المـــؤمل



غيبة نبي الله يوسف عليه السلام

غيبة نبي الله يوسف عليه السلام
    غيبة يوسف (عليه السلام) فإنّها كانت عشرين سنة لم يدهّن فيها ولم يكتحل ولم يتطيّب ولم يمسَّ النّساء حتّى جمع الله ليعقوب شمله وجمع بين يوسف وإخوته وأبيه وخالته، كان منها ثلاثة أيّام في الجبّ، وفي السّجن بضع سنين، وفي الملك باقي سنيه.
 وكان هو بمصر ويعقوب بفلسطين، وكان بينهما مسيرة تسعة أيّام فاختلفت عليه الأحوال في غيبته من إجماع إخوته على قتله، ثمَّ إلقائهم إيّاه في غياهب الجبِّ، ثمَّ بيعهم إيّاه بثمن بخس دراهم معدودة، ثمَّ بلواه بفتنة امرأة العزيز، ثمَّ بالسّجن بضع سنين، ثمَّ صار إليه بعد ذلك ملك مصر، وجمع الله ـ تعالي ذكره ـ شمله وأراه تأويل رؤياه.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قدم أعرابيٌّ على يوسف ليشتري منه طعاماً فباعه، فلمّا فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟ قال: بموضع كذا وكذا، قال: فقال له: فإذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد: يا يعقوب! يا يعقوب! فإنّه سيخرج إليك رجلٌ عظيمٌ جميلٌ جسيمٌ وسيمٌ، فقل له: لقيت رجلاً بمصر وهو يقرئك السّلام ويقول لك: إنَّ وديعتك عند الله عزَّ وجلَّ لن تضيع، قال: فمضى الأعرابي حتّى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه: احفظوا عليَّ الإِبل ثمَّ نادى: يا يعقوب! يا يعقوب، فخرج إليه رجل أعمى طويل جسيم جميل يتّقي الحائط بيده حتّى أقبل فقال له الرَّجل: أنت يعقوب: قال: نعم.
 فأبلغه ما قال له يوسف، قال: فسقط مغشيّاً عليه، ثمَّ أفاق، فقال: ياأعرابي، ألك حاجة إلى الله عزَّ وجلّ؟ فقال له: نعم، إنّي رجلٌ كثير المال، ولي ابنة عمٌّ ليس يولد لي منها، وأُحبُّ أن تدعو الله أن يرزقني ولداً، قال: فتوضّأ يعقوب وصلّى ركعتين، ثمَّ دعا الله عزَّ وجلّ، فرُزِق أربعة أبطن، أو قال ستّة أبطن في كلِّ بطن اثنان.

فكان يعقوب (عليه السلام) يعلم أنَّ يوسف (عليه السلام) حيٌّ لم يمت وأنَّ الله ـ تعالى ذكره ـ سيظهره له بعد غيبته، وكان يقول لبنيه: (إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(سورة يوسف:96) وكان أهله وأقرباؤه يفنّدونه على ذكره ليوسف، حتّى أنّه لمّا وجد ريح يوسف قال: (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(سورة يوسف : 94 – 96).

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنَّ في القائم سنّة من يوسف، قلت: كأنّك تذكر خبره أو غيبته؟ فقال لي: وما تنكر هذه الأُمّة أشباه الخنازير، أنَّ إخوة يوسف كانوا أسباطاً، أولاد أنبياء، تاجروا يوسف وبايعوه، وهم إخوته، وهو أخوهم فلم يعرفوه، حتّى قال لهم: «أنا يوسف وهذا أخي» فما تنكر هذه الأُمّة أن يكون الله عزَّ وجلَّ في وقت من الأوقات، يريد أن يستر حجّته عنهم، لقد كان يوسف يوماً ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرِّفه مكانه لقدر على ذلك، والله، لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة أيّام إلى مصر، فما تنكر هذه الأُمّة أن يكون الله عزَّ وجلَّ يفعل بحجّته ما فعل بيوسف، أن يكون يسير فيما بينهم، ويميشي في أسواقهم، وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله عزَّ وجلَّ له أن يعرِّفهم نفسه، كما أذن ليوسف (عليه السلام) حين قال لهم: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَانت يوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي)(سورة يوسف : 89 – 90).