المـــؤمل

الرئيسية المؤمل في الأديان البشارات السماوية لا تنطبق على غير المهدي الامامي


البشارات السماوية لا تنطبق على غير المهدي الامامي

البشارات السماوية لا تنطبق على غير المهدي الامامي :

ان مـن الـواضـح لـمـن يمعن

النظر في نصوص تلك البشارات السماوية انها تقدم مواصفات للمصلح الـعالمي ، لا تنطبق على غير المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, طبقا لعقيدة مدرسة اهل البيت عليهم السلام, لذلك فان مـن لـم يـتعرف هذه العقيدة لا يستطيع التوصل إلى المصداق الذي تتحدث عنه ، كما نلاحظ ذلك في اقوال مفسري الانجيل بشأن الايات (1 ـ 17) من سفر الرؤيا, الفصل الثاني عشر, مكاشفات يوحنا الـلاهـوتي ، فهم يصرحون بأن الشخص الذي تتحدث عنه البشارة الواردة في هذه الايات لم يولد بـعـد, لـذا فـان تـفـسيرها الواضح ومعناها البين موكول للمستقبل والزمان المجهول الذي سيظهر فيه ، (1) في حين ان هذه الايات تتحدث بوضوح عن الحكومة الالهية التي يقيمها هذا الشخص فـي كل العالم ، ويقطع دابر الاشرار والشياطين ، وهي المهمة التي حددتها البشارات الاخرى بأنها مـحـور حـركـة الـمـصـلـح الـعـالمي.

لكن مفسري الانجيل لم يستطيعوا تطبيقها على المصداق الذي اختاروه لهذا المصلح ، وهو السيد المسيح عيسى بن مريم عليهماالسلام ، لان البشارة واردة عن يـوحنا اللاهوتي عن السيد المسيح ، فهو المبشر بمجي ء هذا المنقذ, كما انهم لم يتعرفوا عقيدة اهل البيت عليهم السلام في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, لذلك لم يستطيعوا الاهتداء إلى مصداق تلك الايات.

البشارات وغيبة الامام الثاني عشر :

وهناك باحث سني استطاع الاهتداء إلى المصداق الذي تتحدث الايات المشار اليها عندما تعرف عقيدة اهل البيت في المهدي المنتظر ـ سلام اللّه عليهم اجمعين ـ,وهو الاستاذ سعيد ايوب ، حيث يقول في كتابه المسيح الدجال عن هذه الايات نفسها : ويقول كعب : مكتوب في اسفار الأنبياء : المهدي ما في عمله عيب ، ثم علق على هذا النص بالقول : واشهد اني وجدته كذلك في كتب اهل الكتاب ، لقد تتبع اهـل الـكتاب اخبار المهدي كما تتبعوا اخبار جده صلى الله عليه وآله وسلم, فدلت اخبار سفر الرؤيا إلى امراة يخرج مـن صـلبها اثنا عشر رجلا, ثم اشار إلى امراة اخرى : اي التي تلد الرجل الاخير الذي هو من صلب جـدتـه ، وقال السفر : ان هذه المراة ستحيط بها المخاطر, ورمز للمخاطر باسم التنين ، وقال : والتنين وقف امام المراة العتيدة حتى تلد, يبتلع ولدها متى ولدت.

سفر الرؤيا, 12 : 3. اي ان السلطة كـانـت تـريد قتل هذا الغلام ، ولكن بعد ولادة الطفل ، يقول باركلي في تفسيره : عندما هجمت عليها الـمخاطر اختطف اللّه ولدها وحفظه.

والنص : واختطف اللّه ولدها, سفر الرؤيا,12 : 5, اي ان اللّه غيب هذا الطفل كما يقول باركلي.

وذكـر الـسـفـر ان غـيبة الغلام ستكون الفا ومئتين وستين يوم(2) ، وهي مدة لها رموزها عـنـد اهل الكتاب ، ثم قال باركلي عن نسل المرأة (الاولى) عموما : ان التنين سيعمل حربا شرسة مع نـسـل الـمـراة ، كما قال السفر : فغضب التنين على المراة ، وذهب ليصنع حربا مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا اللّه.

سفر الرؤيا, 12 : 13 وعـقـب الاسـتـاذ سعيد ايوب على ما تقدم بالقول : هذه هي اوصاف المهدي ، وهي نفس اوصافه عند الشيعة الامامية الاثنى عشرية ، ودعم قوله بتعليقات اوردها في الهامش بشأن انطباق الاوصاف على مهدي آل البيت عليهم السلام.(3)

البشارات وخصوصيات المهدي الامامي :

ويـلاحظ في هذه البشارة الانجيلية تناولها لخصوصيات في المصلح العالمي ، الا على ابرز ما يميز عقيدة مدرسة اهل البيت عليهم السلام, والواقع التأريخي الذي مرت به.

فتناول هذه الخصوصيات الظاهرة بالذات يشير إلى حكمة ربانية في هداية الاخرين إلى المصداق الحقيقي للمصلح العالمي بأبلغ حجة ، من خلال الاشارة إلى ابرز خصوصياته الظاهرة والمعروفة ، لكي يكون الاهتداء اليها ايسر, فمثلا نلاحظ فيها الاشارة إلى تعرض مدرسة اهل البيت عليهم السلام لمخاطر التصفية والابادة ، التي تؤدي من ثم إلى غـيبة الامام الثاني عشر منهم ، ثم تأكيد ان هذا الامام محفوظ بالرعاية الالهية في غيبته ، حتى يحين موعد ظهوره المبارك.

ومعلوم ان القول بغيبة الامام الثاني عشر هو اهم ما يميز عقيدة الامامية في المهدي المنتظر, ولذلك وردت الاشارة اليها بالذات تسهيلا للاهتداء إلى المصداق الحقيقي للمنقذ العالمي.

كـمـا وردت اشارات إلى مميزات معروفة اخرى تختص بها عقيدة ائمة اهل البيت عليهم السلام, مثل القول بـأن الامام المهدي هو الامام الثاني عشر, من سلسلة مباركة متصلة ، كما تشير لذلك الايات المتقدمة وبـشـارات اخرى واردة في الكتب المقدسة ، نظير ما ورد في (سفر التكوين : 17 : 20, ص 22 ـ 23 مـن الاصـل العبرى ), من الوعد على لسان الرب تعالى خطابا لابراهيم الخليل عليه السلام, بالمباركة والـتكثير في صلب اسماعيل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الاثنى عشر من عترته عليهم السلام.(4) ومعلوم ان مـصـداق الائمـة الاثـنى عشر من صلب اسماعيل لم يتحقق بالصورة المتسلسلة المشار اليها في البشارات ، الا في الائمة الاثنى عشر من اهل البيت عليهم السلام, كما يثبت ذلك الواقع التأريخي ، فضلا عن الاحـاديث النبوية المتفق على صحتها بين المسلمين ، (5) فهي خاصة بهم حتى اصبحت ظاهرة واضحة في التأريخ ‌الاسلامي ، اطلقت على المذهب المنتمي لاهل البيت عليهم السلام, فسمي مذهب الامامية الاثـنـى عـشـرية.

وعليه يتضح ان تلك البشارات تهدي إلى حقيقة ان المهدي هو خاتم هؤلاء الائمة الاثنى عشر عليهم السلام.

البشارات واوصاف المهدي الامامي :

كما وردت فيها اشارات إلى القاب اختص بها المهدي الامامي عليه السلام, مثل وصف (القائم ).(6) فـمـثلا نلاحظ البشارة التالية من سفر اشعيا النبي ، التي تحدث القاضي جواد الساباطي عن دلالتها على المهدي وفق عقيدة الامامية الاثنى عشرية : 2 ـ ويـحـل عـلـيـه روح الـرب وروح الـحـكـمـة والـفـهم ، وروح المشورة والقوة ، وروح المعرفة ومخافة الرب.

3 ـ ولذته في مخافة الرب ، ولا يقضي بحسب مراى عينيه ، ولا بحسب مسمع اذنيه.

4 ـ ويحكم بالانصاف لبائسي الارض ، ويضرب الارض بقضيب فمه ، ويميت المنافق بنفخة شفتيه...

6 ـ ويـسـكـن الـذئب والـخـروف ، ويربض النمر مع الجدي ، والعجل والشبل معا, وصبي صغير يسوقها...

9 ـ لا يـسـيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي ، لان الارض تمتلىء من معرفة الرب ، كما تغطي المياه البحر.

10 ـ وفـي ذلـك اليوم سيرفع (القائم ) راية للشعوب والامم التي تطلبه وتنتظره ، ويكون محله مجدا).(7) ومـثـل وصـف (صـاحـب الـدار) الـمـعدود من القاب الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف,(8) فقد ورد ضـمـن بـشـارة عـن انـتـظـار الـمـنـقـذ العالمي الذي لا يختص به المسيحيون ، اشارة إلى عدم هـذا الاخـتـصـاص ، وتـحـدثـت عـن ظـهـوره الـمـفـاجىء, وهي في الانجيل (انجيل مرقس ، 13 : 35).(9)

ومـثـل وصـف المنتقم لدم الحسين عليه السلام المستشهد عند نهر الفرات ، كما ورد في بشارة في (سفر ارميا, 46 : 2 ـ 11), كما صرح بذلك الاستاذ الاردني عودة مهاوش في دراسته الـكـتـاب الـمـقـدس تحت المجهر, وذكر انها تتعلق بالمهدي المنتقم لدم الحسين عليه السلام. (10) ونظائر ذلك كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.

الاهتدأ إلى هوية المنقذ في ضوء البشارات :

اذن مـعـرفـة هـذه الخصوصيات تقودنا إلى اثبات ان المصلح العالمي الذي بشرت به جميع الديانات هـو الـمـهدي ابن الحسن العسكري عليهما السلام ، كما تقوله عقيدة اهل البيت عليهم السلام, لان البشارات الـسـمـاوية لا تنطبق على العقائد الاخرى.

فتكون النتيجة هي ان الديانات السابقة لم تبشر بظهور الـمـنـقذ العالمي في آخر الزمان ، بعنوانه العام وحسب ، بل شخصت ايضا هويته الحقيقية من خلال تـحديد صفات وتفصيلات ، لا تنطبق على غيره عليه السلام. فتكون هذه البشارات دليلا اضافيا على صحة عقيدة اهل البيت عليهم السلام بهذا الشأن ، وانها ذات مصدر الهي .

ونـكـتـفـي هـنـا بالاشارة إلى بعض البشارات الواردة في العهدين القديم والجديد (اسفار التوراة والانـجـيـل ) بـهذا الصدد, بحكم كونها معتبرة عند اكبر واهم الديانات السابقة على الاسلام ، اي اليهودية والنصرانية ، ولان هذين العهدين الموجدين حاليا قد مرا بالكثير من التحقيق والتوثيق عند علماء اليهود والنصارى واجريت بشأنها الكثير من الدراسات ، ودونت الكثير من الشروح لهما, ونـسخها كثيرة ومتداولة بترجمات كثيرة لمختلف اللغات .

وان كان الاعتماد على الاصول العبرية ادق ، لوقوع اخطأ ولبس في الترجمات .

فـالاقتصار عليهما لا يعني بحال انحصار البشارات التي لا يمكن تفسيرها بغير المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف طبق عـقـيدة مذهب اهل البيت عليهم السلام, بل على ، العكس فان امثالها موجودة في مختلف كتب الاديان الاخرى وبـتصريحات ودلالات اوضح ، ذكرتها الدراسات المتخصصة في هذا الباب.(11)

ولكنها غير مـشـهـورة عـند الجميع ونسخها غير متداولة ، واغلبها لم تترجم عن لغاتها الام الا قليلا, على ان الاقتصار على النماذج المتقدمة من العهدين القديم والجديد فيه الكفاية في الاستدلال على المطلوب ، والتفصيلات موكولة للمراجع المتخصصة المشار اليها في طيات البحث.

الاستناد إلى بشارات الكتب السابقة ومشكلة التحريف :

وتبقى هنا قضيتان ، من الضروري التطرق لهما قبل تثبيت النتائج المتحصلة من البحث : الـقـضية الاولى هي : مناقشة السؤال التالي : كيف يمكن الاستناد إلى كتب الديانات الاخرى في اثبات قـضـيـة مـهـمـة ، مثل قضية تخص هوية المصلح العالمي المنتظر, واثبات انه المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام, واثبات صحة هذه العقيدة وانتمائها الالهي ، مع اتفاق المسلمين على وقوع التحريف في هذه الكتب؟ نعتقد ان الاجابة عن هذا التساؤل ممكنة بقليل من التدبر في حيثيات الموضوع ، ويمكن تلخيصها بما يلي : 1 ـ ان اثبات عقيدة اهل البيت عليهم السلام في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف يستند إلى الكثير من البراهين العقلية والايـات القرآنية ، وما اتفق عليه المسلمون من صحاح الاحاديث النبوية ، والواقع التأريخي لسيرة ائمـة اهـل الـبـيت عليهم السلام, كما هو مشهود في الكتب العقائدية التي تناولت هذا الموضوع ، وسنتناول الحديث عن ذلك في بحث آخر بالتفصيل ان شاء اللّه .

اما الاستناد إلى البشارات الواردة في كتب الاديان المقدسة ، فهو من باب الدليل الاضافي ، او الشواهد الـمـؤيدة ، فلا تسقط النتيجة المتحصلة منه بسقوط او بطلان الاساس ، لان هذه العقيدة قائمة على اسـس اخرى ايضا, اذن لا مجال للاعتراض على صحة هذه العقيدة ، حتى مع افتراض بطلان بعض اسسها, باعتبار القول بتحريف تلك الكتب.

اجـل ، ثمة ثمار مهمة لدراسة وتوثيق هذا الدليل ، وهي هداية اتباع الديانات الاخرى إلى الحق وإلى المصلح الالهي الحقيقي ، بالاستناد إلى كتبهم نفسها, وفي ذلك حجة كاملة عليهم ، هذا اولا, وثانيا فان مـثل هذه الدراسة تؤكد الجانب العاملي في القضية المهدوية ، وتوفر محورا جديدا للوفاق بين الاديان المختلفة بشأن المصلح العالمي الذي ينتظرونه جميعا.

2 ـ ليس ثمة من يقول بأن جميع ما في كتب الاديان السابقة محرف ، بل ان المتفق عليه بين المسلمين وقوع التحريف في بعضها وليس في كلها. لذلك فان ما صدقته النصوص الشرعية الاسلامية ـ قرآنا وسنة ـ مما في الكتب السابقة محكوم بالصحة وعدم تطرق التحريف اليه ، وهذا واضح.

الاستناد إلى ما صدقه الاسلام من البشارات :

ومـن الـثـابـت اسـلاميا ان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد بشر بالمهدي الموعود من اهل بيته ومن ولد فـاطـمة سلام الله عليها, (12) لذلك فان البشارات الواردة في كتب الاديان السابقة من هذا النمط الذي لم تـطاله ايدي التحريف ، ما دامت منسجمة مع ما صح في النصوص الشرعية الاسلامية.

اذن لا مانع من الاستناد اليه والاحتجاج به.

يضاف إلى ذلك ان القرآن الكريم نفسه قد بشر بالدولة الالهية العالمية واقامتها في آخر الزمان ، كما صرحت بذلك آياته الكريمة التي دل عدد منها على المهدي الموعود,وحتمية وجوده وغيبته ـ كما سـنـوضـح ذلـك في بحث لا حق ان شأ اللّه تعالى ـ وهذا يعني تصديق ما ورد في بشارات الاديان السابقة الواردة بالمضمون نفسه ، الامر الذي يعني صدورها من نفس المصدر الذي صدر منه القرآن الـكـريـم ، ومـن ثـم الـحكم بصحتهاوعدم تطرق التحريف اليها, فلا مانع حينئذ من الاستناد اليها والاحتجاج بها في اطار المضامين التي صدقها القرآن الكريم.

الواقع التأريخي وتصديق البشارات :

3 ـ ان بعض هذه البشارات يرتبط بواقع خارجي معاش او ثابت تأريخيا, بمعنى ان الواقع الخارجي الـثـابت جأ مصدقا لها. فمثلا البشارات التي تشير إلى ان المصلح العالمي هوالامام الثاني عشر من ذريـة اسـمـاعيل ، وانه من ولد خيرة الامأ, وان ولادته تقع في ظل اوضاع سياسية خانقة ومهددة لـوجـوده ، فـيـحـفـظه اللّه ويغيبه عن اعين الظالمين إلى حين موعد ظهوره وامثالها, كلها تنبأت بحوادث ثابتة تأريخيا, وهذا يضيف دليلا آخر على صحتها ما دام ان من الثابت علميا انها مدونة قبل وقوع الحوادث التي اخبرت عنها, فهي في هذه الحالة تثبت انها من انباء الغيب التي لا يمكن ان تصدر الا مـمـن له ارتباط بعلام الغيوب تبارك وتعالى.

وبذلك يمكن الحكم بصحتها وعدم تطرق التحريف اليها, ومن ثم يمكن الاستناد اليها والاحتجاج بها. (13) تأثير البشارات في صياغة العقيدة المهدوية امـا القضية الثانية ، فهي ما يرتبط بالاعتراض القائل بأن الاستناد إلى هذه البشارات في اثبات عقيدة اهل البيت في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, يفتح باب التشكيك والادعاء بأن هذه العقيدة تسللت إلى الفكر الاسلامي من الاسرائيليات ومحرفات الاديان السابقة.

والجواب عن هذا الاعتراض واضح من الاجابة السابقة ، فهو يصح اذا كانت العقيدة الامامية المهدوية تستند إلى تلك البشارات وحدها, في حين ان الامر ليس كذلك.

ولـوقـلنا بأن كل فكرة اسلامية لها نظير في الاديان السابقة هي من الافكار الداخلية في الاسلام ، لادى الامر إلى اخراج الكثير من الحقائق والبديهيات الاسلامية ، التي اقرها القرآن الكريم وصحاح الاحـاديث الشريفة ، وهي موجودة في الاديان السابقة ، وهذا واضح البطلان ولا يخفى على ذي لب.

فـالـمـعيار في تشخيص الافكار الدخيلة على الاسلام هو عرضها على القرآن والسنة ، والاخذ بما وافـقهما ونبذ ما خالفهما, وليس عرضها على ما في كتب الديانات السابقة ونبذ كل ما وافقها, مع العلم بـأن فـيـهـا مـا لـم تتطرق له يد التحريف ، وفيه ما ثبت صدوره عن نفس المصدر الذي صدر عنه القرآن الكريم.

يـضـاف إلى ذلك ان عقيدة الامامية في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف تستند إلى واقع تأريخي ثابت ، فكون الامـام الـمـهـدي هو الثاني عشر من ائمة اهل البيت ثابت تأريخيا, وحتى ولادته الخفية من الحسن الـعـسـكـري عليه السلام سـجـلها المؤرخون من مختلف المذاهب الاسلامية ، واقرها علماء مختلف هذه الـمـذاهـب ، حـتـى الـذيـن لم يذعنوا انه هو المهدي الموعود, وان كان عدد الذين صرحوا بأنه هو المهدي من علماء اهل السنة كثيرون ايضا.(14)

النتائج المتحصلة من البحث :

نصل إلى القسم الاخير من البحث ، وهو تسجيل النتائج المتحصلة منه في النقاط التالية :

1 ـ ان اصل فكرة الايمان بالمصلح العالمي في آخر الزمان ، واقامة الدولة العادلة التي تحقق السعادة الحقة للبشرية جمعأ, تستند إلى جذور فطرية في الانسان ، تنبع من فطرة تطلعه إلى الكمال ، ولذلك لاحـظنا اجماع مختلف التيارات الفكرية الانسانية ـ حتى المادية منها ـ على حتمية تحقق هذا اليوم الـمـوعـود. امـا الفكر الديني فهو مجمع عليه التواتر البشارات السماوية في كتب الاديان المختلفة بـذلـك.

فـلا يمكن قبول ما زعمه المستشرقين بأن هذه الفكرة المجمع عليها تستند إلى الخرافات والاساطير.

2 ـ ان الـقـول بـوجـود المهدي الموعود بالفعل وغيبته وهو الذي يؤمن به مذهب اهل البيت عليهم السلام, ويتميز به عن عقيدة اهل السنة في المهدي الموعود, هذا القول غير مستبعد, لا في الفكر الانساني الـعـام الذي يرى ان من الضروري ان يكون عمر المصلح العالمي طويلا,ولا من الفكر الديني الذي اقـتـرن ايمانه بالمصلح العالمي بالايمان بأنه يعود بعد غيبة ، بل ان وقوع الغيبات في تأريخ الأنبياء عليهم السلام يدعم هذا القول ويعززه.

3 ـ ان اجـمـاع الاديان السماوية على الايمان بالمصلح العالمي وغيبته قبل الظهور والعودة اقترن بـالاخـتـلاف الشديد في تحديد هويته ، وهو اختلاف ناشىء من جملة من العوامل ، منها ان البشارات الـواردة فـي الكتب المقدسة بشأنه تتحدث عن قضية غيبية ، والانسان بطبعه ميال لتجسيد الحقائق الغيبية في مصاديق محسوسة يعرفها, ومنها ان التعصب المذهبي والرغبة في الفوز بافتخار الانتمأ لـصـاحـب هـذا الـدور الـتـأريخي المهم ، دفعت اتباع كل دين إلى تأويل تلك البشارات اوخلطها بـالبشارات الواردة بشأن نبي اووصي معين غير المصلح العالمي ، او تحريفها لتطبيقها على الاقرب مـن الـمـواصـفـات التي تذكرها من زعمائهم ورموزهم الدينية.

فالاختلاف ناشئ من سوء تفسير وتطبيق البشارات السماوية ، وليس من نصوص البشارات نفسها.

4 ـ ان سبيل حل الاختلاف هو تمييز البشارات الواردة بشأن المصلح العالمي عن غيرها المرتبطه بغيره من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام, ثم تحديد الصورة التي ترسمها بنفسها للمصلح العالمي ، بعيدا عن التأثر بالمصاديق المفترضة سلفا.

ثـم عـرض الـمصاديق عليها لمعرفة هويته الحقيقية ، استنادا إلى الواقع التأريخي القابل للاثبات ، وبـعيدا عن حصر هذه المصاديق المفترضة برموز دين معين ، بل عرض كل مصداق مرشح من قبل اي دين او مذهب على الصورة التي ترسمها نصوص البشارات بصورة تجريدية.

5 ـ ان تـلـك البشارات السماوية تهدي ـ على وفق هذا المنهج العلمي ـ إلى معرفة حقيقة ، وهي ان الـمـصـلح العالمي الذي بشرت به هو الامام الثاني عشر من عترة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم, وهو صاحب الغيبة التي يضطر اليها بسبب تربص الظلمة به لتصفيته ، اي انها تهدي إلى المهدي الامامي الذي يقول بـه مـذهـب اهـل البيت عليهم السلام, وقد حرصت تلك البشارات على الهداية اليه من خلال ذكر صفات لا تنطبق على غيره ، ومن خلال ذكر خصائص فيه امتاز بها واشتهرت عنه ، كما لاحظنا.

البشارات دليل اضافي على صحة العقيدة المهدوية

6 ـ ان الاستناد إلى هذه البشارات في اثبات صحة عقيدة اهل البيت عليهم السلام في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف يشكل دليلا اضافيا في اثبات هذه العقيدة ، يضاف إلى الادلة العقلية والقرآنية ، وما صح لدى المسلمين مـن الاحـاديث الشريفة ، ولا مانع من الاستدلال بهذه البشارات ، بعد ما ثبت ان التحريف في الديانات السابقة لم يشمل كل نصوصها الموحاة ، فيمكن الاستناد إلى ما صدقته النصوص الشرعية الاسلامية مـمـا ورد في كتب الديانات السابقة ، وكذلك ما صدقه الواقع التأريخي الكاشف عن صحة ما اخبرت عنه ، باعتباره من انباء الغيب التي لا يعلمها سوى اللّه تعالى ، ومنها اخبار المهدي عليه السلام.

ثمرة عرض دليل البشارات السماوية :

7 ـ ان فـي الاسـتناد إلى بشارات الاديان السابقة في اثبات صحة عقيدة اهل البيت عليهم السلام في المهدي الـمـوعود, واضافة إلى الادلة الشرعية والعقلية الاخرى ، ثمار عديدة منها : الكشف عن اهمية هذه العقيدة ، وترسيخ الايمان بها لدى اتباعها, ومنها اعانة اتباع الديانات والمذاهب الاخرى على الاهتداء لـمـعرفة هوية المصلح العالمي ، الذي بشرت به نصوص كتبهم المقدسة ، ودعوتهم إلى الاسلام من هـذا الـطريق ، والاحتجاج عليهم بالنصوص المعتبرة عندهم ، وهو احتجاج ابلغ في الدلالة ، ومنها : ايـجاد محور توحيدي لدعاة الاصلاح الديني من اتباع مختلف الديانات يعزز جهودهم وينسقها, يقوم عـلـى اسـاس الايـمـان بـهـذا الـمصلح العالمي ووجوده فعلا, ورعايته لجهود الممهدين لظهوره طـبـقا للعقيدة الاسلامية الاوسع شمولية ، وتفصيلا في عرض هذه الفكرة العريقة في الفكر الديني والانساني.

يـقـول الـعلامة الشهيد آية اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر : واذا كانت فكرة المهدي اقدم من الاسلام واوسع منه ، فان معالمها التفصيلية التي حددها الاسلام جاء اكثر اشباعا لكل الطموحات التي انـشـدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التأريخ الديني ، واغنى عطاء واقوى اثارة لأحاسيس المظلومين والـمـعـذبـين على مر التأريخ.

وذلك لان الاسلام حول الفكرة من غيب إلى واقع ، ومن مستقبل إلى حـاضـر, ومن التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول ، إلى الايمان بوجود الـمـنـقـذ فـعـلا, وتطلعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود إلى اكتمال كل الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم.

فـلـم يـعـد المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف فكرة تنتظر ولادتها, ونبوءة نتطلع إلى مصداقها, بل واقعا قائما ننتظر فـاعـلـيـتـه ، وانسانا معينا يعيش بيننا بلحمه ودمه ، نراه ويرانا, ويعيش آمالنا وآلامنا,ويشاركنا احـزانـنا وافراحنا, ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الارض من عذاب المعذبين ، وبؤس البائسين ، وظلم الظالمين ، ويكتوي بذلك من قريب او بعيد, وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها ان يمد يده إلى كل مظلوم وكل محروم وكل بائس ، ويقطع دابر الظالمين.

وقـد قدر لهذا القائد ان لا يعلن عن نفسه ولا يكشف للاخرين حياته ، على الرغم من انه يعيش معهم انتظارا للحظة الموعودة.

ومـن الواضح ان الفكرة بهذه المعالم الاسلامية تقرب الهوية الغيبية بين المظلومين ، كل المظلومين ، وبين المنقذ المنتظر, وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيرا مهما طال الانتظار.

ونـحـن حـينما يراد منا ان نؤمن بفكرة المهدي بوصفها تعبيرا عن انسان حي محدد يعيش فعلا كما نعيش ، ويترقب كما نترقب ، يراد الايحاء الينا بأن فكرة الرفض المطلق لكل ظلم وجور التي يمثلها المهدي ، تجسدت فعلا في القائد الرافض المنتظر, الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم ، كما في الحديث (الشريف ), وان الايمان به ايمان بهذا الرفض الحي القائم فعلا, ومواكبة له...(15).

عـن مـجـلة الفكر الاسلامي / العددان : 18 و19 / السنة الخامسة / ربيع الثاني / رمضان1418 هـ / بتصرف.

الهوامش

1- راجـع مـثـلا كـتاب آية اللّه الشيخ محمد امين زين مع الدكتور احمد امين في حديث المهدي والمهدوية : 13.

2- ملحقات احقاق الحق لاية اللّه المرعشي النجفي 29 : 621 ـ 622.

3- الـعـقـيـدة والـشريعة في الاسلام : 218, حيث وصفها باءنها من الاساطير ذات الجذورغير الاسـلامـيـة , لـكـنه قال ايضا باتفاق كلمة الاديان عليها, المصدر : 192, والانكارالحديث للفكرة مصدره المستشرقين , وتابعهم بعض المتاءثرين بهم من المسلمين امثال احمد امين .

4- الامامة وقائم القيامة للدكتور مصطفى غالب : 270.

5- النصوص الخاصة بالمهدي الموعود من كتاب بشارات عهدين بالفارسية للشيخ ‌محمد الصادقي .

6- لمعرفة تفصيلات هذا التمهيد يراجع كتاب تاءريخ الغيبة الكبرى للسيد محمدالصدر في حديثه عن التخطيط الالهي لليوم الموعود قبل الاسلام : 251 وما بعدها.

7- راجع ايضا اهل البيت ـ عليهم السلام ـ في الكتاب المقدس , احمد الواسطي : 121 ـ 123.

8- صـحـيفة العهد اللبنانية / العدد : 685, مقال تحت عنوان حركة شهود يهوه , النشاءة ,التنظيم , المعتقد.

9- بشارات عهدين : 261, نقلا عن كتاب ميزان الحق للقس الالماني فندر : 271.

10- المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه للسيد عبد الرضا الشهرستاني : 65.

11- المصدر السابق : 7.

12- بـرنـاردشـو, لـلاسـتاذ عباس محمود العقاد : 124 ـ 125, وعلق الاستاذ العقاد على كلمة بـرنـاردشـو بالقول : يلوح لنا ان سوبرمان شوليس بالمستحيل , وان دعوته اليه لاتخلو من حقيقة ثـابـتـة , نقلا عن كتاب المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي : 9, وقد نقلهاعن العقاد الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه المهدي المنتظر بين التصور والتصديق : 81.

13- راجـع تـوضـيـح هـذه الـنقطة في البحث القيم الذي كتبه آية اللّه الامام الشهيد الصدرحول المهدي : 41 ـ 48, ط. 3 / دارالتعارف .

14- لمزيد من التوضيح راجع تاءريخ الغيبة الكبرى : 276 وما بعدها.

15- بحث حول المهدي : 7 ـ 8.

مقتبس من كتاب : [ على هامش بشارات الأديان ] / الصفحة : 11 ـ 25.

الرئيسية المؤمل في الأديان البشارات السماوية لا تنطبق على غير المهدي الامامي