المـــؤمل

الرئيسية احادیث و توضیحات التطوّر الحضاري في دولة الإمام المهدي عليه السلام


التطوّر الحضاري في دولة الإمام المهدي عليه السلام


الندوة الثالثة: التطوّر الحضاري في دولة الإمام المهدي عليه السلام
ألقيت الندوة في كلية
الإدارة والاقتصاد جامعة الكوفة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، البدر الساطع والمنصور المؤيّد أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللّعنة الدائمة على أعدائهم ومنكري فضائلهم إلى قيام يوم الدين.
اللهم ربّنا وفقنا وجميع المؤمنين، واجعله خالصاً لوجهك الكريم يا أرحم الراحمين.
في البداية أشكر الأخ السيد العميد والمعاون في كلية الإدارة والاقتصاد _ جامعة الكوفة، كما أشكر مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ، وباقي الاخوة الذين تجشّموا العناء في تهيئة الظروف المناسبة للحديث عن سيدنا ومولانا بقية الله في الأرض عليه السلام.
مفهوم الدولة:
عندما نعنون الحديث والبحث عن التقدّم الحضاري في دولة الإمام، فإنّ العنوان يتحدّث عن جانب من جوانب ما يظهر ويتجلّى في دولة صاحب الأمر.
وتلاحظون العنوان فإنه يتحدّث عن التقدم الحضاري، كما أنّه يتحدّث عن الدولة الخاتمة للإمام.
وعندما تريد أن تتحدّث عن الدولة كمفهوم سياسي؛ وأثر الدولة في بناء المجتمع المتقدّم، أو بالعكس حيث تتحدّث عن أثر الدولة في تأخّر الإنسانية، فإن هذا الموضوع بنفسه يحتاج إلى حديث مفصّل ومستقل؛ بمعنى: ما هو دور الدولة في بناء المجتمع الصالح وفي بناء الإنسان الصالح؟ وهل هناك معادلة طرديّة، أو عكسيّة بين المجتمع الصالح وبين الدولة الصالحة أو ليس هناك علاقة؟
وهذا تصوّر قد أخذ في مجمل أبحاث تحدّثت عن الدولة، وأثر الدولة في المجتمع، ولا أريد أن أتطرّق إلى كل ذلك البحث؛ وإنّما من المقطوع به أنّ للدولة دوراً كبيراً في بناء الإنسان، بغض النظر عن كل خصوصيات ما يمكن أن يقال في هذا الصدد، وبهذا الصدد، فإن للدولة _ كدولة وكبناء _ دوراً في بناء المجتمع الصالح، وفي بناء الإنسان الصالح؛ وأما مقدار هذا الدور، وحدود هذا الدور، وتطوّر هذا الدور، فهذا الموضوع بنفسه يحتاج إلى بحث وحديث.
الدولة الإسلاميّة:
ويمكننا أن نعنون حديثاً آخر، عندما نتحدّث عن الدولة الإسلاميّة التي أسّست في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي أوّل دولة إسلاميّة، بل أوّل دولة في مفهومها المعاصر نشأت في جزيرة العرب، ومن الصحيح أنه كانت هناك دول أخرى خارج هذه البقعة الجغرافيّة كالدول التي كانت في الشرق أو في الغرب، مثل الروم أو الفرس أو الغساسنة أو المناذرة _ إن صحّ على الأخيرين اطلاق اسم دول _، ولكن في الجزيرة العربية تعتبر الدولة المحمّدية التي قام بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوّل الدول بمنظور حضاري بما يؤدّي وبما يملك للدولة من مفهوم.
أمّا أنّ هذه الدولة أخذت منحىً آخر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أريد أن أتحدّث عن هذا المنحى بلحاظ عقائدي، وانطلاقة عقائدية، ورؤية شيعيّة صرفة، وإنّما أشير إلى أنّ انتكاسة كبيرة قد أصابت هذه الدولة ونقلتها من شكلها الحضاري وبنائها المؤسّساتي إلى الروح القبليّة التي كانت تحكم المجتمع العربي قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك خسرت الدولة كثيراً من مفاهيمها الاستراتيجيّة، كما خسرت الدولة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً من مؤسّساتها على الواقع والواقعيّة، ومن جملتها المؤسّسة القضائيّة التي كانت قد انفصلت عن المؤسّسة التنفيذيّة والتشريعيّه في دولة رسول الله.
ولا أريد أن أطيل الكلام وإنّما أردت أن أقول وأؤكد أن هناك نموذجاً آخر، أو تطوّراً آخر، أو استرداداً واسترجاعاً للدولة في حياة أمير المؤمنين عليه السلام عندما صار خليفة للمسلمين، وهذا يحتاج أيضاً إلى بحث يتعرّض إليه الباحث والمتحدّث لتحديد مفهوم الدولة برؤية إسلاميّة، ومفهوم الدولة برؤية عقائديّة مذهبيّة شيعيّة.
خاتمة الدول:
لكن هناك خاتمة الدول التي تختم الدول الإنسانية في عقيدة الإماميّة، وتكون في آخر الزمان عندما يقوم بتلك الدولة صاحب الأمر عليه السلام، ومن الطبيعي فإن البحث هنا يحتاج إلى تأصيل، وتوضيح، وتأسيس لمفهوم الدولة كدولة من وجهة سياسيّة، سواء كان كمذهب سياسي، أو طبق الرؤى العلميّة بعلم السياسة التي تحدّد مفهوم الدولة في عصر الإمام المهدي عليه السلام ومؤسّسات تلك الدولة التي يظهرها عليه السلام.
وهذا بحث لم أشأ أن أتعرّض لخصوصيّاته في هذا اليوم، وإنّما ألزمني التعرّض إليه عنوان البحث باعتبار أنّني أريد أن أقول: أنّ للدولة دوراً بمفهومه العقائدي والسياسي والمذهبي في دولة الإمام، وفي حياة الإمام، وفي حركة الإمام الخاتم، الإمام المهدي عليه السلام.
وهذا الدور سوف يؤثّر في رقيّ الإنسانية والتقدم الحضاري للإنسانيّة، ولذلك فعندما تؤسّس تلك الدولة ذات المفهوم المحدّد، والمدلول المعيّن فسوف تهيئ الأجواء والظروف المناسبة لهذا التطوّر، ويعني هذا أنه عندما أريد أن أتحدّث عن هذا التطوّر، فلا بدّ أن أبيّن العوامل والأسباب الواقعيّة والعمليّة لهذا التطوّر وهو وجود تلك الدولة الخاتمة.
أمّا هذا التطوّر وأبعاد هذا التطوّر فسوف نقرؤه من خلال رؤيتين:
الرؤية الأولى: الرؤية الدينيّة المطلقة:
وأقصد بالإطلاق هنا ما يقابل الرؤية الدينيّة الخاصّة التي سوف أتحدث عنها، المختصّة بدولة صاحب الأمر عليه السلام.
فهناك رؤية دينيّة مطلقة تعبّر عن حقيقة أنه لو توفّرت تلك الدولة، ولو توفّرت تلك الأسس الموضوعيّة فسوف _ بطبيعي الحال _ يتحقق القسم الثاني الطردي المرتبط بهذا القسم الأوّل؛ يعني لو كانت هناك دولة إسلاميّة، وكان هناك مجتمع إسلامي وتهيأت الظروف المناخيّة والسياسيّة وغير ذلك من الظروف، فحينئذٍ لكان الجانب الثاني من المعادلة يتحقّق بشكل طبيعي، وهذا التحقّق هو التقدّم الحضاري.
يعني هناك ترابط بين وجود دولة إسلاميّة ذات أبعاد إسلاميّة مع وجود تقدّم حضاري، وهذا الذي أشارت إليه مجموعة من الآيات الكريمة التي تحدّثت عن هذه الحالة.
ومن جملة تلك الآيات قوله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) هذا الجزء الأوّل من الآية، ثمّ تقول الآية: (يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً).
إذن هناك ترابط بين الاستغفار، استغفار الله تبارك وتعالى وبين عملية نزول المطر، وهذا التنـزيل الإلهي للمطر تتمّه الآية الكريمة: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).
(5)
أنظر الوضع المترابط بين مطر السماء، وبين ضخامة المال، وتداول الثروة، أو بقاء الثروة، أو تكدّس، أو تضّخم الثروة _ أي شيء تريد أن تعبّر عبّر عنه عبّر _ وبين كثرة البنين، وبين أن تمتلئ الدنيا بالجنات، والجنات هنا قطعاً لم يكن المقصود بها جنّات الآخرة وإنّما هي جنّات الدنيا؛ يعني أن تزدهر وتتطوّر وتتقدّم الزراعة في الأرض.
ثم تتحدّث عن الثروة المائيّة بعد ما تحدثّت عن الزراعة، وتحدّثت عن الأسرة، وتحدّثت عن عدّة أشياء، فهي تتحدّث عن الثروة المائية فتقول: ويجعل لكم أنهاراً.
هذه الآية تبين هذه العلاقة والارتباط.
اسمع قوله تعالى: (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً)،(6) هذا هو نفس المنطق، ونفس المفهوم الذي ذكر في الآية السابقة لكن في مفهوم آخر، فإنّ تكملة الآية تقول: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)، هذه القوّة ومداليل القوّة، سواء كانت القوّة الجسمانيّة أو القوى الأخرى التي تظهر بظهور هذه الخيرات بواسطة الاستغفار.
إذن برؤية عامّة هناك قضايا مترابطة بعضها مع بعض، مقدّمات ونتائج استغفروا الله، تكن نهضة حضاريّة شموليّة تشمل جوانب متعدّدة من حياة الإنسان، بل تشمل حياة الإنسان ككل، هذا المفهوم العام.
الرؤية الثانية: الرؤية الخاصّة:
هناك مفهوم خاص بعقيدتنا كإماميّة، نعتقد أنّ تحقّق الدولة _ وإن كان هذا يحتاج إلى بحث خاص _ تحقّق الدولة بكل مواقعها الحقيقيّة لا يمكن أن تظهر خيراتها إلاّ في دولة صاحب الأمر عليه السلام ، فكم هناك من حكومات إسلاميّة تسبق دولة الإمام عليه السلام ويظهر فيها الخير والبركة، ولكن الحكم الإلهي المطلق وتطبيق الحكم الإلهي المطلق منحصر في دولة صاحب الأمر عليه السلام.
ولذلك فسوف تكون مظهريّة تلك الخيرات أتم مظهريّة بتحقق دولة صاحب الأمر عليه السلام ، وأعلى مستوى من مستويات الرفاهيّة الإنسانية، وأعلى مستوى حضاري تقدّمي للإنسان سوف يكون في دولة صاحب الأمر.
هذا في المنطق العام.
ولو أخذنا هذا المنطق من خلال الروايات التي وردت وتحدّثت عن دولة صاحب الأمر وعن تلك المظاهر العمرانيّة والحضاريّة في دولة صاحب الأمر، مجمل هذا الوضع _ والحديث يحتاج إلى تفصيل _ ينشأ ويؤيّد ما طرحناه من عموميّات.
النظرية الغربية:
قبل أن أتطرق لهذه الخصوصيّات لدولة صاحب الأمر، ألاحظ النظرة الغربيّة التي عشناها في بداية شبابنا عندما ظهرت في العالم العربي وترجمت النظريّات الغربيّة إلى العالم العربي، والتخوّفات الغربيّة من مستقبل البشريّة في الأرض، التي كان يعبّر عنها بأوضح تعبير في نظريّة مالتس الذي تحدّث على أنّ البشريّة متقدّمة نحو الدمار والزوال.
هذا البؤس والتشاؤم في الرؤية الغربيّة للدنيا، وللبشريّة والعالم جعل الغربييّن يتحرّكون لوضع حلول بديلة عن الوقوع في الهاوية، لأنهم يتصوّرون أنّ الخيرات في الأرض محدودة، وذلك هو مجمل هذه النظريّة الغربية التي تزعّمها مالتس في ذلك الوقت، أنّ الدنيا والأرض تملك خيرات محدودة، فبما أنّ الأرض تملك خيرات محدودة فلابدّ أن يكون وجود الإنسان السكاني على الأرض محدوداً بمحدوديّة الأرض.
ومن هذا المنطلق، ومن هذه الفكرة نشأت وبقوّة نظريّة تحديد النسل التي دعى إليها الأوربيّون الغربيّون في بداية القرن العشرين وما زالوا لحدّ الآن يؤمنون بهذه النظريّة في تحديد النسل، ويدعون إلى تحديد النسل لأجل إيجاد نهاية لهذه التخوّفات وحالة البؤس التي يعاني منها الإنسان الغربي.
وفي هذه الرؤية ترى البشريّة في حالة دمار، وفي حالة هاوية، وفي حالة شقاء؛ وهذه البشريّة لا يمكن علاجها إلاّ بأخذ مسكنات أوّلية، وجرعات لهذه المسكّنات لإيقاف التزايد السكّاني إلى مقدار يمكن للأرض أن تتحمّله.
ويقابل هذه النظريّة النظريّة الدينيّة الإسلاميّة، التي تؤمن أنّ الأرض فيها من الخيرات الشيء الكثير، وأنّ ما نراه من الخيرات على هذه الأرض لم يكن كل خيرات الأرض، فهذه الأنهار لم تكن كل قابلية الطبيعة لإغناء الإنسان بالثروة المائيّة، وكذلك السماء لم تكن قابليتها فقط هذه الزخّات من المطر.
.
وهكذا بالنسبة للمعادن، وهكذا بالنسبة للثروات الطبيعيّة الأخرى.
فإنّ الرؤية الدينيّة تقول: إن ما هو موجود حاليّاً لم يكن كل الثروة، ولم يكن كل الخير، ولم يكن كل البركة، بل إنّ الأرض فيها من إمكانيّة تكفي أبناءها البشر لو كانوا أضعاف وأضعاف هذا العدد السكاّني الموجود على الأرض، ولكنّ المانع الذي يمنع من إيجاد وظهور تلك البركات هو العوامل الغيبية التي لا يحس بها الإنسان.
تلاحظ أن الفكر المادي عندما يتصوّر أنّ المعادلة كلّها معادلة ماديّة بحتة، ولا يوجد هناك دافع وعامل غيـبي يتحكّم بهذه العناصر الماديّة، في الوقت الذي نرى فيه أنّ الدوافع الغيبيّة، والعوامل الغيبيّة لا تنحصر فقط في الآخرة والمعاد ويوم القيامة والعوامل اللامرئيّة، وإنّما ذلك الغيب وذلك العامل الغيبي مؤثّر حتّى في العوامل الطبيعيّة والأسباب الطبيعيّة.
فإن الآية الكريمة التي قرأناها توضّح أن هناك تواصلاً وتلاحماً بين العامل الغيـبي _ الاستغفار، ذكر الله، وأن ينطلق المجتمع انطلاقة ربانيّة _ وبين التطوّر الحضاري والعمراني والازدهار بكل أنواعه الذي يعيشه الإنسان.
وهذا الشيء كان مفقوداً في الرؤية المادية، وعندما نريد أن ندرسه فلا بدّ أن نبرهن عليه، كان هناك برهان علمي وجداني، وهناك برهان تجريبي.
.
ولست الآن بصدد البرهنة التجريبيّة على هذه الحقيقة الدينيّة، وهو يحتاج إلى وقت طويل للحديث عن كل خصوصيّة من هذه الخصوصيّات، وإنّما أشرت إليها إشارة لأنطلق إلى جوانب أخرى من البحث، وهذا الجانب هو عندما أتحدّث عن المخّ والمركز والأساس لتقدّم حضارة الإنسان في دولة الإمام وعصر الإمام عليه السلام.
بركات الدولة المهدوية:
لو أردنا أن نقرأ الروايات، وهنا بشكل مجمل أوضّح لك حقيقة أنّ التقدّم بدولة صاحب الأمر قد ورد في روايات كثيرة، وسنذكر هنا جملة من تلك الروايات بأسانيد العامة، فإن الروايات التي وردت بأسانيد شيعية كثيرة جداً، ولكن من باب المحاججة نذكر بعض الروايات بأسانيد عامية _ وهي كثيرة أيضاً _ لتكون الرؤية أكثر استيعاباً بما هو موجود في المذاهب الأخرى وبما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول اخواننا السنّة في كتبهم وهم يتحدّثون عن دولة المهدي عليه السلام:
من جملة تلك الروايات رواية حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتحدّث عن المهدي، والرواية طويلة جدّاً لكن أنقل لك هذا المقطع، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (.
.
.
يفرح به أهل السماء والأرض، والطير والوحش والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته، وتمد الأنهار، وتضاعف الأرض أكلها، وتستخرج الكنوز).
(1)
فيفرح به أهل السماء والأرض بمستوىً واحد، فما يشمل أهل الأرض يشمل أهل السماء، وما يشمل أهل السماء يشمل أهل الأرض، وهذا يحتاج إلى رؤية علميّة غيبيّة.
قلنا: الغيب متفاعل في الشهود في الأرض وفي الدنيا، تفاعل السماء التي هي عالم من عوالم الغيب ببعض أوجهها مع الأرض التي هي عالم الشهود، وعالم الظهور، وعالم الواقع والوجدان والحضور؛ وهذا التفاعل الثنائي معه الرواية تقول: (فيفرح به أهل السماء والأرض والطير)، وهذا البعد الآخر، (والوحوش والحيتان في البحر)، وهذا يحتاج إلى حديث يتعلّق عن أثر دولة الإمام المهدي عليه السلام ، ودور دولة الإمام المهدي عليه السلام بتطوّر الحيوان وليس فقط الإنسان.
وأنا لا أريد أن أعلّق على نظريّة دارون وأقول أنّ هذه النظريّة في بعض جوانبها كان صحيحاً، لأن هذا يحتاج إلى بحث اختصاصي تفصيلي، قد نوفّق بالمستقبل إليه، والرواية تقول: (وتزيد المياه في دولته وتمد الأنهار وتضاعف الأرض أكلها وتستخرج الكنوز).
وملخّص هذه الرواية بما يتعلّق مع التقدّم الحضاري والعمراني للإنسان نلاحظ فيها أنها تصرح بأشياء مهمة كثيرة منها: أنّه تزيد المياه، وتمدّ الأنهار، وتضاعف الأرض أكلها، وتستخرج الكنوز، هذه الرواية مع أنّها وردت في كتب اخواننا أبناء العامّة فإنها تحدّثت عن هذه المظاهر التقدّمية الحضاريّة لدولة صاحب الأمر التي هي من صلب عقيدة الشيعة الإمامية سلمهم الله تعالى.
والرواية الأخرى أيضاً تروى بأسانيد اخواننا عن عبد الله بن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن التطورات التي تصير في عصر الإمام ودولة الإمام:
(وتأمن البهائم والسباع، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها).
قال: قلت: وما أفلاذ كبدها؟ قال: (أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة).
(2)
وتأمن البهائم، أنظر: (الأمن) هو من المواضيع المهمة، فعندما نتحدّث عن الثروة المائيّة، وعن الزراعة، وعن الاقتصاد فالرواية تتحدّث عن الأمن، وهو أهم معلم من المعالم الفاعلة، والمحرّكة في تقدّم الحضارة الإنسانية، ولا يمكن لأمّة أن تترقّى بلا أمن، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وتأمن البهائم والسباع)، أي أن هذا الأمن الذي تتحدّث عنه الرواية لا يختص بالبشر فقط، وإنما يشمل حتّى البهائم.
ثمّ قال: (وتلقي الأرض أفلاذ كبدها)، فيسأل عبد الله بن عبّاس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول له: وما أفلاذ أكبادها؟ قال: (أمثال الاسطوانات من الذهب والفضة)، أنظر إلى عبارة: (اسطوانات)، فهكذا سوف تخرج الخيرات لأهل الدنيا كما في هذه رواية.
والرواية الأخرى التي تحدّثت عن هذا الجانب، مع العلم أنها روايات كثيرة جدّاً ولا يمكن في الواقع ذكرها جميعاً لكنّني أعنون الحديث بما يناسب المقام.
والرواية يرويها أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد اخواننا العامّة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:
(ينـزل على أمّتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه، حتّى تضيق بهم الأرض الرحبة، وحتّى تملأ الأرض ظلماً وجوراً، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم، فيبعث الله عز وجل رجلاً من عترتي فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدّخر الأرض من بذرها شيئاً إلاّ أخرجته ولا السماء من قطرها شيئاً إلاّ صبّته منها).
(3)
أنظر إلى أثر الدولة التخريبـي، فإذا كانت الدولة مخرّبة فكيف يمكنها أن تؤثّر تلك الدولة سلباً في حياة الإنسان، والمجتمع وفي حياة الإنسان الفرد؟ فحقاً أن الدور التخريبي في حياة الإنسان هو من تخريب الدولة، وهو ما يقابل الدور الفاعل الإيجابي في حياة الإنسان، والعمراني والتقدّمي في الدولة الخيّرة.
ولنرجع إلى الرواية حيث تقول: (ينزل على أمّتي في آخر الزمان بلاءٌ شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى تضيق بهم الأرض الرحبة وحتّى تملأ الأرض جوراً وظلماً ولا يجد المؤمن ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء _ أنظر التقدّم الحضاري العظيم الذي يصعد إلى السماء _ وساكن الأرض، لا تدّخر الأرض من بذرها شيئاً إلاّ أخرجته ولا السماء من قطرها شيئاً إلاّ صبّته).
وبالطبع فكما قلت سابقاً أنّ هذه الروايات كثيرة وإنّما أخذت عينة منها فقط لما يناسب المقام، كي أرشد إلى جوانب متعدّدة من التقدّم الذي يظهر في دولة الإمام.
وهذا التقدم لم يكن كيفياً، وإنّما هو طبيعي، أي بالقوانين الطبيعيّة وليس بالإعجاز وليس خارق العادة، بل بالقوانين الطبيعيّة وسوف يتم هذا التطوّر عندما تفتح السماء أبوابها وعندما يكون الإنسان مؤهّلاً لنزول الخيرات.
ونلاحظ من مظاهر التقدّم في دولة الإمام عليه السلام إنّ أوّل شيء يقف أمام ناظرنا من هذا التطور هو مسألة المياه، ونحن نعيش الآن في هذا العصر، مسألة المياه التي هي مشكلة العصر، وإن مشكلة القرن الواحد والعشرين هي مشكلة المياه، والمتوّقع كما تسمعون من الإعلام والاختصاصيين الذين يبحثون عن هذه المشكلة العويصة، إن هذه المشكلة غير محصورة بالثروة الزراعيّة، أو مسألة مهمّة بما تتعلق بحياة الإنسانية، بل انعكاسها على الوضع السياسي العالمي، فإنّ الحروب المتوقّعة في المستقبل في هذا القرن يكون منشؤها هو قلّة المياه، لأن هناك جدباً سوف يؤثر على واقع الحياة في الأرض.
ويفسّر بعضهم هذه الحالة بعنوان أنّ الأرض ابتدأت ترتفع حرارتها، فربّما ارتفعت درجة حرارة الأرض _ بحسب التقارير العلمية نصف درجة إلى درجة ممّا يسبّب هذا الارتفاع الجدب الذي تمرّ به الأرض بشكل عام.
فإنّ من أهم مشكلات العصر الحاضر هي مشكلة المياه، فنحن الآن وإن كنا نعيش في بلاد الرافدين وقد أبعدنا الباري عن هذه المشكلة، إلاّ أنكم لو نظرتم إلى بقية دول العالم لرأيتم هذه المشكلة بوضوح، فهي الآن تُعد إحدى المشاكل الخطرة في مباحثات السلام بين لبنان وسوريا من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى تحت عنوان تقسيم الثروة المائيّة.
فمسألة المياه مسألة سوف تدخل في السلم العالمي فضلاً عن دور المياه في الزراعة، ودور المياه في الاقتصاد، ودور المياه في حفظ حياة الإنسان.
لكن هذه الحلول _ كل الحلول التي تقدّم ذكرها وغيرها _ على نمطين:
النمط الأساسي عالمياً: أنّ المرتكز العالمي لإيجاد الحلول هو الحلول السياسيّة، ويتحدد بتقسيم الثروة المائيّة كما حدث في المؤتمر الأخير الذي عقد في أفريقيا لتقسيم ثروة مياه نهر النيل.
فهذا الموضوع موضوع دولي لتقسيم المياه، لكن هذا التقسيم وهذا الحل هو حلّ مؤقّت، فإنّه سوف يوفّر لهم فرصة أخرى للعيش في مياه أقل، ولكن سوف تبقى عندهم مشكلة يعانون منها في تصوّرهم وهي أنّ الأرض قادمة على جفاف كلّي، وهذا الجفاف مؤثّر في حياة البشريّة ككل، ولذلك يحاولون أن يجدوا حلولاً طبيعيّة أخرى يستغنون بها عن تلف وإتلاف هذا المقدار من المياه، ولم يفلحوا لحدّ الآن إلاّ من جانب واحد، وهو جانب الخيال العلمي؛ وأمّا الانطلاقة الأخرى العمليّة والواقعيّة التجريبيّة، فإنه لم يتوصّل الإنسان لحد الآن إلى تجربة عمليةّ لتوفير المياه.
أما عندنا نحن الشيعة الإمامية فإن الحل موجود في دولة صاحب الأمر عليه السلام ، ذلك لأنّ السماء سوف تمدّنا بمطر غزير، وأنّ الأرض يفجّر الله فيها عيوناً وأنهاراً، وهذه الخيرات التي سوف تكون في هذه الأرض لم تكن على نحو إعجازي وإنّما تناسبي، فلو فهمنا المعادلة التناسبيّة فحينئذٍ سوف نفهم التقدّم الذي يحصل في دولة صاحب الأمر.
أنظر إلى بعض القضايا التي تطرح على مستوى الخيال العلمي، وكما يقال وكما ترون، وبما يذكر في هذا الصدد، فإنّ أثر الخيال العلمي في الوصول واضح في اختراع الآلات المتطوّرة، ولا أريد أن أتطرّق لهذا الموضوع وليس من اختصاصي، وإنّما استشهد به لتوصيل الفكرة، وهي: ربّما أنا وأنت نقرأ بعض الروايات، وربّما لا نستوعب حدود هذه الرواية، فمرّة نوكلها إلى الإعجاز، ومرّة نوكلها إلى ظروف لم يتوصّل إليها الإنسان.
أنا أقول لك بصراحة أن القوانين الطبيعية التي اكتشفناها لحد الآن كبشر، والقوانين والتطوّر الطبيعي فضلاً عن التطوّر العمراني والحضاري الذي وصل إليه الإنسان، لم يكن كل اكتشافاته، يعني أن القوانين التي اكتشفناها حاليّاً لم تكن كلّ القوانين التي تملكها الطبيعة، وإنّما هناك قوانين أخرى لم يتوصّل إليها الإنسان في مورد الاكتشاف.
وقد حاول الإنسان أن يظهرها في رسائل الخيال العلمي.
وهذا الخيال العلمي، ربّما يكون على الأرض.
.
ونحن على يقين أنّ هناك كثيراً من القوانين الطبيعيّة التي لم يكتشفها الإنسان حاليّاً وإنّما سوف تظهر ويظهرها صاحب الأمر عليه السلام ، الذي آتاه من العلم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين، فالإمام ليس عالماً بقوانين الشريعة فقط، أو قوانين اللّغة، أو العلوم الإنسانية بشتّى أنواعها وأصنافها، وإنّما الإمام المعصوم عليه السلام عالم بكل قوانين الحياة، سواء كانت على مستوى فيزيائي، أو كيميائي، أو أي نوع من أنواع تلك القوانين التي تحكم حياة الإنسان والتطوّر الإنساني.
وعندما يظهر ويخرج كنوز الأرض، فإنّ أحد التفاسير لكنوز الأرض أنه ليس المقصود من هذا الكنز هو الكنز من الذهب والفضّة المادّي فحسب، وإنّما قد يكون _ والله العالم _ كما تشير إليه الروايات الكثيرة إلى هذا المعنى، وهو أنّ الإمام يظهر مبادئ القوّة، وقوانين القوّة وقوانين القدرة يظهرها للإنسان، أي يعطيه تلك القوانين التي يستطيع بها الإنسان أن يوفّر لحياته أفضل العيش، وأهنأ العيش، وأحسن العيش؛ أي أنّ الإمام سوف يوفر للإنسان أشياء كثيرة لم يمكنه أن يحصل عليها من قبل ومن جملة هذه الأشياء التي يوفّرها هي تلك القوانين.
أعطيك رواية واحدة تشير إلى هذا المعنى تحدّثت عمّا يظهر في دولة صاحب الأمر عليه السلام ، وهذه الرواية في الخرائج للراوندي، وهو من العلماء الأعلام للشيعة، قد رواها عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر عليه السلام قال:
(إذا قام القائم بمكّة وأراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل معه حجر موسى الذي انبجست منه اثنتا عشرة عيناً، فلا ينزل منزلاً إلاّ نصبه فانبجست منه العيون، فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظمآناً روي، فيكون زادهم حتّى ينزلوا النجف من ظاهر الكوفة، فإذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء واللّبن دائماً، فمن كان جائعاً شبع ومن كان عطشاناً روي).
(4)
علماً أن عدد الجيش هو عدد ضخم، إذ أن قادة الجيش عددهم (313) قائداً، وقد ورد في بعض الروايات أن كل قائد يشد له الإمام عليه السلام راية على عشرة أو اثني عشرة ألف أو يزيدون، فكم مليون يكون عدد جند صاحب الأمر عليه السلام؟ وهذا العدد يعطيك حالة تفاؤليّة لمن يكون معه عليه السلام من حيث الكم، والأمل أن نكون ضمن هذا الكم.
إعجاز الإمام المهدي عليه السلام:
هذا المنطق ربّما نفسّره تفسيراً إعجازياً.
فالمعجزة على نوعين:
النوع الأوّل: تبقى دائماً إلى أن يأتي الله سبحانه وتعالى بعلمه، أي تبقى خارقة لقانون الطبيعة، يعني على الدوام والاستمرار.
النوع الثاني: هناك نوع من المعجز يكون نسبياً، مثل السحر الذي كان في عهد موسى عليه السلام يقال إنّ هذا السحر إعجاز لم يكن خارقاً للعادة، وإنّما نسبي بما عجز عنه السحرة في عصره، والمقصود من النسبيّة هنا هو أنّ هناك في الطبيعة قوانين لم يتوصّل إليها البشر في ذلك العصر، والنبي بما أوتي من قوّة بالعلم والمعرفة يستخدم قوّته العلميّة وعلومه التي لم يعرفها باقي البشر لإظهار ذلك الخارق، وحينئذٍ لو سئل: من أين لك هذا العلم؟ فإنه سيقول: من الله سبحانه، باعتبار أنّ الله هو الذي علّمه هذا القانون، وممّا يؤيّد ويؤكّد إعجاز ذلك النبي على نبينا وآله وعلى جميع الأنبياء آلاف التحيّة والسلام.
هناك في حياة الإمام ربّما يقال نوع من هذا الإعجاز، يعني هناك إعجاز ربانّي لا إشكال فيه، وكما جرى على يد سائر الأنبياء فإنه سوف يجري على يد الإمام المهدي عليه السلام.
وهناك إعجاز سبقي، بمعنى تقدّم علمي حصل عليه الإمام لم يحصل عليه السابقون، قد يكون من ذلك حجر موسى عليه السلام الذي يكون مع المهدي عليه السلام.
وهذا الموضوع مهم، ودقيق، ولا أريد أن أخوضه بكل تفاصيله، وإنّما بالشكل السريع من أجل إيصال الفكرة، وأمّا الخصوصيّات، فيمكن أن نناقش فيها للتوصّل إلى رؤىً صحيحة تنسجم مع العقيدة الصحيحة.
وأريد أن أقول إنّ هناك تقدّماً حضارياً علمياً يسبق الخيال العلمي الموجود حاليّاً، ويطبّق أو ينفذ كثيراً من النظريّات الخياليّة العلميّة، فيكون تطبيقها في دولة صاحب الأمر عليه السلام.
وهذا السبق يجعل هناك التقدّم في الزراعة، كما قرأت هذه الآية، إضافة إلى ما تحدّثت به الروايات من أنّ الله يجعل الأرض في دولة صاحب الأمر خضراء، فهذه الجزائر والصحاري التي نراها، مثل جزيرة العرب، أو جزيرة العراق، أو غير ذلك من الصحاري الواسعة في الأرض سوف تتحوّل إلى جنّات وعيون تمتلئ بالخضرة، والخضرة التي تفيد الأرض، كما أنّ هنالك خضرة تفيد حياة الإنسان تعبّر عنها الرواية التي قرأناها عنه عليه السلام أنّ هذه الأُكل: (وتضاعف الأرض أكلها) حتّى النوع سوف يختلف ويتكثّر.
إن هذا السبق أيضاً ربّما كان للتأكيد على حدوث أشجار تحمل الأثمار التي لم تكن معروفة في زمان الأئمّة عليهم السلام.
وعلى كل حال، فإن كل هذا إنما هو في عصر الإمام عليه السلام وفي عهده بالنسبة للزراعة، وبالنسبة للمياه، فإنه قالت الروايات أنّ هناك مياهاً وأنهاراً جديدة سوف تشق في الأرض تلك الأنهار، كما وأن الإمام عليه السلام سوف يشق نهراً من كربلاء إلى النجف، تقول الرواية: أنّ الإمام يشقّ نهراً من كربلاء إلى النجف.
(5) يعني أنظر إلى هذه الصحراء التي تراها حاليّاً ما بين كربلاء وما بين النجف فإنها سوف يحييها الإمام عليه السلام مرّة أخرى.
وكل هذا التقدّم سوف تمر به البشريّة في عصر الإمام.
والإمام الصادق عليه السلام عندما ذكر هذه المناظر، إنّما تحدّث عنها لأنها كانت معروفة ومتصورة لمعاصريه، ولكنه لم يتحدّث عن المناظر الأخرى غير المعروفة لمعاصريه وليس عدم ذكره لها لأنها لم يشملها التقدّم، بل سوف يشملها، ولكن لسبب آخر وهو: لأنّ الرواة كانوا ربّما لا يعرفون إلاّ أبعاد ضيقة عن المناطق الجغرافيّة التي يعيشون فيها أو التي يمرّون بها.
البعد الاقتصادي:
إذا أردنا أن نرى التقدّم الاقتصادي في دولة الإمام فنلاحظ أثر المال في الاقتصاد _ اقتصاد الدولة، واقتصاد المجتمع، واقتصاد الفرد _ وإلى أثر المال في التطوّر والتقدّم بما يعني له من البعد الاقتصادي في تطوّر حياة الإنسان.
وعندما نقرأ الآن في كتب الفكر الماركسي فإننا نجدها تتحدّث عن أنّ العامل الأوّل والأخير في التطوّر الحضاري عند الإنسان هو العامل الاقتصادي، فيأتيك الإسلام فيجعل هناك عوامل متنوعّة للتطوّر، أهمها العامل الاقتصادي.
أما كيف يمكن لهذا التطوّر الاقتصادي توفير الحياة الهانئة والحضارة لتقدّم الإنسان؟ فهذا بحث بنفسه يحتاج إلى حديث مستقل لا أخالني أتمكّن من الحديث عنه حالياً، لضيق الوقت.
ولكني أريد أن أقول: بأن هناك شعباً كثيرة من الحديث عن حضارة الإنسان في دولة الإمام، وهذا التطوّر الحضاري من حيث المدن وترتيبها وتطورها، أي الجانب العمراني في المدينة وأثر المدينة، وبناء المدينة في دولة صاحب الأمر عليه السلام.
وكل واحد من هذه المفردات التي طرحتها والتي لم أطرحها، مثل الجانب الأمني، والجانب العسكري، ولحاظ بناء المدن، والتقدّم العمراني، ولحاظ التقدّم في الصناعات، والتقدّم في التكنلوجية، وكل شيء، وكل هذه مسائل تحتاج إلى حديث مفصّل.
وهناك تقدّم يحدث في الإنسان نفسه، أي في قدراته العقليّة، وفي إدراكات الإنسان بما يحدث فيه من تطوّر آخر، أمّا كيف يتم هذا التطوّر في قدرات الإنسان، والفرق بينه وبين التطوّر الذي يحدث في الآلة، أو في التقدّم التكنلوجي والتقدّم الذي يحدث على الأرض، فهذا يحتاج إلى حديث آخر، أسأل الله التوفيق لي ولكم.
والحمد لله رب العالمين
*   *   *
الأسئلة والأجوبة
السؤال الأوّل:
سماحة السيد تحدّثتم أنّ هناك عدّة دول إسلاميّة تسبق دولة الإمام عليه السلام ، ما هي فائدة هذه الدول الإسلاميّة إذا كان تحقّق العدل المطلق محصوراً في دولة الإمام عليه السلام؟ علماً أنّ هناك من المراجع من لا يرى قيام دولة إسلاميّة في الوقت الحاضر؟
الجواب:
السؤال ينشعب إلى قسمين:
القسم الأوّل: ما هي فائدة وجود دول إسلاميّة قبل دولة صاحب الأمر؟
والجواب: من خلال البحث والحديث توضّح أنّ تلك الدول التي تكون قبل صاحب الأمر تكون قوّتها وقدرتها على تنفيذ الإسلام محدودة، بمعنى أن القوّة فيها محدودة سواء كانت أسباب تلك المحدودية تعود لظروف دوليّة أو سواء كان لظروف اقتصاديّة تجبر هذه الدولة على أن يكون تأثيرها محدوداً، أو أمور أخرى.
والإنسان المنطقي والعلمي يتوصّل إلى أنّ القدرة في تلك الدول لا تجعلها أن تحكّم الإسلام عامداً، فضلاً عن أنّ الإنسان الحاكم إذا لم يكن معصوماً بطبيعته يكون معرضاً للخطأ.
ولكن فائدتها تمثّل جزءاً من الخير، فإنّ الخير القليل خير من لا خير، فالخير النسبي وإن كان محدوداً فهو خير، وأمّا عندما أقول: إسلاميّة، لا أقصد بهذا المصطلح إعطاء نمط خاص وهو النمط الإسلامي، يعني (الدولة الفلانيّة إسلاميّة) ولا أقصد من هذه التسميات التي تطلق على بعض الدول من الناحية الرسمية، وإنّما أقول معنى تطبيق الإسلام النسبي بما تهيئه الظروف، وبتعبير الإمام الخميني ومؤسّس الدولة الإسلاميّة في إيران _ كما تعلمون _ كان يقول: نحن لحدّ الآن لم نطبق الإسلام كلّه وإنّما نسعى لتطبيق الإسلام، وأمّا الإسلام كلّه فسوف يطبق في دولة الإمام المهدي عليه السلام.
القسم الثاني: وهو أنّ بعض المراجع لا يؤمنون بوجود حكومة إسلاميّة.
فالصحيح: ليس ان بعض أولئك المراجع لا يؤمنون بحكومة إسلاميّة، بل انهم لا يدعون للوجوب، يعني لا يجب عليك أن تسعى وتجاهد وتقاتل من أجل إقامة دولة إسلاميّة.
هذه رؤية فكريّة تحتاج إلى وقفة، ومن الطبيعي أن هناك فقهاء قد يكونون يؤمنون بعدم هذا الوجوب، أمّا لو وجدت الدولة الإسلاميّة فلا يسمونها دولة غير إسلاميّة ولا يسمّونها _ أعوذ بالله _ مثلاً دولة منافقين أو دولة كفّار إلى آخره، وإنّما دولة إسلاميّة، نعم لم تتوافر تلك الدولة على تلك الشروط المطلقة الموجودة في دولة الإمام المهدي عليه السلام، لأنّ الإنسان المطلق والكامل يحقق ذلك الأمل في دولة صاحب الأمر عليه السلام فقط.
السؤال الثاني:
سماحة السيد الموسوي، يبشّرنا بعض المراجع بأنّ هذا الزمان إن شاء الله زمن ظهور الإمام عليه السلام ، فما رأيك؟ ولكوننا شباب نتطلّع لظهوره فما هو دورنا في هذا الأمر، وكيف يكون الاستعداد والمشاركة في دولة الإمام المهدي عليه السلام؟
السؤال الثالث:
هل لنا دور في تعجيل أو تأخير ظهور الإمام؟ وما هي الأمور التي تساعد على ظهور الإمام؟ وما هو دور المرأة في تعجيل ظهور الإمام؟ وما هو دور الشباب في تعجيل ظهوره عليه السلام؟
السؤال الرابع:
هل هذا الاحتلال الذي عمّ العراق له دور في تعجيل ظهور الإمام المهدي عليه السلام؟ وهل تعتبر هذه الحروب العلامات في تعجيله؟ وما هو دورنا في هذا الظرف؟
الجواب:
بطبيعة الحال كل واحد من هذه الأسئلة يحتاج إلى وقت كامل للحديث عنه، أمّا بشكل مختصر:
نحن كمؤمنين سواء الرجال منا أو النساء مكلفون _ والكل مكلف _ أن نسعى بالتهيؤ لصاحب الأمر، والسعي مرّة على نحو الفرد والشخص، ومرّة على نحو المجتمع والشكل العام، وتهيئة الأمّة، وتهيئة الفرد.
والوظائف الشرعيّة محدّدة، وكل إنسان يحدّد وظيفته الشرعيّة، أوّلاً ينطلق من تزكية النفس وتهذيب النفس إلى أن يملأ ذهنه وعقله بالرؤى والعقائد الصحيحة الإيمانيّة، خصوصاً في عصر الفتن، كما نقرأ في الروايات أنّه عصر ما قبل الظهور عصر الفتن، خصوصاً الفتن العقائديّة، ويفترض في كل واحد منّا أن يتهيأ للدفاع عن عقيدته والعمل بوظيفته الشرعيّة، إمّا في بناء المجتمع الصالح وإمّا في بناء الأمّة الصالحة الممهّدة لصاحب الأمر.
وهناك تمهيد واع بوجود قوى قادرة على أن تساند الإمام عليه السلام ، وهذه كلّها ظروف يحتاج الحديث عنها إلى تفصيل يمنعنا عنه ضيق الوقت.
والحمد لله رب العالمين
الهوامش
(1) شجرة طوبى للشيخ الحائري 1: 178؛ إعلام الورى للطبرسي 2: 287.
(2) المقصود: الدكتور عبد الأمير زاهد عميد كلية الآداب في جامعة الكوفة، حيث أقيمت هذه الندوة على قاعتها.
(3) روي الحديث بصيغ عدّة منها:
ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1: 93/ ح 46، وفي طبعة ثانية 1: 17 قال عليه السلام: (كأني بك يا كوفة تمدين مدّ الأديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين الزلازل؛ واني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل).
وفي الوسائل 14: 36/ الرقم العام 19386/ طبعة آل البيت؛ ونقله الشيخ النوري في مستدرك الوسائل 10: 203؛ والمجلسي في البحار 57: 209، و97: 385؛ والشيخ الحائري في شجرة طوبى 1: 12؛ والشيخ النمازي في مستدرك سفينة البحار 9: 199؛ وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3: 193؛ وروى الشيخ الكليني في الكافي الشريف 4: 563 عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (.
.
.
مكّة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكوفة حرمي لا يريدها جبار بحادثة إلاّ قصمه الله).
ورواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 6: 12 ولكن بتغيير قليل: (.
.
.
والكوفة حرمي لا يريدها جبار يجور فيه إلاّ قصمه الله).
وفي روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 407: (والكوفة حرمي لا يريدها جبار يجور فيها إلاّ قصمه الله).
ورواه الحر العاملي في الوسائل 10: 282/ الرقم العام 19389.
وروى الشيخ الطوسي في الأمالي: 51 عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال له الخضر: (انك في مدرة لا يريدها جبار بسوء إلاّ قصمه الله).
ونقله ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب 2: 84؛ والسيد هاشم البحارني في مدينة المعاجز 2: 320؛ والمجلسي في البحار 39: 131، و97: 393.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2: 196 ويقول للكوفة عند نظره إليها: (أهلاً بك وبأهلك! ما أرادك جبار بكيد إلاّ قصمه الله).
وروى القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار: 417/ ح 766 عن أمير المؤمنين عليه السلام قال وقد ذكر الكوفة: (أما أنها مدرة لا يريدها جبار بسوء إلاّ قصمه الله عز وجل).
(4) روى العلامة المجلسي في البحار 52: 243/ ح 116 عن غيبة النعماني بإسناده عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام أنه قال: (كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه، ثمّ يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتّى يقوموا، ولا يدفعونها إلاّ إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء؛ أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر).
ثمّ قال العلامة المجلسي بعد نقله هذا الحديث: (بيان: لا يبعد أن يكون إشارة إلى الدولة الصفوية شيّدها الله تعالى، ووصلها بدولة القائم عليه السلام).
(5) نوح: 10 - 12.
(6) هود: 52.

الرئيسية احادیث و توضیحات التطوّر الحضاري في دولة الإمام المهدي عليه السلام