد أنفاسك
يا بوية من على رأسك رجلك
ومن غمض عيونك وسبلك
ثم طلب الحسين من فتيانه من بني هاشم أن يحملوا أخاهم، فلم يكن له طاقة على حمله، فنادى: يا بني تقدموا واحملوا علياً الأكبر.
يقول أرباب المقاتل: ثم بعد ذلك برز أبناء عقيل بن أبي طالب وأبناء مسلم وأبناء جعفر بن عقيل وجعلوا يقاتلون قتال الأبطال.
ثم تقدم بعد ذلك القاسم بن الحسن يستأذن عمه للقتال وهو يقول: عمي إني أريد أن أكون ممن يقاتل بين يديك، فأخذ يقاتل وهو يرتجز ويقول:
إن تنكروني فأنا سِبط الحسن
سِبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن
بين أناس لا سقوا صوب المزن
أخذ يقاتل هذا الغلام في الميدان ويصول حتى انقطع شسع نعله، فانحنى ليصلحه فوقع السيف على رأسه وخرّ على صعيد كربلاء فنادى: يا عماه.
فأقبل الحسين وإذا به قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه والحسين يقول: بعداً لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك.
ثم قال: يا عم، عزّ على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ولا ينفعك، وهو ينادي ويبكي على القاسم.
نادى يا جاسم ايش بيدي
يا ريت السيف قبلك حز وريدي
هالعفت الكوم تخليني وحيدي
وعلى خيامي يا عمي الخيل تفتر
حمل الحسين جسد القاسم وكانت رجلاه تخطان الأرض حتى أقبل به إلى الفسطاط ووضعه بين القتلى.
والوجن مددنه ما بين اخوته
بجدم يويلهم ويموت
بس ما سمعن النسوان صوته
إجت أمه تصيح الله أكبر
أخذت أصحاب أهل بيت الحسين الواحد بعد الآخر يتقدمون للقتال بين يدي الحسين حتى تقدمت إخوة العباس وأخذوا يقاتلون بين يدي الحسين، فلما استشهدت إخوة العباس وهو يراهم صرعى على وجه الصعيد لم يستطع صبراً فجاء العباس إلى أخيه الحسين يستأذنه للقتال، فقال له الحسين عليه السلام: يا أخي أنت صاحب لوائي فإذا مضيت تفرق عسكري. فقال له العباس: قد ضاق صدري وسئمت من الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين. فقال له الحسين: إذن اطلب لهؤلاء الأطفال ماء.
برز العباس وكشف القوم عن المشرعة، ووصل إلى الماء اغترف غرفة أراد أن يشرب وإذا به يتذكر عطش الحسين، فرمى الماء من يده وهو يقول:
يا نفس من بعد الحسين هوني
وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا حسين وارد المنون
وتشربين بارد المعين
تالله ما هذا فعال ديني
ولا فعال صادق اليقين
ثم ملأ القربة، حملها على كتفه اليمنى، ركب جواده وتوجه نحو الخيام مسرعاً ليوصل الماء على عطاشى أهل البيت، فأخذوا عليه الطريق وتكاثروا عليه وأحاطوا به.
ينقل البعض أن في هذه المرة خرج الحسين مع أخيه العباس، هذا نحو الميمنة وهذا نحو الميسرة، فكان الحسين يقول: أنا ابن محمد المصطفى، فيجيبه العباس: وأنا ابن علي المرتضى، ليطمئن الواحد على الآخر.
فلما حمل العباس القربة بيمينه، كمن له لعين فضربه على يمينه فقطعها.
فنادى الحسين: أنا ابن محمد المصطفى، وكان العباس رغم قطع يمينه يقول: وأنا ابن علي المرتضى.
حمل العباس القربة وسيفه بشماله وتوجه مسرعاً نحو الخيام وهو يسمع نداء الحسين: أنا ابن محمد المصطفى، فيجيبه العباس: وأنا ابن علي المرتضى.
حتى كمن له حكيم بن الطفيل وضرب العباس على شماله فقطعها من الزند، فوقع السيف من يده والعباس أخذ القربة بأسنانه، فلما نظر عمر بن سعد إلى تمام العباس في القربة قال: ويحكم ارموا القربة، فرموا القربة فأريق ماؤها.
وما زال العباس يسمع نداء الحسين: أنا ابن محمد المصطفى، فيجيبه على رغم كثرة الجراح: وأنا ابن علي المرتضى.
حتى كمن له لعين من ورائه آجركم الله، فضرب العباس بعمود على رأسه فخرّ صريعاً على رمضاء كربلاء، وكان الحسين يقول: أنا ابن محمد المصطفى، فلم يسمع جواباً. كرّرها ثانية فلم يسمع جواباً، لأن العباس قد انقطع عن الكلام.
وإذا بالعباس يقول: أخي حسين أدرك أخاك.
فأقبل الحسين إلى مصرع العباس رآه مرملاً بدماءه، السهم نابت في عينه، حمل رأسه ووضعه في حجره، وإذا بالعباس يقول: يا هذا أقسم عليك بمن تعبد لا تقتلني حتى يأتي ابن والدي أودعه ويودعني، أشمه ويشمني. وإذا بالحسين يقول: أخي أبا الفضل أنا أخوك الحسين. فرفع العباس رأسه من حجر أخيه ووضعه على التراب، فأرجعه الحسين، صنع ذلك ثلاثاً وإذا بالحسين يقول: أخي أبا الفضل لماذا تصنع هكذا؟ فقال: أخي حسين، أنت الآن تضع رأسي في حجرك، ولكن بعد ساعة من الذي يضع رأسك في حجرك؟
أراد أن يحمله إلى المخيم امتنع العباس، حتى فاضت روحه الطاهرة في حجر أخيه الحسين.
فوقف الحسين محنيّ الظهر يكفكف دموعه بكمّه وهو يقول: الآن انكسر ظهري، الآن قلت حيلتي، الآن شمت بي عدوّي.
رجع الحسين إلى المخيم، استقبلته زينب: أخي حسين مالي أراك رجعت وحيداً؟ أين ابن والدي؟ أين أخي أبا الفضل العباس؟ يقال إنه قال: عظم الله لكِ الأجر، وقيل ما كلمها ولكن توجه إلى خيمة العباس وأسقط عمودها، فصاحت زينب: وا أخاه، وا عباساه.
أرادت أن تتوجه إلى مصرع العباس منعها الحسين: أخية زينب إلى أين؟
أنا رايح العباس أسجده
وراسي بكفوفه أسنده
لما بقي الحسين وحيداً فريداً، نظر إلى خيام الأصحاب رآها خالية، ثم نظر إلى خيام أهل البيت رآها خالية، فنادى بصوت حزين: يا زينب، يا أم كلثوم، يا رقية، يا رباب، عليكنّ مني السلام، هذا آخر الاجتماع واللقاء في الجنة.
فأحطن به بنات رسول الله، هذه تقبله وهذه تشمه، فنظر الحسين إلى زينب: أخية زينب مالي لا أرى سكينة؟ قالت: هي في الخيمة.
توجه الحسين إلى الخيمة، رأى مولاتنا سكينة متكئة على عمود الخيمة واضعة رأسها بين ركبتيها وهي تبكي، قال لها: بنيّة ما البكاء؟ قالت: أبة أراك استسلمت للموت؟ قال: وكيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين. فودعها وإذا بها تقول: أبة إن كان لابد لك من الخروج فاصنع بنا كما يصنع باليتامى. فوضع يده المباركة على رأسها ومسح على رأسها.
خرج الحسين، وقالت عمته زينب: كيف حال ولدي زين العابدين؟ توجه إلى خيمته، فلما نظر زين العابدين إلى أبيه، بادره وقال: أبة أين عمي العباس؟ قال: قتل. أبة أين أخي علي الأكبر؟ قال: قتل، ومولانا يعلم بذلك ولكن يريد أن يقول شيئاً للحسين، فنظر إلى عمته زينب: عمت زينب ناوليني عصاً وسيفاً. قالت: ما تصنع بهما؟ قال: أو ما تسمعين واعية أبي الحسين؟ أما العصا فأتوكأ عليها والسيف أذبّ به عن حرم رسول الله. فصاح الحسين بأم كلثوم: احبسيه فإنه بقية الله.
آجركم الله، خرج الحسين وهو ينادي: من ذا يقدم لي جوادي وأنا ابن محمد المصطفى؟ من ذا يقدم لي جوادي وأنا ابن علي المرتضى؟ من ذا يقدم لي جوادي وأنا ابن فاطمة الزهراء؟ وكان إذا نادى بهذا النداء تارة يقبل علي الأكبر بالجواد وتارة أخرى يأتي أبا الفضل العباس، ولكن في هذه الساعة أقبلت مولاتنا زينب مطأطئة برأسها إلى الأرض: أخية زينب ما دهاكِ؟ قالت: أخي ألا رأيت قلباً أقسى من قلب أختك زينب وهي تأتي بجواد المنية إلى أخيها؟ أخذ يهدئها ويصبرها ويوصيها بالعيال خيراً.
أنا بعيني يا ليلى بالعيال
دموعي لسكينة أطفال
خوية والموت يرضى بالدلال
أنا يالمتروكة في دلال
توجه الحسين، أخذ يقاتل القوم، وصل إلى المشرعة، كشف القوم عن المشرعة، اغترف غرفة بيده، وإذا باللعين يقول: والله إن شرب الحسين قطرة ماء أفناكم عن آخركم، فإذا باللعين يقول: يا حسين أتلتذ بالماء وقد سبيت حريمك؟ فألقى الماء وتوجه إلى المخيم فعرف أنها مكيدة، فرجع يقاتل وهو يخاطب القوم ويعظهم ولكن ليس من جدوى من ذلك.
فأخذ يقاتل قتال الأبطال، حتى قتل منهم مقتلة كثيرة، وقال أحدهم: والله ما رأيت رجلاً مكسوراً بأهل بيته أصبر جأشاً من هذا الرجل، والله إن لم تحملوا عليه حملة رجل واحد لأفناكم عن بكرة أبيكم، فحملوا على الحسين حملة رجل واحد، هذا يرميه بالسهام وهذا بالرماح، فخرّ الحسين على رمضاء كربلاء بعد أن ضعف عن القتال.
وقف الحسين ساعة يستريح، فرماه أبو الحتوف بحجر وقع على جبهة الحسين، فخرّ الدم كالميزاب، فأخذ الحسين ولطّخ رأسه ولحيته وقال: هكذا والله ألقى جدي رسول الله.
ثم افترش التراب ليستريح، وإذا باللعين يرمي الإمام بسهم مثلث وقع على صدره، لم يستطع الحسين أن يخرجه من الأمام، فأخرجه من القفا وخرجت معه ثلثة كبده، فنزل الدم كالميزاب، وبقي الحسين على رمضاء كربلاء، فلا تساعاة على الأرض في حرّ ذلك اليوم.
فلما نظر الشمر إلى ذلك قال: والله لابد أن نثخنه بالجراح، ثم بقي الحسين ثلاث ساعات من النهار، والقوم لا يدرون أحيّ هو أم ميت.
فقصده رجل من كندة فضربه على مفرق رأسه، فشق هامته فسال الدم من الحسين، فقال له الحسين: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها وحشرك الله مع القوم الظالمين.
ويقول أبو مخنف: لما بقي الحسين ملطخاً بدمه ثلاث ساعات وهو يقول: صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين. وإذا بعمر بن سعد يقول: ويلكم عجلوا عليه، فابتدر إليه شبث بن ربعي وبيده السيف فدنا منه ليحتز رأسه فرمقه الحسين بطرفه، فرمى السيف من يده وولى هارباً وهو يقول: ويحك يا ابن سعد، تريد أن تكون بريئاً من قتل الحسين وإراقة دمه وأكون أنا مطالب به؟ فولى هارباً، فأقبل إليه سنان بن أنس وقال: ثكلتك أمك لمَ رجعت؟ قال: والله لما فتح عينيه في وجهي فاشتبهتها عيني رسول الله فاستحييت أن أقتل شبيه رسول الله.
فتوجه آخر فلما رمقه الحسين ولى مذعوراً، فقال له الشمر: لِمَ رجعت؟ قال: والله إني رأيت رأس رسول الله.
فأقبل الشمر قال: أنا إليه، فتقدم الشمر وقال: يا حسين لا تحسبني مثل هؤلاء، فوالله إني أقتلك ولو شبهت المصطفى أو علي المرتضى، فأخذ السيف من يده وركب صدر الحسين، فرمقه الحسين وقال له: من أنت؟ والله لقد ارتقيت مرتقاً صعباً.
طالما قبله رسول الله، فقال له: أنا الشمر الضبابي، فقال له الحسين: أما تعرفني؟ فقال: بلى أنت الحسين، وأبوك المرتضى وأمك الزهراء وجدك المصطفى وجدتك خديجة الكبرى. فقال له الحسين: ويحك إذا عرفتني فلِمَ تقتلني؟ قال: أطلب بقتلك الجائزة من يزيد. فقال له الحسين: أيهما أحب إليك، شفاعة جدي أم جائزة يزيد؟ فقال شمر: دانق من جائزة يزيد أحب إليّ منك ومن شفاعة جدك وأبيك.
وإذا به يقول له: إذن اسقني شربة ماء، فإني وحق جدي عطشانا، فقال له الشمر: يا ابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على الحوض يسقي من أحب؟ اصبر قليلاً حتى يسقيك أبوك، والله لا أسقيك شربة ماء أبداً.
وإذا بالحسين يقول: سألتك بالله إلا ما كشفت اللثام عن وجهك، فكشف اللثام عن وجهه فإذا به أبرص أعور، له بوز كبوز الكلب، وإذا بالحسين يقول: صدق جدي رسول الله، فقال له الشمر: وما قال جدك رسول الله؟ قال: سمعته يقول "ولدي حسين يقتله رجل له بوز كبوز الكلب وشعر كشعر الخنزير". فغضب شمر وقال: يشبهني جدك رسول الله بالكلاب؟ والله لأذبحنك من القفا جزاء لما شبهني جدك، مولاي يا صاحب الزمان آجركم الله، فأكبّ اللعين جسد الحسين على وجهه وجعل يحز أوداجه بالسيف، وكلما قطع منه عضواً نادى الحسين: وا محمداه، وا علياه.
فاحتز رأسه وعلاه على قناة طويلة، فكبّر العسكر ثلاثة تكبيرات، وتزلزلت الأرض وأظلم الشرق والغرب وأخذت الناس الرجفة والصواعق وأمطرت السماء دماً عبيطاً، ونادى منادٍ من السماء: قتل والله الإمام ابن الإمام، أخو الإمام أبو الأئمة، الحسين بن علي بن أبي طالب.
فأقبلت مولاتنا زينب إلى زين العابدين وقالت: عمّ ارفع الخباء قليلاً، فلما نظر إلى السماء قال: عمت زينب عظم الله لكِ الأجر، لقد قتل أبي الحسين.
أختي زينب لو شئت الأفق انتكس
فاعلمي أن أخاكِ خرّ من فرس
هو إذا ثار من القتال وولى
وبدا من المشرق من غضب الله قبس
فاعلمي أن الضبابي على صدر جثا
وأنا أشرب من تميم مع كل نفس
وإذا من جوزة النحر من التبعية
انكبني يا أختي على الترب وأضلعي رُضّ
المصيبة أنه يقال: وإذا زين العابدين للنهوض التمس، فاعلمي أنه صديق بذبح قد أحس، عندها يا أخت قومي وأقلعي عيش الأنس، والبس عيش الأسى والقلب ما شاب اتعس، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، مولاي يا صاحب الزمان، أنت المعزى في هذه الساعة، أنت المصاب في هذا اليوم، نعظم لك الأجر بجدك الحسين يا صاحب الزمان.
ونقسم عليك بدم الحسين وعطش الحسين وبحق هذه الساعة يا صاحب الزمان، سل الله يفرج عنك ليفرج عنا.
اللهم بالحسين الوجيه وجده وأبيه وأمه وأخيه والتسعة المعصومين من ذريته وبنيه عجل لوليك الفرج والنصر، وفرج به عن المؤمنين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار واليهود والمنافقين، اللهم أيد علماء الدين سيما ولي أمر المسلمين، اللهم شافي كل مريض، اللهم رد كل غريب، فك كل أسير وسجين، فرج عنا وعن المؤمنين، اللهم أوصل ثواب ما قرأناه وتلوناه إلى سيد ومولى صاحب العصر والزمان وإلى أرواح المؤمنين والمؤمنات وأموات الحاضرين والسامعين والمؤسسين والشهداء والصالحين وروح الإمام ثواب الفاتحة مع الصلوات.
اللهم صل على محمد وآل محمد.