المـــؤمل



عقيدة الشيعة في الامام المهدي عليه السلام

عقيدة الشيعة في الإمام المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) :

الإعتقاد بإمامة الأئمة الإثني عشر من أهل البيت ( عليهم السلام ) من أصول مذهبنا ، بل هو محوره الذي سُمِّي لأجله المذهب الإمامي ، و مذهب التشيع ، و مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، و سُمينا لأجله الإمامية ، و الشيعة ، شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

و أول الأئمة الأوصياء المعصومين عندنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) ، و خاتمهم الإمام المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري ( عجَّل الله فرَجَه ) ، الذي وُلد في سنة 255 هجرية في سامراء ، ثم مدَّ الله في عمره و غيَّبه إلى أن يُنجز به وعده و يظهره ، و يظهر به دينه على الدين كله ، و يملأ به الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً وجوْراً .

فالاعتقاد بأن المهدي الموعود ( عجَّل الله فرَجَه ) هو الإمام الثاني عشر ، و أنه حيٌّ غائب جزء من مذهبنا ، و بدونه لا يكون المسلم شيعياً اثني عشرياً ، بل مسلماً سنياً ، أو شيعياً زيدياً ، أو إسماعيلياً .

و يستغرب بعض إخواننا اعتقادنا بإمامة الأئمة ( عليهم السلام ) و بعصمتهم ، و بغيبة المهدي المنتظر أرواحنا فداه ، و لكن الميزان في الأمور الممكنة ليس هو الإستبعاد و لا الإستحسان ، بل ثبوت النص عن النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، و قد ثبُتت عندنا النصوص المتواترة القطعية ، الدالة على إمامته و غيبته ( عجَّل الله فرَجَه ) ، و متى ثبت النص و قام الدليل ، فعلى المسلم أن يقبله و يتعبد به ، و على الآخرين أن يعذروه أو يقنعوه ، و رحم الله القائل : نحن أتباع الدليل حيث ما مالَ نميل .

و إخواننا السنة و إن لم يوافقونا على انطباق المهدي الموعود على الإمام محمد بن الحسن العسكري ( عجَّل الله فرَجَه ) ، إلا أنهم يوافقوننا تقريباً على كل ما ورد بشأنه من الأحاديث الشريفة ، من البشارة به ، و حركة ظهوره ، و تجديد الإسلام على يده و شموله العالم ، حتى أنك تجد أحاديثه ( عجَّل الله فرَجَه ) واحدة أو متقاربة في مصادر الفريقين ، كما رأيت من مصادرنا ، و ترى من عقيدتهم .

على أن عدداً من علماء السنة يوافقنا أي على أنه هو الإمام محمد بن الحسن العسكري ( عجَّل الله فرَجَه ) ، مثل الشعراني و ابن عربي و غيرهم ، ممن صرحوا بإسمه و نسبه ، و ثبت عندهم أنه حيٌّ غائب ( عجَّل الله فرَجَه ) ، وقد ذكر أسماء مجموعة منهم صاحب كتاب ( المهدي الموعود ) .

و هذا الإشتراك في عقيدة المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) بين جميع المسلمين ، يجب أن يستثمره العلماء و العاملون لنهضة الأمة ، لأنه عقيدة ذات تأثير حيوي في جماهير المسلمين ، من شأنها أن ترفع مستوى إيمانهم بالغيب ، و بوعد الله تعالى لهم بالنصر ، و ترفع معنوياتهم في مقاومة أعدائهم ، و التمهيد لإمامهم الموعود ( عجَّل الله فرَجَه ) .

و لا يصح أن يكون عدم ثبوت انطباقه عندهم على الإمام محمد بن الحسن ( عجَّل الله فرَجَه ) ، موجباً لانتقاد من يعتقد بذلك ، و يتقرب به إلى الله تعالى .

و ليس غرضنا هنا أن نطرح بحثاً كلامياً في عقيدتنا في الإمام المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) ، بل أن نعطي فكرة عن هذه الروحية الفياضة التي تعيش بها أوساطنا الشيعية عقيدة المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) التي كوَّنت في ضمير المسلم الشيعي عبر الأجيال و تربية الآباء و الأمهات مخزوناً عظيماً من الحب و التقديس و التطلع إلى ظهوره ( عجَّل الله فرَجَه ) .

فالإمام المهدي أرواحنا فداه هو بقية الله في أرضه من أهل بيت النبوة ، و خاتم الأوصياء و الأئمة ( عليهم السلام ) ، و أمين الله على قرآنه و وحيه ، و مشكاة نوره في أرضه ، ففي شخصيته تتجسد كل قيم الإسلام و مُثُله ، و شبَه النبوة و امتداد نورها .

و في غيبته تكمن معان كبيرة ، من الحكم و الأسرار الإلهية ، و مظلومية الأنبياء و الأولياء و المؤمنين على يد حكام الظلم و سلاطين الجور .

و في الوعد النبوي بظهوره ، تخضرُّ آمال المؤمنين ، و تنتعش قلوبهم المهمومة ، و تقبض أكفهم على الراية ، و إن عتت العواصف ، و طال الطريق ، فهم و صاحبها على ميعاد .

و لئن كان الشيعة معروفين بغنى حياتهم الروحية مع النبي و آله ( صلى الله عليه و آله ) ، فإن شخصية الإمام المهدي أرواحنا فداه و مهمته الموعودة ، بجاذبيتها الخاصة ، رافد حيوي في إغناء روح الشيعي بالأمل و الحب و الحنين .

ينتقد البعض شدة احترام الشيعة لعلمائهم ، بينما يعجب به آخرون و يقدرونه ، و يزداد الإعجاب أو الإنتقاد إذا رأوا احترام الشيعة لمرجع التقليد نائب الإمام المهدي أرواحنا فداه ، و تقديسهم له و تقيدهم بفتواه .

أما إذا وصل الأمر إلى الأئمة المعصومين ( عليهم السَّلام ) فيتهمنا البعض بالمبالغة و المغالاة ، ويفرط في التهمة فيقول إن الشيعة يؤلهون النبي ( صلى الله عليه و آله ) والأئمة ( عليهم السَّلام ) و المراجع و يعبدونهم ، و العياذ بالله .

لكن المشكلة ليست في شدة احترام الشيعة و إطاعتهم و تقديسهم لعلمائهم و أئمتهم ، بل هي في الواقع ابتعادنا جميعاً عن النظرة الإسلامية إلى الإنسان و التعامل بها معه .

نلاحظ في القرآن الكريم ثلاثة مذاهب في مسألة قيمة الإنسان : المذهب البدوي الذي تذكره آيات الأعراب و المنادين من وراء الحجرات .

و المذهب المادي الذي تذكره آيات أعداء الأنبياء ( عليهم السَّلام ) و أصحاب الحضارات المادية .

و المذهب الإسلامي ، الذي تذكره آيات تكريم الإنسان و التوجيه إلى عالمه العقلي و الروحي و العملي .

و أحسبنا في عالمنا الإسلامي نعيش تأثيرات كثيرة للبداوة و للمادية الغربية في نظرتنا إلى الأنبياء و الأئمة ( عليهم السَّلام ) و الأولياء و الشهداء و المؤمنين ، و إلى جمهورنا و شعوبنا الإسلامية ، بل إلى أنفسنا أيضاً !

لقد أوجد الإنحطاط الحضاري و التسلط الغربي في مجتمعاتنا ظروفاً قاسية سياسية و اقتصادية و اجتماعية ، لم تعد معها حياة الإنسان المسلم في أصلها محترمة ، فكيف نطمح إلى احترام أبعاد وجوده الأخرى و تقديسها ؟ !

كما حوَّل أذهاننا إلى أذهان بدوية تنزع دائماً إلى ( السطحية ) و تعادي العمق و الجمع و التركيب ، فترانا نريد الشيء ببعد واحد ، و نرفض أن تكون له أبعاد متعددة في آن ، و نريد في قلوبنا لوناً واحداً من العاطفة ، و لا نسمح لها أن تحمل ألواناً متعددة في آن .

و بهذا صرنا نرى في الأولياء و الأئمة و الأنبياء صلوات الله عليهم ، ظاهر أمرهم و حالهم ، و لا نرى قممهم الشامخة ، و عوالمهم العقلية و الروحية العالية .

فإذا رأى أحد شيئاً من ذلك نقول عنه مغال ، و إذا جاش بذلك عقله أو قلبه نقول مجنون أو منحرف !

و يبلغ الأمر أقصى خطورته عندما نُلبسه ثوباً دينياً فنقاوم تقديس الأولياء و الأئمة و الأنبياء ( عليهم السَّلام ) بحجة أنه يتنافى مع تقديس الله تعالى و توحيده ! !

فكأن معنى أنهم بشر صلوات الله عليهم أن نفهمهم ببداوة خشنة ، و نجعلهم حفنة من رمل الصحراء ، و كأن الأمر يدور بين رمل الصحراء و السماء ، و لا ثالث ، فلا رياض و لا أنهار ، و لا روابي و لا قمم !

وكأن مثل النور الإلهي الذي حدثنا عنه الله تعالى في سورة النور : ﴿ ... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... ﴾ (1) موجودة في غير أرضنا ، و متجسد في غير هؤلاء العظماء ، صلوات الله عليهم .

أعتقد أنه كلما تقدمت المعرفة بالفلاسفة و المفكرين و العلماء ، اكتشفوا أبعاداً جديدة في كلام النبي ( صلى الله عليه و آله ) و أهل بيته ( عليهم السَّلام ) ، و عرفوا قيمته و قيمتهم أكثر ، و عرفوا أن شخصية المعصوم يجب أن تفهم من كلام المعصوم !

صحيح أن الله تعالى قال لنبيه ( صلى الله عليه و آله ) قل للناس أنا بشر مثلكم : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... ﴾ (2) ، لكنه قال لنا بذلك إن النبي مثلنا و ليس مثلنا ! و إن شخصيته مركبة من جنبة بشرية يعاملنا بها ، و جنبة غيبية يتلقى بها الوحي و العلم من رب العالمين !

و أنى لنا أن نفهم بفكرنا و عقولنا جنبة الغيب في شخصيته ، إلا بكلام المعصوم الذي له نافذة مفتوحة على الغيب ؟ !

بل حتى المثلية في قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ، تعني أنه من وسطكم يعرف تفكيركم و شعوركم و يدرك مشكلاتكم ، و لا تعني أنه مثلنا بمستوانا و نوع تفكيرنا و مشاعرنا ، فإن له ( صلى الله عليه و آله ) تفكيره و مشاعره و عالمه الأعلى الذي لا نرتقي إليه ، كما أنه لا ينزل إلى عوالمنا الدنيا !

فالنبي إذن بسبب رقيِّ فكره و مشاعره ليس مثلنا ، و بسبب أن شخصيته مفتوحة على الغيب ، ليس مثلنا !

فماذا بقي من المثلية التي تمكننا من الإحاطة بحقيقة شخصيته ( صلى الله عليه و آله ) ؟ !

و كذلك هي شخصيات المعصومين من عترته ( عليهم السَّلام ) .

و من هنا نعرف لماذا اختار الله تعالى لفظ البشرية للمثلية ، دون الإنسانية !

أعتقد أنه قد آن لنا أن نجد ذاتنا الإسلامية و إنساننا المسلم ، و نجد من جديد نبينا ( صلى الله عليه و آله ) و أئمتنا ( عليهم السَّلام ) ، و أن نرفض السطحية البدوية التي روَّج لها المتفلسفون في فهم النبي و آله ( صلى الله عليه و آله ) ، و أن نتعامل معهم بما يليق بغنى شخصياتهم الربانية ، و مقاماتهم العالية ، لتمتلئ قلوبنا مجدداً بمخزون الحب و العشق المقدس لهم ، الذي يهيؤنا و يفتح لنا باب الحب و العشق الأكبر لمولاهم و مولانا تبارك و تعالى .

إن على الذي تحجبه الشجرة عن الغابة أن يعذر من يرى الشجرة و الغابة معاً ، و الجبال و السماء فوقها ! و من يتصور أن تقديس الأنبياء و الأئمة ( عليهم السَّلام ) ، و العيش في عوالمهم ، مانعاً عن تقديس الله تعالى و توحيده ، عليه أن يعذر من يرى ذلك درجات من التعظيم شرعها الإسلام ، لتنتظم بها الحياة ، و تفتح الطريق إلى تعظيم و تقديس و تسبيح الذي ليس كمثله شيء ، تبارك و تعالى .

مقام الإمام المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) عند الله تعالى :

من المناسب قبل أن نقدم مقطوعات من الأحاديث و الأدعية و الزيارات كنماذج عن عقيدتنا بالإمام المهدي أرواحنا فداه ، و مشاعرنا نحوه ، أن نذكر شيئاً من الأحاديث التي وردت في مقامه ( عجَّل الله فرجه ) عند الله تعالى .

فقد ورد في مصادر الفريقين أن مقامه عظيمٌ عند الله تعالى ، و أنه من كبار سادة أهل الجنة ، و أنه طاووس أهل الجنة ، و أن عليه من نور الله تعالى جلابيب نور تتوقد ، و أنه ملهمٌ مهديٌّ من الله تعالى و إن لم يكن نبياً ، و أن الله تعالى يجري على يديه كثيراً من الكرامات و الآيات و المعجزات .

بل يدل الحديث المعروف الذي صححه علماء الشيعة و السنة ، على أنه أرواحنا فداه في مصاف الأنبياء و الرسل صلوات الله عليهم .

فعن النبي ( صلى الله عليه و آله ) قال : " نحن وُلد عبد المطلب سادة أهل الجنة ، أنا و حمزة و علي و الحسن و الحسين و المهدي " ، ( الغيبة للطوسي : 13 ، و صواعق ابن حجر : 158 ) .

و قد وردت في مصادرنا أحاديث مفصلة في فضائل الأئمة الإثني عشر ( عليهم السَّلام ) و مقامهم العظيم عند الله تعالى ، و منها أحاديث خاصة بالإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه ، و أنه نور الله في أرضه ، و حجته على خلقه ، و القائم بالحق ، و خليفة الله في الأرض ، و شريك القرآن في وجوب الطاعة ، و معدن علم الله تعالى و مستودع سره ، إلى آخر ما فصلته كتب العقائد و التفسير و الحديث .

و قال أكثر علمائنا بتفضيله على بقية الأئمة بعد أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ( عليهم السَّلام ) ، و وردت به الرواية .

و قد ورد عند السنة تفضيله على أبي بكر و عمر ، فعن ابن سيرين ، قيل له : " المهدي خير أو أبو بكر و عمر ؟ قال : أخير منهما و يعدل بنبي " ، ( ابن حماد : 98 ) .

من كلمات الأئمة في الإمام المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) :

من الملفت في هذا المجال أن نجد أن الأئمة ( عليهم السَّلام ) كانوا في طليعة المعبرين عن مشاعرهم و حبهم للإمام المهدي ( عجَّل الله فرجه ) قبل ولادته ، إيماناً بوعد النبي ( صلى الله عليه و آله ) به ، و تطلعاً إلى ولدهم الموعود ، و ما سيحققه الله تعالى على يده .

و نكتفي من ذلك بذكر كلمات عن الإمام علي و الإمام الصادق ( عليهما السلام ) .

قال أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) : " أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ( صلى الله عليه وآله ) كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ " ، ( نهج البلاغة : خطبة 100 ) .

و قال ( عليه السَّلام ) : " فانظروا أهل بيت نبيكم ، فإن لبدوا فالبدوا ، و إن استنصروكم فانصروهم ، فليفرجن الله بغتةً برجل منا أهل البيت ، بأبي ابن خيرة الإماء ، لا يعطيهم إلا السيف ، هرجاً هرجاً موضوعاً على عاقته ثمانية أشهر ، حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا .

يعطف الهوى على الهدى ، إذا عطفوا الهدي على الهوى ، و يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي ، و تخرج له الأرض أفاليذ أكبادها ، و تلقي إليه سلما مقاليدها ، فيريكم كيف عدل السيرة ، و يحيي ميت الكتاب و السنة " ، ( نهج البلاغة : خطبة 138 ) .

_ و قال ( عليه السَّلام ) _ : " قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ " ، (نهج البلاغة : خطبة 182 ) .

عن سُدير الصيرفي قال : دخلت أنا و المفضل بن عمر و أبو بصير و أبان بن تغلب ، على مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السَّلام ) فرأيناه جالساً على التراب و عليه مسح خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين ، و هو يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحرى ، قد نال الحزن من و جنتيه ، و شاع التغير في عارضيه ، و أبلى الدموع محجريه ، و هو يقول :

سيدي ، غيبتك نفت رقادي ، و ضيقت علي مهادي ، و أسرت مني راحة فؤادي ، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد ، و فقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع و العدد ، فما أحس بدمعة ترقأ من عيني ، و أنين يفتر من صدري .

قال سُدير : فاستطارت عقولنا ولهاً و تصدعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل و الحادث الغائل ، و ظننا أنه سمة لمكروهة قارعة ، أو حلت به من الدهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك ، من أي حادثة تستنزف دمعتك ، و تستمطر عبرتك ، و أيه حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟ !

قال : فزفر الصادق ( عليه السَّلام ) زفرة انتفخ منها جوفه و اشتد منها خوفه و قال : ويلكم إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ، و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا و الرزايا و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة ، الذي خص الله تقدس اسمه به محمداً و الأئمة من بعده ( صلى الله عليه و آله ) و تأملت فيه مولد قائمنا و غيبته ، و إبطائه و طول عمره و بلوى المؤمنين في ذلك الزمان ، و تولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته ، و ارتداد أكثرهم عن دينهم ، و خلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم ، التي قال الله تقدس ذكره : ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَ‌هُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، الولاية ، فأخذتني الرقة ، و استولت علي الأحزان .

فقلنا : يا بن رسول الله كرمنا و شرفنا بإشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم .

قال : إن الله تبارك و تعالى أدار في القائم منا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل ، قدَّر مولده تقدير مولد موسى ( عليه السَّلام ) ، و قدَّر غيبته تقدير غيبة عيسى ( عليه السَّلام ) ، و قدَّر إبطاءه تقدير إبطاء نوح ( عليه السَّلام ) و جعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر دليلاً على عمره .

فقلت : إكشف لنا يا بن رسول الله عن وجوه هذه المعاني .

قال : أما مولد موسى فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه و أنه يكون من بني إسرائيل ، و لم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفاً و عشرين ألف مولد ، و تعذر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارك و تعالى إياه .

كذلك بنو أمية و بنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملكهم و الأمراء و الجبابرة منهم على يد القائم منا ، ناصبونا العداوة ، و وضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و إبادة نسله ، طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم ( عجَّل الله فرجه ) ، و يأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة ، إلى أن يتم نوره و لو كره المشركون .

و أما غيبة عيسى ( عليه السَّلام ) فإن اليهود و النصارى اتفقت على أنه قُتل ، و كذبهم الله عَزَّ و جَلَّ بقوله : ﴿ ... وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ... ﴾ (3) كذلك غيبة القائم ( عجَّل الله فرجه ) فإن الأمة تنكرها لطولها .

و أما إبطاء نوح ( عليه السَّلام ) فإنه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء ، بعث الله عَزَّ و جَلَّ جبرئيل الروح الأمين بسبعة نويات فقال : يا نبي الله إن الله تبارك و تعالى يقول لك : إن هؤلاء خلائقي و عبادي و لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة و إلزام الحجة ، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه ، و اغرس هذا النوى فإن لك في نباتها و بلوغها و إدراكها إذا أثمرت الفرج و الخلاص ، فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين ، فلما نبتت الأشجار و تأزرت و تسوقت و تغصنت و أثمرت و زهى الثمر عليها بعد زمن طويل ، استنجز من الله سبحانه و تعالى العدة ، فأمره الله تبارك و تعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار و يعاود الصبر و الإجتهاد ، و يؤكد الحجة على قومه ، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به ، فارتد منهم ثلاث مائة رجل و قالوا : و لو كان ما يدَّعيه نوح حقاً لما وقع في وَعد ربه خُلف .

ثم إن الله تبارك و تعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد أخرى ، إلى أن غرسها سبع مرات ، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة ، إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلاً ، فأوحى الله عَزَّ و جَلَّ عند ذلك إليه و قال : يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك ، حين صرح الحق عن محضه و صفي من الكدر ، بارتداد كل من كانت طينته خبيثة .

قال الصادق ( عليه السَّلام ) : و كذلك القائم ( عجَّل الله فرجه ) تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ، و يصفوا الإيمان من الكدر " ، ( بحار الأنوار : 51 / 219 - 222 ) .

نماذج من الأدعية له و زيارته ( عجَّل الله فرَجَه ) :

( اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ، صلواتك عليه و على آبائه ، في هذه الساعة و في كل ساعة ، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً ، و دليلاً و عيناً ، حتى تسكنه أرضك طوعاً ، و تمتعه فيها طويلا ) .

( اللهم و صلِّ على ولي أمرك ، القائم المؤمل ، و العدل المنتظر ، و حفَّه بملائكتك المقربين ، و أيده منك بروح القدس يا رب العالمين .

اللهم اجعله الداعيَ إلى كتابك ، و القائمَ بدينك ، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله ، مَكِّنْ له دينه الذي ارتضيته له ، أبدله من بعد خوفه أمناً ، يعبدك لا يشرك بك شيئاً ، اللهم أعزه و أعزز به ، و انصره و انتصر به ، و افتح له فتحاً يسيراً ، و اجعل له من لدنك سلطاناً نصيراً ، اللهم أظهر به دينك و سنة نبيك ( صلى الله عليه و آله ) ، حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق .

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة ، تعز بها الإسلام و أهله ، و تذل بها النفاق و أهله ، و تجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، و القادة إلى سبيلك ، و ترزقنا بها كرامة الدنيا و الآخرة .

اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه ، و ما قصرنا عنه فبلغناه ، اللهم الْمُمْ به شعثنا ، و أشعب به صدعنا ، و ارتق به فتقنا ، و كثر به قلتنا ، و أعزز به ذلتنا ، و أغن به عائلنا ، و اقض به عن مغرمنا ، و اجبر به فقرنا ، و سُدَّ به خلتنا ، و يسر به عسرنا ، و بيض به وجوهنا ، و فك به أسرنا ، و أنجح به طلبتنا ، و أنجز به مواعيدنا ، و استجب به دعوتنا و أعطنا به سؤلنا ، و بلغنا به من الدنيا و الآخرة آمالنا ، و أعطنا به فوق رغبتنا .

يا خير المسؤولين و أوسع المعطين ، إشف به صدورنا ، و أذهب به غيظ قلوبنا ، و أهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، و انصرنا به على عدوك و عدونا إله الحق آمين .

اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه و آله ، و غيبة ولينا ، و كثرة عدونا ، و قلة عددنا ، و شدة الفتن بنا ، و تظاهر الزمان علينا ، فصل على محمد و آل محمد ، و أعنا على ذلك كله بفتح منك تعجله ، و ضر تكشفه و نصر تعزه ، و سلطان حق تظهره ، و رحمة منك تجللناها ، و عافية منك تلبسناها ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

( اللهم صلِّ على محمد و عليهم صلاةً كثيرةً دائمةً طيبة ، لا يحبط بها إلا أنت ، و لا يسعها إلا علمك ، و لا يحصيها أحد غيرك .

اللهم صل على وليك المحيي سنتك ، القائم بأمرك ، الداعي إليك ، الدليل عليك ، و حجتك على خلقك ، و خليفتك في أمرك ، و شاهدك على عبادك ، اللهم أعزَّ نصره ، و مُدَّ عمره ، و زيِّنْ الأرض بطول بقائه .

اللهم اكفه بغي الحاسدين ، و أعذه من شر الكائدين ، و ازجر عنه إرادة الظالمين ، و خلصه من أيدي الجبارين ، اللهم أعطه في نفسه و ذريته و شيعته و رعيته و خاصته و عامته و عدوه و جميع أهل الدنيا ما تَقَرُّ به عينه ، و تُسَرُّ به نفسه ، و بلغه أفضل أمله في الدنيا و الآخرة ، إنك على كل شيء قدير .

اللهم جدد به ما مُحي من دينك ، و أحي به ما بُدِّل من كتابك ، و أظهر به ما غير من حكمك ، حتى يعود دينك به و على يديه غضاً جديداً خالصاً مخلَصاً ، لاشك فيه و لا شبهة معه ، و لا باطل عنده و لا بدعة لديه .

اللهم نوره بنوره كل ظلمة ، و هد بركنه كل بدعة ، و اهدم بعزته كل ضلالة و اقصم به كل جبار ، و أخمد بسيفه كل نار ، و أهلك بعدله كل جبار ، و أجر حكمه على كل حكم ، و أذل لسلطانه كل سلطان .

اللهم أذل كل من ناواه ، و أهلك كل من عاداه ، و امكر بمن كاده ، و استأصل من جحد حقه و استهان بأمره ، و سعى في إطفاء نوره ، و أراد إخماد ذكره ) .

( اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في اَوْلِيائِكَ الَّذينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَ دينِكَ ، اِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزيلَ ما عِنْدَكَ مِنَ النَّعيمِ الْمُقيمِ الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَ لاَ اضْمِحْلالَ ، بَعْدَ اَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ في دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَ زُخْرُفِها وَ زِبْرِجِها ، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ ، وَ عَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفاءَ بِهِ فَقَبِلْتَهُمْ وَ قَرَّبْتَهُمْ ، وَ قَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ الْعَلِيَّ وَ الثَّناءَ الْجَلِىَّ ، وَ اَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَكَ وَ أكَرَمْتَهُمْ بِوَحْيِكَ ، وَ رَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ ، وَ جَعَلْتَهُمُ الذَّرائع اِلَيْكَ وَ الْوَسيلَةَ اِلى رِضْوانِكَ ، فَبَعْضٌ اَسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ اِلى اَنْ اَخْرَجْتَهُ مِنْها ، وَ بَعْضٌ حَمَلْتَهُ في فُلْكِكَ وَ نَجَّيْتَهُ وَ مَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنَ الْهَلَكَةِ بِرَحْمَتِكَ ، وَ بَعْضٌ اتَّخَذْتَهُ لِنَفْسِكَ خَليلاً وَ سَأَلَكَ لِسانَ صِدْقٍ فِي الاْخِرينَ فَاَجَبْتَهُ وَ جَعَلْتَ ذلِكَ عَلِيّاً ، وَ بَعْضٌ كَلَّمْتَهُ مِنْ شَجَـرَةٍ تَكْليماً وَ جَعَلْتَ لَهُ مِنْ اَخيهِ رِدْءاً وَ وَزيراً ، وَ بَعْضٌ اَوْلَدْتَهُ مِنْ غَيْرِ اَبٍ وَ آتَيْتَهُ الْبَيِّناتِ وَ اَيَّدْتَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَ كُلٌّ شَرَعْتَ لَهُ شَريعَةً ، وَ نَهَجْتَ لَهُ مِنْهاجاً ، وَ تَخَيَّرْتَ لَهُ اَوْصِياءَ ، مُسْتَحْفِظاً بَعْدَ مُسْتَحْفِظٍ مِنْ مُدَّةٍ اِلى مُدَّةٍ ، اِقامَةً لِدينِكَ ، وَ حُجَّةً عَلى عِبادِكَ ، وَ لِئَلّا يَزُولَ الْحَقُّ عَنْ مَقَرِّهِ وَ يَغْلِبَ الْباطِلُ عَلى اَهْلِهِ ، وَ لا يَقُولَ اَحَدٌ لَوْلا اَرْسَلْتَ اِلَيْنا رَسُولاً مُنْذِراً وَ اَقَمْتَ لَنا عَلَماً هادِياً فَنَتَّبِـعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ اَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى .

اِلى اَنِ انْتَهَيْتَ بالأمْرِ اِلى حَبيبِكَ وَ نَجيبِكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، فَكانَ كَمَا انْتَجَبْتَهُ سَيِّدَ مَنْ خَلَقْتَهُ ، وَ صَفْوَةَ مَنِ اصْطَفَيْتَهُ ، وَ اَفْضَلَ مَنِ اجْتَبَيْتَهُ ، وَ اَكْرَمَ مَنِ اعْتَمَدْتَهُ ، قَدَّمْتَهُ عَلى اَنْبِيائِكَ ، وَ بَعَثْتَهُ اِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنْ عِبادِكَ ، وَ اَوْطَأتَهُ مَشارِقَكَ وَ مَغارِبَكَ ، وَ سَخَّرْتَ لَهُ الْبُراقَ ، وَ عَرَجْتَ بِه اِلى سَمائِكَ ، وَ اَوْدَعْتَهُ عِلْمَ ما كانَ وَما يَكُونُ اِلَى انْقِضاءِ خَلْقِكَ .

فَعَلَى الاَْطائِبِ مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَ آلِهِما فَلْيَبْكِ الْباكُونَ ، وَ اِيّاهُمْ فَلْيَنْدُبِ النّادِبُونَ ، وَ لِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ ، وَ لْيَصْرُخِ الصّارِخُونَ ، وَ يَضِجَّ الضّاجُّونَ ، وَ يَعِـجَّ الْعاجُّوَن .

اَيْنَ الْحَسَنُ ، اَيْنَ الْحُسَيْنُ ، اَيْنَ اَبْناءُ الْحُسَيْنِ ، صالِحٌ بَعْدَ صالِـحٍ ، وَ صادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ ، اَيْنَ السَّبيلُ بَعْدَ السَّبيلِ ، اَيْنَ الْخِيَرَةُ بَعْدَ الْخِيَرَةِ ، اَيْنَ الشُّمُوسُ الطّالِعَةُ ، اَيْنَ الاَْقْمارُ الْمُنيرَةُ ، اَيْنَ الاَْنْجُمُ الزّاهِرَةُ ، اَيْنَ اَعْلامُ الدّينِ وَ قَواعِدُ الْعِلْمِ .

اَيْنَ بَقِيَّةُ اللهِ الَّتي لا تَخْلُو مِنَ الْعِتْرَةِ الْطاهرة ، اَيـْنَ الـْمُعَدُّ لِـقَطْعِ دابِرِ الظَّلَمَةِ ، اَيْنَ الْمُنْتَظَرُ لاِِقامَةِ الاَْمْتِ وَ اْلعِوَجِ ، اَيْنَ الْمُرْتَجى لاِزالَةِ الْجَوْرِ وَ الْعُدْوانِ ، اَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ و َالسُّنَنِ ، اَيْنَ الْمُتَخَيَّرُ لاِِعادَةِ الْمِلَّةِ وَ الشَّريعَةِ ، اَيْنَ الْمُؤَمَّلُ لاِِحْياءِ الْكِتابِ وَ حُدُودِهِ ، اَيْنَ مُحْيي مَعالِمِ الدّينِ وَ اَهْلِهِ ، اَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ الْمُعْتَدينَ ، اَيْنَ هادِمُ اَبْنِيَةِ الشِّرْكِ وَ النِّفاقِ .

اَيْنَ مُـعِزُّ الاَْوْلِياءِ وَ مُذِلُّ الاَْعْداءِ ، اَيْنَ جامِعُ الكَلِمِ عَلَى التَّقْوى ، اَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الاَْرْضِ وَ السَّماءِ ، اَيْنَ صاحِبُ يَوْمِ الْفَتْحِ وَ ناشِرُ رايَةِ الْهُدى ، اَيْنَ مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَ الرِّضا ، اَيْنَ الطّالِبُ بِذُحُولِ الاَْنْبِياءِ وَ اَبْناءِ الاَْنْبِياءِ ، اَيْنَ الطّالِبُ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلاءَ .

بِاَبي اَنْتَ وَ اُمّي وَ نَفْسي لَكَ الْوِقاءُ وَ الْحِمى ، يَا بْنَ السّادَةِ الْمُقَرَّبينَ ، يَا بْنَ النُّجَباءِ الاَْكْرَمينَ ، يَا بْنَ الْهُداةِ الْمَهْدِيّينَ ، يَا بْنَ الْخِيَرَةِ الْمَهْدِيّينَ ، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اَرَى الْخَلْقَ وَ لا تُرى وَ لا اَسْمَعُ لَكَ حَسيساً وَ لا نَجْوى ، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ لا تُحِيطَ بِِيَ دُونكَ الْبَلْوى وَ لا يَنالُكَ مِنّي ضَجيجٌ وَ لا شَكْوى ، بِنَفْسي اَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا ، بِنَفْسي اَنْتَ مِنْ نازِحٍ لم يَنْزِحُ ) عَنّا .

اِلى مَتى اَحارُ فيكَ يا مَوْلايَ وَ اِلى مَتي ، وَ اَىَّ خِطابٍ اَصِفُ فيكَ وَ اَيَّ نَجْوى ، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اُجابَ دُونَكَ وَ اُناغى ، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اَبْكِيَكَ وَ يَخْذُلَكَ الْوَرى ، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكَ دُونَهُمْ ما جَرى .

هَلْ مِنْ مُعينٍ فَاُطيلَ مَعَهُ الْعَويلَ وَ الْبُكاءَ ، هَلْ مِنْ جَزُوعٍ فَاُساعِدَ جَزَعَهُ اِذا خَلا ، هَلْ قَذِيَتْ عَيْنٌ فَساعَدَتْها عَيْني عَلَى الْقَذى ، هَلْ اِلَيْكَ يَا بْنَ اَحْمَدَ سَبيلٌ فَتُلْقى ، هَلْ يَتَّصِلُ يَوْمُنا مِنْكَ بِعِدَةٍ فَنَحْظى ؟ ترى اَتَرانا نَحُفُّ بِكَ وَ اَنْتَ تَاُمُّ الْمَلاََ ، وَ قَدْ مَلأْتَ الاَْرْضَ عَدْلاً ، وَ اَذَقْتَ اَعْداءَكَ هَواناً وَ عِقاباً ، وَ اجْتَثَثْتَ اُصُولَ الظّالِمينَ ، وَ نَحْنُ نَقُولُ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمينَ .

اَللّـهُمَّ اَنْتَ كَشّافُ ْالكُرَبِ وَ الْبَلْوى ، وَ اِلَيْكَ اَسْتَعْدى فَعِنْدَكَ الْعَدْوى ، وَ اَنْتَ رَبُّ الاْخِرَةِ وَ الاُولی .

اَللّـهُمَّ وَ نَحْنُ عَبيدُكَ التّائِقُونَ اِلى وَلِيِّكَ الْمُذَكِّرِ بِكَ وَ بِنَبِيِّكَ ، خَلَقْتَهُ لَنا عِصْمَةً وَ مَلاذاً ، وَ اَقَمْتَهُ لَنا قِواماً وَ مَعاذاً ، وَ جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنينَ مِنّا اِماماً ، فَبَلِّغْهُ مِنّا تَحِيَّةً وَ سَلاماً .

اَللّـهُمَّ وَ اَقِمْ بِهِ الْحَقَّ وَ اَدْحِضْ بِهِ الْباطِلَ وَ اَدِلْ بِهِ اَوْلِياءَكَ وَ اَذْلِلْ بِهِ اَعْداءَكَ وَ صِلِ اللّهُمَّ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُ وُصْلَةً تُؤَدّى اِلى مُرافَقَةِ سَلَفِهِ ، وَ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَأخُذُ بِحُجْزَتِهِمْ ، وَ يَكمْن في ظِلِّهِمْ ، وَ اَعِنّا عَلى تَأدِيَةِ حُقُوقِهِ اِلَيْهِ ، وَ الاْجْتِهادِ في طاعَتِهِ ، وَ الإجْتِنابِ عن مَعْصِيَتِهِ ، وَ امْنُنْ عَلَيْنا بِرِضاهُ ، وَهَبْ لَنا رَأَفَتَهُ وَ رَحْمَتَهُ وَ دُعاءَهُ وَ خَيْرَهُ مانَنالُ بِهِ سَعَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَ فَوْزاً عِنْدَكَ ، وَ اجْعَلْ صَلواتَنا بِهِ مَقبُولَةً ، وَ ذُنُوبَنا بِهِ مَغْفُورَةً ، وَ دُعاءَنا بِهِ مُسْتَجاباً وَ اجْعَلْ اَرْزاقَنا بِهِ مَبْسُوطَةً ، وَ هُمُومَنا بِهِ مَكْفِيَّةً ، وَ حَوآئِجَنا بِهِ مَقْضِيَّةً ، وَ اَقْبِلْ اِلَيْنا بِوَجْهِكَ الْكَريمِ وَ اقْبَلْ تَقَرُّبَنا اِلَيْكَ ، وَ انْظُرْ اِلَيْنا نَظْرَةً رَحيمَةً نَسْتَكْمِلُ بِهَا الْكَرامَةَ عِنْدَكَ ، ثُمَّ لا تَصْرِفْها عَنّا بِجُودِكَ ، وَ اسْقِنا مِنْ حَوْضِ جَدِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِكَأسِهِ وَ بِيَدِهِ رَيّاً رَوِيّاً ، سائِغاً هَنيئاً ، لا ظَمَأ بَعْدَهُ يا اَرْحَمَ الرّاحِمين ) .

هذا غيض من فيض من آدابنا الشيعية و أدبنا الشيعي مع الإمام المهدي الموعود أرواحنا فداه .

كما أن للشيعة في مدحه و حبه من الشعر من قبل ولاته إلى يومنا هذا ، مئات القصائد ، و فيها من عيون الشعر العربي ، و آيات الشعر الفارسي و التركي و الأوردي ، و سنختم الكتاب بمقطوعات منها ، إن شاء الله .

الهوامش

1. القران الكريم : سورة النور ( 24 ) ، الآية : 35 ، الصفحة : 354 .
2. القران الكريم : سورة فصلت ( 41 ) ، الآية : 6 ، الصفحة : 477 .
3. القران الكريم : سورة النساء ( 4 ) ، الآية : 157 ، الصفحة : 103 .

ضمن كتاب عصر الظهور للعلامة المُحقق الشيخ علي الكوراني العاملي