الأساليب القرآنية والروائية لإدارة القلق والتوتر
في عصرٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه الضغوط النفسية، أصبح القلق والتوتر والاضطراب من أكثر الموارد انتشاراً بين الناس على اختلاف أعمارهم وفئاتهم. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتقلّبات الحياة اليومية، والتزاحم في الطموحات الشخصية والحروب والصراعات الدولية والحكومية، كلها تسهم في إيجاد بيئة خصبة لاضطراب النفس واهتزاز الطمأنينة الداخلية. وفي خضم هذا الواقع المتأزم، يتجه الإنسان بطبيعته إلى البحث عن السكينة والراحة، ويجد في الهدي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والروايات الشريفة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام أعظم مصدر لهذه الطمأنينة.
إنّ المنهج القرآني في معالجة القلق والتوتر لا يعتمد على التنظير المجرد أو النصح المؤقت، بل يقوم على بناءٍ روحيٍّ ومعنويٍّ عميقٍ يُعيد للإنسان توازنه الداخلي، ويصله بمصدر القوة والرحمة الإلهية. فالقرآن الكريم يُقدّم رؤية متكاملة تتناول الإنسان من جوانبه الفكرية والعاطفية والسلوكية، وتُعلّمه كيف يُحوّل القلق إلى طاقة إيجابية تدفعه نحو الثبات والإيمان. كما تُبرز الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام جوانب عملية لتطبيق هذه المفاهيم، وذلك من خلال التربية على الثقة بالله، والاعتماد على الدعاء، والصبر، والتفويض، وهي جميعها أدوات فعّالة في تهدئة النفس ومواجهة الضغوط.
وبناء عليه، ولحدوث صراعات حازمة في الشرق الأوسط والدول العربية، قررنا أن نكتب لكم مقالا حول الأساليب القرآنية والروائية في إدارة القلق والتوتر.

تعريف الاضطراب والتوتر ومفهومه
تعريف التوتر والضغط النفسي، كما يسمي بعض المحققين، ليس بالأمر السهل؛ لأنّ كل إنسان يفكّر فيه بطريقة مختلفة، ويُعرّفه بأسلوب خاصّ. وقد عرّف الدكتور هانز سيليه (HANS SELYE)، وهو من روّاد البحث في مجال الضغط النفسي، التوتر بأنّه الاستجابة غير المحددة للجسم تجاه أيّ طلبٍ يُوجَّه إليه. وفي الفلسفات الشرقية يُطلَق مصطلح الضغط النفسي على غياب السلام الداخلي. وأمّا في الثقافة الغربية فيُعرَّف الضغط النفسي بأنّه فقدان السيطرة. ومن الناحية النفسية، عرّف الباحث المعروف ريتشارد لازاروس (Richard Lazarus) الضغط النفسي بأنّه حالةٌ من القلق تظهر عندما تكون الأحداث أو المسؤوليات أكبر من القدرات التكيّفية للفرد.

عوامل التوتر في الآيات والروايات
هناك عوامل مختلفة للتوتر والاضطراب ذكرت في الآيات والروايات الشريفة، لكن عندما نلاحظها جميعا نرى أنه يمكننا أن نقسمهم قسمين أساسيين:
القسم الأول العوامل المادية، والقسم الثاني العوامل المعنوية.
فمن القسم الأول ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «خَمْسُ خِصَالٍ مَنْ فَقَدَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لَمْ يَزَلْ نَاقِصَ الْعَيْشِ زَائِلَ الْعَقْلِ مَشْغُولَ الْقَلْبِ. فَأَوَّلُهَا صِحَّةُ الْبَدَنِ وَالثَّانِيَةُ الْأَمْنُ وَالثَّالِثَةُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَالرَّابِعَةُ الْأَنِيسُ الْمُوَافِقُ. قُلْتُ: وَمَا الْأَنِيسُ الْمُوَافِقُ؟ قَالَ: الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ، وَالْخَلِيطُ الصَّالِحُ. وَالْخَامِسَةُ وهِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ الدَّعَةُ»(1). المراد من مشغول القلب في الرواية الشريفة هو التوتر والاضطراب. ومن الواضح لأيّ متأمل أنّ عدم صحة البدن وعدم الأمن والأمان وعدم السعة في الرزق وعدم الأنيس وعدم الرفاهية في العيش، أسباب مستقلة لحدوث التوتر للإنسان. وإلى هذا أيضا أشار الإمام الباقر عليه السلام عن قول سلمان رضي الله عنه: «إِنَّ النَّفْسَ قَدْ تَلْتَاثُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ الْعَيْشِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَإِذَا هِيَ أَحْرَزَتْ مَعِيشَتَهَا اطْمَأَنَّتْ»(2).
ومن القسم الثاني وهو العامل المعنوي، قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(3). فإنّ الإعراض عن ذكر الله وعدم التوجه إلى الله تعالى وأنّ الله تعالى هو القادر والعالم والقاضي والمقدر والحاكم، يوجب التوتر والاضطراب. والعوامل المعنوية لاتقتصر فقط على القلب، بل إنّ الجوارح أيضا لديها بعد روحي ومعنوي، وعليه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(4).

أساليب إدارة القلق والتوتر
هناك أساليب عديدة ذكرت في الآيات الشريفة والروايات حول كيفية إدارة التوتر والاضطراب، فهنا نذكر بعضا منها:
الأول: الإيمان بالله
إنَّ جوهر الإيمان هو اليقين المطلق بوجود خالق مدبّر، عليم، حكيم، وقادر على كل شيء. هذا اليقين يتحول إلى درع واقٍ ضد التوتر، والإيمان يضع السيطرة الكلية في يد الله تعالى. فعندما يؤمن المرء بأنَّ كل ما يحدث هو بقضاء وقدر معلوم، يزول العبء الثقيل المتمثل في محاولة السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه، مثل أفعال الآخرين، أو المستقبل الغيبي. الإيمان يُعلّمنا أنَّ دورنا يكمن في البذل والسعي والإتقان، وأمّا النتائج فهي تحت تدبير العليم الخبير. هذا التسليم يُحرّر الطاقة النفسية المُنصَبّة سابقاً في القلق بشأن المجهول؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(5).

الثاني: التوكل على الله
إذا كان الإيمان هو العقيدة الأساسية، فإنَّ التوكل هو التطبيق العملي لهذه العقيدة في مواجهة الطلبات أو المسؤوليات التي تُولِّد الإجهاد. فالتوكل لا يعني التواكل والكسل، بل يعني استفراغ الجهد كاملاً في الأسباب، ثم إراحة القلب من التعلق المفرط بالنتائج. فالمسلم يُؤمر بالسعي والعمل الصالح، ولكنّه يُنهى عن جعل سعادته وراحته مُرتهنةً بنجاح هذا السعي أو فشله، فقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾(6). وقد روي عن الإمام الجواد عليه السلام أيضا: «مَنْ وَثَقَ بِاللَّهِ أَرَاهُ السُّرُورَ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الْأُمُورَ، وَالثِّقَةُ بِاللَّهِ حِصْنٌ لَا يَتَحَصَّنُ فِيهِ إِلَّا مُؤْمِنٌ أَمِينٌ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَحِرْزٌ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ.»(7).
الثالث: الدعاء وذكر الله
الدعاء هو صمام الأمان الروحي والوسيلة التي تُعيد الإنسان إلى مصدره بشكل مستمر. إنَّ فكرة أنَّ الإنسان يستطيع أن يعبر عن أثقل همومه لمن يسمعه ولا يملّ، ولمن يملك القدرة على تغيير الواقع، هي بحد ذاتها علاج فعّال للقلق. إلى هذا أشار الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(8). وقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «إِلَهِي بِكَ هَامَتِ الْقُلُوبُ الْوَالِهَةُ، وَعَلَى مَعْرِفَتِكَ جُمِعَتِ الْعُقُولُ الْمُتَبَايِنَةُ، فَلَا تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ إِلَّا بِذِكْرَاكَ، وَلَا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إِلَّا عِنْدَ رُؤْيَاكَ.»(9).
الرابع: الصلاة العمل الصالح
الصلاة ليست مجرد طقوس حركية، بل هي عملية إعادة توجيه للوعي من التشتت الخارجي إلى الحضور القلبي. هذا الانتقال من الانشغال بالدنيا إلى الانشغال بالله يعمل على تهدئة نشاط الجهاز العصبي وتقليل التسارع الذهني المصاحب للتوتر وتعليم العقل التوقف عن الاستغراق في المستقبل المجهول؛ ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام لمسمع: «يَا مُسْمِعُ! مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَمٌّ مِنْ غُمُومِ الدُّنْيَا أَنْ يَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَسْجِدَهُ، وَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَيَدْعُوَ اللَّهَ فِيهِمَا؟ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾»(10).
الخامس: بعض المأكولات والمشروبات
بالإضافة إلى العوامل النفسية والمعنوية، هناك بعض الأكلات والمشروبات التي تساعد الجسم على إدارة التوتر، وبعض هذه الأكلات والمشروبات، واردة في الروايات. فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الطِّيبُ نُشْرَةٌ، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ.»(11). النشرة بالضم هي رقية يعالجه بها المجنون والمريض. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالزَّيْتِ؛ فَإِنَّهُ يَكْشِفُ الْمِرَّةَ، وَيُذْهِبُ الْبَلْغَمَ، وَيَشُدُّ الْعَصَبَ، وَيُذْهِبُ بِالضَّنَا، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ، وَيُطَيِّبُ النَّفْسَ.»(12).
1) الخصال (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 284 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.
2) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 5 / الصفحة: 89 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
3) سورة طه / الآية: 124.
4) سورة البقرة / الآية: 277.
5) سورة الأنعام / الآية: 48.
6) سورة الطلاق / الآية: 3.
7) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 79 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
8) سورة الرعد / الآية: 28.
9) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 94 / الصفحة: 151 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
10) تفسير العياشي (لمحمد بن مسعود العياشي) / المجلد: 1 / الصفحة: 43 / الناشر: المطبعة العلمية – طهران / الطبعة: 1.
11) عيون أخبار الرضا (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 44 / الناشر: مؤسسة الأعلمي – بيروت / الطبعة: 1.
12) عيون أخبار الرضا (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 39 / الناشر: مؤسسة الأعلمي – بيروت / الطبعة: 1.


