ملامح الدولة العالمية على يد الإمام المهدي

ملامح الدولة العالمية على يد الإمام المهدي عليه السلام

تدل الآيات الشريفة المفسرة بظهور الإمام المهدي ، والأحاديث الشريفة المبشرة به عليه السلام ، على أن مهمته ربانية ضخمة ، متعددة الجوانب ، جليلة الأهداف.
فهي عملية تغيير شاملة للحياة الانسانية على وجه الأرض ، وإقامة مرحلة جديدة منها بكل معنى الكلمة.
ولو لم يكن من مهمته عليه السلام إلا إنهاء الظلم ، وبعث الإسلام النبوي الأصيل وإقامة حضارته الربانية العادلة وتعميم نوره على العالم ، لكفى.
ولكنها مع ذلك مهمة تطوير الحياة البشرية تطويراً مادياً كبيراً ، بحيث لا تقاس نعمة الحياة في عصره والعصور التي بعده عليه السلام بالحياة في المراحل السابقة ، مهما كانت متقدمة ومتطورة.
وهي أيضاً مهمة تحقيق مستوى هام من الإنفتاح على الكون وعوالم السماء وسكانها ، يكون مقدمة للإنفتاح الأكبر على عوالم الغيب والآخرة.
وهذه لمحات عن جوانب مهمته عليه السلام بقدر ما يتسع لها هذا الكتاب :
تطهير الأرض من الظلم والظالمين
يبدو بالنظرة الأولى أن تطهير الأرض من الظلم ، واستئصال الطواغيت والظالمين ، أمر غير ممكن ، فقد تعودت الأرض على أنين المظلومين وآهاتهم حتى لايبدو لاستغاثتهم مجيب ، وتعودت على وجود الظالمين المشؤوم ، حتى لايخلو منهم عصر من العصور.
فهم كالشجرة الخبيثة المستحكمة الجذور ، ما أن يقلع منهم واحد حتى ينبت عشرة ، وما أن يقضى عليهم في جيل حتى يفرخوا أفواجاً في أجيال.
غير أن الله تعالى الذي قضت حكمته أن يقيم حياة الناس على قانون صراع الحق والباطل والخير والشر ، قد جعل لكل شئ حداً ، ولكل أجل كتاباً ، وجعل للظلم على الأرض نهاية.
جاء في تفسير قوله تعالى : ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُبِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ).
( الرحمن : 41 ) عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( الله يعرفهم! ولكن نزلت في القائم يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو وأصحابه خبطاً ).
( غيبة النعماني ص 127 ).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت ، بأبي ابن خيرة الإماء.
لايعطيهم إلا السيف هرجاً هرجاً ( أي قتلاً قتلاً ) موضوعاً على عاتقه ثمانية أشهر ).
( شرح نهج البلاغة : 2/178 ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله في أمته باللين والمنِّ ، وكان يتألف الناس ، والقائم يسير بالقتل ولايستتيب أحداً!! بذلك أمر في الكتاب الذي معه ، ويل لمن ناواه ).
( غيبة النعماني ص 121 ).
والكتاب الذي معه هو العهد المعهود له من جده رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفيه كما ورد : ( أقتل ثم اقتل ولاتستتيبن أحداً ) ، أي لاتقبل توبة المجرمين.
وعنه عليه السلام قال : ( وأما شبهه في جده المصطفى صلى الله عليه وآله فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله تعالى وأعداء رسوله ، والجبارين والطواغيت ، وأنه ينصر بالسيف والرعب ، وأنه لاترد له راية ).
( البحار : 51/218 ).
وفي رواية عبد العظيم الحسني المتقدمة وهي في نفس المصدر ، عن الإمام الجواد عليه السلام : ( فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف خرج بإذن الله ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تعالى.
قلت ، وكيف يعلم أن الله قد رضي ؟ قال : يلقي الله في قلبه الرحمة ).
بل جاء في الأحاديث أن بعض أصحابه عليه السلام يرتاب ويعترض عليه لكثرة ما يرى من سفكه لدماء الظالمين ، فعن الإمام الباقر عليه السلام : ( حتى إذا بلغ الثعلبية ( اسم مكان في العراق ) قام إليه رجل من صلب أبيه ( أي من نسبه ) هو أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ماخلا صاحب هذا الأمر ، فيقول : يا هذا ما تصنع؟! فوالله إنك لتجفل الناس إجفال النعم! ( أي كما يجفل الراعي أو الذئب قطيع الماشية ) أفبعهد من رسول الله ، أم بماذا ؟! فيقول المولى الذي ولي البيعة ( أي المسؤول عن أخذ البيعة للإمام من الناس ) : أسكت ، لتسكتن أو لأضربن الذي فيه عيناك ، فيقول القائم عليه السلام : أسكت يا فلان ، إي والله إن معي لعهداً من رسول الله صلى الله عليه وآله ، هات يا فلان العيبة ( أي الصندوق ) فيأتيه بها فيقرأ العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول الرجل : جعلني الله فداك : أعطني رأسك أقبله ، فيعطيه رأسه ، فيقبل بين عينيه ، ثم يقول : جعلني الله فداك ، جدد لنا بيعة ، فيجدد لهم بيعة ).
( البحار : 53/343 )
ولا بد أن هناك علامات أو آية يعرف بها أصحابه أن تلك الصحيفة هي عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما طلبهم أن يجددوا مبايعته عليه السلام فلأن اعتراضهم عليه يعتبر نوعاً من الإخلال ببيعتهم الأولى له عليه السلام.
وقد يرى البعض في سياسة القتل والإبادة للظالمين التي يعتمدها الإمام المهدي عليه السلام ، أنها قسوة وإسراف في القتل ، ولكنها في الواقع عملية جراحية ضرورية لتطهير مجتمع المسلمين ومجتمعات العالم من الطغاة والظالمين ، وبدونها لايمكن إنهاء الظلم من على وجه الأرض ، وإقامة العدل خالصاً كاملاً ، ولا القضاء على أسباب المؤامرات الجديدة التي سيقوم بها بقاياهم فيما لو استعمل الإمام معهم سياسة اللين والعفو! فالظالمون في مجتمعات العالم كالغصون اليابسة من الشجرة ، بل كالغدة السرطانية ، لابد من استئصالها من أجل نجاة المريض مهما كلف الأمر.
والأمر الذي يوجب الاطمئنان عند المترددين في هذه السياسة أنها بعهد معهود من النبي صلى الله عليه وآله وأن الله تعالى يعطي الإمام المهدي عليه السلام العلم بالناس وشخصياتهم ، فهو ينظر إلى الشخص بنور الله تعالى فيعرف ماهو وما دواؤه ، ولايخشى أن يقتل أحداً من الذين يؤمل اهتداؤهم وصلاحهم ، كما أخبر الله تعالى عن قتل الخضر عليه السلام للغلام في قصته مع موسى عليه السلام حتى لايرهق أبويه طغياناً وكفراً.
بل تدل الأحاديث على أن الخضر يظهر مع المهدي عليه السلام ويكون وزيراً له ، ولا بد أن المهدي عليه السلام عنده علم الخضر اللدني الذي قال الله عنه : ( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) ( الكهف : 65 ) ، وأنهما يستعملانه في تنمية بذور الخير ، ودفع الشر عن المؤمنين ، والقضاء على الفساد والشر وهو بذرة صغيرة قبل أن يصبح شجرة خبيثة.
ومن المرجح أن يكون عمل الخضر وأعوانه في دولة المهدي عليهم السلام علنياً ، وأن يكون لهم حق الولاية على الناس وحق النقض على القوانين والأوضاع الظاهرية.
وقد ورد في الأحاديث الشرية أن الإمام المهدي عليه السلام يقضي بين الناس بحكم الله الواقعي الذي يريه إياه الله تعالى ، فلا يطلب من أحد شاهداً أو بينة ، وكذلك يستعمل علمه الواقعي في قتل الظالمين والفجار ، وقد يسير أصحابه في القضاء بين الناس وقتل الفجار بهذه السيرة ، أما في بقية الأمور فقد يتعاملون مع الناس على الظاهر.
ولا بد أن يكون للخضر وأمثاله صلاحياتهم الخاصة.

بعث الإسلام مجدداً وتعميم نوره على العالم
جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ).
( سورة التوبة : 33 ) ، قال : ( أظَهَرَ ذلك بعد؟! كلا والذي نفسي بيده ، حتى لاتبقى قرية إلا ونودي فيها بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، بكرة وعشياً ).
( المحجة للبحراني ص 86 ).
وعن ابن عباس قال : ( حتى لايبقى يهودي ولانصراني ولاصاحب ملة إلا صار إلى الإسلام.
وحتى ترفع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ، وهو قوله تعالى : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، وذلك يكون عند قيام القائم ) ( المحجة 87 ) ، ومعنى ترفع الجزية ، أنه لايقبل من أهل الكتاب إلا الإسلام.
وعن أبي بصير رحمه الله قال : سألت الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل في كتابه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فقال : والله ما نزل تأويلها بعد.
قلت جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها ؟ قال : حين يقوم القائم إن شاء الله تعالى ، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشرك إلا كره خروجه ، حتى لو أن كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت الصخرة يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله ، فيجيئه فيقتله ) ( المحجة : 86 ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ويظهر الله عزوجل به دينه ولو كره المشركون ، فلايبقى في الأرض خراب إلا عمر ، وينزل روح الله عيسى بن مريم عليه السلام فيصلي خلفه ).
( البحار : 52/191 ).
وفي تفسير العياشي : 2/87 عن الإمام الباقر عليه السلام قال في تفسيرها : ( يكون أن لا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله ).
وفيه : 2/56 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( سئل أبي عليه السلام عن قوله تعالى : وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة ًكَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً .

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ ، فقال : لم يجئ تأويل هذه الآية ، ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية ويبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله ما بلغ الليل حتى لايكون شرك على وجه الأرض ، كما قال الله تعالى ).
وجاء في تفسير قوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( يريهم في أنفسهم المسخ ، ويريهم في الآفاق انتفاض الآفاق عليهم ، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الآفاق.
وقوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، يعني بذلك خروج القائم هو الحق من الله عزوجل ، يراه هذا الخلق ، لابد منه ).
( غيبة النعماني ص 143 )
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( المهدي من عترتي من ولد فاطمة ، يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي ).
( البيان للشافعي ص 63 ).
وعنه صلى الله عليه وآله قال : ( ولايكون ملك إلا للإسلام ، وتكون الأرض كفاتور الفضة ).
( الملاحم والفتن ص 66 ) أي تكون الأرض صافية نقية من الكفر والنفاق ، كسبيكة الفضة النقية من المواد المغشوشة.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي.
ويريهم كيف يكون عدل السيرة ، ويحيي ميت الكتاب والسنة ).
( نهج البلاغة : 4/36 ) يعني أن المهدي عليه السلام يتبع القرآن ول ايحرف تفسيره بالهوى كما فعل المنحرفون قبله.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( كأني بدينكم هذا لايزال مولياً يفحص بدمه ، ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت ، فيعطيكم في السنة عطاءين ، ويرزقكم في الشهر رزقين ، وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ).
( البحار : 52/352 ).
وقوله عليه السلام : ( مولياً يفحص بدمه ) تصوير دقيق مؤثر لحالة الإسلام كطير مجروح يرف بجناحيه ويتخبط بدمه من ضربات الظالمين له ، وتحريفهم إياه ، حتى ينقذه المهدي عليه السلام ويحييه ويرده إلى المسلمين.
والمقصود بالعطاءين في السنة والرزقين في الشهر : العطاء من بيت المال كل ستة أشهر ، وتوزيع المواد الغذائية على الناس كل أسبوعين.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( سيميت الله به كل بدعة ، ويمحو كل ضلالة ، ويحيي كل سنة ).
( الكافي : 1/412 ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( ولايبقى في الأرض خراب إلا قد عمر ، ولايبقى في الأرض معبود من دون الله تعالى من صنم ووثن وغيره ، إلا وقعت فيه نار فاحترق ).
( كمال الدين ص 331 ).

العوامل المساعدة للإمام المهدي عليه السلام في هداية الشعوب
من الطبيعي أن يتساءل المرء : كيف سيتمكن الإمام المهدي عليه السلام من تعميم الإسلام على الشعوب غير المسلمة ، مع ما هي فيه من حياة مادية بعيدة عن الايمان والقيم الروحية ، ونظرة سيئة إلى الإسلام والمسلمين ؟!
لكن ينبغي الإلتفات إلى عوامل كثيرة عقائدية وسياسية واقتصادية تساعد الإمام المهدي عليه السلام في دعوته ، تقدم بعضها في حركة ظهوره عليه السلام.
فمن ذلك أن شعوب العالم تكون قد جربت ـ وقد جربت ـ الحياة المادية البعيدة عن الدين ، ولمست لمس اليد فراغها وعدم تلبيتها لفطرة الإنسان وإنسانيته.
وهي حقيقة يعاني منها الغربيون ويجهرون بها!
ومنها ، أن الإسلام دين الفطرة ، ولو فسح الحكام لنوره أن يصل إلى شعوبهم على يد علماء ومؤمنين صادقين ، لدخل الناس فيه أفواجاً.
ومنها ، الآيات والمعجزات التي تظهر لشعوب العالم على يد المهدي عليه السلام ، ومن أبرزها النداء السماوي كما تقدم.
وهذه الآيات وإن كان تأثيرها على الحكام موقتاً أو ضعيفاً أو معدوماً ولكنها تؤثر على شعوبهم بنسب مختلفة.
ولعل من أهم عوامل التأثير عليهم انتصارات الإمام المهدي عليه السلام المتوالية ، لأن من طبع الشعوب الغربية أنها تحب القوي المنتصر وتقدسه ، حتى لو كان عدوها.
فكيف إذا كانت له كرامات ومعجزات.
ومنها ، نزول المسيح عليه السلام وما يظهره الله تعالى على يده من آيات ومعجزات للشعوب الغربية وشعوب العالم ، بل إن دوره الأساسي وعمله الأساسي يكون بينهم ، ومن الطبيعي أن تفرح به الشعوب الغربية وحكامها ويؤمن به الجميع أول الأمر ، حتى إذا بدأ يظهر ميله إلى الإمام المهدي عليه السلام والإسلام تبدأ الحكومات الغربية بالتشكيك والتشويش عليه ، وتنحسر موجة تأييده العارمة ، ويبقى أنصاره من الشعوب الغربية ، ويحدث فيهم التحول العقائدي والسياسي حتى يكونون تياراً في بلادهم.
ومنها ، العوامل الإقتصادية ، وما يصل اليه العالم من الغنى والرفاهية على يد الإمام المهدي عليه السلام فينعم الناس في زمنه نعمة لاسابقة لها في تاريخ الأرض وشعوبها ، كما تذكر الأحاديث الشريفة ، ومن الطبيعي أن يكون لذلك تأثير هام على تلك الشعوب.
وهذه لمحات عن الحياة في عصر المهدي عليه السلام :
تطوير الإمام عليه السلام للحياة المادية والرفاهية :
من الأمور البارزة في أحاديث المهدي عليه السلام التقدم التكنولوجي في الدولة العالمية التي يقيمها ، فإن نوع الحياة المادية التي تتحدث عنها النصوص الشريفة في عصره عليه السلام ، أعظم من كل ما عرفناه في عصرنا ، ومما قد يتوصل اليه تطور العلوم بالجهود البشرية العادية.
وفيما يلي بعض ما ورد في ذلك :
يستخرج كنوز الأرض ويقسمها على الناس :
والأحاديث في ذلك كثيرة ، منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( تخرج له الأرض أفلاذ أكبادها ، ويحثو المال حثواً ولا يعده عداً ).
( البحار : 51/68 ).
وأفلاذ أكبادها أي كنوزها ، وفي رواية : ( حتى يخرج منها مثل الأسطوانة ذهباً ).
وحديث يحثو المال حثواً أو حثياً ولا يعده عداً ، مشهور في مصادر الفريقين ، وهو يدل على الرخاء الإقتصادي الذي لاسابقة له ، وعلى نفسية الإمام المهدي عليه السلام السخية ، المحبة للناس.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( إذا قائم أهل البيت قسم بالسوية ، وعدل في الرعية.
فمن أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزوجل من غار بأنطاكية ، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة ، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل ، وبين أهل الزبور بالزبور ، وبين أهل القرآن بالقرآن.
وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها فيقول للناس : تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام ، وسفكتم فيه الدماء الحرام ، وركبتم فيه ما حرم الله عزوجل.
فيعطي شيئاً لم يعطه أحد قبله ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً ، كما ملئت ظلماً وجوراً وشراً ).
( البحار : 52/351 ).
تنعم الأمة في زمانه وتعمر الأرض :
عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط.
ترسل السماء عليهم مدراراً ، ولاتدع الأرض شيئاً من النبات إلا أخرجته ).
( ابن حماد ص 98 )
وعنه صلى الله عليه وآله قال : ( تأويل إليه أمته كما تأوي النحلة الى يعسوبها ، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول.
لايوقظ نائماً ولا يهريق دماً ) ( ابن حماد ص 99 ).
ولعل معنى ( على مثل أمرهم الأول ) أي في المجتمع الإنساني الأول عندما كانوا أمة واحدة على صفاء فطرتهم الانسانية ، قبل أن يقع بينهم الإختلاف كما قال تعالى : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ).
( سورة البقرة : 213 )
وهو يؤيد ما تشير إليه بعض الأحاديث من أن المجتمع يصل في عصر المهدي عليه السلام إلى مجتمع الغنى وعدم الحاجة ، ثم إلى مجتمع المحبة وعدم الإختلاف وعدم الحاجة إلى المحاكم ، ثم إلى مجتمع اللانقد ، بحيث يعمل أفراده لخدمة بعضهم قربة إلى الله تعالى ويأخذون ما يحتاجونه من بعضهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله.
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض.
لاتدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته ، ولا الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته ، حتى يتمنى الأحياء الأموات ).
( ابن حماد ص 99 ) ، أي يتمنى الأحياء أن الأموات كانوا أحياء لينعموا معهم ويروا ما رأوا.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال ( ويظهر الله عزوجل به دينه ولو كره المشركون ، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمر ).
( البحار : 52/191 ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( المهدي محبوب في الخلائق ، يطفئ الله به الفتنة الصماء ) ( بشارة الإسلام ص 185 ).
وعنه عليه السلام في تفسير قوله تعالى : ( مدهامتان .

قال : يتصل ما بين مكة والمدينة نخلاً ) ( البحار : 56/49 ).
وعن سعيد بن جبير قال : ( إن السنة التي يقوم فيها القائم تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة ، ويرى آثارها وبركاتها ).
( كشف الغمة : 3/250 ).
وفي مخطوطة ابن حماد ص 98 : ( علامة المهدي : أن يكون شديداً على العمال ، جواداً بالمال ، رحيماً بالمساكين ).
وفيها : ( المهدي كأنما يلعق المساكين الزبد ).
يطور العلوم الطبيعية ووسائل المعيشة :
تذكر أحاديث المهدي عليه السلام عدداً من الأمور غير المألوفة للأجيال السابقة ولجيلنا المعاصر ، في وسائل الإتصال التي تكون في عصره ، ووسائل الرؤية ، والمعرفة ، ووسائل الحرب ، وأساليب الإقتصاد ، والحكم والقضاء ، وغيرها.
ويظهر أن بعضها يكون كرامات ومعجزات يجريها الله على يديه عليه السلام.
ولكن كثيراً منها تطوير للعلوم الطبيعية واستثمار لقوانين الله تعالى ونعمه ، التي أودعها فيما حولنا من مواد الأرض والسماء.
وتدل أحاديث متعددة وتشير ، إلى أن تطويره عليه السلام لعلوم الطبيعة سيكون قفزة في تقدم الحياة الانسانية على الأرض في جميع مرافقها.
من ذلك الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( العلم سبعة وعشرون حرفاً.
فجميع ما جاءت به الرسل حرفان ، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة وعشرين حرفاً فبثها في الناس ، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً ).
( البحار : 52/336 ).
وهو وإن كان ناظراً إلى علوم الأنبياء والرسل عليهم السلام ولكنها تشمل مضافاً إلى العلم بالله سبحانه ورسالته والآخرة ، العلوم الطبيعية التي ورد أن الأنبياء عليهم السلام علموا الناس بعض أصولها ، ووجهوهم إليها ، وفتحوا لهم جزءا من أبوابها ، كما ورد من تعليم إدريس عليه السلام الخياطة للناس ، وتعليم نوح عليه السلام صناعة السفن والنجارة ، وتعليم داود وسليمان صناعة الدروع ، وغيرها.
فالمقصود بالعلم في الحديث أعم من علوم الدين والطبيعة ، والمعنى أن نسبة ما يكون في أيدي الناس من العلوم إلى ما يعلمهم إياه عليه السلام نسبة اثنين إلى خمس وعشرين.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول ، وذخر لصاحبكم الصعب.
قال قلت : وما الصعب؟ قال : ما كان فيه رعد وصاعقة أو ( و ) برق فصاحبكم يركبه.
أما إنه سيركب السحاب ، ويرقى في الأسباب ، أسباب السماوات السبع والأرضين السبع ، خمس عوامر ، واثنتان خرابان ).
( البحار : 52/321 ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب.
وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق ).
( البحار : 52/391.
وعنه عليه السلام : ( إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لايكون بينهم وبينه بريد يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه ) ( البحار : 52/236.
وعنه عليه السلام قال : ( إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الأرض ، وخفض له كل مرتفع ، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته.
فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها ).
وروي أنه عليه السلام ينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء فيرى فيه أعمال العباد ، وأن له علوما مذخورة تحت بلاطة في أهرام مصر لايصل إليها أحد قبله ).
( كمال الدين ص 565 ).
إلى غير ذلك من الروايات التي لايتسع المجال لاستقصائها وتفسيرها.
وبعضها يتحدث عن تطور العلوم بشكل عام ، وبعضها عن تطور القدرات الذهنية والوسائل الخاصة بالمؤمنين ، وبعضها عن وسائل وكرامات خاصة بالإمام المهدي عليه السلام وأصحابه.
من ذلك ما عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين ، ليس شئ إلا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض وسباع الطير تطلب رضاهم ( في ) ( و ) كل شئ ، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول : مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم ) ( البحار : 52/327 ).
وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلاً يقول : عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لاتفهمه ولاتعرف القضاء فيه ، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ).
( غيبة النعماني ص 319 ).
وقد يكون ذلك على نحو الإعجاز والكرامة لهم ، وقد يكون على أساس قواعد علمية ، أو وسائل متطورة.
ملكه أعظم من ملك سليمان وذي القرنين :
يفهم من أحاديث الإمام المهدي عليه السلام أن الدولة الإسلامية العالمية التي يقيمها أعظم من الدولة التي أقامها نبي الله سليمان وذو القرنين عليهما السلام ، وبعض الأحاديث تنص على ذلك ، كالحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام : ( إن ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود ، وسلطاننا أعظم من سلطانه ).
والحديث الآتي بأنه تسخر له أسباب لم تسخر لذي القرنين ، والأحاديث التي تدل على أن عنده مواريث الأنبياء عليهم السلام التي منها مواريث سليمان ، وأن الدنيا عنده بمنزلة ، راحة كفه .

فدولة سليمان عليه السلام شملت فلسطين وبلاد الشام ، ولكنها لم تشمل مصر وما وراءها من أفريقيا.
كما أنها لم تتجاوز اليمن إلى الهند والصين وغيرها ، كما تذكر الأحاديث.
بل تذكر أنها لم تتجاوز مدينة إصطخرجنوب إيران.
بينما دولة المهدي عليه السلام تشمل كل مناطق العالم ، حتى لايبقى قرية إلا نودي فيها بالشهادتين ، ولايبقى في الأرض خراب إلا عمر ، كما تنص الأحاديث الشريفة.
بل تنص على شمولها للأرضين الأخرى!
ومن ناحية الإمكانات التي تسخر للمهدي عليه السلام ، فهي تشمل الإمكانات التي سخرها الله تعالى لسليمان عليه السلام وتزيد عليها.
سواء ما كان منها على نحو الإعجاز والكرامة الربانية ، أو ماكان تطويراً للعلوم واستثماراً لإمكانات الطبيعة.
ومن ناحية مدتها ، فقد كانت مدة دولة سليمان عليه السلام نحو نصف قرن ، ثم وقع الإنحراف بعد وفاته سنة 931 قبل الميلاد وتمزقت الدولة ، ووقعت الحرب بين مملكتي القدس ونابلس.
كما تذكر التوراة والمؤرخون.
أما دولة الإمام المهدي عليه السلام في حياته وبعده ، فهي تستمر الى آخر الدنيا ، ولا دولة بعدها! والمرجح عندنا أنه يحكم بعده المهديون من أولاده ، ثم تكون رجعة بعض الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، ويحكمون إلى آخر الدنيا.

(( ضمن كتاب عصر الظهور ))