المـــؤمل



مع المهدي في ولادته عليه السلام



مع المهدي في ولادته

كانت ولادة الإمام المهدي u عند طلوع الفجر من يوم الجمعة الخامس عشر من شهر شعبان سنة 255هـ في سامراء .

وعلى هذا إجماع الشيعة الإمامية ومن قال بولادة الإمام المهدي من السنة،

ولم يخالف في ذلك أحد وإن كان الصدوق في إكمال الدين والكليني في الكافي تارة يذكران أن ولادة الإمام المهدي u كانت سنة 255هـ وأخرى يقولان سنة 256هـ

وهذا التنافي بينهما يوجب علينا الأخذ بالمشهور وما اتفقت عليه رواية الجميع بما فيهم الصدوق والكليني .

وكانت ولادته u بعد وفاة جده الإمام الهادي u بسنة وبضعة أيام،

باعتبار أن الإمام الهادي u توفي في رجب سنة 254هـ(1) ،وفي اليوم السادس عشر من تولي المهتدي العباسي الملك باعتبار أنه تولاه لليلة بقيت من شهر رجب (2) .

قصة الحمل والولادة :

أما خبر الحمل والولادة فنترك الحديث فيه إلى السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد u فقد قالت:

بعث إليّ أبو محمد الحسن بن علي u فقال:

يا عمة،اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا،فإنها ليلة النصف من شعبان،فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة،وهو حجته.

قالت:

فقلت له:ومن أمه ؟

قال لي:

نرجس .

قالت:

فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أرَ بها أثر حمل،فعدت إليه فأخبرته بما

فعلت فتبسم ثم قال لي:

إذا كان وقت الفجر يظهر بها الحمل لأن مثلها مثل أم موسى لم يظهر بها الحمل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها،لأن فرعون كان يشقّ بطون

الحبالى في طلب موسى،وهذا نظير موسى u.

قالت:

فعدتُ إليها فأخبرتها بما قال وسألتها عن حالها فقالت:

يامولاتي،ما أرى بي شيئاً من هذا؟

قالت حكيمة :

فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر،وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى

جنب حتى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة فضممتها إلى

صدري وقلت:

اسم الله عليك أتحسين شيئاً ؟

قالت:

نعم يا عمه .

فقلت لها:

اجمعي نفسك واجمعي قلبك،فهو ما قلت لك .

قالت حكيمة:

فأخذتني فترة وأخذتها فترة،فانتبهت بحس سيدي المهديuفكشفت الثوب

عنه،فإذا أنا به ساجداً يتلقى الأرض بمساجده فضممته إليّ،فإذا أنا به

نظيف منظف ، فصاح بي أبو محمد:

هلمي إليّ ابني يا عمه .

فجئت به إليه،فوضع يده تحت اليتيه وظهره،ووضع قدميه على صدره،ثم

أدلى لسانه في فيه،وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله،ثم قال:

تكلم يا بني .

فقال:

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً رسول

الله،ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة إلى أن وقف على أبيه ...... (3).

وقد استبشر الإمام العسكري كثيراً بولده المهديuوعبر عن فرحته

الكبرى،وسعادته التي لا توصف بميلاد ولده الميمون المبارك بأن عقّ عنه

بثلاثمائة رأس من الغنم،وتصدق بعشرة آلاف رطل من اللحم وعشرة آلاف رطل من الخبز (4) .

تعليقنا على هذه الرواية :

ولو أردنا أن نسلط الأضواء على ما جاء في رواية حمل نرجس

وولادتها بالإمام المهدي فإن أهم ما يمكن أن نعلق عليه يتلخص في

ما يلي :

أولا:

أن الله تبارك وتعالى أخفى حمل نرجس،ولم يظهر عليه أحداً من

الناس،وقد علل الإمام العسكريuذلك بأن أمر نرجس مثل أمر أم

موسى لم يظهر بها الحمل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها،لأن

فرعون كان يشق بطون الحبالى بحثاً عن موسى,والمهدي نظير

موسى من هذه الجهة إذ أن الدولة العباسية كانت تبحث عنه

وتحاول القضاء عليه والتخلص منه لإيمانها أنهuيشكل خطراً

عليها وعلى مستقبلها.

فلقد كان العباسيون يعلمون أنهم باتوا قريبين جداً من عصر الإمام

المهدي وأن زمانه قد أظلهم،فقد قرع مسامعهم ما قرع مسامع

الآخرين من أحاديث متكاثرة متواترة في شأن المهدي وأنه الثاني

عشر من أهل بيت النبوة،وأنه المنتقم من الظالمين والمنتصر

للمظلومين،ومرسي قواعد الحق والعدل في الأرض.

فكان يكفيهم العلم بأن الإمام العسكريuيمثل الحلقة الحادية عشر

في سلسلة الأئمة الطاهرين عليهم السلام،ليتيقنوا أن ابنه هو الثاني

عشر،وبه يكتمل العقد وعلى يديه يتحقق الوعد.

كما أنهم كانوا يرون أن الإمام المهديuيشكل خطراً كبيراً عليهم

وعلى دولتهم،خصوصاً وأنهم كانوا يعيثون في الأرض

فساداً،ويهلكون الحرث والنسل،ولا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة

ولا يتورعون عن منكر فعلوه .

فهم متيقنون أن الخطر محدق بهم،ويكاد يتخطفهم من حولهم،فملأ

الخوف قلوبهم، ودخل الرعب صدورهم،وأصاب اليأس نفوسهم ....

فجاء تصميمهم على التخلص من الإمام المهدي ومحاولة القضاء

عليه عن أي طريق كان،ومهما كلف الأمر وكان الثمن.

ومن هنا وضعوا الإمام العسكري تحت الرقابة المشددة،وأخذوا

يحصون عليه حتى أنفاسه بغية التعرف على ولده المهدي المنتظر

الذي لم يكفوا عن البحث عنه ليل نهار،وتحت كل الظروف

والأحوال، لا يشغلهم عن ذلك شاغل،ولا يلهيهم عنه شيء أبداً.

وكانت محاولاتهم الفاشلة كثيرة وجادة جداً طيلة حياة الإمام

العسكري وبعد وفاته، حيث وضعوا عليه العيون والجواسيس حتى

حين كان مريضاً بمرض الموت لعل وعسى أن يحاول الإمام

العسكري أن يلتقي بولده ليعهد إليه بعهده ويوصيه بوصاياه فتتاح

لهم فرصة القبض عليه.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد،بل بعد وفاة الإمام العسكري أرسل

العباسيون جلاوزتهم إلى بيته فقلبوه رأساً على عقب بحثاً وتفتيشاً

عن الإمام المهدي.

وحين أعياهم البحث ولم يجدوا ضالتهم المنشودة،هجموا على

النساء وأسروا نرجس ظناً منهم أنها لا تزال حاملة بالمهدي،أو

لعله يحاول الاتصال بها وهي في أسرهم إن كان قد وُلِدَ بالفعل فيقع

بين أيدهم وحينها لن يرحمه أحد .

وبقيت نرجس في أسرهم وتحت رقابتهم ما يقرب من سنتين وهم

يرقبون أمرها ويبحثون عن ولدها ولكن دون جدوى .

ولهم محاولات أخرى كثيرة لا مجال إلى ذكرها،وهي مسطورة في

التاريخ بتفاصيلها.

ومن خلال ما قدمناه نفهم أن الإمام المهدي كان في خطر ولم يكن

من الممكن حفظه بالطرق الطبيعية والأسباب الاعتيادية،فكان لابدّ

من تدخل العناية الإلهية لحفظ حياته عن طريق الإعجاز وخرق

القانون الطبيعي.

وكان خرق القانون الطبيعي يتمثل في أن الله تبارك وتعالى أخفى

حمل نرجس بالإمام المهدي فلم يعلم به أحد حتى أقرب الناس من

البيت الهاشمي كحكيمة عمة الإمام العسكري،بل أن نرجس نفسها

لم تكن تعلم بحملها ولم تحس بشيء من ذلك كما هو واضح من

خلال الرواية السابقة.

وليس بدعاً في التاريخ أن يخفي الله حمل نرجس بالإمام المهدي بل

سبق أن فعل ذلك من قبل بنبيه موسى بن عمران الذي كان مطارداً

من قبل فرعون زمانه كما يحدثنا بذلك القرآن والتاريخ .

ففي حديث قصة حمل أم موسى ووضعها به عن محمد بن مسلم عن

أبي جعفر قال:

(إنه لما حملت به أمه لم يظهر حملها إلا عند وضعها له،وكان

فرعون قد وكّل بنساء بني إسرائيل نساءً من القبط يحفظنهن،وذلك

أنه كان لما بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون :

يولد فينا رجل يقال له [Frown] موسى بن عمران)يكون هلاك فرعون

وأصحابه على يده.

فقال فرعون عند ذلك:

لأقتلن ذكور أولادهم،حتى لا يكون ما يريدون.

وفرق بين الرجال والنساء،وحبس الرجال في المحابس،فلما

وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه،وحزنت عليه،واغتمت وبكت

وقالت:

يذبح الساعة .

فعطف الله عز وجل قلب الموكّلة بها عليه،فقالت لأم موسى:

ما لك قد أصفر لونك؟!

فقالت:

أخاف أن يذبح ولدي .

فقالت:

لا تخافي .

وكان موسى لا يراه أحد إلاّ أحبه وهو قول الله:

( وألقيت عليك محبة مني )(5)

فأحبته القبطية الموكلةبه،وأنزل الله على أم موسى التابوت،

ونوديت:

ضعيه في التابوت،فألقيه في اليم،وهو[البحر]

( ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين )(6).

فوضعته في التابوت وأطبقته عليه وألقته في النيل.

وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه،فنظر من قصره ومعه

آسيه امرأته،إلى سواد في النيل ترفعه الرياح،والأمواج تضربه حتى

جاءت به إلى باب قصر فرعون،فأمر فرعون بأخذه،فأخذ التابوت

ورُفِع إليه،فلما فتحه وجد صبياً فقال:

هذا إسرائيلي.

فألقى الله في قلب فرعون محبة شديدة وكذلك في قلب آسية .

وأراد فرعون أن يقتله فقالت آسيه:

( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون )(7) أنه موسى (8).

إذن فليس بعجب أن يخفي الله حمل المهدي وولادته صوناً له

وحفظاً لحياته،كما فعل جل وعلا ذلك من قبل بموسى إلى أن ولدته

أمه،ثم مكّن له أن يعيش في بيت فرعون وتحت رعايته .

وهذا يرشدنا إلى أن الكيد الإنساني مهما كان عظيماً لهو أخسأ

وأحقر من أن يهزم المشيئة الإلهية،أو يغلب الإرادة الربانية،وإن

البشر بأجمعهم لأعجز من أن يردوا أمراً أراده الله عز وجل.

فإذا ما أراد الله أمراً قال له [Frown] كن فيكون )،ويتحقق كما أراد جل وعلا

،ولا يمكن أن يقف شيء في وجهه.

فإن كان بالإمكان أن يتحقق ذلك الأمر وفق القوانين الطبيعية

فبها،وإلاّ توصل الله إلى تحقيقه عن طريق خرق القانون

الطبيعي،وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم:

( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو

كره الكافرون )(9)

ثانيا:

إن الفترة – وهي الغفلة أو النعاس – الذي أصاب حكيمة ساعة

ولادة نرجس بالإمام المهديصلوات الله وسلامه عليه كان الغرض

منه هو عدم اطلاع حكيمة على نرجس وهي تضع مولودها

المبارك .

ثالثا:

يجب ألا نصاب بالدهشة والعجب إذا رأينا الروايات تنص على أن

الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف تكلم ساعة الولادة،وعلينا ألا

نسارع إلى التكذيب،ويجب أن نفهم أن ذلك ليس بعجيب على القدرة

الإلهية المطلقة .

فإذا ما ورد ذلك بنص معتبر آمنا به وصدقناه،وليس علينا في ذلك

غضاضة،وإن الذين يكذبون بذلك وليس لهم من حجة إلاّ الاستبعاد

والاستغراب إنما هم – حقيقة – يجهلون القدرة الإلهية التي لا

يعجزها شيء تريده،ولعلهم يجهلون أيضاً أن الإمام المهدي ليس

أول من تكلم في المهد صبياً،بل سبق وإن حدث ذلك لبعض الرسل

والأنبياء السابقين،كنبي الله عيسى الذي تكلم وهو في مهده كما أكد

القرآن الكريم ذلك في قصة مريم حينما جاءت( به قومها

تحمله،قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا،يا أخت هارون ما كان أبوك

امرأ سوء وما كانت أمك بغيا،فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان

في المهد صبيا،قال:إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني

مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا،وبراً

بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا،والسلام عليّ يوم ولدت ويوم

أموت ويوم أبعث حيا )(10) .

فالذي أنطق المسيح وهو في مهده هو عز وجل من أنطق المهدي

عند ولادته،ذلك أن حكمة الباري عز وجل تقتضي تأييد الرسل

والأنبياء والأئمة بالمعاجز والكرامات التي تؤكد صدق دعواهم

للمقامات الربانية،وتمكنهم من تأدية دورهم العظيم،ورسالتهم

الكبيرة في الحياة.

ولئن أنطق الله المسيح وهو في مهده من أجل دفع التهمة عن

أمه،فقد أنطق الله المهدي وهو في المهد ليكون ذلك من ضمن أدلته

وبراهينه على صدق مدعاه للإمامة وهو ابن خمس سنوات .

من كتابي

{{الإمام المهدي في سين جيم ص89ـ94) ــــــــــــ

( 1 ) إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي صفحة396

( 2 ) تاريخ الغيبة الصغرى للصدر صفحة261

(3) أخذنا هذه القصة من روايتين،وقد تركنا الكثير من التفاصيل

واكتفينا بما هو محل الحاجة،فمن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب

إكمال الدين للصدوق صفحة424 – 434 وكتاب منتخب الأثر

صفحة320 – 347

(4) إسلامنا لمصطفى الرافعي ص 188

(5) سورة طه الآية3

(6) سورة القصص الآية7

(7) سورة القصص الآية 9

(8) الميزان للسيد الطباطبائي ج 16 صفحة15

(9) سورة التوبة الآية32

(10) سورة مريم الآيات 27 - 33