المـــؤمل



اثبات الغيبة والحكمة فيها

اثبات الغيبة والحكمة فيها :

فأقول ـ وبالله التوفيق ـ : إن الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا عليه السلام قد لزمت حكمتها وبان حقها وفلجت حجتها للذي شاهدناه وعرفناه من آثار حكمة الله عزوجل واستقامة تدبيره في حججه المتقدمة في الاعصار السالفة مع أئمة الضلال وتظاهر الطواغيت واستعلاء الفراعنة في الحقب الخالية وما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر بمعونة أهل الافك والعدوان والبهتان .

وذلك أن خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا عليه السلام كوجود من تقدمه من الائمة عليهم السلام فقالوا : إنه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبينا عليه السلام أحد عشر إماما كل منهم كان موجودا معروفا باسمه وشخصه بين الخاص والعام ، فان لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه وتعذر وجوده .

فأقول ـ وبالله التوفيق ـ : إن خصومنا قد جهلوا آثار حكمة الله تعالى وأغفلوا مواقع الحق ومناهج السبيل في مقامات حجج الله تعالى مع أئمة الضلال في دول الباطل في كل عصر وزمان إذ قد ثبت أن ظهور حجج الله تعالى في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الامكان والتدبير لاهل الزمان ، فان كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الاولياء لوجود الحجة بين الخاص والعام كان ظهور الحجة كذلك وإن كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الاولياء لوجود الحجة بين الخاص والعام وكان استتاره مما توجبه الحكمة ويقتضيه التدبير حجبه الله وستره إلى وقت بلوغ الكتاب أجله ،

____________

( 1 ) في بعض النسخ « تصدوا » .

( 2 ) في بعض النسخ « مستقيمة » .

________________________________________

( 21 )

كما قد وجدنا من ذلك في حجج الله المتقدمة من عصر وفاة آدم عليه السلام إلى حين زماننا هذا منهم المستخفون ومنهم المستعلنون ، بذلك جاءت الاثار ونطق الكتاب .

فمن ذلك ما :

حدثنا به أبي ـ رحمه الله ـ قال : حدثنا سعد بن عبد الله قال : حدثنا أحمد بن ـ محمد بن خالد البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن إسحاق بن جرير ، عن عبد الحميد ابن أبى الديلم قال : قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام : يا عبد الحميد إن لله رسلا مستعلنين ورسلا مستخفين فإذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين .

وتصديق ذلك من الكتاب قوله تعالى : « ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما » ( 1 ) فكانت حجج الله تعالى كذلك من وقت وفاة آدم عليه السلام إلى وقت ظهور إبراهيم عليه السلام أوصياء مستعلنين ومستخفين ، فلما كان وقت كون إبراهيم عليه السلام ستر الله شخصه وأخفى ولادته ، لان الامكان في ظهور الحجة كان متعذرا في زمانه ، وكان إبراهيم عليه السلام في سلطان نمرود مستترا لامره و كان غير مظهر نفسه ، ونمرود يقتل أولاد رعيته وأهل مملكته في طلبه إلى أن دلهم إبراهيم عليه السلام على نفسه ، وأظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها ووجب إظهار ما أظهره للذي أراده الله في إثبات حجته وإكمال دينه ، فلما كان وقت وفاة إبراهيم عليه السلام كان له أوصياء حججا لله عزوجل في أرضه يتوارثون الوصية كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت كون موسى عليه السلام فكان فرعون يقتل أولاد بنى إسرائيل في طلب موسى عليه السلام الذي قد شاع من ذكره وخبر كونه ، فستر الله ولادته ، ثم قذفت به أمه في اليم كما أخبر الله عزوجل في كتابه « فالتقطه آل فرعون » ( 2 ) وكان موسى عليه السلام في حجر فرعون يربيه وهو لا يعرفه ، وفرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه ، ثم كان من أمره بعد أن أظهر دعوته ودلهم على نفسه ما قد قصه الله عزوجل في كتابه ، فلما كان وقت

____________

( 1 ) النساء : 164 .

( 2 ) القصص : 7 .

________________________________________

( 22 )

وفاة موسى عليه السلام كان له أوصياء حججا لله كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور عيسى عليه السلام .

فظهر عيسى عليه السلام في ولادته ، معلنا لدلائله ، مظهرا لشخصه ، شاهرا لبراهينه ، غير مخف لنفسه لان زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجة كذلك .

ثم كان له من بعده أوصياء حججا لله عز وجل كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور نبينا صلى الله عليه وآله فقال الله عزوجل له في الكتاب : « ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك » ( 1 ) ثم قال عزوجل : « سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا » ( 2 ) فكان مما قيل له ولزم من سنته على إيجاب سنن من تقدمه من الرسل إقامة الاوصياء له كاقامة من تقدمه لاوصيائهم ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله أوصياء كذلك وأخبر بكون المهدي خاتم الائمة عليهم السلام ، وأنه يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ، نقلت الامة ذلك بأجمعها عنه ، وأن عيسى عليه السلام ينزل في وقت ظهوره فيصلي خلفه ، فحفظت ولادات الاوصياء ومقاماتهم في مقام بعد مقام إلى وقت ولادة صاحب زماننا عليه السلام المنتظر للقسط والعدل ، كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة بالوجود .

وذلك أن المعروف المتسالم بين الخاص والعام من أهل هذه الملة أن الحسن ابن على والد صاحب زماننا عليهما السلام قد كان وكل به طاغية زمانه إلى وقت وفاته ، فلما توفي عليه السلام وكل بحاشيته وأهله وحبست جواريه وطلب مولوده هذا أشد الطلب و كان أحد المتوليين عليه عمه جعفر أخو ( 3 ) الحسن بن علي بما ادعاده لنفسه من الامامة ورجا أن يتم له ذلك بوجود ابن أخيه صاحب الزمان عليه السلام فجرت السنة في غيبته بما جرى من سنن غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة ، ولزم من حكمة غيبة عليه السلام ما لزم من حكمة غيبتهم .

____________

( 1 ) فصلت : 43 .

( 2 ) الاسراء : 77 .

( 3 ) كذا .

________________________________________

( 23 )

رد اشكال :

وكان من معارضة خصومنا أن قالوا : ولم أوجبتم في الائمة ما كان واجبا في الانبياء ، فما أنكرتم أن ذلك كان جائزا في الانبياء وغير جائز في الائمة فإن الائمة ليسوا كالانبياء فغير جائز أن يشبه حال الائمة بحال الانبياء فأوجدونا دليلا مقنعا على أنه جائز في الائمة ما كان جائزا في الانبياء والرسل فيما شبهتم من حال الائمة الذين ليسوا بأشباه الانبياء والرسل ، وإنما يقاس الشكل بالشكل والمثل بالمثل ، فلن تثبت دعواكم في ذلك ، ولن يستقيم لكم قياسكم في تشبيهكم حال الائمة بحال الانبياء عليهم السلام إلا بدليل مقنع .

فأقول ـ وبالله أهتدي ـ : إن خصومنا قد جهلوا فيما عارضونا به من ذلك ولو أنهم كانوا من أهل التمييز والنظر والتفكر والتدبر باطراح العناد وإزالة العصبية لرؤسائهم ومن تقدم من إسلافهم لعلموا أن كل ما كان جائزا في الانبياء فهو واجب لازم في الائمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وذلك أن الانبياء هم أصول الائمة ومغيضهم ( 1 ) والائمة هم خلفاء الانبياء وأوصياؤهم والقائمون بحجة الله تعالى على من يكون بعدهم كيلا تبطل حجج الله وحدود ( ه و ) شرايعه مادام التكليف على العباد قائما والامر لهم لازما ، ولو وجبت المعارضة لجاز لقائل أن يقول : إن الانبياء هم حجج الله فغير جائز أن يكون الائمة حجج الله إذ ليسوا بالانبياء ولا كالانبياء ، وله أن يقول أيضا : فغير جائز أن يسموا أئمة لان الانبياء كانوا أئمة وهؤلاء ليسوا بأنبياء فيكونوا أئمة كالانبياء ، وغير جائز أيضا أن يقوموا بما كان يقوم به الرسل من الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من أبواب الشريعة إذ ليسوا كالرسول ولا هم برسل . ثم يأتي بمثل هذا من المحال مما يكثر تعداده ويطول الكتاب بذكره ، فلما فسد هذا كله كانت هذه المعارضة من خصومنا فاسدة كفساده .

____________

( 1 ) المغيض : مجتمع الماء ومدخله في الارض والمراد بالفارسية ( انبياء نسخه أصل وسر چشمهء امامانند ) . وفى بعض النسخ « ومفيضهم » من الافاضة .

________________________________________

( 24 )

ثم نحن نبين الان ونوضح بعد هذا كله أن التشاكل بين الانبياء والائمة بين واضح فيلزمهم أنهم حجج الله على الخلق كما كانت الانبياء حججه على العباد ، وفرض طاعتهم لازم كلزوم فرض طاعة الانبياء ، وذلك قول الله عزوجل : « أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الامر منكم » ( 1 ) وقوله تعالى : « ولو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم » ( 2 ) فولاة الامرهم الاوصياء والائمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وقد قرن الله طاعتهم بطاعة الرسول وأوجب على العباد من فرضهم ما أوجبه من فرض الرسول كما أوجب على العباد من طاعة الرسول ما أوجبه عليهم من طاعته عزوجل في قوله : « أطيعوا الله وأطيعوا الرسول » ثم قال : « من يطع الرسول فقد أطاع الله ( 3 ) » وإذا كانت الائمة عليهم السلام حجج الله على من لم يلحق بالرسول ولم يشاهده وعلى من خلفه من بعده كما كان الرسول حجة على من لم يشاهده في عصره لزم من طاعة الائمة ما لزم من طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله فقد تشاكلوا واستقام القياس فيهم وإن كان الرسول أفضل من الائمة فقد تشاكلوا في الحجة والاسم والفعل ( 4 ) والفرض ، إذ كان الله جل ثناؤه قد سمى الرسل أئمة بقوله لابراهيم : « إني جاعلك للناس إماما » ( 5 ) وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه قد فضل الانبياء والرسل بعضهم على بعض فقال تبارك وتعالى : « تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ـ الاية » ( 6 ) وقال : « ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ـ الاية » ( 7 ) فتشاكل الانبياء في النبوة وإن كان بعضهم أفضل من بعض ، وكذلك تشاكل الانبياء والاوصياء ، فمن قاس حال الائمة بحال الانبياء واستشهد بفعل الانبياء على فعل الائمة فقد أصاب في قياسه واستقام له استشهاده بالذي وصفناه من تشاكل الانبياء والاوصياء عليهم السلام .

____________

( 1 ) النساء : 59 .

( 2 ) النساء : 83 .

( 3 ) النساء : 80 .

( 4 ) في بعض النسخ « والعقل » .

( 5 ) البقرة : 119 .

( 6 ) البقره : 254 .

( 7 ) الاسراء : 56 .

________________________________________

( 25 )

وجه آخر لاثبات المشاكلة :

ووجه آخر من الدليل على حقيقة ما شرحنا من تشاكل الائمة والانبياء عليهم السلام أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة » ( 1 ) وقال تعالى : « ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا » ( 2 ) فأمرنا الله عزوجل أن نهتدي بهدى رسول الله صلى الله عليه وآله ونجري الامور ( الجارية ) على حد ما أجراها رسول الله صلى الله عليه وآله من قول أو فعل ، فكان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله المحقق لما ذكرنا من تشاكل الانبياء والائمة أن قال : « منزلة علي عليه السلام مني كمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي » فأعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن عليا ليس بنبي وقد شبهه بهارون وكان هارون نبيا ورسولا ( و ) كذلك شبهه بجماعة من الانبياء عليهم السلام .

حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رحمه الله - قال : حدثنا على بن الحسين السعد آبادي قال : حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه محمد بن خالد قال : حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني ، عن أبيه ، عن جده ( 3 ) عن عبد الله ابن عباس قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في سلمه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في فطانته وإلى داود في زهده ، فلينظر إلى هذا . قال : فنظرنا فإذا على بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر

____________

( 1 ) الاحزاب : 21 .

( 2 ) الحشر : 7 .

( 3 ) هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني عامى ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن سعد : ثقة ، وقال أبو زرعة : لا بأس به ، مستقيم الحديث . وابنه عبد الملك عنونه النجاشي وقال : كوفي ثقة عين روى عن أصحابنا ورووا عنه ، ولم يكن متحققا بأمرنا ، له كتاب يرويه محمد بن خالد . وأما أبوه عنترة بن عبد الرحمن فعنونه العسقلاني في النقريب والتهذيب وقال : ذكره ابن حبان في الثقات وذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة : أنه كوفي ثقة .

من صبب ( 1 ) ، فإذا استقام أن يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من الائمة علهيم السلام بالانبياء والرسل استقام لنا أن نشبه جميع الائمة بجميع الانبياء والرسل ، وهذا دليل مقنع وقد ثبت شكل صاحب زماننا عليه السلام في غيبته بغيبة موسى عليه السلام وغيره ممن وقعت بهم الغيبة ، وذلك أن غيبة صاحب زماننا وقعت من جهة الطواغيت لعلة التدبير من الذي قدمنا ذكره في الفصل الاول .

ومما يفسد معارضة خصومنا في نفي تشاكل الائمة والانبياء أن الرسل الذين تقدموا قبل عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان أوصياؤهم أنبياء ، فكل وصي قام بوصية حجة تقدمه من وقت وفاة آدم عليه السلام إلى عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان نبيا ، وذلك مثل وصي آدم كان شببث ابنه ، وهو هبة الله في علم آل محمد صلى الله عليه وآله وكان نبيا ، ومثل وصي نوح عليه السلام كان سام ابنه وكان نبيا ، ومثل إبراهيم عليه السلام كان وصيه إسماعيل ( 2 ) ابنه و كان نبيا ، ومثل موسى عليه السلام كان وصيه يوشع بن نون وكان نبيا ، ومثل عيسى عليه السلام كان وصيه شمعون الصفا وكان نبيا ، ومثل داود عليه السلام كان وصيه سليمان عليه السلام ابنه وكان نبيا . وأوصياء نبينا عليهم السلام لم يكونوا أنبياء ، لان الله عزوجل جعل محمدا خاتما لهذه الامم ( 3 ) كرامة له وتفضيلا ، فقد تشاكلت الائمة والانبياء بالوصية كما تشاكلوا فيما قدمنا ذكره من تشاكلهم فالنبي وصي والامام وصي ، والوصي إمام والنبي إمام ، والنبي حجة والامام حجة ( 4 ) ، فليس في الاشكال أشبه من تشاكل الائمة والانبياء .

وكذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بتشاكل أفعال الاوصياء فيمن تقدم وتأخر من قصة يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام مع صفراء بنت شعيب زوجة موسى وقصة

____________

( 1 ) أي يرفع رجليه رفعا بينا بقوة دون احتشام وتبختر . والصبب : ما انحدر من الارض أو الطريق .

( 2 ) في بعض النسخ « اسحاق » .

( 3 ) في بعض النسخ « لهذا الاسم » أي النبوة .

( 4 ) في بعض النسخ « والوصي حجة » .

________________________________________

( 27 )

أمير المؤمنين عليه السلام وصى رسول الله صلى الله عليه وآله مع عائشة بنت أبى بكر ، وإيجاب غسل الانبياء أوصيائهم بعد وفاتهم .

حدثنا علي بن أحمد الدقاق ـ رحمه الله ـ قال : حدثنا حمزة بن القاسم قال : حدثنا أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي قال : حدثنا أبو عوانة قال : حدثنا الحسن ابن علي ( 1 ) ، عن عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الله بن مسعود قال : قلت للنبى عليه السلام : يا رسول الله من يغسلك إذا مت ؟ قال : يغسل كل نبي وصيه ، قلت : فمن وصيك يارسول الله ؟ قال : علي بن أبي طالب قلت : كم يعيش بعدك يا رسول الله ؟ قال : ثلاثين سنة ، فان يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة ، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى عليه السلام فقالت : أنا أحق منك بالامر فقاتلها فقتل مقاتليها وأسرها فأحسن أسرها ، وأن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من امتي فتقاتلها فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها ، وفيها أنزل الله عزوجل : « وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى » ( 2 ) يعنى صفراء بنت شعيب ، فهذا الشكل قد ثبت بين الائمة والانبياء بالاسم والصفة والنعت والفعل ، وكل ما كان جائزا في الانبياء فهو جائز يجري في الائمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، ولو جاز أن تجحد إمامة صاحب زماننا هذا لغيبته بعد وجود من تقدمه من الائمة عليهم السلام لوجب أن تدفع نبوة موسى بن عمران عليه السلام لغيبته إذ لم يكن كل الانبياء كذلك ، فلما لم تسقط نبوة موسى لغيبتة وصحت

____________

( 1 ) هو الحسن بن علي الخلال أبو علي ـ وقيل أبو محمد ـ الحلواني نزيل مكة ثقة ثبت يروى عن عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبي بكر الصنعانى ، قال أحمد ابن صالح المصرى : قلت لاحمد بن حنبل : رأيت أحدا أحسن حديثا من عبد الرزاق ؟ قال : لا . ويرموه القوم بالتشيع . يروى عن أبيه همام وهو ثقة يروى عن مينا بن أبى مينا الزهري الخزاز مولى عبد الرحمن بن عوف وهو شيعي جرحه العامة لتشيعه . وما في النسخ من الحسين بن علي بن عبد الرزاق ، فهو تصحيف .

( 2 ) الاحزاب : 32 .

________________________________________

( 28 )

نبوته مع الغيبة كما صحت نبوة الانبياء الذين لم تقع بهم الغيبة فكذلك صحت إمامة صاحب زماننا هذا مع غيبته كما صحت إمامة من تقدمه من الائمة الذين لم تقع بهم الغيبة .

وكما جاز أن يكون موسى عليه السلام في حجر فرعون يربيه وهو لا يعرفه ويقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه فكذلك جائز أن يكون صاحب زماننا موجودا بشخصه بين الناس ، يدخل مجالسهم ويطأ بسطهم ويمشي في أسواقهم ، وهم لا يعرفونه إلى أن يبلغ الكتاب أجله .

فقد روي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال : في القائم سنة من موسى ، و سنة من يوسف ، وسنة من عيسى ، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله : فأما سنة موسى فخائف يترقب ، وأما سنة يوسف فان إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه ، وأما سنة عيسى فالسياحة ، وأما سنة محمد صلى الله عليه وآله فالسيف .

رد اشكال :

فكان من الزيادة لخصومنا أن قالوا : ما أنكرتم إذ قد ثبت لكم ما ادعيتم من الغيبة كغيبة موسى عليه السلام ومن حل محله من الائمة ( 1 ) الذين وقعت بهم الغيبة أن تكون حجة موسى لم تلزم أحدا إلا من بعد أن أظهر دعوته ودل على نفسه وكذلك لا تلزم حجة إمامكم هذا لخفاء مكانه وشخصه حتى يظهر دعوته ويدل على نفسه [ كذلك ] فحينئذ تلزم حجته وتجب طاعته ، وما بقي في الغيبة فلا تلزم حجته ، ولا تجب طاعته .

فأقول ـ وبالله أستعين ـ : إن خصومنا غفلوا عما يلزم من حجة حجج الله في ظهورهم واستتارهم وقد ألزمهم الله تعالى الحجة البالغة في كتابه ولم يتركهم سدى في جهلهم وتخبطهم ولكنهم كما قال الله عزوجل : « أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » ( 2 ) إن الله عزوجل قد أخبرنا في قصة موسى عليه السلام أنه كان له شيعة

____________

( 1 ) في بعض النسخ « من الانبياء » .

( 2 ) سوره محمد صلى الله عليه وآله : 24 .

________________________________________

( 29 )

وهم بأمره عارفون وبولايته متمسكون ولدعوته منتظرون قبل إظهار دعوته ، ومن قبل دلالته على نفسه حيث يقول : « ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه » ( 1 ) وقال عزوجل حكاية عن شيعة : « قالوا اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ـ الاية » ( 2 ) فأعلمنا الله عزوجل في كتابه أنه قد كان لموسى عليه السلام شيعة من قبل أن يظهر من نفسه نبوة ، وقبل أن يظهر له دعوة يعرفونه ويعرفهم بموالاة موسى صاحب الدعوة ولم يكونوا يعرفون أن ذلك الشخص هو موسى بعينه ، وذلك أن نبوة موسى إنما ظهرت من بعد رجوعه من عند شعيب حين سار بأهله من بعد السنين التي رعى فيها لشعيب حتى استوجب بها أهله فكان دخوله المدينة حين وجد فيها الرجلين قبل مسيره إلى شعيب ، وكذلك وجدنا مثل نبينا محمد صلى الله عليه وآله قد عرف أقوام أمره قبل ولادته وبعد ولادته ، وعرفوا مكان خروجه ودار هجرته من قبل أن يظهر من نفسه نبوة ، ومن قبل ظهور دعوته وذلك مثل سلمان الفارسي ـ رحمه الله ـ ، ومثل قس بن ساعدة الايادي ، ومثل تبع الملك ، ومثل عبد المطلب ، وأبي طالب ، ومثل سيف بن ذي ـ يزن ، ومثل بحيرى الراهب ، ومثل كبير الرهبان في طريق الشام ، ومثل أبي مويهب الراهب ، ومثل سطيح الكاهن ، ومثل يوسف اليهودي ، ومثل ابن حواش الحبر المقبل من الشام ، ومثل زيد بن عمرو بن نفيل ، ومثل هؤلاء كثير ممن قد عرف النبي صلى الله عليه وآله بصفته ونعته واسمه ونسبه قبل مولده وبعد مولده ، والاخبار في ذلك موجودة عند الخاص والعام ، وقد أخرجتها مسندة في هذا الكتاب في مواضعها ، فليس من حجة الله عزوجل نبي ولا وصي إلا وقد حفظ المؤمنون وقت كونه وولادته وعرفوا أبويه ونسبه في كل عصر وزمان حتى لم يشتبه عليهم شيء من أمر حجج الله عزوجل في ظهورهم وحين استتارهم ، وأغفل ذلك أهل الجحود والضلال والكنود فلم يكن عندهم [ علم ] شيء من أمرهم ، وكذلك سبيل صاحب زماننا عليه السلام حفظ أولياؤه المؤمنون من أهل

____________

( 1 ) القصص : 15 .

( 2 ) الاعراف : 129 .

________________________________________

( 30 )

المعرفة والعلم وقته وزمانه وعرفوا علاماته وشواهد أيامه ( 1 ) وكونه ووقت ولادته ونسبه ، فهم على يقين من أمره في حين غيبته ومشهده ، وأغفل ذلك أهل الجحود و الانكار والعنود ، وفي صاحب زماننا عليه السلام قال الله عزوجل : « يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل » ( 2 ) وسئل الصادق عليه السلام عن هذه الاية فقال : الايات هم الائمة ، والاية المنتظرة هو القائم المهدي عليه السلام فإذا قام لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدم من آبائه عليهم السلام » . حدثنا بذلك أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني ـ رضي الله عنه ـ قال : حدثنا علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي عمير ؛ والحسن بن محبوب ، عن علي ابن رئاب وغيره ، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام .

وتصديق ذلك ( أن الايات هم الحجج ) من كتاب الله عزوجل قول الله تعالى : « وجعلنا ابن مريم وأمه آية » ( 3 ) يعني حجة ، وقوله عزوجل لعزير ( 4 ) حين أحياه الله من بعد أن أماته مائة سنة « فانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس » ( 5 ) يعني حجة فجعله عزوجل حجة على الخلق وسماه آية . وإن الناس لما صح لهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الغيبة الواقعة بحجة الله تعالى ذكره على خلقه وضع كثير منهم الغيبة غير موضعها أولهم عمر بن الخطاب فانه قال لما قبض النبي صلى الله عليه وآله : والله ما مات محمد وإنما غاب كغيبة موسى عليه السلام عن قومه وإنه سيظهر لكم بعد غيبته .

حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن العباس ابن بسام قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن يزداد قال : حدثنا نصر بن سيار بن داود

____________

( 1 ) في بعض النسخ « وشواهد آياته » .

( 2 ) الانعام : 158 .

( 3 ) المؤمنون : 50 .

( 4 ) في بعض النسخ « لارميا » .

( 5 ) البقرة : 259 .

________________________________________

( 31 )

الاشعري قال : حدثنا محمد بن عبد ربه ( 1 ) ، وعبد الله بن خالد السلولي أنهما قالا : حدثنا أبو معشر نجيح المدني قال : حدثنا محمد بن قيس ، ومحمد بن كعب القرظي ، و عمارة بن غزية ، وسعيد بن أبي سعيد المقبري ( 2 ) ، وعبد الله بن أبي مليكة وغيرهم من مشيخة أهل المدينة قالوا : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل عمر بن الخطاب يقول : والله ما مات محمد وإنما غاب كغيبة موسى عن قومه وإنه سيظهر بعد غيبته فما زال يردد هذا القول ويكرره حتى ظن الناس أن عقله قد ذهب ، فأتاه أبو بكر وقد اجتمع الناس عليه يتعجبون من قوله فقال : اربع على نفسك يا عمر ( 3 ) من يمينك التى تحلف بها ، فقد أخبرنا الله عزوجل في كتابه فقال : يا محمد « إنك ميت وإنهم ميتون ( 4 ) » فقال عمر : وإن هذه الاية لفي كتاب الله يا أبا بكر ؟ فقال : نعم أشهد بالله لقد ذاق محمد

____________

( 1 ) محمد بن يزداد الرازي قال أبو النضر العياشي : لا بأس به . ونصر بن سيار لم أجد من ذكره وليس هو بنصر بن سيار والى خراسان من قبل هشام بن عبد الملك ، و محمد بن عبد ربه الانصاري اجاز التلعكبرى جميع حديثه وكان يروى عن سعد بن عبد الله و عبد الله بن جعفر الحميرى ونظرائهما كما في منهج المقال . وأما عبد الله بن خالد فلم أعرفه .

( 2 ) أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ـ بكسر المهملة وسكون النون ـ المدني مولى بني هاشم مشهور بكنيته وليس بقوى في الحديث ، ومحمد بن قيس شيخه ضعيف كما في التقريب . وأما محمد بن كعب القرظي فثقة عالم ولد سنة أربعين على الصحيح ومات سنة 120 وقيل قبل ذلك . وأما عمارة بن غزية المدني فوثقه أحمد وأبو زرعة وقال يحيى بن معين : صالح وقال أبو حاتم : ما بحديثه بأس ، وكان صدوقا . وأما سعيد بن أبي سعيد فاسمه كيسان المقبري أبو سعد المدنى ، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورا لها فهو ثقة صدوق كما في التهذيب . واما عبد الله بن أبي مليكة فهو عبد الله بن عبيد الله وأبو ملكية بالتصغير ثقة فقيه .

( 3 ) أي ارفق بنفسك وكف عن هذا القول واليمين .

( 4 ) الزمر : 30 .

________________________________________

( 32 )

الموت ، ولم يكن عمر جمع القرآن ( 1 ) .

الكيسانية :

ثم غلطت الكيسانية بعد ذلك حتى ادعت هذه الغيبة لمحمد بن الحنفية ـ قدس الله روحه ـ حتى أن السيد بن محمد الحميري رضي الله عنه ( 2 ) اعتقد ذلك وقال فيه :

ألا إن الائـمة من قــريـش * ولاة الامــر أربعة سـواء

علـي والثـلاثة مـن بنـيــه * هم أسباطنا والاوصياء ( 3 )

فـسبــط سبـط إيمـان وبـر * وسبط قد حوته كربلاء ( 4 )

وسبط لا يذوق المــوت حتـى * يقود الجيش يقدمه اللواء ( 5 )

يغيب فلا يـرى عنا زمانا ( 6 ) * برضوى عنده عسـل وماء

وقال فيه السيد ـ رحمة الله عليه ـ أيضا :

أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى * فحتـى متـى يخفـى وأنت قريب

فلو غاب عنا عمر نوح لا يقنــت * منا النفوس بـأنه سيـؤوب ( 7 )

____________

( 1 ) أي لم يقرء أو يحفظ جميع القرآن .

( 2 ) هو اسماعيل بن محمد الحميري ، سيد الشعراء . كان يقول أولا بامامة محمد بن الحنفية ثم رجع إلى الحق ، وأمره في الجلالة والمجد ظاهر لمن تتبع كتب التراجم . قيل : توفى ببغداد سنة 179 فبعثت الاكابر والشرفاء من الشيعة سبعين كفنا له ، فكنفه الرشيد من ماله ورد الاكفان إلى أهلها .

( 3 ) في « الفرق بين الفرق » لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفراييني « هم الاسباط ليس بهم خفاء » وكذا في الملل والنحل للشهرستاني .

( 4 ) في الفرق « وسبط غيبته كربلاء » . وكذا في اعلام الورى المنقول من كمال الدين .

( 5 ) في الفرق والملل « يقود الخيل يقدمها اللواء » .

( 6 ) في الفرق « تغيب لا يرى فيهم زمانا » .

( 7 ) هذا المصراع في بعض النسخ هكذا « نفوس البرايا أنه سيؤوب » .

________________________________________

( 33 )

وقال فيه السيد أيضا :

ألاحي المقيم بشعـب رضـوى * واهد له بمنزلـه السـلاما

وقل : يا ابن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبـل المقاما

فمـر بمعشـر والـوك منــا * وسمـوك الخليـفة والاماما

فمـا ذاق ابن خـولة طعم موت * ولاوارت لـه أرض عظاما

فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ورأى منه علامات الامامة وشاهد فيه دلالات الوصية ، فسأله عن الغيبة ، فذكر له أنها حق ولكنها تقع في الثاني عشر من الائمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وأن أباه شاهد دفنه ، فرجع السيد عن مقالته واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحق عند اتضاحه له ، ودان بالامامة .

حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار النيسابوري ـ رضى الله عنه ـ قال : حدثنا علي بن محمد قتيبة النيسابوري ، عن حمدان بن سليمان ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال : سمعت السيد بن محمد الحميري يقول : كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي ـ ابن الحنفية ـ قد ضللت في ذلك زمانا ، فمن الله علي بالصادق جعفر بن ـ محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار ، وهداني إلى سواء الصراط ، فسألته بعد ما صح عندي بالد لائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه وأنه الامام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به ، فقلت له ، : يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام : إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض و صاحب الزمان ، والله لو بقى في غيبته ما بقى نوح في قومه ( 1 ) لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما . قال السيد : فلما

____________

( 1 ) في بعض النسخ « في الارض » .

________________________________________

( 34 )

سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه ، وقلت قصيدتي التي أولها :

فلما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا ( 1 )

ونـاديـت بــاسم الله والله اكبـر * وأيقنــت أن يـعـفو ويغــفــر

ودنت بدين الله ماكنــت دينا ( 2 ) * بـه ونهانــي سيــد الناس جعفـر

فقلت : فهبني قـد تهودت برهــة * وإلا فدينـــي ديـن مـن يتنصـر

وإني إلى الرحمـن من ذاك تـائب * إني قد أسـلمــــت والله أكبــر

فلست بغال ما حييــت وراجــع * إلـى ما عليــه كنـت اخفي واظهر

ولا قائــل حـي برضـوى محمد * وإن عـاب جهال مقـالي وأكثــروا

ولكنـه ممن مضــى لسبيلـــه * على أفضــل الحـالات يقفي ويخبر

مع الطيبين الطاهريــن الاولى لهم * من المصطفى فــرع زكي وعنصر

إلى آخر القصيدة ، ( وهي طويلة ) وقلت بعد ذلك قصيدة اخرى :

أيا راكبا نحو المدينـة جسـرة * عذافرة يطوى بها كل سبسب ( 3 )

إذا ما هداك الله عاينـت جعفرا * فقـل لـولي الله وابـن المهـذب

ألا يا أميـن الله وابن أمينــه * أتوب إلى الرحمـن ثم تــأوبي

إليك من الامر الذي كنت مطنبا ( 4 ) * أحارب فيه جاهدا كل معرب

وما كان قولي في ابن خولة مطنبا * معاندة مني لنســل المطيـب

ولكن روينـا عن وصي محمــد * وما كان فيمـا قال بالمتكــذب

بأن ولي الامر يفقد لا يــرى * ستيرا ( 5 ) كفعل الخائف المترقب

____________

( 1 ) في بعض النسخ « باسم الله والله اكبر » .

( 2 ) في بعض النسخ « ودنت بدين غير ما كنت دينا » .

( 3 ) الجسرة : البعير الذى أعيا وغلظ من السير . والعذافرة : العظمة الشديدة من الابل ، والناقة الصلبة القوية . والسبب : المفازة ، أو الارض المستوية البعيدة .

( 4 ) في بعض النسخ « كنت مبطنا » .

( 5 ) في بعض النسخ « سنين » . وفى بعضها « كمثل الخائف » .

________________________________________

( 35 )

فتقسم أموال الفقيــد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب ( 1 )

فيمكث حينا ثم ينبع نبعــة * كنبعة جدي من الافق كوكب ( 2 )

يسير بنصر الله من بيت ربه * على سودد منه وأمر مسبب ( 3 )

يسيـر إلى أعدائه بلوائــه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب ( 4 )

فلما روى أن ابن خولة غائب * صرفنـا إليــه قولنا لم نكـذب

وقلنا هو المهدي والقائم الـذي * يعيش به من عدلــه كل مجدب

فان قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت ( 5 ) فحتم غير ما متعصب

واشهد ربي أن قولك حجــة * على الناس طرا من مطيع ومذنب

بأن ولي الامر والقائم الــذي * تطلـع نفسي نحــوه بتطـرب

له غيبة لابد مـن أن يغيبهــا * فصلى علهـى الله من متغيــب

فيمكث حينا ثم يظهر حينه ( 6 ) * فيملك من في شرقها والمغرب ( 7 )

بذاك أدين الله سرا وجهــرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب ( 8 )

وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية ، ومتى صح موت

____________

( 1 ) الصفيح : من أسماء السماء ، ووجه كل شيء عريض . والمنصب المرتفع . ولعل المراد بالصفيح هنا موضع بين حنين وأنصاب الحرم . كما يظهر من بعض اللغات .

( 2 ) كذا وفى بعض نسخ الحديث :

« فيمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل اشراق كوكب »

وهكذا في اعلام الورى المنقول من كمال الدين . وليس هذا البيت في ارشاد المفيد ولا كشف الغمة للاربلي .

( 3 ) في بعض النسخ « وأمر مسيب » .

( 4 ) فرس حرون : الذى لا ينقاد والاسم الحران .

( 5 ) في الارشاد وكشف الغمة « تقول فحتم » .

( 6 ) في الارشاد « يظهر أمره » ولعله هو الصواب .

( 7 ) في اعلام الورى « فيملاء عدلا كل شرق ومغرب » .

( 8 ) « بمعتب » خبر ليست . يعنى عتابهم اياى ليس بموقع .

________________________________________

( 36 )

محمد بن علي ابن الحنفية بطل أن تكون الغيبة التي رويت في الاخبار واقعة به .

(( ضمن کتاب کمال الدین ))