افتراضات وهمية حول تاريخ الشيعة

البريد الإلكتروني طباعة
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج6 ، ص 116 ـ 167
 ________________________________________
(116)
الفصل السادس
افتراضات وهمية حول تاريخ الشيعة

 
  
 
________________________________________
(117)
 
قد تعرّفت على تاريخ التشيّع، وأنّه ليس وليد الجدال الكلامي، ولا إنتاج السياسات الزمنية وانّما هو وجه آخر للاسلام وهما وجهان لعملة واحدة; إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرخين وكُتّاب المقالات ظنّوا أنّ التشيّع أمر حادث وطارىء على المجتمع الاسلامي، فأخذوا يُفتّشون عن مبدئه ومصدره، وأشد تلك الظنون عدوانية ما تلوكه أشداق بعض المتقدمين والمتأخرين، هو كونه وليد عبداللّه بن سبأ ذلك الرجل اليهودي، الذي ـ بزعمهم ـ طاف الشرق والغرب، وأفسد الاُمور على الخلفاء والمسلمين وألّب الصحابة والتابعين على عثمان، فقتل في عقر داره، ثم دعا إلى علي بالإمامة والوصاية، وإلى النبي بالرجعة، وكوَّن مذهباً بإسم الشيعة، فهو صنيع ذلك الرجل اليهودي المتظاهر بالاسلام وبما أنّ للموضوع أهمية خاصة لا نكتفي ببيان توهم واحد بل نأتي على ذكر كل تلك الإدعاءات واحدة بعد الاُخرى، مع رعاية التسلسل الزمني .
________________________________________
(118)
 
________________________________________
(119)
 

الافتراض الأول: 
الشيعة ويوم السقيفة

 
إنّ مأساة السقيفة جديرة بالقراءة والتحليل، وسوف نتطرّق إليها في فصل خاص عند البحث عمّا تنعقد به الامامة لدى السنّة والشيعة، ولكن نذكر هنا موجز ما ذكره الطبري وغيره الّذي صار سنداً لمن تخيّل أنّ الشيّع تكوّن في ذلك اليوم .
قال الطبري: اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبابكر فاتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبوبكر: منّا الأمراء ومنكم الوزراء ـ إلى أن قال ـ فبايعه عمر، وبايعه الناس، فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّا. ثم قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مسلّطاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه، وقال ايضاً: وتخلّف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتّى يبايَع علي، فبلغ ذلك أبابكر وعمر فقالا: خذوا سيف الزبير...(1) .
________________________________________
1 . تاريخ الطبري 2 / 443 ـ 444 .
________________________________________
(120)
 
وقال اليعقوبي: ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم، العباس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب...(1) .
يلاحظ على تلك النظرية: انّ هذه النصوص تدل على أنّ فكرة التشيّع لعلىّ كانت مختمرة في أذهانهم منذ عهد الرسول إلى وفاته، فلمّا رأت الجماعة أنّ الحق خرج عن محوره، عمدوا إلى التمسّك بالحق بالاجتماع في بيت علي الّذي أوصاهم النبي به طيلة حياته، إذ من البعيد جداً أن يجتمع رأيهم على علي في يوم واحد في ذلك اليوم العصيب. فالمعارضة كانت استمراراً لما كانوا يلتزمون به في حياة النبي، ولم تكن فكرة خلقتها الظروف والأحداث .
كان أبوذر وقت أخذ البيعة غائباً ولمّا جاء قال: أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم الاثنان(2) وقال سلمان: أصبتم ذا السن، وأخطأتم المعدن، أما لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغدا .
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات: انّ عامة المهاجرين وجلّ الأنصار كانوا لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر .
وروى الجوهري في كتاب السقيفة: انّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليّاً.
وروى أيضاً: انّه لمّا بويع أبوبكر واستقرّ أمره، ندم قوم كثير من الأنصار
________________________________________
1 . تاريخ اليعقوبي 2 / 103 طبع النجف .
2 . ابن قتيبة: الامامة والسياسة 12 .
________________________________________
(121)
 
على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وهتفوا باسم الامام علي ولكنّه لم يوافقهم(1).
ومن المستحيل عادةً اختمار تلك الفكرة بين هؤلاء في يوم واحد، بل يعرب ذلك عن وجود جذور لها، قبل رحلة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويؤكد ذلك نداءاته الّتي ذكرها في حق علىّ وعترته في مواقف متعدّدة، فامتناع الصحابة عن بيعة الخليفة ومطالبتهم بتسليم الأمر إلى علي انّما هو لأجل مشايعتهم لعلي زمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما هذا إلاّ اخلاص ووفاء منهم للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو أين هو من تكوّن التشيّع يوم السقيفة .
ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق: انّه بعد ما استتبّ الأمر لأبي بكر اعترض عليه (لفيف) من الصحابة في مسجد النبي وكلّ يذكر وصايا النبي في حق علي بالوصاية من بعده، وسيوافيك نصوصهم في فصل مأساة السقيفة على وجه موجز .
________________________________________
1 . ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 6 / 43 ـ 44
________________________________________
(123)
 
الافتراض الثاني:
التشيّع صنيع عبداللّه بن سبأ

 
«إنّ يهودياً باسم عبداللّه بن سبأ المكنّى بابن الأمة السوداء في ـ صنعاء ـ أظهر الإسلام في عصر عثمان و اندّس بين المسلمين، وأخذ ينتقل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مبشّراً بأنّ للنبي الأكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ عليّاً هو وصي محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما كان لكل نبي وصي، وأنّ عليّاً خاتم الأوصياء كما كان محمّداً خاتم الأنبياء، وأنّ عثمان غاصب حق هذا الوصي وظالمه، فيجب مناهضته لارجاع الحق إلى أهله» .
«إنّ عبداللّه بن سبأ بثّ في البلاد الإسلامية دعاته، وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطعن في الاُمراء، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال أبي ذر، وعمار بن ياسر، و محمد بن حذيفة، و عبدالرحمان بن عديس، و محمّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم فكانت السبأية تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطة زعيمها، وتضع كتباً في عيوب الاُمراء وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار، فنتج عن ذلك قيام جماعات
________________________________________
(124)
 
من المسلمين بتحريض السبأيين، وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره، حتّى قتل فيها، كل ذلك كان بقيادة السبأيين ومباشرتهم».
إنّ المسلمين بعدما بايعوا عليّاً، ونكث طلحة والزبير بيعته، وخرجا إلى البصرة رأى السبأيون أنّ رؤَساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّه إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلا وقرّروا أن يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وانّهم استطاعوا أن ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسّون من السبأيين في جيش علي من كان بازائهم من جيش البصرة ففزع الجيشان وفزع رؤسائهما، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم.
إلى هنا انتهت قصة السبأية، ولا يذكر منهم شيء بعد ذلك في التواريخ هذا هو الّذي يذكره الطبري في تاريخه، ويقول:
فيما كتب به إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال: كان عبداللّه بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء اُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول اضلالهم فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب فمن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمّداً يرجع، وقد قال اللّه عزّوجلّ: (إنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَادُّكَ اِلى مَعاد)(1)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال: فَقُبِل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبي ولكل نبي وصي،
________________________________________
1 . القصص / 85 .
________________________________________
(125)
 
وكان علي وصي محمّد. ثم قال: محمّد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أظلم ممّن لم يجز وصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووثب على وصي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتناول أمر الاُمّة ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدأوا باللعن على اُمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر. فبثّ دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم اخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه اُولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرّون غير ما يبدون... إلى آخر ما يذكره الطبري في المقام، وفي أحداث السنوات التالية إلى سنة 36 الّتي وقعت فيها حرب الجمل. ولا يأتي بعد بشيء عن السبأية(1) .
ثمّ إنّك قد تعرّفت على كبار السبأية وأنّهم كانوا من أكابر الصحابة والتابعين، كأبي ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر، ومحمّد بن أبي حذيفة، الذين عرفهم المسلمون بالزهد والتقى والصدق والصفا، وأمّا عبدالرحمان بن عديس البلوي فهو ممّن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر، وكان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر(2) .
________________________________________
1 . الطبري 3 / 378 .
2 . اُسد الغابة 3 / 309 قال: وشهد بيعة الرضوان وبايع فيها وكان أمير الجيش القادمين من مصر لحصر عثمان بن عفان ـ رضى اللّه عنه ـ لمّا قتلوه روى عنه جماعة من التابعين بمصر...
________________________________________
(126)
 
وأمّا محمّد بن أبي بكر، فاُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية تزوّجها أبوبكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب فولدت له محمّداً في حجّة الوداع بطريق مكّة، ثم نشأ في حجر علي بعد أبيه، وشهد معه حرب الجمل، كما شهد صفّين، ثم ولي مصر عن علي، إلى أن قتل فيها بهجوم عمرو بن العاص عليها(1) .
وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي، أسلم على عهد رسول اللّه، كان خطيباً فصيحاً شهد صفّين مع علي. ولمّا استشهد علي، واستولى معاوية على العراق، نفاه إلى البحرين ومات فيها(2) .
وأمّا الأشتر، فهو مالك بن الحرث النخعي، وهو من ثقات التابعين، شهد وقعة اليرموك، صحب عليّاً في الجمل وصفّين، ولاّه على مصر سنة (38) ثم وصل إلى القلزم، دسّ إليه معاوية عميلا له، فتوفّي بالسم(3) .
هذا هو الّذي يذكره الطبري وقد أخذه من جاء بعده من المؤرّخين وكتّاب المقالات حقيقة راهنة، وبنوا عليه مابنوا من الأفكار والآراء فصارت الشيعة وليدة السبأية في زعم هؤلاء عبر القرون والأجيال، وإليك من ذكرها مغمض العينين:
________________________________________
1 . كان أحد من توثّب على عثمان حتّى قتل ثم انضمّ إلى علي: اُسد الغابة 4 / 324، والاستيعاب 3 / 328، والجرح والتعديل 7 / 301 .
2 . اُسد الغابة 3 / 320 قال: تقدم نسبه في أخيه زيد وكان صعصعة مسلماً على عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يره وصغر عن ذلك وكان سيّداً من سادات قومه عبد القيس وكان فصيحاً بليغاً لسناً ديّناً فاضلا يعد في أصحاب علي ـ رضي اللّه عنه ـ وشهد معه حروبه .
3 . ملك العرب، أحد الأشراف والأبطال: الطبقات الكبرى 6 / 213، الاصابة 3 / 459، سير أعلام النبلاء 4 / 34 .
________________________________________
(127)
 
1- ابن الأثير (ت 630)، فقد أورد القصّة منبثة بين حوادث (30 ـ 36) وهو وإن لم يذكر المصدر في المقام، لكنّه يصدر عن تاريخ الطبري في حوادث القرون الثلاثة الأول(1) .
2- ابن كثير الشامي (ت 774) فقد ذكر القصّة في تاريخه «البداية والنهاية» وأسندها عند ما انتهى من سرد واقعة الجمل، إلى تاريخ الطبري، وقال: هذا ملخّص ما ذكر أبو جعفر بن جرير(2) .
3- ابن خلدون (ت 808)، في تاريخه «المبتدأ والخبر» أورد القصّة في حادثة الدار والجمل وقال: هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبري(3) .
وأمّا المتأخّرون، وأخصّ الكتّاب الجدد فإنّهم يذكرون القصّة، فنذكر منهم مايلي:
4- محمّد رشيد رضا، منشىء مجلة المنار (ت 1354)، ذكره في كتابه
________________________________________
1 . لاحظ مقدمة تاريخ الكامل يقول فيه: فابتدأت بالتاريخ الكبير الّذي صنّفه الامام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها لاحظ 1 / 3 طبع دار صادر .
2 . البداية والنهاية 7 / 246 طبع دار الفكر بيروت .
3 . تاريخ ابن خلدون يقول: «وبعث (عثمان) إلى الأمصار من يأتيه بصحيح الخبر: محمد بن مسلمة إلى الكوفة، واُسامة بن زيد إلى البصرة، وعبداللّه بن عمر إلى الشام و عمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه، فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامّهم إلاّ عماراً فانّه استماله قوم من الأشرار انقطعوا إليه، منهم عبداللّه بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديّاً وهاجر أيّام عثمان فلم يحسن اسلامه واُخرج من البصرة... تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر 2 / 139، وقال 166: هذا أمر الجمل ملخّص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء .
________________________________________
(128)
 
«السنّة والشيعة» وقال: وكان مبتدع اُصوله (التشيّع) يهودي اسمه عبداللّه بن سبأ، أظهر الإسلام خداعا، ودعا إلى الغلوّ في علي كرم اللّه وجهه، لأجل تفريق هذه الاُمّة، وافساد دينها ودنياها عليها، ثمّ سرد القصّة وقال: ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلا يرى مبلغ تأثير افساد السبأيين دون ما كاد يقع من الصلح(1) .
5- أحمد أمين (ت 1372)، وهو الّذي استبطل عبداللّه بن سبأ في كتابه «فجر الإسلام وقال: إنّ ابن السوداء كان يهوديّاً من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان، وحاول أن يُفسد على المسلمين دينهم وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة، وقد طاف في بلاد كثيرة، في الحجاز، والبصرة، والكوفة، والشام، ومصر، ثمّ ذكر أنّ أباذر تلقّى فكرة الاشتراكية من ذلك اليهودي، وهو تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّي العراق أو اليمن. وقد كان لكتاب «فجر الإسلام» عام انتشاره (1952 م) دويّ واسع النطاق في الأوساط الإسلامية، فإنّه أوّل من ألقى الحجر في المياه الراكدة بشكل واسع، وقد ردّ عليه أعلام العصر بأنواع الردود، فألّف الشيخ المصلح كاشف الغطاء «أصل الشيعة واُصولها» ردّاً عليه، كما ردّ عليه العلاّمة الشيخ عبداللّه السبيتي بكتاب أسماه «تحت راية الحق» .
6- فريد وجدي مؤلّف دائرة المعارف (ت 1370) فقد أشار إلى ذلك في كتابه عند ذكره لحرب الجمل ضمن ترجمة الإمام علي بن ابي طالب(2) .
7- حسن إبراهيم حسن، وذكره في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي) وقد ذكر في اُخريات خلافة عثمان قوله: «فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملائمة ومهيّئاً لقبول دعوة (عبداللّه بن سبأ) ومن لفّ لفّه والتأثّر بها إلى أبعد حد «وقد أذكى نيران هذه
________________________________________
1 . السنّة والشيعة 4 ـ 6 ـ 45 ـ 49 ـ 103 .
2 . دائرة المعارف 6 / 637 .
________________________________________
(129)
 
الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى ـ وكان من كبار أئمّة الحديث ـ وهو أبوذر الغفاري الّذي تحدّى سياسة عثمان ومعاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء وهو عبداللّه بن سبأ، وكان يهديّاً فأسلم، ثمّ أخذ ينتقل في البلاد الإسلامية، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة فالكوفة والشام ومصر... الخ(1) .
هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين، وأمّا المستشرقون المتطفّلون على موائد المسلمين فحدّث عنهم ولا حرج، فقد اتبعوا تلك الفكرة الخاطئة في كتبهم الاستشراقية الّتي تؤلّف لغايات خاصّة، فم أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى ما ألّفه الباحث الكبير السيد مرتضى العسكري في ذلك المجال، فإنّه ـ دام ظلّه ـ حقّق المقال ولم يبق في القوس منزعاً(2) .
نظر المحقّق في الموضوع
1- إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصّة، على وجه لا يصحّ نسبته إلاّ إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن، إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدّق أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان، و استطاع أن يُغري كبار الصحابة والتابعين، ويخدعهم ويطوف بين البلاد واستطاع أن يكوّن خلايا ضدّ عثمان ويستقدمهم على المدينة ويؤلِّبهم على الخلافة الإسلامية، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم باحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل وإن وطّن على قبول العجائب والغرائب .
إنّ هذه القصّة تمس كرامة المسلمين والصحابة والتابعين، وتصوّرهم اُمّة
________________________________________
1 . تاريخ الإسلام السياسي 347 .
2 . عبداللّه بن سبأ1 / 46 ـ 50، وكتابه هذا من أنفس الكتب وحسنات الزمان .
________________________________________
(130)
 
ساذجة يغترّون بفكر يهودي وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكّرون .
2- إنّ القراءة الموضوعية للسيرة والتاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهم، وينفون المخالفين ويضربونهم، فهذا أبوذر الغفاري نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال بين أبناء بيته، كما أنّ غلمانه ضربوا عمّار بن ياسر حتّى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه(1). إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم ومعارضيهم التي يقف عليها المتتبّع، ومع ذلك نرى أنّ رجال الخلافة وعمّالها يغضّون الطرف عمّن يُؤلِّب الصحابة والتابعين على اخماد حكمهم، وقتل خليفتهم في عقر داره، ويجر الويلات على كيانهم. وهذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة وسيرة معاوية .
يقول العلاّمة الأميني: لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، وشقّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه اُمراء الاُمّة وساستها في البلاد، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة والتأديب بالضرب والاهانة، والزج إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الاعدام المريح للاُمّة من شرّه وفساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني: (إِنَّما جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتِّلُوا أَوْ يُصَلِّبُواْ أو تُقَطِّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِن خِلاف أوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2)
________________________________________
1 . الاستيعاب 2 / 422 .
2 . المائدة / 33 .
________________________________________
(131)
 
فهّلا اجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الأبرار من اُمّة محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ففعل بهم ما فعل(1) .
وهناك لفيف من الكتّاب ممّن حضر أو غبر، بدل أن يفتحوا عيونهم على الواقع المرير، ليقفوا على الأسباب المؤدّية إلّى قتل الخليفة حاولوا التخلّص من أوزار الحقيقة، فنحتوا فروضاً وهمّية سببت قتل الخليفة وأودت به .
وفي حق هؤلاء يقول الكاتب المعاصر:
«وفي الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حال أو ظرف، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على أيام عثمان، ويحصرون أحداث عصر بل عصور، بإرادةِ فرد يطوّفُ في الأمصار والأقطار ويؤلّبُ الناس على خليفة ودولة!
إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان ووزيره مروان إنّما كانت دولةً مثاليَّة، وأنَّ الأمويّين والولاة والأرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُلَ العدالة الاجتماعية والإخاء البشري في أرض العرب. غير أنّ رجلا فرداً هو عبداللّه بن سبأ أفسدَ على الأمويين والولاة والأرستقراطيين صلاحَهم وبرّهم إذ جعل يطوف الأمصارَ والأقطارَ مؤلِّبا على عثمان واُمرائه وولاته الصالحين المُصلحين. ولولا هذا الرجل الفرد وطوافُه في الأمصار والأقطار لعاش الناس في نعيم مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرغادة وهو الرخاء .
وفي مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع واعتداءٌ على الخَلق ومسايرةٌ ضئيلة الشأن لبعض الآراء، يلفّ ذلك جميعاً منطقٌ ساذج وحجَّةٌ مصطنعة واهية. وفيه ما هو أخطر من ذلك: فيه تضليلٌ عن حقائق اساسية في بناء التاريخ، إذ يحاول صاحب هذا المسعى الفاشل أنْ يحصر أحداثَ عصر بكامله، بل عصور كثيرة، بإرادة فرد يطوف
________________________________________
1 . الغدير 9 / 219 ـ 220 .
________________________________________
(132)
 
في الأمصار ويؤلِّب الناسَ على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلاّ لأنّ هذا الفرد طاف بهم وأثارهم!
أمّا طبيعة الحكم وسياسة الحاكم وفساد النظام الاقتصادي والمالي والعمراني، وطغيان الأثرة على ذوي السلطان، واستبداد الولاة بالأرزاق، وحمل بني اُميَّة على الأعناق، والميل عن السياسة الشعبية الديمقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية، وإذلال من يضمر لهم الشعبُ التقدير والاحترام الكثيرين أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما، أمّا هذه الاُمور وما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية، فليست بذات شأن في تحريك الأمصار وإثارتها على الاُسرة الاُمويّة الحاكمة ومن هم في ركابها، في نظر هؤلاء! بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبداللّه بن سبأ الّذي يلفت الناس عن طاعة الأئمة ويلقي بينهم الشر.
أليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في الشرق، من يعلّلون الحوادث العامة الكبرى، المتصلة اتّصالا وثيقاً بطبيعة الجماعة واُسس الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، بارادة فرد من عامة الناس يطوف في البلاد باذراً للضلالات والنساء في هذا المجتمع السليم .
أليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الاصلاحية في التاريخ تعليلا صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاءوا أن يحدثوا شغباً فطافوا الأمصار وأحدثوه(1) .
3- إنّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم:
أ: السري: إنّ السري الّذي يروي عنه الطبري، إنّما هو أحد رجلين:
________________________________________
1 . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية 4 / 894 ـ 896 وللكلام صلة من أراد فليرجع إليه .
________________________________________
(133)
 
1- السرىّ بن إسماعيل الهمداني الّذي كذّبه يحيى بن سعيد، وضعّفه غير واحد من الحفّاظ(1) .
2- السرىّ بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد المتوفّى عام (258) وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، وزاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات، لا يحل الاحتجاج به، وقال النقاش في حديث وضعه السري(2) فالاسم مشترك بين كذّابين لايهمّنا تعيين أحدهما. واحتمال كونه السري بن يحيى الثقة غير صحيح، لأنّه توفّي عام (167) مع أنّ الطبري من مواليد عام (234) فالفرق بينهما (57) عاماً، فلا مناص أن يكون السري، أحد الرجلين الكذابين .
ب ـ شعيب، والمراد منه شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال الذهبي: راوية، كتب سيف عنه: فيه جهالة(3) .
ت ـ سيف بن عمر، قال ابن حبان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الاثبات، وقال: قالوا: إنّه كان يضع الحديث واتّهم بالزندقة. وقال الحاكم: اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن عدي: عامّة حديثه منكر. وقال البرقاني عن الدار قطني: متروك. وقال ابن معين: ضعيف الحديث فليس خير منه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف، وقال السيوطي: وضّاع، وذكر حديثاً من طريق السري بن
________________________________________
1 . قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، وقال النسائي: متروك، وقال غيره: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه لاحظ ميزان الاعتدال 2 / 117 .
2 . تاريخ الخطيب 993، ميزان الاعتدال 2 / 117، لسان الميزان 3 / 12 .
3 . ميزان الاعتدال 2 / 275، لسان الميزان 3 / 145 .
________________________________________
(134)
 
يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال: موضوع، فيه ضعفاء أشدّهم سيف(1) .
ج ـ فإذا كان هذا حال السند، فكيف نعتمد في تحليل تكوّن طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تشكّل خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية مع أنّ هذا هو حال سندها ومتنها، فالاعتماد عليها خداع وضلال .
4- عبداللّه بن سبأ، اُسطورة تاريخية:
إنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حق الرجل ومولده، وزمن إسلامه ومحتوى دعوته يشرف المحقّق على القول، بأنّ مثل عبداللّه بن سبأ مثل مجنون بني عامر وبني هلال وأمثال هؤلاء الرجال والأبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصاصون وأرباب السمر والمجون، فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين: الأموية والعباسية، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو، اتسع المجال للوضع وراج سوق الخيال وجعلت القصص والأمثال كي تأنس بها ربات الحجال، وأبناء الترف والنعمة(2) .
هذا هو الّذي ذكره المصلح الكبير كاشف الغطاء، ولعلّ ذلك أورث فكرة التحقيق بين أعلام العصر، فذهبوا إلى أنّ عبداللّه بن سبأ أقرب ما يكون إلى الاُسطورة منه إلى الواقع. وفي المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين، يدعم كون الرجل اُسطورة تاريخية استبطلها أعداء الشيعة نكاية بالشيعة، ولا بأس في الوقوف على كلامه حيث قال:
________________________________________
1 . ميزان الاعتدال 1 / 438، تهذيب التهذيب 4 / 295، اللئالي المصنوعة 1 / 157 - 199 ـ 429 .
2 . أصل الشيعة واُصولها 73 .
________________________________________
(135)
 
وأكبر الظن أنّ عبداللّه بن سبأ هذا ـ إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغلّ الفتنة ولم يثرها.
إنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويين والعبّاسيين قد بالغوا في أمر عبداللّه بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان، وولاته من ناحية، وليشنّعوا على علي وشيعته من ناحية اُخرى، فيردّوا بعض اُمور الشيعة إلى يهودي اسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان؟
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهودياً وكانت اُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثمّ أسلم لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمّ اُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حيث قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.
هذه كلّها اُمور لاتستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها اُمور التاريخ، وإنما الشيء الواضح الّذي ليس فيه شك هو أنّ ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الراي، وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبي وسيرة صاحبيه كانوا يروون اُموراً تطرأ، ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الاُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الاثرة، وفيها الأمل البعيد، وفيها الهمّ الّذي لا يعرب حدّاً يقف عنده، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على
________________________________________
(136)
 
المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها. وهذا الأُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار فأي غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة، والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه بلاد اُخرى لم تفتح، وكل شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فمالهم لا يستبقون إلى الفتح؟ ومالهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاّب الدنيا، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاّب الآخرة. ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم وهذا الثراء العريض؟ واي غرابة في أن يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ واي غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار وشباب الأحياء الاُخرى من العرب؟ وفي أن تمتلىء قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشاً بعظائم الاُمور، ويؤثر بني اُميّة بأعظم هذه العظائم من الاُمور خطراً وأجلّها شأناً.
والشيء الّذي ليس فيه شك هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد وسعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً، وولّى عبداللّه بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى. وجمع الشام كلّها لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في ادارتها قريش وغيرها من أحياء العرب، وولّى عبداللّه بن أبي سرح مصر، بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص، وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم أخوه لاُمّه، ومنهم أخوه في الرضاعة، ومنهم خاله، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى اُميّة بن عبد شمس .
كل هذه حقائق لا سبيل إلى انكارها، وما نعلم أن ابن سبأ قد أغرى عثمان
________________________________________
(137)
 
بتولية من ولّى وعزل من عزل، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة والاُمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعاً من الناس، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور (1) .
إنّ الجهات الّتي استنتج منها كون ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الاُمور التالية:
1- إنّ كل المؤرّخين الثقات لم يشيروا إلى قصّة عبداللّه بن سبأ، كابن سعد في طبقاته، والبلاذري في فتوحاته.
2- إنّ المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر، وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنّه وضّاع .
3- إنّ الاُمور التي اُسندت إلى عبداللّه بن سبأ، تسلتزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبداللّه بن سبأ، وسخّرهم لمآربه، وهم ينفّذون أهدافه بدون اعتراض، في منتهى البلاهة والسخف .
4- عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعمّاله عنه، مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة، ومحمّد بن أبي بكر، وغيرهم .
5- قصة الاحراق، إحراق علي إيّاه وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للاحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة، ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر.
6- عدم وجود أثر لابن سبأ وجماعته في واقعة صفّين وفي حرب النهروان .
________________________________________
1 . الفتنة الكبرى 134 لاحظ الغدير أيضاً 9 / 220 ـ 221 .
________________________________________
(138)
 
وقد انتهى الدكتور بهذه الاُمور إلى القول: بأنّه شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج(1) .
وقد تبعه غير واحد من المستشرقين، وقد نقل آراءهم الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإمامة(2) .
إلى أن وصل الدور إلى المحقّق البارع السيد مرتضى العسكري ـ دام ظلّه ـ فألّف كتابه «عبداللّه بن سبأ» ودرس الموضوع دراسة عميقة، وهو الكتاب الّذي يحلّل التاريخ على أساس العلم، وقد أدى المؤلّف كما ذكر الشيخ محمّد جواد مغنيه: «إلى الدين والعلم وبخاصّة إلى مبدأ التشيّع خدمة لا يعادلها أي عمل في هذا العصر، الّذي كثرت فيه التهجّمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع، وأقفل الباب في وجوه السماسرة والدسّاسين الذين يتشبّثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين واضعاف قوّتهم»(3) .
ولنفترض أنّ للرجل حقيقة وليس اُسطورة تاريخية لكن لا شك أنّ ما نقل عنه في ذلك المجال سراب وخداع، يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث الّتي جرت في عهد عثمان، ليحدت فتنة وليزيدها اشتعالا، وليؤلّب الناس على عثمان، بل أن ينادي بأفكار غريبة، ولكن السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين
________________________________________
1 . طه حسين: الفتنة الكبرى: فصل ابن سبأ، وقد لخّص ما ذكرنا من الاُمور من ذلك الفصل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه «هوية التشيّع» 146 .
2 . نظرية الإمامة لأحمد محمود صبحي 37 .
3 . عبداللّه بن سبأ 1 / 11، والكتاب يقع في جزأين وصل فيهما إلى النتيجة الّتي تقدّمت، وقد استفدنا من هذا الكتاب في هذا الفصل .
________________________________________
(139)
 
طائفة كبيرة من المسلمين(1) .
إلى هنا تبيّن أنّ تحليل تكوّن الشيعة عن هذا الطريق تحليل خيالي خادع، وسراب لا ماء ويتّضح الحق إنّا إذا راجعنا كتب الشيعة نرى أنّ أئمّتهم وعلمائهم يتبرّأون منه أشدّ التبرّؤ .
1- قال الكشي، وهو من علماء القرن الرابع: عبداللّه بن سبأ كان يدّعي النبوّة وانّ عليّاً هو اللّه فاستتابه ثلاثة أيّام فلم يرجع، فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلا(2) .
2- قال الشيخ الطوسي (385 ـ 460) في رجاله في باب أصحاب أميرالمؤمنين: عبداللّه بن سبأ الّذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(3) .
3- وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726): غال ملعون، حرقه أميرالمؤمنين بالنار، كان يزعم أنّ عليّاً إله وأنّه نبي، لعنه اللّه(4) .
4- وقال ابن داود (647 ـ 707): عبداللّه بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(5) .
5- وذكر الشيخ حسن (ت 1011) في التحرير الطاووسي: غال ملعون حرقه أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ بالنار(6) .
ومن أراد أن يقف على كلمات أئمّة الشيعة في حق الرجل، فعليه أن يرجع
________________________________________
1 . نظرية الامامة 37 .
2 . رجال الكشي 98 برقم 48 .
3 . رجال الطوسي: باب أصحاب علي برقم 76 / 51 .
4 . الخلاصة للعلاّمة: القسم الثاني الباب الثاني: عبداللّه 236 .
5 . رجال ابن داود: القسم الثاني 254 برقم 278 .
6 . التحرير الطاووسي 173 برقم 234 .
________________________________________
(140)
 
إلى رجال الكشي فقد روى في حقّه روايات كلّها ترجع إلى غلوّه في حق علي، وأمّا ما نقله عنه سيف بن عمر فليس منه أثر في تلك الروايات، فأقصى ما يمكن التصديق به أنّ الرجل ظهر غالياً فقتل أو اُحرق، والقول بذلك لا يضر بشي، وأمّا ما يذكره الطبري عن الطريق المتقدم فلا يليق أن يؤمن ويعتقد به من يملك أدنى إلمام بالتاريخ والسير .
وأخيراً فلنفترض أنّ كل ما ساقوه في القصة صحيح ولكن السؤال الّذي نطرحه هو أنّه لا ملازمة بين التصديق بها وبين أنّ ذلك الحدث هو منشأ مذهب الشيعة فإنّ التشيّع حدث في عصر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واعتنقته اُمّة مسلمة ورعة من الصحابة والتابعين، وأمّا ما قام به ابن سبأ على فرض صحة وقوعه فإنّه يعبّر عن موقف فردي وتصرّف شخصي خارج عن إطار المذهب ومن تبعه، فقد أدخل نفسه دار البوار، وأين هؤلاء من الذين لا يخالفون اللّه ورسوله واُولي الأمر ولا يتخلّفون عن أوامرهم قيد أنملة كالمقداد وسلمان وحجر بن عدي ورشيد الهجري ومالك الأشتر وصعصعة وأخيه وعمر بن الحمق ممّن يستدر بهم الغمام و تنزل بهم البركات .
إلى هنا تمّ تحليل النظرية الثانية في تكوّن الشيعة فلنرجع إلى تحليل النظرية الثالثة .
________________________________________
(141)
الافتراض الثالث:
التشيع فارسي المبدأ أو الصبغة

 
وهناك فرضية ثالثة اخترعها المستشرقون لتكوّن مذهب الشيعة في المجتمع الاسلامي، وهؤلاء كالباحثين السابقين اعتقدوا أنّ التشيّع ظاهرة حدثت بعد النبي الأكرم، فأخذوا يفتِّشون عن علّتها وسبب حدوثها حتّى انتهوا إلى أنّ التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة، والترديد بين الأمرين لأجل أنّ لهم في المقام رأيين .
1- انّ التشيع من مخترعات الفرس، اخترعوه لأغراض سياسية ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس، ولكنّهم لمّا أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصة.
2- انّ التشيع عربي المبدأ، وإنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام ولمّا أسلموا اعتنقوه وصبغوه صبغه فارسية لم يكن له ذلك من قبل .
وهذان الرأيان هما اللذان عبّرنا عنهما في العنوان بما عرفت، وإليك التفصيل.
أمّا الاُولى: فقد اخترعها المستشرق دوزي وحاصله أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية لأنّ العرب كانت تدين بالحرية، والفرس تدين بالملك، والوراثة،
________________________________________
(142)
 
ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولمّا انتقل النبيّ إلى دار البقاء ولم يترك ولدا، قالوا علي أولى بالخلافة من بعده .
وحاصله: انّ الإنسجام الفكري بين الفرس والشيعة أعني كون الخلافة أمراً وراثياً، دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس .
يلاحظ عليه:
أولا:
انّ التشيّع حسب ما عرفت ظهر في عصر النبي الأكرم وهو الّذي سمّى أتباع علي بالشيعة، وكانوا متواجدين في عصر النبي وبعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس سوى سلمان، في الإسلام .
إنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي كانوا كلّهم عرباً ولم يكن بينهم أي فارسي سوى سلمان المحمدي، وكلّهم يتبنّون فكرة التشيّع .
وكان لأبي الحسن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أيام خلافته ثلاثة حروب، حرب الجمل، وصفين، والنهروان. وكان جيشه كلّه عرباً أقحاحاً بين عدنانية وقحطانية، فقد انضمّ إلى جيشه زرافات من قريش والاُوس والخزرج، ومن قبائل مذحج، وهمدان، وطي، وكندة، وتميم، ومضر، وكان زعماء جيشه من رؤوس هذه القبائل كعمار بن ياسر، و هاشم المرقال، مالك الأشتر، صعصعة بن صوحان وأخوه زيد، قيس بن سعد بن عبادة، عبداللّه بن عباس، محمّد بن أبي بكر، حجر بن عدي، عدي بن حاتم، وأضرابهم، وبهذا الجند وباُولئك الزعماء فتح أميرالمؤمنين البصرة وحارب القاسطين معاوية وجنوده يوم صفين، وبهم قضى على المارقين .
فأين الفرس في ذلك الجيش واُولئك القواد كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الأساس للتشيّع. ثمّ لم يعتنق الفرس التشيّع دون غيرهم، بل اعتنقه الأتراك والهنود وغيرهم من غير العرب .
________________________________________
(143)
 
شهادة المستشرقين على أنّ التشيّع عربي المبدأ:
إنّ لفيفاً من المستشرقين وغيرهم صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس وإليك نصوصهم:
1- قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع لقدمه على دخول الفرس في الإسلام وقال: والّذي أرى كما يدلّنا التاريخ أنّ التشيّع لعلي بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام ولكن بمعنى ساذج، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاُخرى في الإسلام وحيث انّ أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس فلهم أكبر الأثر في التشيّع(1) وسيوافيك الكلام ما في ذيل كلامه من أنّ التشيّع أخذ صبغة جديدة بعد فترة من حدوثه .
2- قال المستشرق: «فلهوزن»: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية خصوصاً أهل الكوفة شيعة ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل القبائل ورؤساء العرب(2) .
3- وقال المستشرق «جولد تسيهر»: «إنّ من الخطأ القول بانّ التشيّع في منشئه ومراحل نموه يمثّل الأثر التعديلي الّذي أحدثته أفكار الاُمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحثة(3) .
4- يقول المستشرق «آدم متز»: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها
________________________________________
1 . فجر الإسلام 176 .
2 . الخوارج والشيعة 113 .
3 . العقيدة والشريعة 204 .
________________________________________
(144)
 
عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان، وهجر وصعدة، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة، ما عدا قم وكان أهل اصفهان يغالون في معاوية حتّى اعتقد بعض أهلها أنّه نبىّ مرسل(1) .
هذه الكلمات من هؤلاء الذين يفقدون الاخلاص غالباً في قضائهم، أوضح شاهد على أنّهم لم يجدوا لهذه النظرية أي مصدر صحيح .
5- يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب وليس التشيع مخلوقاً لهم، ويضيف: وأمّا فارس وخراسان وماوراءهما من بلدان الإسلام فقد هاجر إليها الكثير من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الأمويين أولا، ثم العباسيين ثانياً وأنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها(2) .
6- قال السيد الأمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أول الأمر إلاّ القليل وجلّ علماء السنّة وأجلاّؤهم من الفرس، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية(3) .
وثانياً: انّ التاريخ يدلّنا إلى أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا، بالصبغة السنّية، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه ويقول:
كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف، وكانوا خدمه وخاصته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسية مع رستم، ولمّا قتل وانهزم
________________________________________
1 . آدم متز: الحضارة الإسلامية 102 .
2 . الامام جعفر الصادق 545 .
3 . أعيان الشيعة 1 / 33 ط الخامسة .
________________________________________
(145)
 
المجوس اعتزلوا، وقالوا: ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل، والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا فقال سعد: ما لهؤلاء، فأتاهم المغيرة ابن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد فأخبره فأمنهم، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا، فنزلوا الكوفة مع المسلمين(1) .
لم يكن اسلامهم يوم ذاك، إلاّ كاسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال: انّ اسلامهم يوم ذاك كان اسلاماً شيعياً.
وثالثاً: إنّ الإسلام كان يمشي بين الفرس بالمعنى الّذي كان يمشي في سائر الشعوب ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم و كاشان، فبذروا بذرة التشيّع وكان ذلك في أواخر القرن الأول مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني أي من سنة 17 وهذا يعني أنّه قد انقضى عشرات الأعوام ولم يكن عندهم أثر من التشيّع. هذا هو ياقوت الحموي يحدّثنا في معجم البلدان ويقول:
«قم، مدينة تذكر مع قاشان، وهي مدينة مستحدثة اسلامية لا اثر للأعاجم فيها، وأوّل من مصرها طلحة بن الأحوص الأشعري، وكان بدو تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة 83، وذلك أنّ عبدالرحمان بن محمد بن الأشعث بن قيس، كان أمير سجستان من جهة الحجاج، ثم خرج عليه وكان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماة التابعين من العراقيين، فلمّا انهزم ابن الاشعث ورجع إلى كابل منهزماً كان في جملته إخوة يقال لهم عبداللّه، والأحوص، وعبدالرحمان، وإسحاق، ونُعَيم، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وقعوا إلى ناحية قم، وكان هناك سبع قرى
________________________________________
1 . البلاذري: فتوح البلدان 279 .
________________________________________
(146)
 
اسم احداهما «كمندان» فنزل هؤلاء الاخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها واستولّوا عليها، وانتقلوا إليها واستوطنوها، واجتمع عليهم بنوعمّهم وصارت السبع قرى، سبع محال بها، وسميت باسم احداها، «كمندان» فأسقطوا بعض حروفها، فسميت بتعريبهم قماً وكان متقدم هؤلاء الاخوة عبد الله بن سعد، وكان له والد قد ربى بالكوفة، فانتقل منها إلى قم، وكان إمامياً فهو الّذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سنّي قط»(1) .
هذا كله راجع إلى تحليل النظرية من منظار التاريخ، وأمّا دليله فهو أوهن من بيت العنكبوت فانّ الفرس وإن كانوا لا يعرفون معنى الإنتخاب والحرية، ولكن كانت العرب أيضاً مثلهم، فانّ العربي الّذي كان يعيش في البادية عيشة فردية كان يحب الحرية ويمارسها، وأمّا العربي الّذي يعيش عيشة قبلية، فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام اُمورهم وشؤونهم، فما معنى الحرية بعد هذا، وإذا مات شيخ القبيلة، يقوم أبناؤه وأولاده مكانه واحداً بعد الآخر .
تحليل النظرية الثانية:
إنّ هذه النظرية وإن كانت تتعرف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ، ولكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام وهذا هو الّذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت ولفيف من المستشرقين كـ «فلهاوزن»، يقول الثاني إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الايرانيين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الايرانيين فليست تلك الملاءمة دليلا عليه، بل الروايات التاريخية تقول
________________________________________
1 . معجم البلدان 4 / 396، مادة قم، ويقول في مراصد الاطلاع بأنّ أهل قم وكاشان كلهم شيعة إمامية ولاحظ رجال النجاشي ترجمة الرواة الأشعريين فيه .
________________________________________
(147)
 
بعكس ذلك، إذ تقول انّ التشيّع الواضح الصريح كان قائماً أولاًّ في الأوساط العربية، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط.
ولكن لمّا ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية، وكانت حلقة الإرتباط هي الإسلام ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين(1) .
أقول: إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحب والولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت علي ـ عليه السلام ـ هذا هو الّذي يصرح به الدكتور أحمد أمين ويقول: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم.
يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس، بل وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت اُموراً وراثية حتّى أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يغيّرها بل أنّه أمضاها ومن هنا نرى أنّه قد دفع مفاتيح البيت لبني شيبة لمّا كانت السدانة منصباً لهم أيام الجاهلية، فتخصيص الفرس بالوراثة وغمض العين عن غيرهم أمر عجيب، فعلى ذلك يجب أن نقول، انّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسانية وحميرية وأخيراً عربية، فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامة عالمية؟!
________________________________________
1 . الخوارج والشيعة 169 .
________________________________________
(148)
 
إنّ النبوة والوصاية من الاُمور الوراثية في الشرائع السماوية، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوة والامامة في بيوتات خاصة، فكان يتوارث نبي نبيّاً، ووصي وصيّاً، يقول سبحانه:
(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا نُوحاً وإبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ)(1).
(وإِذِ ابْتَلَى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لا يَنالُ عَهْدِى الظّالِمينَ)(2) .
(أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبراهيمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وآتَيناهُم مُلْكاً عَظِيماً)(3) .
فلماذا لا يكون سبب تشيّع الفرس مفاد هذه الآيات والروايات الّتي تصرّح بأنّ الوصاية بين الأنبياء كانت أمراً وراثياً؟ وانّ هذه سنّة اللّه في الاُمم كما هو ظاهر قوله سبحانه (لا ينال عهدى الظالمين))فسمّى الامامة عهد اللّه لا عهد الناس .
ثمّ إنّ من زعم أنّ التشيّع من صنع الفرس مبدأً وصبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس وذلك لأنّ التسنّن كان هو السائد عليهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في عصر الصفويين، نعم كانت الري وقم وكاشان معقل التشيّع ومع ذلك يقول أبو زهرة: إنّ أكثر أهل الفارس إلى الأن من الشيعة وأنّ الشيعة، الأولين كانوا من أهل فارس(4) .
أمّا غلبة التشيّع عليهم في الآونة الأخيرة فلا ينكره أحد، إنّما الكلام كونهم
________________________________________
1 . الحديد / 26 .
2 . البقرة / 124 .
3 . النساء / 54 .
4 . تاريخ المذاهب الإسلامية 1 / 41 ط دار الفكر العربي .
________________________________________
(149)
 
كذلك في بداية دخولهم إلى الإسلام، وكأنّ الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران، وها نحن ننقل كلام «أحسن التقاسيم» لتقف على أنّ المذهب السائد في ذلك القرن، هل كان هو التشيّع أم التسنّن يقول:
«اقليم خراسان للمعتزلة والشيعة، والغلبة لأصحاب أبي حنيفة إلاّ في كورة الشاش فانّهم شوافع وفيهم قوم على مذهب عبداللّه السرخسي، واقليم الرحاب مذاهبهم مستقيمة إلاّ أنّ أهل الحديث حنابلة والغالب بدبيل ـ لعلّه يريد أردبيل ـ مذهب أبي حنيفة وبالجبال، أمّا بالري فمذاهبهم مختلفة، والغلبة فيهم للحنفية، وبالري حنابلة كثيرة، وأهل قم شيعة والدينور غلبه مذهب سفيان الثوري، واقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة، أكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق حنابلة، ونصف أهل الأهواز شيعة، وفيه من أصحاب أبي حنيفة كثير، وبالأهواز مالكيون، اقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث وأصحاب أبي حنيفة، اقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي، اقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب الحديث، وأهل الملتان شيعة يهيعلون في الأذان ـ أي يقولون: حي على خير العمل ـ ويثنون في الاقامة ـ أي يقولون: اللّه أكبر مرتين، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه مرتين أيضاً وهكذا ـ ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة(1) .
ذكر ابن بطوطة «كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الامامية يسمّى جمال الدين بن مطهر ـ يعني العلامة الحلي (648 ـ 726) ـ فلمّا أسلم السلطان المذكور وأسلمت باسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزيّن له مذاهب الروافض وفضله على غيره... فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وآذربايجان واصفهان وكرمان
________________________________________
1 . أحسن التقاسيم لشمس الدين محمّد بن أحمد المقدسي / 119 (ألفه عام 375) .
________________________________________
(150)
 
وخراسان وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أوّل بلاد وصل إليها الأمر بغداد وشيراز واصفهان، فأمّا أهل بغداد فخرج منهم أهل باب الازج يقولون لاسمعاً ولا طاعة، وجاءوا للجامع وهدّدوا الخطيب بالقتل إن غيّر الخطبة وهكذا فعل أهل شيراز وأهل اصفهان(1) .
وقال القاضي عياض في مقدمة ـ ترتيب المدارك ـ وهو يحكي انتشار مذهب مالك: وأمّا خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولا بيحيى بن يحيى التميمي، وعبداللّه بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هناك أئمة على مر الأزمان، وتفشّى بقزوين وماولاها من بلاد الجبل. وكان آخر من درس منه بنيسابور أبو إسحاق بن القطان وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي(2) .
قال «بروكلمان»: إنّ شاه إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على «الوند» توجّه نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أنّ ثلثي سكان المدينة الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف، من السنّة(3) .
هذه النصوص تعطينا أنّ السنّة كانت هي المذهب السائد إلى القرن العاشر بين الفرس، فكيف يمكن أن يقال: إنّ بلاد فارس كانت هي الموطن الأصلي للتشيّع.
هذا هو ابن الأثير يؤكّد على أنْ أهل طوس كانوا سنَّة إلى عصر محمود بن سبكتكين، قال: إنّ محمود بن سبكتكين جدّد عمارة المشهد بطوس الّذي فيه قبر
________________________________________
1 . رحلة ابن بطوطة 219 ـ 220 .
2 . ترتيب المدارك 1 / 53 .
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية 1 / 140 .
________________________________________
(151)
 
علي بن موسى الرضا وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم ابنه عن ذلك، وكان سبب فعله ذلك أنّه رأي في المنام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب وهو يقول: إلى متى هذا؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد يأمر بعمارته(1) .
ويؤيّد ذلك ما رواه البيهقي: انّ المأمون العباسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية، فقال له يحيى بن أكثم: يا أميرالمؤمنين! العامة لا تتحمّل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرة(2).
فقد بان ممّا ذكر أمران:
1- انّ التشيع ليس فارسي المبدأ، وانّما هو حجازي المولد، والمنشأ اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس ـ سوى سلمان المحمدي ـ وانّ الإسلام دخل بين الفرس مثل دخوله بين سائر الشعوب وانّهم اعتنقوا الإسلام ـ لا التشيّع ـ مثل اعتناق سائر الاُمم وبقوا عليه قروناً وكان التشيّع بينهم قليلا ـ إلى أن ظهر بينهم، في عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية عام 905.
2- انّ كون الامامة منحصرة في علي وأولاده، ليس صبغة عارضة على التشيّع، بل هو جوهر التشيّع وحقيقته ولولاه، فقد التشيّع روحه وجوهره، فجعل الولاء لآل البيت أو تفضيل علي، على سائر الخلفاء أصله وجوهره، وجعل الامامة في علي ونسله أمراً عرضياً فكر خاطئ ليس له دليل .
قال المفيد: الشيعة من دان بوجوب الامامة ووجودها في كل زمان وأوجب
________________________________________
1 . ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 139 .
2 . البيهقي: المحاسن والمساوئ 1 / 108 .
________________________________________
(152)
 
النص الجلي والعصمة والكمال لكلّ امام ثم حصر الامامة في ولد الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ وساقها إلى الرضا علي بن موسى ـ عليهما السلام ـ .(1)
________________________________________
1 . اوائل المقالات / 7 .
 ______________________________________
(153)
الافتراض الرابع:
الشيعة ويوم الجمل

 
إنّ الشيعة تكوّنت يوم الجمل لما ذكر ابن النديم: انّ عليّاً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر اللّه جلّ اسمه وتسمّى من اتّبعه على ذلك الشيعة. وكان يقول: شيعتي وسمّاهم ـ عليه السلام ـ الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب(1) .
وعلى ذلك جرى المستشرق «فلهوزن» حيث يقول: بمقتل عثمان انقسم الإسلام إلى فئتين: حزب علي، وحزب معاوية، والحزب يطلق عليه في العربية اسم «الشيعة» فكانت شيعة علىّ في مقابل شيعة معاوية، لكن لمّا تولّى معاوية الملك في دولة الاسلام كلّها... أصبح استعمال لفظ «شيعة» مقصوراً على أتباع علي(2) .
يلاحظ عليه:  أنّ ما ذكره ابن النديم نفس ما ذكره البرقي قبله بقول(3) في رجاله وإليك نصّه .
________________________________________
1 . ابن النديم: الفهرست 263 طبع القاهرة .
2 . الخوارج والشيعة 146 (ترجمة عبدالرحمان بدوي، طبع القاهرة) .
3 . توفّي البرقي عام (274) أو (280) وألّف ابن النديم كتابه عام (377) وتوفّي عام (378) .
________________________________________
(154)
 
أصحاب أميرالمؤمنين:
من أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأصحاب، ثم الأصفياء، ثم الأولياء، ثم شرطة الخميس:
من الأصفياء من أصحاب أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : سلمان الفارسي، المقداد، أبوذر، عمار، أبوليلى، شبير، أبو سنان، أبو عمرة، ـ أبو سعيد الخدري (عربي أنصاري) ـ أبو برزة، جابر بن عبداللّه، البراء بن عازب (أنصاري)، عرفة الأزدي، وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دعا له فقال: اللّهمّ بارك (له) في صفقته .
وأصحاب أميرالمؤمنين، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة آلاف رجل، وقال علي بن الحكم (أصحاب) أميرالمؤمنين الذين قال لهم: تشرّطوا انّما اُشارطكم على الجنّة ولست اُشارطكم على ذهب وفضّة انّ نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فانّي لست اُشارطكم، إلاّ على الجنّة(1) .
ترى أنّه عدّ من أصحاب الامام رجالا ماتوا، قبل أيام خلافته كسلمان، وأبوذر والمقداد، وكلّهم كانوا شيعة الامام، فكيف يكون التشيّع وليد يوم الجمل والظاهر وجود التحريف في عبارة ابن النديم .
وعلى كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص في وجود التشيّع في عصر الرسول وبعده وقبل أن تشب نار الحرب في البصرة، دليل على وهن هذا الرأي ـ على تسليم دلالة كلام ابن النديم - بل كان ذلك اليوم يوم ظهور التشيّع .
فانّ الامام وشيعته بعد خروج الحق عن محوره، واستتباب الأمر لأبي بكر، رأوا أنّ مصالح الإسلام والمسلمين تكمن في السكوت ومماشاة القوم، بينما كان نداء
________________________________________
1 . البرقي: الرجال 3 .
________________________________________
(155)
 
التشيّع يعلو بين آونة واُخرى من جانب المجاهرين بالحقيقة، كأبي ذر الغفاري وغيره، ولكن كانت القاعدة الغالبة هو إدلاء الأمر للمتقمّصين بالخلافة والاشتغال برفع مشاكلهم العلمية، ولكن عندما تمّ الأمر للامام علي، ورجع الحق إلى محلّه اهتزّت الشيعة فرحاً، وارتفع كابوس الضغط عنهم، واستنشقوا نسيم الحرية ـ وإن كانت أياماً قصيرة ـ ففي تلك الأحايين ظهرت المعارضة بين المتشيّعين وغيرهم .
________________________________________
(157)
الافتراض الخامس:
الشيعة ويوم صفين

 
إنّ بعض المستشرقين(1) زعم أنّ الشيعة تكوّنت يوم افترق جيش علي في مسألة التحكيم إلى فرقتين فلمّا دخل علي الكوفة وفارقته الحرورية وثبت إليه الشيعة، فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت .
إنّ رمي الشيعة بالتكوّن يوم صفين اعتماداً على هذه العبارة باطل وانّما ذهب إليه ذلك المستشرق لأنّه افترض لتكوّن الشيعة، تاريخاً مفصولا عن تاريخ الإسلام فأخذ يتمسّك بهذه العبارة، مع أنّ تعبير الطبري، أعني قوله: وثبت إليه الشيعة(2) دليل على سبق وجودهم على ذلك .
نعم كانت للشيعة بعد تولّي الإمام الخلافة الحرية حيث ارتفع الضغط فالتفّ حوله مواليه من الصحابة والتابعين، نعم لم يكن كل من في جيشه من الشيعة بالمعنى المصطلح، وإنّما كانوا يقتدون به لأجل مبايعته .
________________________________________
1 . تاريخ الامامية للدكتور عبداللّه فياض 37 .
2 . تاريخ الطبري 4 / 46 طبع مصر .
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج6 ، ص 159 ـ  160
________________________________________
(159)
 
الافتراض السادس:
الشيعة والبويهيون
 
تلقّى آل بويه مقاليد الحكم والسلطة من عام 320 ـ 447، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وإصفهان والري، وقد اُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليه عام 420 وقد ذكر المؤرّخون خصوصاً ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم شيئاً كثيراً من أحوالهم، وخدماتهم، وافساحهم المجال للعلماء من غير فرق بين طائفة واُخرى. وقد أفرد المستشرق «استانلي لين بول» كتاباً في حياتهم ترجم باسم طبقات سلاطين الإسلام .
يقول ابن الأثير وكان عضد الدولة عاقلا، فاضلا، حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأي، محبّاً للفضائل وأهلها، باذلا في مواضع العطاء... إلى أن قال: وكان محبّاً للعلوم وأهلها، مقرّباً للعلماء، محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل. فقصده العلماء من كل بلد وصنّفوا له الكتب ومنها الايضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والمكلى في
________________________________________
(160)
 
الطب، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك(1). وهذا يدل أنّهم كانوا محبّين للعلم ومروّجين له من غير فرق بين كون العالم من الشيعة أو السنّة. وكان في عصرهم يغلب التسنّن على أكثر البلاد ومع ذلك لم يحاربوا التسنّن خلافاً لملوك السنّة، فكلّما كانت لهم السلطة والقوّة استأثرت الشيعة، ولو وقعت في أيّامهم حوادث بين الشيعة والسنّة في الطرق كان التحرّش فيها من طرف السنّة، ومن الحوادث المؤلمة في نهاية حكمهم بعد دخول طغرل بك مدينة دار السلام (بغداد) عام 447، إحراق مكتبة الشيخ الطوسي وكرسيّه الّذي كان يجلس عليه للتدريس(2). نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم واستنشقوا نسيم الحرية بعد أن تحمّلوا الظلم والاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصاً في عهد المتوكّل ومن بعده. غير أنّ تكوّن مذهب الشيعة في أيّامهم شيئاً وكونهم مروّجين ومعاضدين له شيء آخر، والمسكين لم يفرّق بينهما .
________________________________________
1 . الكامل في التاريخ 9 / 19 ـ 21 طبع دار صادر .
2 . لاحظ المنتظم: لابن الجوزي 16 / 108 الطبعة الحديثة بيروت .
________________________________________
(161)
 
الافتراض السابع:
الشيعة والمغول
 
لمّا اُقصي آل بويه عن الحكم في العراق وإيران، لم تقم للشيعة دولة قويّة ذات حول وطول بعدهم، وعاد الضغط على أتباع أهل البيت إلى أن استولى «هولاكو» على ايران وقضى على الخلافة العباسيّة عام (665) فأعطى الحرية للمذاهب ومنها مذهب أهل البيت وعلى ذلك نهج أولاده، ثمّ أسلم من ملوك المغول أربعة ثالثهم محمّد خدابنده، ورابعهم سعيد بن محمد خدابنده. فأمّا الأوّل منهما فقد كان حنفياً ولمّا وفد عليه نظام الدين عبدالملك الشافعي جعله قاضي القضاة في المملكة وكان يناظر الحنفية في محضر السلطان فيفحمهم، ولمّا ظهرت له الغلبة حسن للسلطان المذهب الشافعي فعدل إليه، ولمّا كثرت المناظرات بين نظام الدين وعلماء الحنفية، وكان ينسب كل منهم إلى مذهب الآخر ما لا تستحسنه العقول، ظهر عليه الملل والضجر، وقد ورد إليه في هذا الآونة السيد تاج الاوي مع جماعة من الشيعة وقعت بينه وبين نظام الدين محاضرات بمحضره، ثم بعد آونة حضر عنده العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بمناسبة خاصّة يذكرها التاريخ، فأمر قاضي القضاة بمناظرته، وأعدّ لهم مجلساً حافلا للعلماء وأهل الفضل، فوقعت المناظرة بينهم في المسائل العقائدية والفقهية، فظهرت غلبة العالم الشيعي، فأظهر السلطان
________________________________________
(162)
 
التشيّع من حينه، وصارت تلك المناظرة سبباً لانتشار التشيّع(1) وقد استنشقت الشيعة في عصر المغوليين على وجه الاطلاق عطر الحرية ونسيمها، فازدحمت المراكز العلمية بعلمائهم ومفكّريهم، كنصير الدين الطوسي والمحقّق الحلّي.
وازدهرت بيوتات الشيعة كبيت آل طاووس وآل سعيد وغيرهما. وقد كان للشيعة كيان ونشاط في عصرهم أعادوا مجدهم في عصر البويهيين .
________________________________________
1 . لاحظ منتخب التواريخ لمعين الدين النطزي المؤلف عام 816 ـ 817 طبع عام 1336 .
________________________________________
(163)
 
الافتراض الثامن:
الشيعة والصفوية

 
والكلام في هذه الأسرة هو الكلام في البويهيين والمغوليين .
إنّ الصفويين اُسرة الشيخ صفي الدين العارف المشهور في أردبيل المتوفّى عام (735) ولمّا انقرضت دولة المغول، انقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة شيعية وغير شيعية إلى أن قام أحد أحفاد صفي الدين، الشاه إسماعيل عام (905) واستلم مقاليد الحكم وسيطر على بلاد فارس والطرق، واستمرّ في الحكم إلى عام (930)، ثمّ ورثه اولاده إلى أن اُقصوا عن الحكم بسيطرة الأفاغنة على ايران عام (1135) فكان الصفويون خير الملوك لقلّة شرورهم وكثرة بركاتهم، وقد راج العلم والأدب والفنون المعمارية أثناء حكمهم، ولهم آثار خالدة إلى الآن في ايران والعراق، ومن وقف على أحوالهم ووقف على تاريخ الشيعة يقف على أنّ عصرهم كان عصر ازدهار التشيّع لاتكوّنه .
هذه هي الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة ومبدأ تكوّنهم، وكلّها كانت اُموراً افتراضية بنوها على أساس خاطىء وهو أنّ الشيعة ظاهرة طارئة على المجتمع الاسلامي بعد عهد النبي، سامحهم اللّه وغفر اللّه لنا ولهم .

بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج6 ، ص 164 ـ  167
________________________________________
(164)
 
زلّة لاتستقال:
إنّ الدكتور عبداللّه فياض زعم أنّ التشيّع بمعنى مولاة علي نضج في مراحل ثلاث:
1- التشيّع الروحي، يقول: إنّ التشيع لعلي بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبي وتمّت قبل تولّيه الخلافة، ثم ساق الأدلّة على ذلك وجاء بأحاديث يوم الدار أوبدء الدعوة وأحاديث الغدير وما قال النبي في حق علي من التسليم على علي بإمرة المؤمنين.
2- التشيّع السياسي، ويريد من التشيّع السياسي، كون علي أحق بالإمامة لا لأجل النص بل لأجل مناقبه وفضائله، ويقول: إنّ التشيّع السياسي ظهرت بوادره ـ دون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية (يريد النص) ـ في سقيفة بني ساعدة، حين أسنَدَ حقَ علي بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير، والعباس، وغيرهما، وبلغ التشيّع السياسي أقصى مداه حين بويع علي بالخلافة بعد مقتل عثمان .
3- ظهوره بصورة فرقة، فإنّما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة (61) ولم يظهر التشيّع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة. ثمّ استشهد بكلام المقدسي حيث قال: إنّ أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من أربع: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة. وأصل افتراقهم قتل عثمان، ثمّ تشعّبوا(1) وأيّد نظريته بما ذكره المستشرق «فلهوزن» قال: تمكّن الشيعة أوّلا في العراق ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الاقليم كلّه، فكان جميع سكان العراق خصوصاً أهل الكوفة شيعة علي على تفاوت بينهم(2) .
________________________________________
1 . أحسن التقاسيم 38 طبع ليدن 1906 .
2 . تاريخ الإمامية 38 ـ 47 .
________________________________________
(165)
 
يلاحظ عليه، أوّلا: انّ التفكيك بين المرحلتين الأوليتين وانّ الاُولى منهما كانت في عصر النبي وظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبي قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال: كان روّاد التشيّع الروحي يلتزمون بآراء علي الفقهية إلى جانب الالتزام باسناده سياسياً(1) .
وثانياً: إنّ ماذكره من النصوص في مجال التشيّع الروحي كمايدلّ على أنّ عليّاً القائد الروحي، يدل بوضوح على أنّه القائد السياسي، وقد نقل الكاتب جل النصوص، فمعنى التفكيك بينهما هو أنّ الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها وتركوا بعضها، ولو صحّ اسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصحّ اسناده إلى سلمان، وأبي ذر، وعمّار، الذين لا يتركون الحق وإن بلغ الأمر ما بلغ .
وبما أنّ النبي كان هو القائد المحنَّك للمسلمين لم تك هناك حاجة لظهور التشيّع السياسي في حياته، بل كان المجال واسعاً لظهور التشيّع الروحي ورجوع الناس إلى علي في القضايا والأحكام الفقهية، وهذا لا يعني عدم كونه قائداً سياسياً وانّ وصايا النبي لم تكن هادفة إلى ذلك الجانب .
وثالثاً: إنّ التشيّع السياسي ظهر في أيّام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية، فانّ الطبري وغيره وإن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير والعباس إلى علي،ولكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية.
روى الصدوق عن زيد بن وهب انّه قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر في تقدّمه على علي بن أبي طالب اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، فمن المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الأسود، واُبىّ بن كعب،
________________________________________
1 . تاريخ الإمامية 45 .
________________________________________
(166)
 
وعمّار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبداللّه بن مسعود، وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار زيد بن ثابت، وذو الشهادتين، وابن حنيف وأبو أيّوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان. وبعدما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد ابن سعيد: يا أبابكر اتّق اللّه... ثم استدلّ على تقدم علي بما ذكره النبي فقال: معاشر المهاجرين والأنصار، اُوصيكم بوصية فاحفظوها، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه على أنّ عليّاً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم ـ إلى آخر ما ذكره ـ ثمّ قام أبو ذر وقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار... طرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما أوعز إليكم، ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في حجاجهم على أبي بكر بالأحاديث الّتي سمعوها من النبي الأكرم(1) وهذا يعرب أنّ التشيّع السياسي ـ الّذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال ـ بعد الرحلة، كان مستفاداً من نصوص النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
رابعاً: ماذا يريد من الفرقة وانّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الامام الحسين فهل يريد الفرقة الكلامية الّتي تبتنى على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الاُخرى، فهذا لم يكن منه أثراً إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة، ولم يكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة علي بجانب والآخرون بجانب آخر، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد والأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول، ولم يكن يومذاك أىّ اختلاف إلاّ مسألة القيادة، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين .
وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية علي روحيّاً وسياسياً وانّه أحق بالقيادة على جميع الموازين، فكانت موجودة في يوم السقيفة وبعدها .
________________________________________
1 . الخصال 461 طبع مكتبة الصدوق لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لاثبات الخلافة للامام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ .
________________________________________
(167)
 
نعم إنّ احتكاك المسلمين مع الأجانب واستيراد آرائهم وعقائدهم في المسائل الكلامية والدينية أوجد فروعاً كلامية، وبما أنّ الشيعة حسب حديث الثقلين رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الأفنان، ضاربة جذورها في الكتاب والسنّة والعقل .
الآن حصحص الحق وأسفر الصبح لذي عينين فليس التشيّع ظاهرة طارئة على الإسلام، وإنّما هو نفس الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعلي بعد رحلة النبي بتنصيصه. وتبنّاه منذ بعثة النبي الأكرم لفائف من الصحابة والتابعين وامتدّ ذلك حسب الأجيال والقرون وظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء مجاهدون، وشعراء مجاهرون، وعباقرة في الحديث، والفقه والتفسير والفلسفة والكلام واللغة والأدب، وشاركوا جميع المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية بجوانبها المختلفة، يتّفقون مع جميع الفرق في أكثر الاُصول والفروع وإن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها الآخر. وسيوافيك تفصيل عقائدهم في الفصل العاشر باذن اللّه .
وبذلك يظهر وهن ما ذهب إليه الدكتور عبدالعزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبي وباعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل علىّ(1) .
هذه الفروض الوهمية تبتنى على أساس باطل وهو أنّ التشيّع بجميع أو بعض أبعاده أمر طارىء على الإسلام والاُمّة، فراحوا يتبنّون الفروض الذهنيّة .
________________________________________
1 . لاحظ الصلة بين التصوّف والتشيّع 18 .
 

أضف تعليق