المـــؤمل



طول عمر الامام عليه السلام


إن قال قائل: إذا فرضتم أن محمدا ابن الحسن قد غاب، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم فهذا مما لا يعقل، لأنه يلزم أنه يعيش أزيد من العمر الطبيعي(وأكثره مائة وعشرون سنة). فنقول في جوابه: أن العقل لا يستطيع أن ينفي عيشة الإنسان أزيد من العمر الطبيعي، كما عاش آدم، وشيث، ونوح، وعيسى، وإلياس، وإدريس، والخضر، وابن عاد، ومهلائيل، وحارث بن مضاض الجرهمي، وعمر الصيفي، وحارثة الكلبي، وطي بن أدد، وعبيد بن الأبرص، وغير ذلك من المعمرين كما يظهر لمن يرى(كتاب المعمرين)(7) لأبي حاتم السجستاني. ولا بأس لو ننقل بحثا طريفا للمقتطف(8) يناسب هذا الموضوع، وهو هذا: (هل يخلد الإنسان في الدنيا ؟ ما هي الحياة ؟ وما هو الموت ؟ وهل قدر الموت على كل حي ؟ كل حبة حنطة جسم حي، وقد كانت في سنبلة، والسنبلة نبتت من حبة أخرى، وهذه من سنبلة وهلم جرا بالتسلسل، ويسهل استقصاء تاريخ القمح إلى ستة آلاف سنة، أو أكثر، فقد وجدت حبوبه بين الآثار المصرية والآشورية القديمة دلالة على أن المصريين والآشوريين والأقدمين كانوا يزرعونه ويستغلونه، ويصنعون خبزهم من دقيقه، والقمح الموجود الآن لم يخلق من لا شيء، بل هو متسلسل من ذلك القمح القديم، فهو جزء حي من جزء حي من جزء حي، وهلم جرا إلى ستة آلاف سنة أو سبعة، بل إلى مئات الألوف من السنين، وحبوب القمح التي نراها ناشفة لا تتحرك ولا تنمو هي في الحقيقة حية مثل كل حي، ولا ينقصها الظهور دلائل الحياة إلا قليل من الماء، فحياة القمح متصلة منذ ألوف من السنين إلى الآن، وهذا الحكم يطلق على كل أنواع النبات ذوات البزور وذوات الأثمار. وما الحيوان بخارج عن هذه القاعدة، فإن كل واحد من الحشرات والأسماك والطيور والوحوش والدبابات، حتى الإنسان سيد المخلوقات كان جزءا صغيرا من والديه، فنما كما نميا وصار مثلهما، وهما من والديهما وهلم جرا، والإنسان الذي يخلف نسلا يكون نسله جزءا حيا منه، كما أن البزرة جزء من الشجرة. وهذا الجزء الحي تكون فيه جراثيم صغيرة جدا، مثل الجراثيم التي كانت أعضاء والديه، فتكون أعضاؤه بالغذاء الذي تتناوله وتمثله، فتصير نواة التمر نخلة ذات جذوع وسعوف وعروق وتمر، وبزرة الزيتون شجرة ذات ساق وأغصان وورق وثمر، وقس على ذلك سائر أنواع النبات وكذا بيوض الحشرات والأسماك، والطيور، والوحوش والدبابات، حتى الإنسان. وهذا كله من الأمور المعروفة التي يختلف فيها اثنان، ولكن الشجرة نفسها قد تعمر ألف سنة أو ألفي سنة، والإنسان لا يعمر أكثر من سبعين أو ثمانين سنة وفي النادر يبلغ مائة سنة، فالجراثيم المعدة لإخلاف النسل تبقى حية وتنمو كما تقدم ولكن سائر أجزاء الجسم يموت كان الموت مقدور عليه، وقد مرت القرون، والناس يحاولون التخلص من الموت أو إطالة الأجل، ولا سيما في هذا العصر عصر مقاومة الأمراض والآفات بالدواء والوقاية ولم يثبت على التحقيق أن أحدا عاش فيه 120 سنة مثلا.

لكن العلماء الموثوق بعلمهم يقولون: أن كل الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية له، وأنه في المكان أن يبقى الإنسان حيا ألوفا من السنين، إذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرد ظن، بل هو نتيجة عملية مؤيدة بالامتحان. فقد تمكن أحد الجراحين من قطع جزء من جسم حيوان وإبقائه حيا أكثر من السنين التي يحياها ذلك الحيوان عادة، أي صارت حياة ذلك الجزء مرتبطة بالغذاء الذي يقدم لها بعد السنين التي يحياها، فصار في الإمكان أن يعيش إلى الأبد ما دام الغذاء اللازم موفورا له. وهذا الجراح هو(الدكتور الكس كارل) من المشتغلين في معهد(ركفلر بنيويورك): وقد امتحن ذلك في قطعة من جنين الدجاج، فبقيت تلك القطعة حية نامية أكثر من ثمان سنوات، وهو وغيره امتحنا قطعا من أعضاء جسم الإنسان من أعصابه وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه، فكانت تبقى حية نامية ما دام الغذاء اللازم موفورا لها، حتى قال الأستاذ(ديمندبرل) من أساتذة جامعة(جونس هبكنس): (إن كل الأجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الإنسان قد ثبت إما أن خلودها بالقوة صار أمرا مثبتا بالامتحان أو مرجحا ترجيحا تاما لطول ما عاشته حتى الآن). وهذا القول غاية في الصراحة والأهمية على ما فيه من التحرس العلمي. والظاهر: أن أول من امتحن ذلك في أجزاء من جسم الحيوان هو(الدكتور جاك لوب) وهو من المشتغلين في معهد(ركفلر) أيضا، فإنه كان يمتحن توليد الضفادع من بيضها إذا كان غير ملقح، فرأى أن بعض البيض يعيش زمانا طويلا وبعضها يموت سريعا، فقاده ذلك إلى امتحان أجزاء من جسم الضفدع فتمكن من إبقاء هذه الأجزاء حية زمانا طويلا. ثم أثبت(الدكتور ورن لويس) وزوجته: أنه يمكن وضع أجزاء خلوية من جسم جنين الطائر في سائل ملحي فتبقى حية، وإذا أضيف إليه قليل من بعض المواد الأولية جعلت تلك الأجزاء تنمو وتتكاثر. وتوالت التجارب، فظهر أن الأجزاء الخلوية من أي حيوان كان يمكن أن تعيش وتنمو في سائل فيه ما يغذيها، ولكن لم يثبت حينئذ ما ينفي موتها إذا شاخت فقام الدكتور(كارل) وجرب التجارب المشار إليها آنفا، فأثبت منها أن هذه الأجزاء لا تشيخ كما يشيخ الحيوان الذي أخذه منه، بل تعيش أكثر مما يعيش هو عادة. وقد شرع في التجارب المذكورة في شهر يناير سنة 1912، ولقي عقبات كثيرة في سبيله، فتغلب عليها هو ومساعدوه، وثبت له أولا أن هذه الأجزاء الخلوية تبقى حية ما لم يعرض لها عارض يميتها، أما من قلة الغذاء، أو من دخول بعض المكروبات وثانيا: أنها لا تكتفي بالبقاء حية، بل تنمو خلاياها وتتكاثر كما لو كانت باقية في جسم الحيوان. ثالثا: أنه يمكن قياس نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطهما بالغذاء الذي يقدم لها. ورابعا: أن لا تأثير للزمن، أي أنها لا تشيخ وتضعف بمرور الزمن، بل لا يبدو عليها أقل أثر للشيخوخة، بل تنمو وتتكاثر هذه السنة كما كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين، وتدل الظواهر كلها على أنها ستبقى حية نامية، ما دام الباحثون صابرين على مراقبتها وتقديم الغذاء الكافي لها، فشيخوخة الأحياء ليست سببا بل هي نتيجة ولكن لماذا يموت الإنسان ؟ ولماذا نرى سنيه محدودة ؟ لا تتجاوز المائة إلا نادرا جدا، وغايتها العادية سبعون أو ثمانون !. والجواب: أن أعضاء جسم الحيوان كثيرة مختلفة وهي مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما حتى أن حياة بعضها تتوقف على حياة البعض الآخر، فإذا ضعف بعضها ومات بسبب من الأسباب مات بموته سائر الأعضاء، ناهيك بفتك الأمراض المكروبية المختلفة، وهذا مما يجعل متوسط العمر أقل جدا من السبعين والثمانين، ولا سيما وأن كثيرين يموتون أطفالا، وغاية ما ثبت الآن من التجارب المذكورة، أن الإنسان لا يموت، لأنه عمر كذا من السنين سبعين أو ثمانين أو مائة أو أكثر، بل لأن العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها، ولارتباط أعضائه بعضها ببعض تموت كلها، فإذا استطاع العلم أن يزيل هذه العوارض، أو يمنع فعلها، لم يبق مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين كما يحيا بعض أنواع الأشجار، وقلما ينتظر أن تبلغ العلوم الطبية، والوسائل الصحية، هذه الغاية القصور، ولكن لا يبعد أن تدانيها فيتضاعف متوسط العمر أو يزيد ضعفين أو ثلاثة). وهذا البحث اللطيف قاض بأن إمكان أن يعيش الإنسان أزيد من العمر الطبيعي ثابت، وهو مقصودنا، على أن المخاطب أيضا يذكر في كتابه ذلك(السبائك) كثيرا من الذين عاشوا ألوفا من السنين.(9)
الهوامش

(7) كتاب(المعمرون والوصايا) لأبي حاتم مطبوع موجود في المكتبات.

(8) الجزء الثالث من المجلد التاسع والخمسين ص 238 - 240.

(9) لقد بحث موضوع عمر الإمام عليه السلام جماعة من علماء المسلمين - وخاصة أهل السنة - فأجابوا عن السؤال هذا، بأجوبة ووجوه عديدة. راجع كتاب(إكمال الدين للشيخ الصدوق )(الغيبة للشيخ الطوسي ص 78) و(مطالب السئول) و(تذكرة الخواص) و(البيان الباب الخامس والعشرون) و(كشف الغمة ج 3 ص 278) و(إعلام الورى ص 472) و(المهدي ص 126) و(منتخب الأثر ص 274) و(أصل الشيعة وأصولها) وغيرها من الكتب القديمة والحديثة، وقلما يوجد كتاب تطرق إلى موضوع الإمام عليه السلام ولم يبحث هذه المسألة.

(( ضمن الرسالة الثالثة في الغيبة ))