المـــؤمل



الآيات المؤولة بالإمام الحجة عليه السلام

الآيات المؤولة بالإمام الحجة عليه السلام:

بعد أن اتضح معنى التأويل لغة واصطلاحاً عند المفسرين وغيرهم، لننتقل إلى ذكر الآيات القرآنية التي أولت بمهدينا عليه أفضل الصلاة والسلام:
- الآية الأولى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم).(10)
إن هذه الآية من جملة الآيات القرآنية المؤولة بالإمام الحجة روحي له الفداء على الظاهر:
إن الله سبحانه وتعالى قد وَعَدَ المؤمنين الصالحين من هذه الأمة بأن يجعلهم المستخلفين لمن كان قبلهم، أي يجعلهم بدل الذين كانوا من قبل في هذه الأرض، والله تعالى يورث المؤمنين الأرض ويجعلهم يتصرفون فيها حيث يشاؤون، ويحكمون فيها بدين الله، بعد إعطائهم القدرة والسلطة وتوفير جميع الإمكانيات، ويجعل الله خوفهم أمناً، ولا يخافون لومة لائم، فلا يخافون أحداً إلا الله، والله من ورائهم محيط، ولا يقدر عليهم أحد من أصحاب القدرة والهيمنة، ويعبدون الله دون تقية أو مجاراة لأحد، ويتجاهرون بالحق الذي سوف يسيطر على أرجاء المعمورة، والله على نصرهم لقدير.
إن البارئ عزّ وجل (لا يخلف الميعاد) فقد وعد المؤمنين الصالحين من هذه الأمة المليئة بالخطيئات والسيئات أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وتكون حياتهم طاهرة ومطهرة، هو المعنى الظاهري للآية الشريفة.
وقد أجاد وأفاد العلامة القزويني (قدس سره) قائلاً: إن هذا الوعد الإلهي - المؤكد بلام القسم ثلاث مرات، وبنون التأكيد ثلاث مرات أيضاً - لم يتحقق إلى يومنا هذا، ومتى كان المؤمنون الصالحون يتمكَّنون من الحكم على الناس وتطبيق الإسلام بكل حرية، وبلا خوف من أحد؟! ومن هم المؤمنون الذين عملوا الصالحات الذين وعَدَهم الله تعالى بهذا الوعد العظيم؟!.
ولو راجعت تاريخ الإسلام والمسلمين منذ طلوع فجر الإسلام، إلى يومنا هذا لعلمت علم اليقين أن وعد الله تعالى لم يتحقق خلال ألف وأربعمائة سنة.
إنني لا أظن أن مسلماً مُنصفاً يقبل ضميره بأن يكون المقصود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأمويون، أو العباسيون، لأن التاريخ المتفق عليه بين المسلمين - بل وغير المسلمين - يشهد بأن الأمويين والعباسيين ارتكبوا أعظم الجرائم، وأراقوا دماء أولياء الله، وهتكوا حرمات الله، وكانت قصورهم مليئة بأنواع الفجور والمنكرات.(11)
إن الدين الإسلامي ما زال ولا يزال إلى يومنا هذا مهجوراً مجهولاً، وذلك لوجود التيارات المعاكسة، لهذا النهج الصحيح، ولوجود بقايا الأديان السماوية التي حرفوها عن مسارها الحقيقي، فكل الأديان كانت تبشر بالدين الإسلامي، وكل الملل الآن تسعى لكي تنهش هذا الإسلام الموسوم اليوم!! وهل تعلم لماذا؟.
نعم.. لأنهم عرفوا في كتبهم أن هذه الأرض سوف يحكمها رجل من قريش أو رجل مصلح يقيم العدل والعدالة على وجه الكرة الأرضية بتمامها، وعرفوا أيضاً أن الذي يخرج في آخر الزمان، هو من بني هاشم اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلقه خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلذلك هم يسعون بما في وسعهم لكي ينهشوا هذا الدين من الداخل ومن الخارج، فنلاحظ بين الآونة والأخرى من ينعق ويتفوه على مذهبنا الحق ويستهزئ بالإمام الغائب عليه السلام ويقول أنه أسطورة وحكاية وضعتها الشيعة وعلماؤهم، لكي يسدوا نقصهم!! إذن متى هذا الوعد؟ ومتى يستخلف الله الذين آمنوا في هذه الأرض الواسعة؟ فيكون الجواب وتأويل هذه الآية كما يلي:
1- عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (وعد الله الذين آمنوا... يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً) قال: نزلت في القائم وأصحابه.(12)
2- عن ينابيع المودة، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: (هذه الآية نزلت في القائم المهدي).(13)
3- وفي تفسير العياشي: إن علي بن الحسين عليه السلام قرأ آية: (ليستخلفنهم في الأرض) قال: (وهم والله محبوناً أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا وهو مهدي هذه الأمة). وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يأتي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).(14)
وقال العلامة الطبرسي: فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات: النبي وأهل بيته (صلوات الرحمن عليهم) وتضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف والتمكين في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي عليه السلام.
وأضاف قائلاً: وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة وإجماعهم حُجَّة، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) وأيضاً فإن التمكن في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى، فهو منتظر لأن الله (عزّ اسمه) لا يخلف وعده.(15)
وأختم النقطة الأولى بكلمات عذبة وعبارات جزلة وردت في قنوت إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف، يبشر بإنجاز الوعد الإلهي:
(.. يا من لا يخلف الميعاد، أنجز لي ما وعدتني واجمع لي أصحابي، وصبّرهم وانصرني على أعدائك.. سيدي أنت الذي مننت علي بهذا المقام وتفضلت به علي دون كثير من خلقك، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي ما وعدتني، إنك أنت الصادق، ولا تخلف الميعاد، وأنت على كل شيء قدير).(16)
- الآية الثانية: قال تعالى:-(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).(17)
الظاهر أن المراد بالزبور كتاب داود عليه السلام وقد سمي بهذا الاسم في قوله: (وآتينا داود زبوراً)(18) ، وقيل: المراد به القرآن، وقيل: مطلق الكتب المنزّلة على الأنبياء أو على الأنبياء بعد موسى ولا دليل على شيء من ذلك.
والمراد بالذكر قيل: هو التوراة وقد سماها الله به في موضعين من هذه السورة وهما قوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(19) وقوله: (وذكراً للمتقين)(20) وقيل: هو القرآن وقد سماه الله ذكراً في مواضع من كلامه.. والمراد من وراثة الأرض انتقال التسلط على منافعها إليهم واستقرار بركات الحياة بها فيهم، وهذه البركات إما دنيوية راجعة إلى الحياة الدنيا، لتمتع الصالح بأمتعتها وزيناتها فيكون مؤدى الآية أن الأرض ستتطهر من الشرك والمعصية ويسكنها مجتمع بشري صالح يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً.(21)
وقيل في تفسير الأمثل: وكلمة الأرض تطلق على مجموع الكرة الأرضية، وتشمل كافة أنحاء العالم إلا أن تكون هناك قرينة خاصة في الأمر، وإن كان البعض قد احتمل أن يكون المراد وراثة كل الأرض في القيامة، إلا أن ظاهر كلمة الأرض تعني أرض هذا العالم عندما تذكر مطلقة.
ولفظ الإرث، يعني انتقال الشيء إلى شخص بدون معاملة وأخذ وعطاء، وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن أحياناً بمعنى تسلط وانتصار قوم صالحين على قوم ظالمين، والسيطرة على مواهبهم وإمكانياتهم.. كما في شأن بني إسرائيل:
(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها).(22)
وقد وردت هذه البشارة في الكتب السماوية السابقة، على أن الأرض سوف تستخلف من قبل أناس صالحين يرثونها ويرثون من عليها وهي استحقاق ومكافأة لهم من قبل البارئ عزّ وجل.
البشارة في مزامير داود عليه السلام
إن البشارة لم يذكرها القرآن الكريم فحسب!! بل ذكرتها جميع الكتب السماوية إشارة لهذا المعنى الدقيق كما لا يخفى، وإليكم بعض النصوص من مزامير داود عليه السلام:
1- جاء في الجملة 18 من المزمور 37: (إن الله يعلم أيام الصالحين وسيكون ميراثهم أبدياً).
2- جاء في المزمور 37 جملة 27 : (لأن المتبركين بالله سيرثون الأرض، وسينقطع أثر من لعنهم.. ).
إن البارئ عزّ وجلّ قد ذكر حقائق مؤكدة وثابتة على مرّ العصور والدهور سواء في الزبور: (ولقد كتبنا في الزبور) أو في غيره من الكتب السماوية، وقد توجت الآية بـ(لقد) و(أن) المستخدمة للتحقيق والتأكيد وقد ذكر المفسرون أن (وراثة الأرض) في هذه الآية لها معنيان:
أولاً: وراثة الأرض الدنيوية من منافع وغيرها.
ثانياً: وراثة الأرض للصالحين الذين يعبدون الله ولا يشركون بعبادته شيئاً وهذا لا يتحقق إلا بالظهور الأقدس، وسوف يحكم الأنصار الغيارى من الشيعة الأوفياء، جميع الأرض ومن عليها ويصبحون حكام الأرض وسنامها.
فيكون تأويل هذه الآية: كما رواه الشيخ الطوسي في تبيانه عن الإمام الباقر عليه السلام:
(إن ذلك وعد الله للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الأرض).(23)
وفي رواية عن أبي جعفر عليه السلام قال: قوله عزّ وجل: (وأن الأرض يرثها عبادي الصالحون) هم أصحاب المهدي في آخر الزمان.(24)
فهذا مسلم عندنا أن الأصحاب الذين جاهدوا أنفسهم، وثبتت قلوبهم على الولاء الأكمل، والدين الأمثل، وصبروا على تلكم الفترة الطويلة، وهم كاتمون إيمانهم، ولا تعرف سرائرهم!! فالنتيجة سوف يكافئهم الإمام عليه السلام بأحسن مكافأة دنيوية وأخروية، بحيث يجعلهم قادة لحروبه وحكاماً لأرضه التي تفسخت بالعادات السيئة والقوانين الوضعية البائدة التي لا تغني من الحق شيئاً.
- الآية الثالثة: قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).(25)
قال المحقق السيد محمد كاظم القزويني (قدس سره) في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (بالهدى) من التوحيد وإخلاص العبادة، (ودين الحق) وهو دين الإسلام (ليظهره) الظهور - هنا -: العلو بالغلبة بكل وضوح، قال تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمّة)(26) أي يغلبوكم ويظفروا بكم.
فمعنى: (ليظهره على الدين كله) أي يعلو ويغلب دين الحق على جميع الأديان، فإن كان هذا الكلام قد تحقق وكانت الإرادة الإلهية قد تنجزت فالمعنى أن الله تعالى قد أدحض وزيّف جميع الأديان الباطلة والملل والشرائع المنحرفة، زيّفها بالقرآن وبالإسلام، وبعبارة أوضح: إن الإسلام قد أبطل ونسخ جميع الأديان، وردّ على كل ملحد أو زنديق وعلى كل من يعبد شيئاً غير الله.
أما إذا أردنا أن نتحدث عن الآية على ضوء التأويل، فإن هذا الهدف الإلهي لم يتحقق بعد، فالمسلمون عددهم أقل من ربع سكان الأرض، والبلاد الإسلامية تحكمها قوانين غير إسلامية، والأديان الباطلة تنبض بالحياة والنشاط، وتتمتع بالحرية، بل تجد المسلمين في بعض البلاد أقلية مستضعفة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً، إذن فأين غلبة الحق على الباطل، وأين قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) وفي أي زمان تحقق هذا المعنى؟!!.
لقد ذكرت رواياتنا الشريفة أن هذه الآية الشريفة تتأول بعصر ظهور الإمام صاحب العصر والزمان عليه السلام وفي أيام إشراقه ودولته المباركة.
ودونك أخي القارئ الروايات الواردة في تأويل هذه الآية:
أولاً- تفسير البرهان: عن الكافي عن أبي الفضل عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام ، قلت: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)؟ قال عليه السلام: هو أمر الله ورسوله بالولاية والوصية، والولاية: هي دين الحق. قال: (ليظهره على الدين كله)؟ قال عليه السلام: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.(27)
ثانياً- أما ما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره): فعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن قوله تعالى:.. فقال: والله ما أنزل تأويلها بعد. قلت: جعلت فداك ومتى ينزل؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء الله فإذا خرج القائم لم يبق مشرك.(28)
وبالجملة يتحصل عندنا من خلال هذه الآيات الثلاث التي ذكرناها أن التأويل هو المعنى الباطني للآية القرآنية بعكس التفسير الذي هو المعنى الظاهر للآية، وأن الآيات التي ذكرت قد أولت بإمام زماننا عليه السلام جعلنا الله وإياكم من خدّامه وعبيده والذابين عنه والمستشهدين بين يديه الشريفتين.


الهوامش
(1) فصلت: 42. (2) نور القرآن الملكوتي: السيد محمد حسين الطهراني، ص13 - 28. (3) آل عمران: 7. (4) بصائر الدرجات: ص191 ج1. (5) مجمع البحرين: مادة أول. (6) بيان الأئمة عليهم السلام: ج3 ص193. (7) مجمع البيان: ج1 ص80. (8) الأنبياء: 105. (9) النور: 55. (10) النور: 55. (11) الإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور: ص43 -44. (12) الحجة: ص148. (13) ينابيع المودة: ص425، غيبة الطوسي: ص120. (14) نفس المصدر السابق: ص426. (15) مجمع البيان: ج7 ص152. (16) نهج الدعوات: ص68. (17) الأنبياء: 105. (18) النساء: 163. (19) الأنبياء: 7. (20) الأنبياء: 48. (21) الميزان: ج14 ص329. (22) الأعراف: 137. (23) التبيان: ج7 ص252. (24) تأويل الآيات: ج1 ص332 ح22، البرهان: ج5 ص257 ح5. (25) التوبة: 33. (26) التوبة: 8. (27) البرهان: ج4 ص330. (28) البحار: ج51 ص60.   

(( هذه المقالة ضمن كتاب الآيات المؤولة بالإمام المهدي عليه السلام ))