المـــؤمل



جواب الشبهات الوارده حول الامام المهدي عج

لماذا لا نجوز أن الله سبحانه وتعالى قد بدا له في أمره إماتته،

*   *   *

عدم جواز البداء في أمر الإمام المهدي عليه السلام

الشبهة العاشرة:

لماذا لا نجوز أن الله سبحانه وتعالى قد بدا له في أمره إماتته، ونقل المهدوية إلى غيره ممن سيولد لاحقاً، ويعيش حياةً طبيعية كسائر الأئمّة من آبائه؛ خاصة وأن هناك مرجحاً لذلك وهو طول غيبته التي لها إلى الآن مئات السنين؟!

الجواب:

البداء ليس أمراً ظنياً أو احتمالاً جزافاً، فإن البداء له مفهومه. وخلافه يُعد كفراً فيما اذا نُسبَ الجهل إليه, تعالى الله عما يصفون. فالبداء لا يطرأ في علمه تعالى فعلمه ثابت وحكمته معلومة لديه منذ الأزل، ومن نسب البداء في علمه تعالى؛ نسب الجهل له، ومن نسب الجهل له فقد كفر، ونحن منه براء, ولما كان القول بالبداء تختص به الإمامية دون غيرها، فإن الإمامية تقول إن البداء يعني جهل العباد بمقتضيات الأمر وشرائطه، فلكل أمر شرائطه الخاصة به المحققة له، وأي تخلّفٍ لهذه الشرائط يعدُ تخلفاً لتحقق الأمر، وظن الناس اشتباهاً بنسبة هذه الشرائط لتحقق الأمر الفلاني، سببٌ في جهل الناس بتحقق هذا الأمر، فإذا تخلّفت شرائط الحدوث تخلّف معها تحقق الأمر، فيكون بداءاً في تحقق الأمر وعدم تحققه بسبب تحقق الشرط وعدم تحققه، وتخلّف المقتضي وعدم تخلّفه وهكذا، فإن البداء وإن نسب لله تعالى لفظاً بقولنا بدا لله شيء، فإن واقعه جهلٌ في علمنا نحن بشرائط الأمر ومقتضياته.

وما يخص الإمام المهدي عليه السلام فانا علمنا تحقق أمر وجوده ومقتضى غيبته بطريق يقيني عن أئمّتنا عليهم السلام ، دون أدنى شك، بل اتفق جميع المسلمين _ إلاّ من شذ منهم _ معنا في وجوده وغيبته، والاتفاق على شخصه بأنه محمّد بن الحسن العسكري عليهما السلام ، عندها لا مكان للبداء هنا في قضية الإمام الحجة طالما لم نجهل شروط قضيته والاتفاق على غيبته، وتواتر نسبه.

وشبهتكم في أن الله تعالى (قد بدا في أمره) باطلةٌ لأنها نسبةُ الجهل إليه تعالى، ولا جهل في علمه سبحانه عما يصفون، ولا شك في شخص الإمام المهدي المعروف بغيبته والمتواتر على نسبه.

*   *   *

 

لم يرد أن أحد الأئمّة الاثني عشر غاب ؟!

الغيبة.. سنةٌ إلهية عند بعض الأنبياء دون بعض كما في بعض الأئمّة دون بعض

الشبهة التاسعة:

لم يرد أن أحد الأئمّة الاثني عشر غاب؛ فلماذا اختلفت السنة الإلهية في الأئمّة عند المهدي حتّى غاب هذا الزمن الطويل، خاصة وأن معظم الأئمّة الإثني عشر ينطبق عليهم نفس علة غياب المهدي وهي الخوف وعدم الناصر (كما تقولون)؟!

الجواب:

متى ما توفر مقتضى الغيبة عند أي إمام فإنه يغيب دون أدنى شك كما غاب الإمام المهدي، والغيبة هي سنة في بعض الأنبياء دون البعض الآخر، فمتى ما ألجأته ظروفه إلى الغيبة غاب، ألا ترى أن موسى عليه السلام غاب أربعين ليلة عن قومه ولم يغب مثله عيسى عليه السلام هذه المدة؟ وقد غاب عيسى في ظروف لم يغب فيها موسى وهكذا، فلا يعني عدم غيبة أحد الأنبياء وغيبة غيرهم ملاكاً على نبوة من غاب دون من لم يغب.

والحال كذلك عند الأئمّة عليهم السلام وقد عرفنا أن الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام احتجبا عن شيعتهما مدةً من الزمن، ومعنى هذا امكانية غيبة أي إمام إذا اقتضت ظروفه ذلك.

وإذا علمنا أن مهمة الإمام المهدي عليه السلام تختلف عن مهمة آبائه، ودعوته تبعث على قلق الظالمين إذا ما عرفوا أنه يدعو إلى إقامة دولة عدل إلهية عامة شاملة تتهاوى معها عروش الظالمين، علمنا دواعي حذر الحكام من هذه الدعوة وتوجسهم من بثها فهي تحريضٌ على معارضة مثل هكذا حكومات لا تقيم للعدل وزناً ولا ترى للقسط محلاً، ومتى ما كان هدف الإمام المهدي هذا فإن دواعي ملاحقة الظالمين له أكثر، مع أن آباءه لا يدعون إلى إقامة دولة على أنقاض دولة الظالمين وقد التزموا النهج السلمي مع الحاكم وهم مع هذا لم يسلموا من بطش الظالمين وملاحقتهم حتّى لم يبق أحد منهم إلاّ وتعرض للتنكيل، ثمّ ينتهي بعد ذلك بقتله سماً وبمحاولات شتى تعرض إليها جميع المؤرخين. إذا عرفنا هذا، فإن الذي يدعو إلى الإطاحة بأنظمة الضلال حريٌ به أن يحفظ نفسه من كل محاولةٍ يسعى إليها الظالمون لتصفيته، والإمام المهدي يجب عليه الابتعاد عن مواطن الضرر، والتحفظ من الهلكة، حتّى يأذن الله له بالفرج والنصر على الظالمين. وهو لم يملك بعد مقومات التغيير وإقامة دولة الحق لعدم الناصر ووجود المؤازر.

والأهم من ذلك أن حفظ نفسه الشريفة من أهم مهامه، وذلك إذا تعرض الإمام للقتل كان ذلك انتهاءاً لأمر الإمامة، أي نهايةً لوجود الحجة والتي بغيابها تسيخ الأرض بأهلها، فوجوده عليه السلام ضروري لئلا تخلو الأرض من حجة الله على أرضه.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

علم الغيب والتفويض عند الأئمّة ماذا يعني؟

علم الغيب والتفويض عند الأئمّة ماذا يعني؟

الشبهة الثامنة:

تحاول الاثنا عشرية إضفاء صفات على أئمّتها عامة وعلى الإمام المهدي _ الغائب _ خاصة، محاولة منهم اثبات فاعلية ووجود الإمام واستفادتهم منه حال غيابه، من تلك الصفات أنه يطوف العالم، ويعرف شيعته ويتصل بالخلّص منهم، ويلقي إليهم أوامره، وأنه يعلم الغيب ومفوض من الله بالتصرف في الكون، فسبحان الله، هل هذه إلاّ صفات رب العالمين؟

الجواب:

تعتقد الإمامية أن الأئمّة لهم ما للأنبياء _ إلاّ النبوة _ فهم خلفاؤهم وأوصياؤهم، وهم حجج الله تعالى بعد الأنبياء، ولكي تتم مهمة التبليغ ومقام الحجية عند الأئمّة فلا بدّ أن يكون ما للأنبياء، للأئمّة كذلك.

وإذا ثبت ذلك، ثبت ما للأنبياء، للإمام المهدي عليه السلام كذلك، فطوافه في العالم _ كما ورد في الشبهة _ شبيهٌ بعيسى في طوافه بالعالم، فهو يجوب الآفاق، ويسيح في البلدان حتّى سمي المسيح لسياحته.

فقد روى الصدوق عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام أنه قال: (في القائم سنّة من موسى، وسنّة من يوسف، وسنّة من عيسى، وسنّة من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:

فأما سنّة موسى فخائف يترقب، وأما سنة يوسف فإن أخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه، وأما سنّة عيسى فالسياحة، وأما سنّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فالسيف).(1)

وفعلاً فكل ما كان للأنبياء فقد ورثه المهدي عليه السلام ، لوحدة الغرض، ومهمة الرسالة.

أما قولكم: (يعلم الغيب) فلا يعلم الغيب إلاّ الله تعالى، لقوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) ثمّ استثنى بقوله تعالى: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) فللرسول القابلية على أن يكرمه تعالى بتعليم منه وليس من نفسه، وهو ما يتلائم مهمة الرسول والأوصياء، كذلك لما تقتضيه مهمة التبليغ وحكمة الرسالة، فلا ينافي اختصاصه تعالى بعلم الغيب وما يفيضه على بعض عباده وصفوته من خلقه تحنناً منه وتكرّماً.

ولا يقتصر ذلك على النبي وأوصيائه، بل يعم المكلفين كذلك، فإنهم يعلمون بعض المغيبات التي أخبر بها النبي وأهل بيته عليهم السلام كالقيامة وأحوالها، والنار وأهوالها، والجنّة ونعيمها، والساعة وأشراطها, والعرش والكرسي والملائكة.

إذن كل ما غاب عنك فهو غيب، ولله تعالى أن يُطلع غيبه لمن ارتضاه من رسول، ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم خير الرسل وأوصياؤه خير الأوصياء، فمن أنكر معرفة الغيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه فقد اتّهمهم بعدم الأهلية، والأهلية هي ارتضاء الله تعالى لرسله المستحقين لمعرفة الغيب كما في قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ)، والإمام الحجة ورث ذلك عن آبائه الطاهرين عن جده عليهم الصلاة والسلام، فلا محذور من أن يتصف الإمام عليه السلام بمعرفة الغيب كما أطلعه عليه ربه تعالى.

أما التفويض فلا يعني تعطيله تعالى، بل هو تأكيده على إرادته وسطوته، وتفويضه منطلقٌ من قدرته وهيمنته سبحانه وتعالى، وإذا عرفنا أن إرادة النبي وأهل بيته عليهم السلام هي إرادته تعالى، لا تتخلف عنها طرفة عين أبداً، علمنا أن التفويض لهم إعمالٌ لإرادته وتأكيده لها.

أي أن التفويض على ثلاثة أقسام قسم منها باطل ولا نقول به وقسمان صحيحان والقول بهما إثباتٌ لإرادته تعالى:

أما الأوّل: فهو التفويض في الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة وهذا لا يقول به أحد، وقد أبطل ذلك الإمام الرضا عليه السلام بقوله: (اللهم من زعم أننا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق، فنحن عنه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى)، وهذا التفويض باطل لا يقول به أحد من الإمامية.(2)

أما الثاني: فهو التفويض في الأحكام والأفعال بأن يثبت ما رآه حسناً ويبطل ما رآه قبيحاً، فيجيز الله تعالى لاثباته إياه.

والثالث: تفويض الإرادة، بأن يريد شيئاً لحسنه ولا يريد شيئاً لقبحه فيجيزه الله تعالى إياه.

والقسمان الأخيران لا يتنافيان مع ما ثبت من أنه لا ينطق عن الهوى إلاّ بالوحي، لأن كل واحد منها ثبت من الوحي، إلاّ أن الوحي تابع لإرادته يعني إرادة النبي، فأوحى إليه كما أنه أراد تغيير القبلة وزيادة الركعتين في الرباعية والركعة في الثلاثية وغير ذلك فأوحى الله تعالى إليه بما أراد.(3)

ولا نريد الإطالة في هذا البحث، وإنما أردنا توضيح معنى التفويض لكيلا تُعدُ تلك شبهةً فعلية.

إذن الإمام المهدي عليه السلام يطوف العالم ويعرف شيعته وأنه يعلم الغيب بالمقدار الذي ذكرناه، وأنه مفوضٌ إليه بما أوضحناه.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

لماذا لا تكون الحكمة سبباً لأن يكون معدوماً، حتّى إذا حان وقته أوجده الله؟!

كيف نشخّص الإمام عند خروجه؟

الشبهة الرابعة:

كيف سيعرف الاثنا عشرية الإمام المهدي _ الغائب _ عند خروجه بعد غيابه مئات السنين إن لم يقولوا بوجوب معرفته ذاتاً ولا صفةً؟!

الجواب:

قلنا إن الاثني عشرية يقولون بوجوب معرفة الإمام ذاتاً وصفة ليتم التكليف، وتتم الحكمة من وجوده كذلك.

أما معرفته عند خروجه، فإن آباءه الطاهرين عليهم السلام أحاطونا علماً بعلامات ظهوره، وتظافرت أحاديثهم وأقوالهم في هذا الشأن، فإذا تحققت هذه العلائم عرف المكلفون أن ظهوره قد حان واستطاعوا تشخيصه دون أدنى ريب، وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام في الصحيح قال: (إعرف العلامة، فإذا عرفتها لم يضرك تقدّم هذا الأمر أو تأخر).(15)

فأهمية معرفة علامات الظهور يتعلق بأهمية تشخيصه إذن، فلا مشكلة في شأن معرفته عليه السلام حتّى لو تباعدت مدة غيبته أو قربت.

على أن الأئمّة عليهم السلام تطرقوا إلى مواصفاته البدنية وعلائمه الفارقة حتّى أن الذين تشرفوا برؤيته عليه السلام اعتمد بعضهم على ما روي من علاماته الشخصية فأعانهم ذلك على سرعة تشخيصه وسهولة معرفته.

*   *   *

الفرق بين وجود الإمام في غيبته وعدم وجوده أصلاً

الشبهة الخامسة:

ما الفرق بين وجود الغائب وعدمه؟!

الجواب:

يظهر الجواب مما قلناه في الشبهة الثالثة، حيث ذكرنا فوائد وجود الإمام حتّى مع غيبته، وأنه كالشمس إذا جللها السحاب، وتطرقنا في موضع آخر إلى أن قاعدة اللطف تقتضي وجوده حتّى مع غيبته، فلا طعن إذن على غيبته من حيث فائدة وجوده، ومن حيث اللطف ووجوبه.

كما أن التمعن في فوائد وجوده يلمس حقيقة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي) وهو تصديقٌ لوجود العترة التي لا تفترق عن القرآن إلى يوم القيامة.

*   *   *

الحكمة لا تقتضي عدمه عليه السلام بل وجوده حتّى في غيبته

الشبهة السادسة:

إذا كان الغياب لحكمة ما؛ فلماذا لا تكون الحكمة سبباً لأن يكون معدوماً، حتّى إذا حان وقته أوجده الله؟!

الجواب:

ان انعدامه خلاف حكمة وجود الإمام، أي خلاف قاعدة اللطف التي تمكّن المكلف أن يكون قريباً للطاعة بعيداً عن المعصية، فمجرد وجوده لطف، وانعدامه خلافٌ لذلك اللطف، وعلى المكلفين طاعة الإمام واتباعه فلا يعقل طاعة معدوم واتباع غير موجود.

*   *   *

عصمة الإمام عليه السلام

الشبهة السابعة:

ما الفائدة من عصمة الإمام وعلمه وهو غائب، واذكروا لنا الفوائد العملية التي انتفع بها سابقاً وينتفع بها حالياً المسلمون عامة والشيعة خاصة من الإمام المهدي في فترة غيبته الطويلة؟!

الجواب:

إن من شرط الإمام عندنا هو القطع على عصمته، وعصمتهُ فرعُ علمهِ _ في بحث ليس محله هنا _ وإذا قطعنا بإمامة المهدي عليه السلام قطعنا بعصمته، على أن العصمة فائدتها تتعلق بوجوب طاعة غير المعصوم للمعصوم، ولا تضر غيبة الإمام في فائدة عصمته، لأن الإمام في غيبته يمارس مهامه كما في حضوره، وفائدة الناس من عصمته كفائدتهم من وجوده، وقد ذكرنا في جوابنا على الشبهة الثالثة بعض فوائده عليه السلام وهو في غيبته.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )