المـــؤمل



البداء في وقت الظهور

 

 

إنّ حياة الإمام المهدي عليه السلام وأعوانه في غيبته هي (أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله وغيب من غيب الله) ومن هنا فإنّالائمة عليهم السلام لم يذكروا تفاصيل هذه الغيبة ولم يكشفوا عن أسرارها إلا القليل الذي سمح لهم بالحديث عنه.
ففي (علل الشرائع) /١/٢٤٥ عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول: (إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال عليه السلام لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال عليه السلام وجه الحكمة في غيبته, وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره أنْ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره, كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة, وقتل الغلام, وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلا وقت افتراقهما يا ابن الفضل: إنّ هذا الامر من امر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله، ومتى علمنا انّه عزّ وجل حكيم صدّقنا بأنّأفعاله كلها حكمة وإنْ كان وجهها غير منكشف لنا).
أقول الرواية التالية توضح بعض اسباب عدم الاذن لهم بالكشف عن اسرار هذه الغيبة ففي (الكافي) ١/٣٦٨ عن ابي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (يا ثابت إنّ الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين, فلما أنْ قتل الحسين عليه السلام اشتدّ غضب الله تعالى على أهل الأرض, فأخّره إلى أربعين ومائة, فحدّثناكم فاذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا (ويَمْحُواللّهُمَايَشَاء وَيُثْبِتُوَعِندَهُأُمُّالْكِتَابِ). قال ابو حمزة: فحدثت بذلك ابا عبد الله عليه السلام فقال: قد كان كذلك).
أقول لعلّ معنى (وقت هذا الأمر في السبعين) أي جعل الله تعالى في سابق علمه انّ الأرض تملأ الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا في هذا الوقت وهو سنة سبعين من الهجرة أي في عهد الائمّة وقبل ولادة الإمام المهدي عليه السلام ولما قتل الإمام الحسين عليه السلام تغيرت المصلحة و اقتضى تأخيره.
ولكنْ يرد على _انّ البداء لله تعالى حصل بعد قتل الحسين عليه السلام_ الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلمإنّ ذلك لا يكون إلاّ على يد الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان.
قال المازندراني في (شرح أصول الكافي) ٦/٣٣٢: قوله (قدكان وقت هذا الامر في السبعين) توقيت ظهور هذا الامر في السبعين من الغيبة على الظاهر أو من الهجرة على احتمال بعيد _حتى يرجع الخلق إلى دين واحد _توقيت بدائي فلذلك جرى فيه البداء. أو غيّر السبعين الى ضعفه وهو مائة واربعون ثم غيّر ضعفه الى ما شاء الله.... ولم يجعل الله لما بعد ذلك وقتا عندنا، أي لم يجعل لنا توقيته بعد ذلك, ولا يجوز لنا اظهار وقته, ويحتمل أنْ يكون المراد انّه لم يجعل لنا علما بوقته بعد ذلك).
وعلم من قول المازندراني (توقيت ظهور هذا الامر في السبعين من الغيبة على الظاهر) أي يكون توقيت الظهور بعد سبعين عاما من غيبة الإمام المهدي عليه السلام.
ويرد على قوله هذا اخبار الإمام ابو جعفر عليه السلام بان ذلك يكون قبل الغيبة وبعد قتل الإمام الحسين عليه السلام.
وقال الشيخ الطوسي في (الغيبة) ص٤٢٨: فالوجه في هذه الاخبار أنْ نقول _إنْ صحت_ انّه لا يمتنع أنْ يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر في الاوقات التي ذكرت, فلمّا تجدّد ما تجدّد تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره الى وقت آخر, وكذلك فيما بعد, ويكون الوقت الأول, وكل وقت يجوز ان يؤخر مشروطا, بان لا يتجدد ما يقتضي المصلحة تأخيره الى ان يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء فيكون محتوما. وعلى هذا يتأول ما روي في تاخير الاعمار عن اوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء (والصدقات) وصلة الارحام, وما روي في تنقيص الاعمار عن اوقاتها الى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم وغير ذلك, وهو تعالى وان كان عالما بالامرين, فلا يمتنع ان يكون احدهما معلوما بشرط والآخر بلا شرط, وهذه الجملة لا خلاف فيها بين اهل العدل).
اقول: قد يكون هناك اكثر من بداء لله تعالى في هذه المسألة وانّ جميع ذلك علمه اهل البيت عليهم السلام، وكان آخره هو ما اخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ذلك يكون في آخر الزمان على يد الإمام المهدي عليه السلام.
ولعل معنى قول الإمام الباقر عليه السلام (ولم يجعل الله له بعد لك وقتا عندنا) أي لم يجعل الله لنا أن نحدّثكم عن وقت الظهور، وليس معناه انهم يجهلون وقت الظهور.

رابط الموضوع