المـــؤمل



جواب الشبهات الوارده حول الامام المهدي عج

علاج بعض الشبهات حول المهدي عج


الشبهة الثانية عشرة: لا فائدة من الإمام الغائب:

ما هي فائدة الإمام الغائب، علماً أنَّه لا بدَّ من فرض فائدة لتنصيب الإمام. فقد اعترفت الشيعة بعدم إمكان تسيير الأمور للأمّة الإسلاميّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاَّ بالإمام، فغيبته تنافي ذلك.

وجوابها: بعد أن قام البرهان على وجوده فلا مجال للاستفسار عن تصرّفاته، فعدم إدراك الفائدة لا يسوّغ تضعيف الآثار، ومن ثَمَّ نفي الوجود مضافاً إلى تأثيره التكويني، وأثره الغيبي غير المحسوس، فإنَّ معتقد الشيعة بلابدّية الإمام ولو لأجل الحفاظ على الأثر التكويني، ناهيك عن ترتّب جملة من الآثار المحسوسة الثابتة بناءً على قاعدة اللطف.

وعلى ذلك:

فإنَّ العقيدة بالمهدي ثابتة بالتواتر، ويجب التسليم بها، لأنَّها من الغيب، أو من جهة أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر عنها، ولا بدَّ من الإيمان بإخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

الشبهة الثالثة عشرة: الفكرة ومنشأها عوامل نفسية: فكرة الغيبة وليدة دفع الكبت النفسي الذي يعايشه الشيعة بسبب اضطهادهم من الحكومات الظالمة.

وجوابها: إنَّ نظير هذا الكلام قيل في توجيه الاعتقاد بالله تعالى، إذ قالوا: إنَّ نكتة الاعتقاد به أمر نفسي، كما ادّعاه (فرويد)، مضافاً إلى أنَّ أدنى مراجعة لمفردات المنظومة المهدوية، ولثقافتها تردُّ هذه الشبهة، ثمّ ما هو الدليل على أصل مدّعاهم، إذ يمكن أن يقال: إنَّ أصل مدّعاهم هو التأثّر النفسي ضدّ المذهب الشيعي واتّساع حركته وزيادة قبوله.

الشبهة الرابعة عشرة: غيبة اللطف: الإمام لطفٌ، بمعنى المقرّبية لله تعالى، فكيف تجوز غيبة اللطف، إذ شأنه لا بدَّ أن يكون ظاهراً فلا يجتمع اللطف مع الغيبة.

وجوابها: إنَّ الشيعة لا تقول: إنَّ الإمام معطَّل، والذي ينافي اللطف التعطيل لا الغيبة، وفرق بينهما، وقد دلَّت الآثار على أنَّ الإمام ليس بمعطّل، وإنَّما غائب لا تدركه النفوس الضيّقة كما شبّه بعدم إدراك البصر للشمس عندما تحجبها الغيوم، والسحاب، فهل يعني أنَّنا نتنازل عن فائدتها أثناء الحجب؟ مضافاً أنَّ نفي اللطف يكون قبيحاً ومنافياً إذا كان من الله تعالى، أمَّا إذا كان بسبب العباد فالتقصير منهم، وإليهم يعود القبح.

الشبهة الخامسة عشرة: المهدي سيولد بعد ذلك: التسليم بفكرة المهدي إلاَّ أنَّه سيولد بعد ذلك، كما هو رأي العامّة الذين استندوا لبعض الروايات من أنَّه سيولد آخر الزمان.

وجوابها: أنَّ وجود هذا الكم الهائل من الروايات عندهم، مع عدم تعرّضها إلى لفظة: (سيولد)، وإنَّما عبَّرت (يظهر) في آخر الزمان، ومن الواضح أنَّ الظهور صفة يسبقها الخفاء، فمن هنا جاء التأكيد على كلمة (الظهور) في كلام المعصومين (عليهم السلام) للتدليل على أنَّ من صفات الموعود هو الغيبة بدلالة (الظهور) في تعابيرهم.

الشبهة السادسة عشرة: فكرة الغيبة تنافي أحكاماً فقهية: الغيبة تنافي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاهتمام بأمور المسلمين.

وجوابها: أنَّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً، ومن الشروط أن يستعين الآمر بالأسباب الطبيعية، المعهودة، وآمرية الإمام تستدعي أن يدخل في سياق الأمر الظهوري، فإنَّ للشريعة ظاهراً وباطناً، وقد ذكر في فقه التزاحم تقديم الأهمّ، فأهمّية خفائه تتقدَّم على آمرية الأمر بالمعروف، بل يأتي هذا الإشكال في حقّ الخضر ونحوه مضافاً إلى أنَّه يمكن اجتماع الغيبة مع الآمرية لأنَّ المراد غيبة الهوية لا الذات.

الشبهة السابعة عشرة: ادّعاء مجموعة أنَّهم هم المهدي يستدعي رفض فكرة المهدي: ربَّما هذا المهدي أيضاً كذلك، فقد ادّعى ذلك الكثير أو ادّعيت لهم كالمهدي السوداني ومحمّد بن الحنفية ومحمّد بن عبد الله بن الحسن والعبّاسيين وغيرهم.

وجوابها: لو تمَّت هذه الملازمة لصحَّ إبطال كثير من الأمور كالعدالة مثلاً إذ ادّعاها طواغيت الأرض كلّهم، ولحكمنا على العلماء بالجهل لكثرة من ادّعى العلم، وهكذا كالشجاعة والكرم إذ ما من صفة كريمة إلاَّ وقد ادّعاها من ليست فيه.

مضافاً إلى جملة من الإشكالات التي ذكرها الشيخ المفيد (قدس سره) وأجاب عنها في كتابه القيّم (الفصول العشرة في الغيبة).

( ضمن كتاب العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات )

اربع شبهات حول الامام المهدي ع

الشبهة الثانية: مدسوسية الروايات:

أنَّ أحاديث المهدي أحاديث مدسوسة وموضوعة، فعن محمّد محي الدين عبد الحميد قال في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي في تعليقه: (يرى بعض الباحثين أنَّ كلّ ما ورد فيه عن المهدي وعن الدجّال من الإسرائيليات)(6).

وجوابها: كيف يمكن دعوى الوضع مع أنَّها مسجّلة في الصحاح التي اعتبروا كلّ ما فيها صحيحاً على ما تقدَّم، فقد صحَّح روايات المهدي الترمذي والذهبي وابن كثير والنيسابوري والتفتازاني والسيوطي والهيثمي، بل حكم بعضهم بالتواتر كالشوكاني(7).
الشبهة الثالثة: ضعف الروايات:

أنَّ أحاديث المهدي روايات ضعيفة كما عن ابن خلدون ومن تبعه كأحمد أمين وأبي زهرة ومحمّد فريد وجدي.

ويجاب عنها بوجهين:

1 _ أنَّه مع وجود دعوى التواتر ولو إجمالاً لا يضرُّ فرض الضعف، قال القنوجي في (الإذاعة): (لا شكَّ في أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتَّفق عليه جمهور الأمّة سلفاً عن خلف إلاَّ من لا يعتدّ بخلافه)، وقال: (إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حدّ التواتر)(8).

2 _ أنَّ نفس صاحب الشبهة _ وهو ابن خلدون _ قال: (وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلاَّ القليل)(9)، وهو اعتراف بعدم النقد للبعض منها، فما الذريعة عندهم لعدم الأخذ بالسالم من النقد، بعد اعترافه بذلك.

3 _ لو سلَّمنا قبول ابن خلدون في التضعيف والتصحيح فإنّا نقول: إنَّه صحَّح أربعة أحاديث من مجموع ثلاثة وعشرين رواية ذكرها في المهدي.

الشبهة الرابعة: المهدوية فكرة شيعية:

أنَّ فكرة المهدي موجودة في فكر الشيعة فقط، دون غيره من المذاهب الأخرى، فعن عبد الرحمن محمّد عثمان في تعليقه على كتاب تحفة الآحوذي في باب: (ما جاء في الخلفاء): يرى الكثير من العلماء الثقات الأثبات أنَّ ما ورد في أحاديث خاصّة بالمهدي ليست إلاَّ من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم وأنَّه لا تصحّ نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وجوابها: أنَّ أحاديث المهدي ليست مختصّة بالشيعة، فالمذكور عندهم لا يقلُّ عمَّا هو المذكور عند الشيعة، فقد ألَّف الكثير من أعلام أهل السُنّة في الإمام المهدي (عليه السلام)، مثل: كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي، ومحمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، ونور الدين بن صبّاغ المالكي، وسبط ابن الجوزي، ومحي الدين بن العربي، وعبد الرحمن جامي، وعبد الوهّاب الشعراني، والسيّد جمال الدين النيسابوري، والحافظ محمّد بن محمّد البخاري، والعارف عبد الرحمن الصوفي، والشيخ حسن العراقي، وأحمد بن إبراهيم البلاذري، وعبد الله بن أحمد الخشاب، والفضل بن روزبهان، وشمس الدين محمّد بن طولون الحنفي، وأحمد بن يوسف القرماني، وسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، وأحمد بن حجر الهيتمي المكّي الشافعي، وسعد الدين الحموي، وأبو المجد الدهلوي البخاري، وصلاح الدين الصفدي، وعلي أكبر بن أسد الله المؤدي، وجلال الدين السيوطي، وابن سعد صاحب الطبقات الكبرى، وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، وأبو داود، والبيهقي، وابن عساكر، وابن منظور، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثيراً.

الشبهة الخامسة: المهدوية قضيّة غيبية مشكوك فيها:

أنَّه لا شبهة ولا ريب في وجود الشكّ وعدم العلم بقضيّة المهدي، ولمَّا كانت قضيّة غيبية فلا مجال لقبولها.

وجوابها من وجهين:

1 _ وهو جواب نقضي: فإنَّ قضيّة المعاد قضيّة غيبية أيضاً، وفي تفاصيلها شكٌّ، ولكن ذلك لا يضرُّ باليقين بوجود أصل المعاد، فكذلك قضيّة المهدي.

2 _ وهو جواب حلّي: إنّا لو سلَّمنا بوجود الشكّ في قضيّة المهدي، فإنَّه شكٌّ في التفاصيل، والجزيئات، لا في أصل ثبوتها (أي وجود إمام باسم المهدي يخرج آخر الزمان)، فإنَّ هذا محلّ اتّفاق، وإجماع، وضرورة إسلاميّة، بل ضرورة دينية في أصل وجود المنقذ.

(ضن كتاب العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات )

تقولون بصحة الاجتهاد في زمن الغيبة بعد أن حرمتموه في زمن الأئمّة، فما هو الدليل

الاجتهاد في زمن الغيبة

الشبهة العشرون:

تقولون بصحة الاجتهاد في زمن الغيبة بعد أن حرمتموه في زمن الأئمّة، فما هو الدليل القطعي على صحته، وهل هذا الدليل مأخوذ عن الأئمّة أم غيرهم، وهل هو موجود في كتبكم المؤلفة قبل عصر الغيبة بينوا لنا ذلك وخرجوه من تلك المصادر.

الجواب:

الاجتهاد هو إعمال الوسع في معرفة الحكم الشرعي باستنباطه من مداركه الشرعية كالكتاب والسنة والتي تشمل سنة أئمّة أهل البيت عليهم السلام فضلاً عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأصول العملية والعقل، أي ما تقتضيه القواعد الشرعية والموازين العقلية.

لم يكن الاجتهاد في زمن الأئمّة عليهم السلام واسع النطاق، فقد اقتصر على فهم الواقعة الشرعية من خلال ما يرويه أصحاب الأئمّة عليهم السلام كزرارة بن أعين ويونس بن عبد الرحمن ومحمّد بن مسلم وأبي بصير وأبان بن تغلب وجميل بن دراج ومحمّد بن أبي عمير والحسن بن عليّ بن فضال وصفوان بن يحيى وكثير ممن نقل ما سمعه عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام على أساس فتوى للحكم الشرعي. وكان ينقله بسنده عن المعصوم الذي يروي عنه، ثمّ اقتصر الرواة _ وهم المفتون على ضوء هذه الأحاديث _ على نقل الحديث فقط دون ذكر السند على أنه فتوى بما يؤدي إليه اجتهادهم ومعرفتهم في هذا الشأن، وكلما طالت الشقة وبعدت المسافة عن المعصوم أضطر الرواي إلى إعمال رأيه في استخراج واقعة الحكم الشرعي من الحديث، وكان الرواة لكونهم أقرب عهداً بالمعصوم _ حتّى لو بعدت الشقة عنهم _ فإنهم ليسوا بحاجةٍ إلى جهدٍ كبير لاستنباط الحكم الشرعي من الحديث؛ وذلك لإمكانية اتصالهم بحضرة المعصوم عليه السلام في وقت لاحق، وكلما بعدَ الراوي عن المعصوم احتاج إلى جهد أكبر يبذله لتحقيق عمل استنباطي يحصل من خلاله على الحكم الشرعي، وهكذا في الغيبة الكبرى، فإن الإمام الحجة عليه السلام حينما بدأت غيبته أرشدهم إلى انقطاع الصلةِ بينه وبين شيعته من خلال سفرائه بعد وفاة آخر سفير للإمام عليه السلام وهو محمّد بن عليّ السمري المتوفى سنة (329 هـ)، وانقطاع الاتصال بين الإمام عليه السلام وبين شيعته يوجب البحث عن الحكم الشرعي من خلال الاستنباط الفقهي وذلك بإعمال الوسع في الوصول إلى الواقعة الشرعية بشكل يقيني عند توفر الإمارات القطعية كالأحاديث الصحيحة، أو بقضيةٍ ظنية عند عدم توفر الإمارات والاعتماد على الأصول العملية التي هي في حقيقتها تعذيرية.

أو تنجيزية إلى غير ذلك من الأصول، إذن فالاجتهاد لا يحتاج إلى دليل صحته ومشروعيته، فهو حالة يضطرُ إليها المكلف للوصول إلى الحكم الشرعي لتفريغ ذمته من التكليف المنجّز عليه، فالمكلف مخاطبٌ بالتكليف، ومعرفة التكليف لا يتأتى إلاّ من خلال الوقوف على الحكم الشرعي الناشئ من إعمال الوسع في استخدام آليات الاجتهاد للوصول إلى الحكم الشرعي، وهذا يحدث حتّى في زمن الحضور _ أي حضور المعصوم _ إذا كان المكلف بعيداً بحيث يتعذر عليه الوصول إليه، فلا يمكن أن يتحلل من التكليف الشرعي لحين لقائه بالمعصوم، بل لا بدّ من استخدام ما يمكنه من الوصول للواقعة الشرعية من خلال اجتهاده في فهم ما ورد عن المعصوم عليه السلام من حديث، أو ما يعبّر عنه بانسداد باب العلم وهو ما حدث لدى الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أمر معاذ بن جبل حين أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالاجتهاد عند فقد النص حين بعثه إلى اليمن، وكاجتهاد عمار بن ياسر في التيمم حين تمعك في التراب، إلى غير ذلك من مواقف الاجتهاد لدى الصحابة عند فقدهم النص على الواقعة الشرعية.

فقول المستشكل بأن الإمامية تحرّم الاجتهاد في زمن الأئمّة وتجوّزه في زمن الغيبة غير دقيق لما بيناه.

والحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية محمّد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )

 

لماذا التفت الشيعة أصحاب الحسن العسكري حول جعفر بن عليّ يعزونه ويهنئونه

القول في دعوى جعفر الكذاب

الشبهة التاسعة عشرة:

وقد وردت على شكل تساؤلات:

السؤال الأوّل:

ما الذي دعى الفطحية وهم العلماء العابدون الورعون إلى القول بإمامة جعفر بن عليّ المسمى عند الجعفرية بجعفر الكذاب؟

الجواب:

هذا كلامٌ عجيب حيث يحتج المستشكل بعقيدة الفطحية في عدم قولهم بإمامة الإمام المهدي عليه السلام واعتقادهم بإمامة جعفر الكذاب، والأمر واضحٌ فهؤلاء الفطحية _ كما هو معلوم _ يعتقدون بإمامة عبد الله الأفطح ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، وهم مع أنهم يعلمون بوفاة عبد الله في حياة والده الإمام الصادق عليه السلام إلاّ أنهم مع هذا يصرون على أن عبد الله الأفطح خليفة أبيه. وأمرهم في غاية الغرابة، وإذا كان هذا حالهم فما معنى الاحتجاج بقولهم بإمامة جعفر الكذاب؟! وهل هم يعتقدون بإمامة آبائه من قبل حتّى يحتج علينا بعقيدة المنكرين لإمامة آباء الإمام المهدي عليه السلام ؟! ووصفهم بالعلم والعبادة أمرٌ لا ينفع مع انحراف الاعتقاد، علماً أن الفطحية لم يكن لهم شأنٌ في مسألة إمامة العسكري عليه السلام حتّى ينتقلوا إلى القول بإمامة جعفر. وهذه مطولات الملل والنحل تشهد على ذلك حيث لم يكن للفطحية شأنٌ في هذا المقال، نعم الواقفة استمراراً لعنادها قالت بغيبة الحسن العسكري وقد بطل قولهم بوفاته عليه السلام والأمر في ذلك يحتاجُ إلى تفصيل ليس محل ذكره هنا.

السؤال الثاني:

لماذا التفت الشيعة أصحاب الحسن العسكري حول جعفر بن عليّ يعزونه ويهنئونه مع تواتر الحديث الذي ينص على أسماء الأئمّة ثمّ تراجعوا حينما رأوا  _ كما تزعم الاثنا عشرية _ محمّد بن الحسن يجذب عمّه حينما أراد أن يصلي على الحسن العسكري؟

الجواب:

كلام المستشكل غير دقيق، فقوله: (إن الشيعة التفت حول جعفر) غير صحيح، فالشيعة أعرف بحال جعفر من غيرهم، وقد سمعوا من أبيه وأخيه ذمهما له، ووقفوا على حال جعفر في الفسق الذي اشتهر به، فكيف يلتفون حوله كما عبّر المستشكل؟ ولم يكن لدى المستشكل سوى رواية أبي الأديان التي ذكر فيها أن الشيعة يعزون جعفراً ويهنئونه، ولم يذكر أبو الأديان مَنْ هؤلاء الشيعة، هل هم فقهاؤهم أم عوامهم وبسطاؤهم؟

وواضح أن قوله الشيعة يعني عموم الشيعة من بسطائهم، الذين ينبهرون بأدنى دعاية وأبسط ترويج لأمر ينجرون إليه، وينخدعون به. ولو كان فيهم من علمائهم وفقهائهم لذكرهم أبو الأديان، ولم يخف على أبي الأديان حال جعفر مع أن أبا الأديان لم يكن سوى خادم للإمام عليه السلام وليس من فقهاء الشيعة في شيء، ومع هذا فقد انكشف عنده أمر جعفر بقوله: فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فقدمت فعزيت وهنيت.(4)

وقوله بعد بيان حاله: (فتقدمت فعزيت وهنيّت) إشارة لمجاراة الوضع العام، ولعل هؤلاء الشيعة الذين فعلوا ما فعله أبو الأديان منكشفٌ لديهم حال جعفر، ومع هذا فهم يعزونه ويهنئونه مراعاةً لظرفٍ عام ترعاه السلطة، وتدعو إليه للإطاحة بمفهوم الإمامة والالتفاف عليها. وتقديم جعفر الذي عرف بسيرته السيئة على أنه هو الإمام مما يُشعر بأن هناك دفعاً خاصاً باتجاه مقولة إمامة جعفر المزيفة ترعاها السلطة والمخالفون لاطروحة إمامة أهل البيت عليهم السلام ، وهذا لا يعني أن تهنئة الشيعة جاءت عن قناعةٍ باستحقاق جعفر للإمامة كما هي عقيدة أبي الأديان الذي يقول عن جعفر: (ان يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة)(5) مما يشير إلى أن هناك أمراً ضاغطاً توجهت الشيعة بسببه إلى هذا السلوك وهو تهنئة جعفر بالإمامة على أمل أن تنفرج الأمور ليتبين الإمام الحقيقي بعد هذه التشريفات التي يعيشها الناس في تهنئة جعفر برعاية السلطة، ومن يدري, فلعل الشيعة وهي تعيش بطش السلطة قد سلكت أسلوب التمويه حفاظاً على سلامتها من فتك السلطة، إذا هي رفضت عرض جعفر للإمامة لحين ما تنكشف الأمور وتستبين الحقائق.

إذن لم تكن تهنئة بعض الشيعة لجعفر عن قناعةٍ تامةٍ بإمامته. والسلطة تعمل بنفاق مبطن على تقديم جعفر للإمامة وذلك من خلال قول أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وهو أحد رجالات السلطة عند تعريفه لجعفر بقوله: (ان جعفراً معلن بالفسق ماجن شريب للخمور، وأقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لستره، فدم(6) خمار قليل في نفسه خفيف، والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن عليّ عليهما السلام ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون...)(7) وهذه إشارة إلى معرفة السلطة بحقيقة جعفر واستخفافها به فكيف بشيعة الإمام عليه السلام تغيب عنهم حقيقة جعفر حتّى ينخدعوا بالقول بإمامته؟ وعلى هذا لم تنخدع الشيعة بجعفر ولم يهنئوه عن قناعةٍ باستحقاقه الإمامة. ولعل من التف حول جعفر كان مثله ممن يعاقر المحرمات فحسبهم الرائي أنهم من شيعة الإمام وليس هم من شيعته ولا من أتباعه، بل هم أصحاب جعفر الذين وكلوا به للترويج له والدعاية من أجله.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )