المـــؤمل



بيان حكمة الغَيْبة

[ بيان حكمة الغَيْبة عند المصنّف ]

وإذا كنّا قد وَعَدْنا بأن نتبرّع بذكر سبب الغَيْبة على التفصيل ، وإنْ كان لا يلزمنا ، ولا يُخلّ (٦٨) الإضرابُ عن ذكره بصحّة مذاهبنا ، فنحن نفعل ذلك ونتبعه بالأسئلة التي تُسأل عليه ونجيب عنها.

 

فإن كان كلّ هذا فضلاً منّا ، اعتمدناه استظهاراً في الحجّة ، وإلاّ فالتمسّك بالجملة المتقدّمة مُغْنٍ كافٍ.

[ الغَيْبة استتاراً من الظلمة ]

أمّا سبب الغَيْبة فهو : إخافة الظالمين له عليه السلام ، وقبضهم يده عن التصرّف فيما جُعل إليه التصرّف والتدبير له ؛ لأنّ الإمام إنّما ينتفع به إذا كان مُمَكَّناً ، مطاعاً ، مُخَلّيً بينه وبين أغراضه ، ليقوِّم الجناة ، ويحارب البغاة ، ويقيم الحدود ، ويسدّ الثغور ، وينصف المظلوم من الظالم ، وكلّ هذا لا يتمّ إلاّ مع التمكين ، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة ، فإذا خاف على نفسه وجبت غَيْبته ولزم استتاره.

ومَنْ هذا الذي يُلْزمُ خائفاً ـ أعداؤه (٦٩) عليه ، وهم حنقون ـ أن يظهر لهم وأن يبرز بينهم ؟!

والتحرّز من المضارّ واجبٌ عقلاً وسمعاً.

وقد استتر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الشِعب مرّة ، وأُخرى في الغار ، ولا وجه لذلك إلاّ الخوف من المضارّ الواصلة إليه.

[ التفرقة بين استتار النبيّ والإمام

في أداء المهمّة والحاجة إليه ]

فإن قيل : النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (٧٠) ما استتر عن قومه إلاّ‍ بعد أدائه إليهم ما وجب أداؤه ، ولم تتعلّق بهم إليه حاجة ، وقولكم في الإمام بخلاف ذلك.

ولأنّ استتاره صلّى الله عليه وآله وسلّم (٧١) ما تطاول ولا تمادى ، واستتار إمامكم قد مضت عليه العصور وانقضت دونه الدهور!

قلنا : ليس الأمر على ما ذكرتم ؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما استتر في الشِعْب والغار بمكّة ، وقبل(٧٢) الهجرة ، وما كان أدّى صلّى الله عليه وآله وسلّم (٧٣) جميع الشريعة ، فإنّ أكثر الأحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة ، فكيف ادّعيتم أنّه كان بعد الأداء ؟!

ولو كان الأمر على ما زعمتم من تكامل الأداء قبل الاستتار : لَما كان ذلك رافعاً للحاجة إلى تدبيره عليه السلام ، وسياسته ، وأمره (٧٤) في أُمّته ونهيه.

ومَنْ هذا الذي يقول : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (٧٥) بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ، ولا مفتقَر إلى تدبيره ، إلاّ معاندٌ مكابر ؟!

وإذا جاز استتاره عليه السلام ـ مع تعلّق الحاجة إليه ـ لخوف الضرر ، وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى التغيّب ، سقطت عنه اللائمة ، وتوجهت إلى مَنْ أحوجه إلى الاستتار وألجأه إلى التغيّب.

وكذلك القول / في غَيْبة إمام غَيْبة إمام الزمان عليه السلام.

الهوامش :

(٦٧) في « أ » : دليلكم.

(٦٨) في « أ » و « ب » : يحلّ.

(٦٩) في « ج » : أعداءه.

(٧٠) في « أ » : عليه وآله السلام.

(٧١) في « أ » و « ب » : 7.

(٧٢) في « ب » : قبل.

(٧٣) في « أ » و « ب » : 7.

(٧٤) في « أ » : أوامره.

(٧٥) في « أ » : 7.

 

ضمن كتاب المقنع في الغيبه