المـــؤمل



المسيرة الاصلاحيّة

المسيرة الإصلاحية :

ينبغي أن نشير هنا إلى خريطة مسيره المبارك في قيامه الأغرّ الذي يمكن تخطيطه بالأحاديث الشريفة من البدء إلى استقرار دولته الكريمة ، في المراحل الثلاث التالية :

1 _ إصلاحاته في مكّة المكرّمة.

2 _ التوجّه إلى المدينة المنوّرة.

3 _ الكوفة عاصمته المباركة.

المرحلة الأولى : مكّة المكرّمة :

المستفاد من بعض الأحاديث ، أن مكّة تستسلم له عليه السلام ويسيطر الإمام على البلدة بكاملها.

ويستفاد هذا من قوله عليه السلام في النصّ الذي عبّر بالإطاعة بعد سؤال الراوي : فما يصنع بأهل مكّة؟

قال : (يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة فيطيعونه ، ويستخلف فيهم رجلاً من أهل بيته)(1).

ويدلُّ الحديث الصادقي على أنه عليه السلام يردّ المسجد الحرام إلى أساسه الذي حدّه النبي إبراهيم عليه السلام ، وهو الحزْوَرَة (2).

ويرد المقام إلى الموضع الذي كان فيه بجوار الكعبة (3)­.

كما ينادي مناديه أن يسلّم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف كما في الحديث الشريف (4).

فيفسح صاحب الطواف المستحب المجال لصاحب الطواف الواجب ، ويتقدم ذلك لطوافه واستلام الحجر في سبيل راحة الطواف ، وعدم الازدحام ، وسهولة إنجاز مناسك الحج.

ثمّ بعد إنجازاته الموفّقة في مكّة المكرّمة ونصب والٍ من قبله هناك يتوجّه إلى مدينة جدّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (5).

المرحلة الثانية : المدينة المنورة :

للإمام المهدي عليه السلام شأن عظيم في المدينة المنورة ، نشير إليه بحديث المفضّل الجعفي عن الإمام الصادق عليه السلام الذي يبيّن سرور المؤمنين ، وخزي الكافرين ، وأخذ الثأر من الظالمين ، في مقامه عليه السلام هناك.

واعلم أنه قد جاء هذا الحديث مضافاً إلى البحار في كتاب الرجعة للأسترآبادي (ص 100) مسنداً عن الحسين بن حمدان ، عن محمّد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيين ، عن أبي شعيب محمّد بن نصير ، عن عمر بن الفرات ، عن محمّد بن المفضل ، عن المفضل بن عمر.

وحكاه في هامشه عن حلية الأبرار (ج 2/ ص 652) ، وإثبات الهداة (ج 3/ ص 523) ، والإيقاظ من الهجعة (ص 286).

وذكر أيضاً في الهداية الكبرى للحضيني (ص 74) من النسخة المخطوطة.

وجاء ذكر قطعة منه في الصراط المستقيم (ص 257).

المرحلة الثالثة : الكوفة العاصمة :

بعد مُقام المدينة ، يخرج الإمام المهدي عليه السلام إلى حرم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة بعد أن يستعمل عليها رجلاً من أصحابه ، كما في الحديث (6).

وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام :

(... ويسير نحو الكوفة ، وينزل على سرير النبي سليمان عليه السلام ، وبيمينه عصا موسى ، وجليسه الروح الأمين ، وعيسى بن مريم ، متّشحاً ببرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم متقلّدا بذي الفقار ، ووجهه كدائرة القمر في ليالي كماله ، يخرج من بين ثناياه نورٌ كالبرق الساطع ، على رأسه تاجٌ من نور)(7).

وللكوفة يومئذٍ شأن عظيم ومجد كريم ، حيث تكون عاصمة حكومته ودار خلافته ومركز شيعته. فيتجلى فيها السموّ والرفعة ، وتصير مهد الحياة الزاهرة في دولة العترة الطاهرة ، ببركة الإمام المهدي أرواحنا فداه.

ففي حديث المفضل : قلت : يا سيدي ، فأين تكون دار المهدي ومجتمع المؤمنين؟ قال :

(دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها ، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة ، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريّين).

قال المفضّل : يا مولاي كل المؤمنين يكونون بالكوفة؟

قال : (إي والله ، لا يبقى مؤمن إلاّ كان بها أو حواليها ، وليبلغنّ مجالة فرس منها ألفي درهم...

ولتصيّرنّ الكوفة أربعة وخمسين ميلا (8) ، ويجاوزن قصورها كربلاء.

وليصيّرنّ الله كربلاء معقلاً ومقاماً تختلف فيه الملائكة والمؤمنون ، وليكونن لها شأن من الشأن ، وليكونن فيها من البركات ما لو وقف مؤمن ودعا ربه بدعوة لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرّة)(9).

وفي الحديث العلوي الشريف :

(ثمّ يقبل إلى الكوفة ، فيكون منزله بها. فلا يترك عبداً مسلماً إلاّ اشتراه وأعتقه ، ولا غارماً إلاّ قضى دينه ، ولا مظلمة لأحد من الناس إلاّ ردّها ، ولا يقتل منهم عبد إلاّ أدى ثمنه دية مسلمة إلى أهله ، ولا يقتل قتيل إلاّ قضى عنه دينه ، وألحق عياله في العطاء ، حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وعدواناً.

ويسكن هو وأهل بيت الرحبة ، إنما كانت مسكن نوح وهي أرض طيبة ولا يسكن رجل من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يقتل إلاّ بأرض طيبة زاكية ، فهم الأوصياء الطيبون)(10).

وأنه ليكثر فيها الخيرات والبركات حتّى تمطر السماء فيها ذهبا ، كما تلاحظه في الحديث الصادقي :

(وتمطر السماء بها جراداً من ذهب)(11).

هذا ، مضافاً إلى مرغوبية نفس الكوفة في حدّ ذاتها ، كما تلاحظها في أحاديث فضلها وعظيم منزلته (12).

وأنه يكون مسجدها أكبر مسجد في العالم ، حتّى يبنى مسجدها الأعظم ويكون له ألف باب (13).

ولا بأس بالمناسبة بيان ما لهذا المسجد من فضل عظيم وشرف كبير :

1 _ ففي حديث أبي عبيدة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :

(مسجد كوفان روضة من رياض الجنّة ، صلى فيه ألف نبي وسبعون نبياً وميمنته رحمة ، وميسرته مكرمة.

فيه عصا موسى ، وشجرة يقطين ، وخاتم سليمان ، ومنه فار التنّور ونجرت السفينة ، وهي صرة بابل (14) ومجمع الأنبياء)(15).

2 _ وفي حديث الأصبغ بن نباتة ، قال : بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة ، إذ قال :

(يا أهل الكوفة! لقد حباكم الله عز وجل بما لم يحب به أحداً. ففضّل مصلاكم وهو بيت آدم ، وبيت نوح ، وبيت إدريس ، ومصلى إبراهيم الخليل ، ومصلى أخي الخضر عليهم السلام ، ومصلاي.

وإن مسجدكم هذا أحد الأربع المساجد التي اختارها الله عز وجل لأهلها ، وكأني به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم ، يشفع لأهله ولمن صلى فيه ، فلا ترد شفاعته ، ولا تذهب الأيام حتّى ينصب الحجر الأسود فيه (16).

وليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدي من ولدي ، ومصلى كل مؤمن ، ولا يبقى على الأرض مؤمن إلاّ كان به أو حنَّ قلبه إليه.

فلا تهجرن ، وتقربوا إلى الله عز وجل بالصلاة فيه ، وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم. فلو يعلم الناس ما فيه من البركة ، لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج)(17).

3 _ وفي حديث عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

(يا ابن مسعود ، لما اُسري بي إلى السماء الدنيا ، أراني مسجد كوفان ، فقلت : يا جبرئيل ، ما هذا؟

قال : مسجد مبارك ، كثير الخير ، عظيم البركة. اختاره الله لأهله ، وهو يشفع لهم يوم القيامة)(18).

4 _ وفي حديث محمّد بن سنان ، قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول :

(الصلاة في مسجد الكوفة فرادى أفضل من سبعين صلاة في غير جماعة)(19).

5 _ وفي حديث المفضل ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

(صلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد)(20).

وأما مسجد السهلة بالكوفة ، فهو أيضاً من المساجد العظمى ، ذات الفضيلة الكبرى :

1 _ ففي حديث أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال لي :

(يا أبا محمّد ، كأني أرى نزول القائم عليه السلام في مسجد السهلة بأهله وعياله).

قلت : يكون منزله جُعلت فداك؟

قال : (نعم ، كان فيه منزل إدريس ، وكان منزل إبراهيم خليل الرحمن ، وما بعث الله نبياً إلاّ وقد صلّى فيه ، وفيه مسكن الخضر.

والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلاّ وقلبه يحنّ إليه ، وفيه صخرة فيها صورة كل نبي.

وما صلّى فيه أحد فدعا الله بنيّة صادقة إلاّ صرفه الله بقضاء حاجته.

وما من أحد استجاره إلاّ أجاره الله مما يخاف).

قلت : هذا لهو الفضل.

قال : (نزيدك؟).

قلت : نعم.

قال : (هو من البقاع التي أحبّ الله أن يدعى فيها ، وما من يوم ولا ليلة إلاّ والملائكة تزور هذا المسجد ، يعبدون الله فيه. أما إني لو كنت بالقرب منكم ما صليت صلاة إلاّ فيه.

يا أبا محمّد ، وما لم أصف أكثر).

قلت : جُعلت فداك ، لا يزال القائم فيه أبداً؟

قال : (نعم).

قلت : فمن بعده؟

قال : (هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق)(21).

2 _ وفي حديث العلاء ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :

(تصلي في المسجد الذي عندكم الذي تسمونه مسجد السهلة ، ونحن نسميه مسجد الشرى؟).

قلت : إني لاُصلي فيه جُعلت فداك.

قال : (ائته ، فإنه لم يأته مكروب إلاّ فرّج الله كربته ، أو قال : قضى حاجته وفيه زبرجدة فيها صورة كل نبي وكل وصي)(22).

3 _ وفي حديث الحضرمي ، عن أبي عبد الله عليه السلام أو عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قلت له : أيّ بقاع الله أفضل ، بعد حرم الله جل وعز ، وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؟

فقال : (الكوفة يا أبا بكر. هي الزكية الطاهرة؛ فيها قبور النبيين المرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين.

وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلاّ وقد صلّى فيه ، ومنه يظهر عدل الله ، وفيها يكون قائمه والقوام من بعده ، وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين)(23).

وفي هذا المسجد المبارك دعا الإمام الصادق عليه السلام لخلاص المرأة الصالحة في حديث بشار المكاري المعروف (24).

وفي هذا المسجد حصلت التشرفات الشريفة للأولياء والمؤمنين ، وعباد الله الصالحين.

فبانتظار ذلك اليوم الزاهر ، والعصر المشرق ، والحياة الذهبية ، مع المراقي المعنوية ، تحت ظل الإمام المنتظر الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه ، أمل المؤمنين.


الهوامش

(1) بحار الأنوار 53 : 11/ باب 25/ ح 1.

(2) الحزورة : اسم الموضع المعلوم بين الصفا والمروة ، ويستفاد من بعض الأحاديث الشريفة أن الذي خطه النبي إبراهيم عليه السلام للمسجد الحرام هو ما بين الحزورة إلى المسعى ، فلاحظ لذلك : الكافي 4 : 527/ ح 10.

(3) الإرشاد : 383.

(4) الكافي 4 : 427/ ح 1.

(5) بحار الأنوار 53 : 11/ باب 25/ ح 1.

(6) بحار الأنوار 52 : 308/ ح 82 .

(7) يوم الخلاص/ المترجم 1 : 495.

(8) الميل يساوي (1860) متر ، كما في الأوزان والمقادير : 132.

وعليه يكون مقدار امتداد الكوفة آنذاك (54) ميل ، ويساوي (100440) متر.

(9) بحار الأنوار 53 : 11/ باب 25/ ح 1.

(10) تفسير العياشي 1 : 66. والرحبة بضم الراء وسكون الحاء : موضع بالكوفة كما في مجمع البحرين ، مادة رحب.

(11) بحار الأنوار 53 : 34/ باب 25/ ح 1.

(12) بحار الأنوار 100 : 396/ باب 6/ ح 33.

(13) بحار الأنوار 52 : 330/ باب 27/ ح 76.

(14) في بيان البحار : صرة بابل : أشرف أجزاءها.

(15) بحار الأنوار 100 : 389/ باب 6/ ح 13.

(16) في بيان البحار هنا : أن نصب الحجر الأسود في مسجد الكوفة كان في زمن القرامطة ، حيث خرّبوا الكعبة المعظمة ، ونقلوا الحجر الأسود إلى مسجد الكوفة ، ثمّ ردّوه إلى موضعه ، ونصبه الإمام القائم عليه السلام بحيث لم يعرفه الناس كما مرَّ ذكره في كتاب الغيبة.

(17) بحار الأنوار 100 : 389/ باب 6/ ح 14.

(18) بحار الأنوار100 : 394/ باب 6/ ح 27.

(19) بحار الأنوار 100 : 397/ باب 6/ ح 34.

(20) بحار الأنوار 100 : 397/ باب 6/ ح 36.

(21) بحار الأنوار 100 : 436/ باب 7/ ح 7.

(22) بحار الأنوار 100 : 437/ باب 7/ ح 9.

(23) بحار الأنوار 100 : 440/ باب 7/ ح 17.

(24) بحار الأنوار 47 : 379/ باب 11/ ح 101.

ضمن كتاب الامام المهدي عليه السلام