لماذا ضرب الصدور في أيام عاشوراء

البريد الإلكتروني طباعة

 

 

لماذا ضرب الصدور في أيام عاشوراء
 

 

السؤال : قبل كل شيء أود أن أقدم شكري إلى شبكة رافد على جهودها القيمة . طبعاً أنا لست شيعية بل أنا سنيّة المذهب ، ولكن أريد أن أتعرف عن عقائد مذهب أهل البيت ( ع ) . هذا لأنّه توجد بعض الأشياء التي يقوم بها الشيعة ، وأنا لا أوافق بها .
ولعل ذلك قد يكون يتناسب مع مذهب أهل البيت ) ع ) وتعليماته ، ألا وهي ضرب الصدور في أيام عاشوراء ، حيث أرى أنّه ينبغي أن يكون عاشوراء وقت ذكر الله ، وعدم النزاع والاضرار بالجسم والأنفس .
فلكوني لست شيعية لا أدري ما هي الأدلة التي تؤيد هذا العمل ، وأريد أن أتعلّم وأتعرف على الحق .
علماً بأنني سأتزوج بشاب شيعي ـ إن شاء الله ـ حيث أحبّه وأحترمه ، وأتمنّى أن يتمّ ذلك قريباً على الرغم من اختلاف العقيدة الموجودة بيننا .
مرة أخرى أقول بأنّكم بذلك ستساعدونني لأتعلم عن حياة إنسان شيعي .


الجواب : من سماحة الشيخ محمّد السند

 


أمّا التعرف على عقائد الشيعة الإمامية فبأمكانك قراءة كتب العقائد الشيعية للتعرف عليها مثل كتاب تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي ، فإنّه ملئ بأسس عقائد الشيعة .
وأمّا موسم أيام عاشوراء ففيها قتل الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سبط النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته ظلماً من قبل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الاُموي ، وسُبيت نساؤه وبناته ونساء أهل بيته ، وهنّ حفيدات رسول الله صلى الله عليه وآله ، فانتهكت الدولة الأموية حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله في سبطه ، وانتُهك رسول الله صلى الله عليه وآله في نساء أهل بيته .
وفوق كل ذلك طافوا برأس الحسين ( ع ) وبرؤوس أهل بيته البلدان من كربلاء إلى الكوفة إلى الشام ، استعراضاً في هتك حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يكتفوا بذلك بل طافوا بنساء أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله البلدان .
مع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال:«
إنّ الحسن والحسين ريحانتاي من هذه الدنيا ».
 وقال : « هما سيدا شباب أهل الجنة ».
 وقال : « هما إمامان قاما أو قعدا».
بل إن الله تعالى قد أوصى جميع المسلمين بقوله تعالى:{ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }(الشورى/23) ، فجعل تعالى أجر جميع تبليغ دين الله تعالى ، هو مودة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله ، والمودة ليست مجرد المحبة بل هي شدتها وإبراز المحبة ، فكيف بهذه الوصية الإلهية والفريضة القرآنية تُخالف وتُجحد وتُنتهك ، مع أنّه تعالى قد أعظم من شأنها ، فجعلها عدل وأجر الدين كله .
وأمرنا بصلة قربى النبي صلى الله عليه وآله لا بقطيعتهم ، بينما قام يزيد الأموي بما قام من هذا الجرم الفظيع الشنيع وقال : ليت أشياخي ببدر شهدوا وقع ... إلى أن يقول :

 

لعبت هاشم بالملك                  فلا خبر جاء ولا وحي نزل .

 

فهو يصرّح بأنّه يثأر لأجداده المشركين الذين قُتلوا ببدر، وينتقم لهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله به ، ويزداد يزيد عناداً وعصياناً ، فيكفر بتصديق الوحي والرسالة ، وكيف لا ؟ ! وهو الذي أتى بواقعة الحرّة الفجيعة في المدينة وأهلها ، وهتك كل الحرمات فيها في السنة الثانية من ملكه ، وفي السنة الثالثة هدم الكعبة ورجمها بالمنجنيق .
فما تصنعه الشيعة من إقامة الحزن والعزاء هو مواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله لما جرى على سبطه وحبيبه الحسين ، وعملاً بوصية القرآن بمودة قربى الرسول ، ومقتضى المحبة هو الحزن لمصائب المحبوب ، وقد قال تعالى في ما استعرضه من سيرة النبي يعقوب عندما ابتلي بفراق يوسف ابنه:{ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف/84 ـ 86).{ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ}(يوسف/94 ـ 95).
إلى أن يقول تعالى:{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ... لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ِلأَوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى }(يوسف/102 ـ 111).
وقد قال تعالى أيضاً :{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}(يوسف/7).
فنرى في هذه السيرة للنبي يعقوب التي قصّها لنا القرآن عبرة ولنقتدي بما فيها من توصيات ، إنّ سيرة النبي يعقوب الحزن على ما أصاب ابنه يوسف حتى بلغ من حزنه وبثّه أن عميت عيناه ، وقد عابه ابنائه على ذلك ، فلم يعبأ باستنكارهم عليه بل استنكر هو عليهم جهلهم برشاد فعله من الحزن على يوسف ، وقاوم النبي يعقوب ابناءه في استنكارهم عليه الحزن على يوسف ، ورميهم له بالضلال ، واستنكارهم طول حزنه على يوسف الذي استمر عقوداً من السنين .
ففي هذه الآيات يوصينا القرآن بالعبرة من فعل النبي يعقوب بإقامة الحزن ، وبث الشكوى إلى الله تعالى على فقد ابناء الأنبياء المصطفين ، وعلى ما جرى عليهم من المصائب ، حتى أنّ النبي يعقوب بلغ به الحزن الشديد أن تسبّب ذلك في عمي عينيه الشريفتين ، ولم يكن يعقوب يعبأ بذلك ، ولا بما ينكره عليه الآخرون من الحكم بضلاله ، فقد أصرّ على أنّ الحزن وبثه الشكوى على المصاب على ابناء الأنبياء المصطفون من الرشاد .
مع أنّ يعقوب قال لأولاده:{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}(يوسف/18)  ، فلم يكن حزنه وبكائه ، ويثّه الشكوى إلى الله في المدة الطويلة الزمنية حتى عميت عيناه ، لم يكن ذلك منافياً للصبر الجميل ؛ والسرّ في ذلك مع أنّ الجزع والحزن الشديد غير ممدوح في ما يجري على الإنسان من مصائب ، كموت عزيز وفقد حبيب ، وذلك لكونه اعتراضاً على قضاء الله وقدره ، وعدم الرضا بتقديره ، السر في فعل النبي يعقوب هو كون يوسف ليس من قبيل بقية الناس بل كان مجتبىً ومصطفىً ؛ كما في قول يعقوب له :{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(يوسف/6). أي أنّ أهل بيوت الأنبياء وذريّتهم المجتباة المُنعم عليهم يستحقون التقدير والاحترام والمودة ، لأنّهم قدوات البشرية ، وأعظم الثروات المعنوية التي تهتدي بتوسطها البشرية إلى الصراط المستقيم .
وقد قال النبي في الخبر المتواتر الذي رواه أهل السنة والشيعة : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، لن تضلّوا ما إن تمسكتم بهما ابداً ، وأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ». فعترته هم : علي وفاطمة والحسن والحسين ، وقد فرّطت جماعات من المسلمين فيهم وتركوا التمسك بهما معاً ، مع أنّه تعالى قد أمر النبي صلى الله عليه وآله في يوم المباهلة بالاحتجاج بعترته ومنهم الحسين عليه السلام ؛ فقال تعالى:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(آل عمران/61) ، فجعل الله تعالى الحسين عليه السلام ممّن يحتج به على أهل الكتاب والبشرية إلى يوم القيامة ، فجعل الباري الحسين عليه السلام حجته على البشرية في صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وآله ، وهذا نداء من القرآن خالد على مقام الحسين عليه السلام .
وكذلك ما في سورة الدهر والإنسان من وصفه من عباد الله الذين يسبقون الأبرار ، فالحزن على الحسين عليه السلام والحزن على يوسف ليس تبرما ، وعدم رضا بتقدير الله تعالى بل هو مودة لذي القربى ، وتمسّكاً بالثقلين ، واستنكاراً للظلم ، وابتعاداً من الضلال الذي يسير عليه يزيد وأمثاله من أعداء أولياء الله تعالى .
هذا وقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله بعد غزوة أحد بالبكاء والندبة على عمه حمزة ، فكيف بابنه وريحانته الحسين عليه السلام ؟ !

 

أضف تعليق


إقامة الشعائر

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية