المـــؤمل



جواب الشبهات الوارده حول الامام المهدي عج

ما هي الحكمة من غياب الإمام، وكيف يتلاءم الغياب مع أعمال وواجبات الإمامة

الحكمة من غيبة الإمام عليه السلام

الشبهة الثالثة:

ما هي الحكمة من غياب الإمام، وكيف يتلاءم الغياب مع أعمال وواجبات الإمامة، خاصة وأن الاثني عشرية يجعلون وجود الإمام لطفاً للعباد، وهل يجوز غياب اللطف عن الملطوف بهم؟!

الجواب:

أن الحكمة من غيبته غائبة عنا، وانكشاف وجه الحكمة سيتم عند ظهوره، وإن كان انكشاف جزء الحكمة أو بعضها هو لحفظ نفسه الشريفة من كيد الأعداء ومطاردتهم إياه، فيجب أن يحفظ وجوده الذي تتم _ بهذا الوجود _ حكمة الله من خلقه، في تفصيل يأتي في محله.

أما واجبات الإمامة فلا تعارضها غيبته عليه السلام ، فمجرد وجوده عليه السلام هو من ضمن واجبات الإمامة كما أن معرفة الإمام _ بغض النظر عن حضوره أو غيبته _ تجعل المكلفين ضمن دائرة (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ودخول الأفراد ضمن هذه الدائرة أو خروجهم عنها يتعلق بمدى معرفتهم للإمام وعدم معرفتهم به، فإذن وجوده ومعرفة العباد له تكليف آخر يدخل ضمن تكاليف العباد.

على أن وجوده عليه السلام وجودٌ للحجة الإلهية التي لولاها لساخت الأرض بأهلها، فمجرد وجوده يُعد من أعظم الفوائد على العباد.

وكذلك الإمام يُعدُ واسطة الفيض الإلهي حاضراً كان أو غائباً، فإن فيوضات الله تعالى لا تنزل على الأرض وأهلها إلاّ بواسطة، ولا واسطة لفيوضاته تعالى إلاّ الإمام، فوجوده فائدة لنزول الفيض، كما في ليلة القدر فإنها تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم، على الإمام. ولولاه لما تم هذا التنزيل، فعلى من يتم النزول لولا الإمام؟! وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام في زيارته لجده الإمام الحسين عليه السلام حيث ورد فيها: (... مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ، بِكُمْ يُبَيِّنُ اللَّهُ الْكَذِبَ وَبِكُمْ يُبَاعِدُ اللَّهُ الزَّمَانَ الْكَلِبَ وَبِكُمْ فَتَحَ اللَّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ اللَّهُ وَبِكُمْ يَمْحُومَا يَشَاءُ وَ(بِكُمْ‏) يُثْبِتُ وَبِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقَابِنَا وَبِكُمْ يُدْرِكُ اللَّهُ تِرَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يُطْلَبُ بِهَا وَبِكُمْ تُنْبِتُ الْأَرْضُ أَشْجَارَهَا وَبِكُمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ ثِمَارَهَا وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَرِزْقَهَا وَبِكُمْ يَكْشِفُ اللَّهُ الْكَرْبَ وَبِكُمْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الْغَيْثَ وَبِكُمْ تُسَبِّحُ الْأَرْضُ الَّتِي تَحْمِلُ أَبْدَانَكُمْ... ).(11)

وكذلك الإمام يُعدُ شاهداً على أعمال العباد كما في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(12) فقد ثبت في محله أن الله تعالى يُثيب ويعاقب على الشهادة وهو مقتضى عدله، فلا بدّ من شاهدٍ على أعمال العباد، وهذا الشاهد هو الحجة على الخلق غائباً كان أو حاضراً.

إضافةً إلى ذلك فإن وجود الإمام يبعث على طمأنة النفوس واستقرارها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وجوده في المعركة، فهو وإن لم يشارك في قتال؛ إلاّ أن وجوده صلى الله عليه وآله وسلم طمأنة للنفوس وتقوية لعزيمة المقاتلين، كما أن شفقته عليه السلام على شيعته ورعايته لهم وحرصه عليهم يؤكده دعاؤه لهم، ودعاء الإمام مستجاب عند الله تعالى، وهذا ما نص عليه في رسالته للشيخ المفيد بقوله عليه السلام: (نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فانا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، وثبتوا العهد المأخوذ وراء ظهرهم كأنهم لا يعلمون.

إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء، فاتقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم).(13)

وليس أدل على فائدة وجوده _ حتّى مع غيبته _ ما ورد عن الصادق عليه السلام حينما سئل عن فائدة غيبته عليه السلام فقال بما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما سئل بمثل ذلك فقال: (والذي بعثني بالنبوة انهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب).(14)

أما كون وجوده لطف فإن اللطف هذا لا يتخلف في حال غيبته، وعدم استفادة المكلفين من هذا اللطف يرجع سببه إليهم، فهم اللذين تسببوا في إبعاد اللطف عنهم، فلطف الإمام موجود على أي حال لكن ابتعاد الناس عن لطفه بسبب عدم تهيئة فرص الاستفادة من هذا اللطف, وليس الإمام سبباً في حرمان المكلفين من لطفه، كما أن معرفة الله لطف، وعدم معرفة الكافر لهذا اللطف لا ينفي اللطف عنه، وإنما الكافر فوّت على نفسه فرصة لطف معرفة الله على نفسه.

إذن لا ينافي لطف الإمامة غيبة الإمام عليه السلام.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

هل جميع الشيعه الآن عارفون لإمام الزمان(المهدي)ذاتاً؟

إمكانية معرفة الإمام عليه السلام وتشخيصه

الشبهة الثانية:

إن قلتم ذاتاً؛ فهل جميع الاثني عشرية الآن عارفون لإمام الزمان (المهدي) ذاتاً ويستطيعون تحديده والإشارة إليه وتمييزه؛ إن قلتم نعم فحددوه لنا، وإن قلتم لا؛ فهل موتاكم موتى جاهلية؟!

الجواب:

قلنا: إن خصوصيات الغيبة لا تقتضي إشارة المكلفين للإمام بذاته، وقولنا (غائب) بمعنى إمكانية مشاهدته محدودة إلاّ على خواص شيعته وصفوة مواليه، وإلاّ لا معنى أن نطلق على زمانه بزمان الغيبة، نعم خصوصيات معرفة الإمام الغائب تتلخص في التالي:

أوّلاً: معرفة وجوب الحجة وأن الأرض لا تخلو من حجة مشهور أو غائب مستور _ كما في بعض كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام _.

ثانياً: معرفته بشخصه ونسبه وهو:

محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ السجاد بن الحسين السبط شهيد كربلاء بن عليّ بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ثالثاً: التسليم بأنه حي غائب بأمر الله تعالى، ويظهر بأمره تعالى ليملأها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

ومعرفته بذاته بهذا المقدار مقتضى حال غيبته صلوات الله عليه، وبهذا المقدار يصدق معرفته ذاتاً لا معرفته صفةً. علماً أن الروايات تدل على أنه صلوات الله عليه لم يكن مختفياً بشخصه بل بعنوانه، فهو يجوب البلدان ويتعايش مع الناس، ويرعى مصالح شيعته، فهو يلتقي عليه السلام مع شيعته دون معرفتهم له، ويتابع شؤونهم ويراقب مصالحهم ويلتقي بهم حتّى أن الناس عند ظهوره عليه السلام كلٌ يقول اني رأيت هذا الشخص لكثرة تماسه بهم ومخالطته معهم، لكن مقتضى غيبته تخفّيه وعدم اطلاع الناس على شأنه لمصالح لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وإن كان بعضها منسوباً إلى خوفه من الأعداء وحذره من كيدهم، وتحفظه من مراقبتهم له.

ولا غرابة في ذلك فإن يوسف النبي عليه السلام كان يخالط الناس ويتعامل معهم وهم له منكرون حتّى أذن الله تعالى باعلامهم عن نفسه وإخبارهم عن أمره.

روى الصدوق في كمال الدين بسنده إلى سدير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام يقول: (إن في القائم سنة من يوسف).

قلت: كأنك تذكر خبره أو غيبته؟

فقال لي: (وما تنكر هذه الأمّة أشباه الخنازير أنَّ إخوة يوسف كانوا أسباطاً، أولاد أنبياء، تاجروا بيوسف وباعوه وهم اخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال لهم: (أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي) فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله عز وجل في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجته عنهم، لقد كان يوسف يوماً ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرّفه مكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة أيام إلى مصر، فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله عز وجل يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم وهم لا يعرفونه حتّى يأذن الله عز وجل له أن يعرّفهم نفسه كما أذن ليوسف عليه السلام حين قال لهم: (هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَ إِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي)(9)).(10)

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

هل نحن مكلفون بمعرفة الإمام ذاتاً ؟

في معرفة الإمام ذاتاً

الشبهة الأولى:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).

والسؤال: هل نحن مكلفون بموجب هذا الحديث بمعرفة الإمام ذاتاً، بحيث لو طلب من أحدنا الإشارة إليه وتعيينه وتحديده من بين مجموعة من الناس لاستطاع، أم إنا مكلفون بمعرفة صفته؟

أم أنه يكفينا مجرد معرفة كونه حياً وموجوداً كحجة حتّى لو كان غائباً؟

الجواب:

يُعد هذا الحديث متواتراً بين جميع الفرق الإسلاميّة، وقد روى الحديث أقطاب المحدّثين، فمن الشيعة: الكليني في الكافي، والصدوق في كمال الدين، والحميري في قرب الاسناد، والصفار في بصائر الدرجات، ومن أهل السنة منهم: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود الطيالسي والطبراني والحاكم والحسكاني وأبو نعيم والبيهقي والنووي والهيثمي وابن كثير.

ولعل البعض يوجه الحديث إلى كل إمام بر أو فاجر، فيشمل بذلك الحاكم الظالم، والسلطان الجائر، والرئيس السفيه وغير ذلك، ولا يعني هذا مقصود الشارع من المعرفة والاتباع، فالعقل لا يحكم بوجوب معرفة الظالم والجائر والسفيه، إذ المعرفة هداية إيصالية توصل عن طريقها إلى الحق، فضلاً عن كونها هداية إرائية تُري الحق والصلاح بهدايتهم إليه، ومن كان هذا شأنه من الظلم والجور فهو غير حقيق بأن يوصل الناس إلى الصلاح لفساده، وفاقدُ الشيء لا يعطيه.

إذن لا يمكن أن يقنعنا الآخرون باعراضهم عن أهل البيت عليهم السلام ليوصلهم الظالم إلى الحق، كما حدث في دعوى إمامة بني أمية وبني العبّاس، ومعلوم أن الذي أباح المدينة ورمى الكعبة بالمنجنيق وقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يكون هادياً مهدياً، ولا يحق لمن مزق القرآن وجعله غرضاً لرمي السهام كالوليد أن يؤم الناس للصلاح، وهكذا الذي قتل الهاشميين بشكل جماعي كالمنصور العبّاسي والذين أحيوا الطرب واللهو في مجالس المجون من العباسيين لا يصدق أن يوصلوا الناس إلى الحق والصلاح، فدعوى وجوب معرفتهم باطلة، إلاّ إذا اتصف الإمام بالصلاح والهدى، وسدد بالعصمة والتقوى، وأطاع الله في كل أحواله فهو حقيقٌ به أن يوصل أتباعه إلى منهج الرشاد ويهديهم إلى السداد.

وما يؤيد أن يكون الإمام الذي تجب معرفته، إمام هدى، ما رواه ابن بابويه بسنده إلى أبي جعفر عليه السلام: (من مات لا يعرف إمامه مات ميتةً جاهلية كفر ونفاق وضلال).(2)

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام بنفس الألفاظ، إلاّ أن بدل لفظ (نفاق) قال: (كفر وشرك وضلال).(3)

ولا يختلف اثنان أن ولاة الجور وسلاطين الظلم، هم أهل ضلال، وذوو نفاق باظهارهم الإيمان واستبطانهم الكفر، وإظهارهم التقوى وكتمانهم الفسوق، كما هو في نفاق معاوية بتظاهره بالتقوى. ومثله مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، وخلاف ذلك في تهتك أكثر ولاة الجور من الأمويين حيث لم يحتشموا أحداً من العالمين فاستباحوا كل محرم وهتكوا ستر كل ما ينبغي ستره، حتّى أعلنوا الفجور كما في أحوال الوليد بن عبد الملك ويزيد بن الوليد وأمثالهم من أهل العبث والمجون. ولا يفوتك ما رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء، وأمثاله عن ملاحم هؤلاء الأمويين ومثلهم بنو العبّاس الذين ارتكبوا كل محظور، وأباحوا كل محذور. وتاريخ آل أبي سفيان وأيام بني مروان ووقائع بني العبّاس شاهدةٌ على ذلك.

من هنا نستخلص أن يكون الإمام إمام هدى متصفاً بالصلاح، مسدداً بالعصمة، منصوصاً عليه من قبل الله تعالى، وهو مذهب الإمامية واتفاقهم بقضّهم وقَضيضهم.

إذن يجب معرفة الإمام لغرض اتباعه، ولا تكفي معرفة صفته دون الاهتداء إلى ذاته، والوقوف عليه بنحو عدم الاشتراك مع غيره، لأن الهداية الايصالية لا تتم بمجهول، ولا تخضع في كمالاتها لمبهم، ما لم يتم تشخيصه ومعرفته ذاتاً، لا صفةً.

وإلى هذا أشار الصادق عليه السلام إلى وجوب التحري عن ذات الإمام والحث على معرفة شخصه دون الاكتفاء بالوقوف على صفته أو بالسماع بأمره فقط.

فقد روى ابن بابويه بسنده عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله، بلغنا شكواك فأشفقنا، فلو أعلمتنا من بعدك؟ فقال: (إن عليّاً عليه السلام كان عالماً، والعلمُ يتوارث، ولا يهلكُ عالمٌ إلاّ بقي من بعده من يعلمُ مثل علمه أو ما شاء الله)، قلتُ: أفيسع الناس _ إذا مات العالم _ أن لا يعرفوا الذي بعده؟

فقال: (أما أهل البلدة فلا _ يعني المدينة _ وأما غيرهم من البلدان فقدر مسيرهم، إن الله يقول: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (4)).

قال: قلتُ: أرأيت من مات في ذلك؟

قال: (بمنزلة من خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ أدركه الموتُ فقد وقع أجره على الله).

قال: قلتُ: فإذا قدموا بأي شيء يعرفون صاحبهم؟

قال: يُعطى السكينة والوقار والهيبة.(5)

فتشخيص الإمام بمعرفته بالسكينة والوقار والهيبة دلالة على وجوب معرفة الإمام ذاتاً.

وعن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قلتُ: إذا هلك الإمامُ فبلغ قوماً ليس بحضرتهم؟

قال: (يخرجون كلهم أو يكفيهم أن يخرج بعضهم؟ إن الله عز وجل يقول: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ))، قال: (هؤلاء المقيمون في سعةٍ حتّى يرجع إليهم أصحابهم).(6)

فقوله عليه السلام: (في سعةٍ) مشعرٌ على عدم قبول أعمال المكلفين دون معرفة الإمام، والذي في سعةٍ هو في عذر حتى يعرف الإمام، إلاّ أنه مغيى بغاية رجوع الرسول المتفحص عن خبر الإمام، فإذا رجع إليهم وعرفوا أمر الإمام فقد ارتفعت عنهم المعذرية وخوطبوا بالتكليف.

وفي نفس المعنى قال الرواي: إن بلغنا وفاة الإمام، كيف نصنع؟

قال عليه السلام: (عليكم النفير).

قلت: النفير جميعاً؟

قال: (إن الله يقول: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) قلت: نفرنا، فمات بعضهم في الطريق؟

قال: فقال: (إن الله يقول: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً))(7) فوجوب التفحص عن الإمام تعذيريٌ حتّى يقفوا على خبر الإمام عليه السلام ، وإدراك أحدهم الموت وهو في حال التفحص معذور، لأن التفحص بذاته تكليف، وهو مقدمة واجب _ على القول بها _ يوصل إلى وجوب معرفة الإمام بذاته.

والاقتصار على معرفة الوصف دون معرفة الذات قد يوجب الوقوع في الاشتباه المؤدي إلى الخطأ في تشخيص الإمام، وهو في الشرك سواء.

فعن الإمام جعفر الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: (من أشرك مع إمام _ إمامتُه من عند الله _ من ليس إمامتُه من عند الله، كان مشركاً بالله).(8)

ومعنى ذلك أن اتباع غير إمام الحق يوجب عبادة من يعبده من دون الله، وبذلك فسيكون التابع لغير إمام _ جزافاً _ عابداً لغير الله تعالى أو مشركاً بعبادته سبحانه _ كما يستظهر من الرواية _.

هذا في شأن الإمام الحاضر، أما الإمام في زمن الغيبة فيجب معرفته بذاته وخصوصياته، من حيث كونه موجوداً حياً منتسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي اسمه (محمّد) بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ السجاد بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب، بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها وعليهم من الله التحيات الزاكيات.

هذا ما يقتضي معرفة الإمام المهدي ذاتاً في غيبته.

أما ما يخص الإمام المهدي عليه السلام فمعرفته بعد ظهوره تتم من خلال معرفة علامات ظهوره ليتسنى لنا تشخيصه ذاتاً، وقد ذكرت علامات الظهور في محلها وتكفلت بها مطولات خاصة في هذا الموضوع، إلاّ أن هناك ملاحظات لا بدّ من مراعاتها في هذا الشأن.

الملاحظة الأولى:

إن محاولة إيجاد مصاديق لشخصيات علامات الظهور غير دقيقة وكذلك التشبث ببعض الحوادث وكونها من علامات الظهور بشكل قطعي غير صحيح، نعم إمكانية إيجاد احتمالات مؤيدة بقرائن وشواهد تؤيد انطباق هذه العلامة على ذلك المصداق ومع هذا عدم القطع بذلك، وخلاصة الملاحظة: هو عدم التسرع في الحكم لئلا يؤثر ذلك على صدقية تعاطينا مع علامات الظهور.

الملاحظة الثانية:

الحث على معرفة علامات الظهور وذلك يساعد على بناء الشخصية التكاملية، ولتنمية الشعور بالأمل والابتعاد عن حالة الاحباط واليأس جراء ما يعانيه الفرد الشيعي من الظلم والتنكيل.

الملاحظة الثالثة:

إن التعامل مع أسانيد الروايات إحدى آليات الاستنباط الفقهي أي للوقوف على مدى صحة الرواية من عدمها، أما فيما يخص روايات الظهور فهي أشبه بالحالة الإنسانية التي ترافق الشخص في معرفة المستقبل، واستشراف ما يصبو إليه الإنسان وما تداهمه من أحداثٍ، لذا فهو يحاول أن يبحث عن الحقيقة ويتابع رواية هذه العلامات حرصاً منه على معرفة ما ينتظره من مصير، وهذا شأن أي إنسان بغض النظر عن كونه ثقة أو لا، إذن نحن لا نتحفظ على أسانيد هذه العلامات إذا لم تتعارض مع الكتاب والسنة والعقل.

الملاحظة الرابعة:

يجب أن نراعي في علامات الظهور بما يخص المدن دواعي الرواة ودوافعهم، فلربما يحاول بعض الرواة التنكيل بمنطقة ما، لدافع سياسي أو عقائدي ليجعل من بعض علامات الظهور مثلبة يطعنُ فيها على أهلها، أو منقصة يستفيد من خلالها بالتنكيل على أتباعها، كما في رواية عبيد الله بن عمرو في مجلس معاوية مخاطباً بها بعض أهل العراق المعروفين بولائهم لعليّ عليه السلام ، بأن الدجال يخرج من بلدكم ومن منطقة بابل بالضبط، في حين أن روايات الدجال تشير إلى أن قوة يهودية متواجدة في اصفهان يستفيد منها الدجال في تنفيذ خططه وتحركاته، فحاول عبد الله بن عمرو أن يطعن بأهل العراق وفي محضر معاوية باحدى علامات الظهور ليسخرها لخطه ويوجه فائدتها لمدرسته.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

القول بوجوب الإمامة يناقض القول بوجوب الاختفاء

الشبهة التاسعة: [إن القول بوجوب الإمامة لما فيها من المصلحة للأنام يتناقض مع ما يقوله الشيعة بأن مصلحة الإمام قبل الظهور الاستتار و الاختفاء] :
إن الشيعة الإمامية يناقضون أنفسهم من حيث اعتقادهم بوجوب الإمامة و قولهم بشمول المصلحة للأنام بوجود الإمام و ظهوره و أمره و نهيه و تدبيره، و استشهادهم على ذلك بحكم العادات في عموم المصالح بنظر السلطان العادل و تمكّنه من البلاد و العباد، و في نفس الوقت يقول الشيعة إن اللّه تعالى قد أباح للإمام الغيبة عن الخلق، و سوّغ له الاستتار عنهم، و أن ذلك هو المصلحة و صواب التدبير للعباد، و هل هذا إلا التناقض الواضح الذي لا يقرّه العقل و الدين؟ .
و الجواب:
إن الشبهة المذكورة انطلت على المخالف و استولت عليه لبعده عن سبيل الاعتبار و وجود الصلاح و أسباب الفساد، و ذلك أن المصالح تختلف باختلاف الأحوال، و لا تتفق مع تضادّها، بل يتغير تدبير الحكماء في حسن النظر 

و الاستصلاح بتغيّر آراء المستصلحين و أفعالهم و أغراضهم في الأعمال، ألا ترى أن الحكيم من البشر يدبّر ولده و أحبّته و أهله و عبيده و حشمه بما يكسبهم المعرفة و الآداب، و يبعثهم على الأعمال الصالحة ليستحقوا بذلك الذكر الجميل و حسن الثناء و المديح، فيكونوا بذلك موضع ثقتهم و اعتمادهم في الأمور كافّة إلى تجارة أو وكالة، فيمكنوهم من الأموال، فيحصل لهم السرور المتواصل، و ينالوا بما يحصل لهم من الأرباح الملذات، و ذلك هو الأصلح لهم، و متى واصلوا الجدّ في العمل و أخلصوا فيه بأقوالهم، بما يوجب استمرار نشاطهم، سهّلوا عليهم السبل الموصلة إليه، و كان ذلك هو الصلاح العام، و ما أخذوا بتدبيرهم إليه و أحبّوه منهم و أبرّوه لهم، و إن عدلوا عن ذلك إلى السفه و الظلم، و سوء الأدب و البطالة، و اللهو و اللعب، كانت المصلحة لهم قطع موارد السعة عنهم في الأموال و الاستخفاف بهم و الإهانة و العقاب، و ليس في ذلك تناقض بين أغراض العاقل، و لا تضادّ في صواب التدبير و الصلاح.
و على هذا الوجه الذي حقّقناه كان تدبير اللّه تعالى لخلقه، و إرادته عمومهم بالصلاح، ألا ترى أنه خلقهم فأكمل عقولهم و كلّفهم الأعمال الصالحات ليكسبهم بذلك حالا في العاجلة، و مدحا و ثناء حسنا و إكراما و إعظاما و ثوابا في الآجل، و يدوم نعيمهم في دار المقام، فإن تمسّكوا بأوامر اللّه و نواهيه وجب في الحكم إمدادهم بما يزدادون به منه، و سهّل عليهم سبيله، و يسّره لهم، و إن خالفوا ذلك و عصوه تعالى و ارتكبوا نواهيه، تغيّرت الحال فيما يكون فيه صلاحهم، و صواب التدبير لهم لوجب قطع موادّ التوفيق عنهم، و حسن منه ذمّهم و حربهم، و كان ذلك هو الأصلح لهم و الأصوب في تدبيرهم مما كان يجب في الحكمة لو أحسنوا و لزموا السداد، فليس ذلك تناقضا في العقل و لا تضادا في قول أهل العدل، بل هو ملتئم على المناسب و الاتفاق.
ألا ترى أنّ اللّه تعالى دعا الخلق إلى الإقرار به و إظهار التوحيد و الإيمان برسله عليهم السّلام لمصلحتهم، و أنه لا شيء أصوب في تدبيرهم من ذلك، فمتى 

اضطرّوا إلى إظهار كلمة الكفر للخوف على دمائهم كان الأصلح لهم و الأصوب في تدبيرهم ترك الإقرار باللّه و العدول عن إظهار التوحيد و المظاهرة بالكفر بالرسل، و إنما تعيّرت المصلحة بتغيّر الأحوال، و كان في تغيير التدبير الذي دبّرهم اللّه به فيما خلقهم له مصلحة للمتّقين، و إن كان ما اقتضاه من فعل الظالمين قبيحا منهم و مفسدة يستحقّون به العقاب الأليم.
و قد فرض اللّه تعالى الحجّ و الجهاد و جعلهما صلاحا للعباد، فإذا تمكّنوا منه عمّت به المصلحة، و إذا منعوا منه بإفساد المجرمين كانت المصلحة لهم تركه و الكفّ عنه، و كانوا في ذلك معذورين و كان المجرمون به ملومين.
فهذا نظير لمصلحة الخلق بظهور الأئمة عليهم السّلام و تدبيرهم إياهم متى أطاعوهم و انطووا على النصرة لهم و المعونة، و إن عصوهم و سعوا في سفك دمائهم تغيّرت الحال فيما يكون به تدبير مصالحهم، و صارت المصلحة له و لهم غيبته و تغييبه و استتاره، و لم يكن عليه في ذلك لوم، و كان الملوم هو المسبّب له بإفساده و سوء اعتقاده.
و لم يمنع كون الصلاح باستتاره وجوب وجوده و ظهوره، مع العلم ببقائه و سلامته و كون ذلك هو الأصلح و الأولى في التدبير، و أنه الأصل الذي أجرى بخلق العباد إليه و كلّفوا من أجله حسبما ذكرناه.

( ضمن كتاب: ابهی المداد فی شرح موتمر علماء بغداد. المجلد: ٢  المولف: مقاتل بن عطیه المحقق : العلامه الحجه الشيخ  محمد جميل حمود )