العدد 1
العدد 2
العدد 3
العدد 4
العدد 5
العدد 6
العدد 7 و 8
العدد 9
العدد 10
العدد 11
العدد 12
العدد 13
العدد 14
العدد 15
العدد 16
العدد 17
العدد 18
العدد 19
العدد 20
العدد 21
العدد 22
العدد 23
العدد 24
العدد 25
العدد 26
العدد 27
العدد 28
العدد 29
العدد 30 و 31
العدد 32 و 33
العدد 34
العدد 35 و 36
العدد 37
العدد 38 و 39
العدد 40
العدد 41 و 42
العدد 43 و 44
العدد 45 و 46
العدد 47 و 48
العدد 49
العدد 50 و 51
العدد 52
العدد 53 و 54
العدد 55 و 56
العدد 57
العدد 58
العدد 59 و 60
العدد 61
العدد 62
العدد 63 و 64
العدد 65
العدد 66 و 67
العدد 68
العدد 69 و 70
العدد 71 و 72
العدد 73 و 74
العدد 75 و 76
العدد 77 و 78
العدد 79 و 80
العدد 81 و 82
العدد 83 و 84
العدد 85 و 86
العدد 87 و 88
العدد 89 و 90
العدد 24 > من ذخائر التراث > 


من ذخائر التراث




(154)





(155)
المنتقى النفيس

من درر القواميس

     انتخاب وعرض منهجي لما في كتاب (قواميس الرجال والدراية) للفاضل الدربندي (ت 1286) من الفوائد الرجالية .
تقديم وعرض السيد محمد رضا الحسيني
الجلالي



(156)






(157)
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الأئمة الطيبين الطاهرين . وبعد ، فبين العشرات من المؤلفات القيمة في علوم الحديث ، وقفنا على كتاب (القواميس في علمي الرجال والدراية) . وبما أنه من نفائس المخطوطات لما يحتوي عليه من تحقيقات بديعة ، ومطالب شيقة ، في علم (الرجال) وعلم (الدراية) ، وقع اختيارنا عليه لنعرض المنتقى منه ، وإليك نبذة موجزة عن المؤلف ، والكتاب :
المؤلف

1 - اسمه وحياته :
     جاء اسم المؤلف في مقدمة الكتاب (الورقة 1) هكذا :


(158)
(آقا بن عابد بن رمضان بن زاهد ، الشيرواني ، الدربندي) .
     قال الشيخ الطهراني : عالم متبحر ، وحكيم بارع ، وفقيه فاضل ، ورجالي محدث . ولد في (دربند) حدود سنة 1208 ه‍ وأخذ المقدمات والسطوح من علماء بلده ، ثم هاجر إلى قزوين وأخذ علوم الفقه والأصول والحديث من المولى الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري - المتوفى 1271 - وشقيقه الشهيد الثالث - المقتول سنة 1263 - وأخذ الحكمة والفلسفة عن الآخوند المولى آقا الحكمي القزويني . واشترك في الجهاد ضد الروس الذين غزو بلاد إيران عام 1240 ، مع كافة العلماء بزعامة السيد محمد المجاهد الطباطبائي الحائري الذي توفي بعد رجوعه من المعركة في قزوين سنة 1242 ، وعندما نقل جثمانه إلى كربلاء كان المترجم له معها فاستقر هناك ، واشتغل في حوزة المولى الشيخ محمد شريف المازندراني الشهير بشريف العلماء ، وأخذ منه الأصول ، ولما توفي أستاذه الشريف سنة 1246 ه‍ هاجر الشيخ الدربندي إلى النجف الأشرف (1) .
     وقال الطهراني : كان في النجف من تلاميذ الشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء (ت 1253) في الفقه ، وتلمذ في كربلاء المشرفة على الشيخ شريف العلماء المازندراني ، في الأصول . وقد شارك في العلوم المتنوعة وبرع في أكثرها ، فقد كان متبحرا في الفقه ، والأصول ، والمعقول ، والمنقول ، والحديث ، والرجال ، وغيرها . قال المحدث القمي : وكان يولي كتب الحديث تعظيما بالغا ، بحيث كان إذا أخذ بيده كتاب (التهذيب) للشيخ الطوسي ، قبله ووضعه عل رأسه ، كما يفعل بالقرآن الكريم ، ويقول : (إن كتب الحديث لها عظمة القرآن) (2) .
     ثم رجع إلى كربلاء ، وتصدى للتدريس بها :

(1) الصالحي في (كربلاء في حاضرها وماضيها) المخطوط .
(2) الفوائد الرضوية : 54 .



(159)
     قال الطهراني : طال مكثه في كربلاء ، فكان من أجلاء العلماء بها ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، أثرت عليه وقعة الطف بشكل خاص ، فكان من أجلها ثائرا موتورا ، هاجر من كربلاء إلى طهران وبقي بها مدة . يقول السفير الفرنسي في طهران في عصر المترجم له (كنت دوكوبينو) : يمكن أن نعد الملا آقا (المترجم له) نموذجا فريدا من الحكماء الإلهيين ، حيث كان يعارض علانية وبدون هوادة كل رأي ينافي أصول العقيدة ، وكان يبدي عداءه للصوفية ، وينظر إلى الشيخية وعقائدها بسخط ، ويرمي عقائد الأخبارية بالبطلان (3) . وكان أحد نماذج السلف الصالح ، الذين يحق لنا الاعتزاز بهم والإشادة بذكرهم (4) .
     وقد انتقل في آخر عمره إلى طهران واحتل بها مقاما ساميا ، وكان يقوم بدور العلماء العظام آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر إلى أن توفي رحمه الله . وفاته : توفي - أعلى الله مقامه - سنة 1285 ه‍ ، كما أرخه الشاعر المؤرخ الشيخ محمد ابن داود الهمداني (إمام الحرمين) الكاظمي ، في المقطوعة التالية ، قال : ومن جيد التواريخ قولنا في وفاة الملا آقا بن عابد بن رمضان الدربندي :
حل بنا البلاء لا حول ولا بموت مفرد غدا في جمعه وما البلا ينزل إلا بالولا العلوم طرا علما مرتجلا


(3) مذاهب وفلسفه در آسياى وسطى : 91 - 94 .
(4) الكرام البررة 1 / . . . .



(160)
فاضل دربند ومن في عصره فانفصمت عرى الهدى بفقده ومذ أتانا نعيه أرخته قد كان كهفا للورى وموئلا وانقصمت ظهور من قال بلى (قد طارر روحه إلى عرش العلا) (5)

     لكن العلامة شيخنا الطهراني أرخ وفاته بسنة 1286 ه‍ ، وذكر أنها كانت في طهران ، وقال فأودع جسده الشريف هناك ، فلما كشف عنه وجد على طراوته ، فحمل إلى كربلاء ، ودفن في الصحن الصغير في حجرة دفن بها جمع من فحول الطائفة ، وأبطال العلم ، كمؤلف الفصول والضوابط (6) .
2 - مؤلفاته :
     1 - أسرار الشهادة ، واسمه الكامل (إكسير العبادات في أسرار الشهادات) : وهو في مقتل الحسين عليه السلام وشرح واقعة الطف . قال شيخنا الطهراني : مرتب على أربعة وأربعين مجلسا ، وقدم له اثنتي عشرة مقدمة ، وذيل المجالس بتذييل وخاتمة ، في كل منها مجالس عديدة . ألفه مدة ثمانية عشر شهرا ، وفرغ منه صبيحة يوم الجمعة منتصف ذي القعدة سنة 1272 وطبع مرارا . وترجم هو من موضوع (مقام وحدة الحسين عليه السلام) إلى آخر الكتاب ، بالفارسية .

(5) فصوص اليواقيت في نصوص المواقيت : 9 - 10 ، المقطوعة (15) طبع الهند سنة 1300 ه‍ مطبعة حسني .
(6) الكرام البررة 1 / 153 بتصرف .



(161)

     أنظر إلى (سعادات ناصري) في قائمة المؤلفات هذه . ومن شدة خلوصه وصفاء نفسه نقل في هذا الكتاب أمورا لا توجد في الكتب المعتبرة ، وإنما أخذها من بعض المجاميع المجهولة ، اتكالا على قاعدة (التسامح في أدلة السنن) مع أنه لا يصدق البلوغ بمجرد الوجادة بخط مجهول ، وقد تعرض شيخنا في (اللؤلؤ والمرجان) ، إلى بعض تلك الأمور . وقال المحدث المؤرخ الشيخ عباس القمي : وأسرار الشهادة مشتمل على مطالب لا يمكن الاعتماد عليها (7) .
     2 - جواهر الايقان : قال الطهراني : مقتل فارسي . . . . . طبع بإيران ، وهو غير (سعادات ناصري) الذي هو ترجمة (أسرار الشهادة) ، كما يأتي (8) .
     3 - الجوهرة في الأسطرلاب : قال الطهراني : ألفه للميرزا محمد رضي خان الملقب بميرزا على جاه بهادر خان ، بعد قراءته عليه شطرا من العلوم ، وفرغ منه في السبت الثالث من ذي الحجة في 1273 ه‍ . وهو كتاب لم يكتب مثله في بابه من حيث البسط والتحقيق ، فلله در مؤلفه . وقد رتبه على مقدمة في فهرس أبوابه الخمسة والعشرين وخاتمة ، وطبع بلكهنو في 1280 ه‍ ومعه إجازته لتلميذه السيد ميرزا رضي خان الموسوي الهندي (9) .
     4 - حجية الأصول المثبتة بأقسامها : ذكره في الذريعة 6 / 271 ، وقد رد عليه الميرزا محمود شيخ الإسلام برسالة (إثبات عدم حجية الأصول المثبتة) .
     5 - خزائن الأحكام في شرح الدرة النجفية لبحر العلوم في الفقه :

(7) لاحظ : الذريعة 2 / 279 ، والفوائد الرضوية : 54 ، وأعيان الشيعة : (آقا)
(8) الذريعة 5 / 264 .
(9) الذريعة 5 / 291 .



(162)
قال الطهراني : في شرح الدرة المنظومة . . . . قال : إنه يقرب من مائة ألف بيت وهو مطبوع في مجلد (10) .
     6 - خزائن الأصول : نقل الشيخ الطهراني عن إجازة له : إن خزائن الأصول في فنون الأدلة العقلية والعقائد الدينية من المبدأ والمعاد ، يقرب من ثمانين ألف بيت . طبع في طهران في 1267 ه‍ في مجلدين : أولهما في أصول الفقه ، وثانيهما في أصول العقائد والدراية والرجال وغيرها (11) .
     رأيت نسخة مطبوعة سنة 1284 ه‍ ، جاء في مقدمتها - بعد أن ذكر طلب جمع من تلامذته أن يملي عليهم الأصول - ما يلي : (فشمرت للجد في تحرير ما كنت أملي ، في أرض الحائر الحسيني على صاحبها آلاف ثناء وتحية لما أتى الدهر بما هد الأصلاب ، وأطار الألباب من النازلة الهائلة الفجيعة الفظيعة في تلك البقعة المباركة في سنة 1258 ه‍ ، سافرت إلى بلاد إيران ، وأنا بين أنياب الزمان ومخالبه ، مرتضعا من الدهر ثدي عقيم ، وراكبا من الذل ظهر بهيم ، كسيرا لا يجبر ، ومضيما لا ينتصر ، فكتبت بعض المباحث الباقية في تلك البلاد في الأيام الخالية ، والقلب دهش ، والبنان مرتعش ، وكيف لا ؟ !
     حيث لا ينفس إطلاق الزفرات وإعلان الضجيج تنفيسا من برحاء القلوب ، وتخفيفا من أثقال الكروب) . يبدأ الجزء الأول بمباحث الحسن والقبح ، وينتهي بآخر البراءة . وكان الفراغ منه يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1258 . ويبدأ الجزء الثاني بالاستصحاب إلى آخر بحث (تبدل الموضوع) . ثم يبدأ بمقدمة كتاب آخر وهو كتاب (المسائل التمرينيات) كما يلي ذكره في هذه القائمة .

(10) الذريعة 7 / 152 .
(11) الذريعة 7 / 153 .



(163)

     7 - الرسالة العملية : ذكرها شيخنا الطهراني في ترجمته من الكرام البررة 1 / 153 وهو يدل على كونه من مراجع التقليد
     8 - سعادات ناصرية : ذكره المحدث القمي في مؤلفاته ، وقد مر أنه ترجمة لكتابه (أسرار الشهادة) فلاحظ الذريعة 5 / 264 .
     9 - العناوين في الأصول : وهو مختصر كتاب (خزائن الأصول) طبع معه .
     10 - القواميس : وهو الكتاب الذي نحن بصدد عرض مختصره ، وسيأتي الحديث عنه مفصلا .
     11 - المسائل التمرينية :
     ذكرها الطهراني في (الكرام البررة) . أقول : إعلم أن المحقق الدربندي اخترع علما خاضا سماه بعلم (التمرينيات) قال عنه : (إن فن التمرينيات الذي اخترعته هو مجمع بحري القواعد الأصولية والقوانين الفقهية ، وإتقان القواعد الأصولية ، واستحداث الأصول الفقهية واستحكامها ، وهو في الحقيقة علم جديد وفن مخترع ، لم يحم حوله السابقون) . وغرضه في ذلك العلم ، هو تمرين الطلاب على استخدام القواعد الأصولية ، والفقهاء في تطبيقها على الفروع لاستنباط الأحكام منها ، مع التوسع في النقض والإبرام وعرض الافتراضات والردود بشكل عميق . وقد طبع قسم منه في آخر الجزء الثاني من (خزائن الأصول) ، وبدأ مباحثه بمسألة (معرفة الطريق إلى موضوعية الموضوع للاستصحاب) ، وعنون لمباحثه بعنوان (خزينة) مما يدل على أنه قسم من (الخزائن) ، وانتهى منه سنة سبع وستين بعد المائتين والألف .


(164)

3 - مصادر الترجمة :
     ترجم له المؤلفون كافة ، نذكر منهم :
     1 - شيخنا العلامة الطهراني في (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة) من طبقات أعلام الشيعة ، 1 / 2 - 153 .
     2 - المآثر والآثار للمراغي : 139 .
     3 - تكملة أمل الآمل ، للسيد حسن الصدر الكاظمي .
     4 - قصص العلماء ، للتنكابني ، وهو من تلامذته .
     5 - الفوائد الرضوية ، للمحدث القمي : 54 .
     6 - أعيان الشيعة .
     7 - الذريعة ، عند ذكر كتبه . . . .
     8 - ريحانة الأدب .
     9 - الأعلام ، للزركلي .
     10 - معجم المؤلفين ، لكحالة .
القواميس

     1 - موضوعه :
     قال عنه في (الورقة 3) : (إن هذا الكتاب المسمى ب‍ (القواميس) قد صنفته في علم الإسناد (علم أصول الحديث) فيشمل الفنين أي فن الرجال وفن الدراية) . وقال (الورقة 2) : (إني لما فرغت من تصنيف هذا الكتاب في فن الرجال ، ألحقت به بعد مدة فن الدراية ، لأني رأيت أن تركه وطي الكشح عنه يفضي إلى عدم تمامية علم الإسناد وعلم أصول الحديث) . وسماه الشيخ العلامة الطهراني ب‍ (طبقات الرواة) وقال : وفيه مباحث الدراية


(165)
والرجال وتمييز المشتركات وغيرها وسماها (القواميس) كما يأتي . الذريعة 15 / 148 .

2 - منهج التأليف :
     قال في قسم الدراية من الكتاب (الورقة 2) : (إعلم أني ما راعيت في مباحث هذا الفن حسن الترتيب ، وما لاحظت في مسائل هذا العلم شدة الالتصاق بين السابق واللاحق ، بل لم يتجل في نظري عند الكتابة إلا تحقيق الحال في كل مسألة من المسائل ، وتبيين المقال في كل مبحث من المباحث ، كيف ما اتفق الوضع والترتيب ، بمعنى أن وضع المباحث وإن كان كالدرر المنثورة لا يتجلى عند الأنظار حسن ولا وجه ، لنكتة من النكات . وأعتذر عن ذلك بأن كتابة المباحث قد جرت على نمط ما وقع عليه التفكر والتدبر ، تقديما وتأخيرا) .
     (وهذا يجري على قسم الرجال) . وقال (الورقة 59 من قسم الرجال) : (ولا نبالي بكون ما أشرنا إليه مما لا يوجد في كلام الجل أو الكل ، أو يكون ما نختاره مخالفا لما عليه المعظم ، فنحقق المطالب على وفق ما تقتضيه الدلائل ، من غير وحشة منا في تلك المخالفة ، وكيف لا ؟ فإن تلك المخالفة إنما نستوحش منها لو بنينا الأمر في باب التزكية والجرح على ما عليه جمع من كون ذلك من باب الشهادة ، فإن مدخولية هذا البناء كالبناء على أنه من باب النبأ ، من وجوه عديدة . فإذا كان الأمر فيه مما يدور مدار حصول القطع من جملة من القرائن وبعد فقده على حصول الظن الاجتهادي الاطمئناني ، فلا نتجنب المخالفة ولا نستوحش من الانفراد) .


(166)
3 - سبب التأليف :
     قال - بعد ذكر شرف علم السنة - (الورقة 1) :
     (إنه كان عند الأقدمين من أهل الإيمان وأصحاب الايقان أشرف العلوم وأعلاها ، وأنفسها في نفوسهم وأغلاها) . وقال - بعد ذكر اهتمام العلماء في طلب الحديث وعلومه إلى حد اقتحام الأهوال ، وركوب الأسفار ، والرحلة في طلبه ، وذكر مساهمة الفرق الإسلامية كافة في ذلك ، وذكر أول تصنيف فيه من زمن أمير المؤمنين عليه السلام - (الورقة 2) : (ثم إن التفاوت بين الأزمنة السابقة بحسب كثرة الرغبات . . . إلا أنه لم يشابه عصرنا هذا واحدا من الأعصار السالفة . . . . حيث أنه قلت العزائم وقصرت ، وضعفت الرغبات وبردت الهمم في عصرنا) . ونراه يشتكي من أهل زمانه ، فيقول (الورقة 1) : (يا معشر خلاني وإخواني ، قد شن الدهر الخوان غارته في ربوع أهل الحجا ولم يبق من معالم أهل العلم إلا دارس ، لا ترون من ديارهم إلا دمنة عفتها الأعصار . فتلك مغانيهم وهذي ربوعهم * توارثها أعصارها وخريفها فواعجبا من مشتغلي هذا العصر ، وعلماء هذا الزمان ! وكيف لا أعجب ؟ ! فإنهم نبذوا الأدلة وراء ظهورهم من حيث لا يشعرون . فآيات الكتاب باكية لفقد من يفهم ظواهرها ، والمحكمات منها ، فضلا عن من يحيط بوجوه إعجازها وبطونها وأسرار تأويلاتها والاسترشادات الدقيقة والاستنباطات الرقيقة منها .


(167)
والسنة ضاجة وصائحة لانطماس آثارها وانخفاض أعلامها ، واعتلاء القتار والغبار على صحائفها وكتبها ، وإسدال القوم ثيابهم دونها ، وطيهم الكشح عنها . وعقيلة العقل وكريمتها جازعة ونادبة على كونها بمعزل عن درك الناس حقيقتها ، وأخذهم أحكامها ، وتلازمها وآثارها ولوازمها . فكيف لا تشق سيرة الماضين ثوبها ولا تمزق إجماعات الأقدمين إهابها على ما أصيب به الدين . أين العلوم الحقانية ؟ والفنون الربانية ؟ من علم المبدأ والمعاد ؟
     وعلم الحجج وعلم أحوال النفس والمفارقات ؟ وعلم الأخلاق الحميدة من الملكات ؟) . ويبدو من خلال كلامه أن الباعث له على التأليف هو إهمال أهل ذلك الزمان لعلوم الحديث والإسناد على أساس المغالطات والشبهات التي أثارتها الجماعة الأخبارية ، الذين عارضوا بشدة علوم الشريعة من أصول ورجال ودراية وحكمة وكلام ، مما أدى إلى محاولة اندراس معالم مدرسة أهل البيت عليهم السلام . وقد فصل الأستاذ الصالحي الحديث عن عصر المترجم له ، مشيرا إلى ما كانت عليه كربلاء من الانقسام والفرقة على أثر مواقف الجماعة المتسمية بالأخبارية وبعض فرقها المتطرفة كالشيخية ، وأن المترجم له كان له موقف صلب في ردهم وصدهم ، وإفحامهم عن خلال المناظرات العلمية ، والمجادلات العلنية ، حتى كسر شوكتهم ، وفرق جماعتهم ، وأدى إلى انتصار المتشرعة عليهم ، وإخماد تلك الفتن ، وكانت قمة الجهود المبذولة هو الاجتماع العلمي الكبير الذي حضره أعلام النجف وكربلاء يومئذ الذي أدى إلى الحكم على الشيخ أحمد الأحسائي بالتكفير ، وكان المترجم له يؤدي دورا إعلاميا في القضية حيث كان يعلن عن نتائج ذلك على المنابر وفي خطاباته المختلفة ، مما تعرض على أثر ذلك لضغوط وتهديدات تبدو من خلال كلماته المذكورة في ثنايا مؤلفاته فاضطر إلى السفر إلى إيران ، وورد طهران دار السلطنة - آنذاك وقد احتل هناك مقاما رفيعا وأصبح زعيما كبيرا واستقطب قلوب الناس ونفذت كلمته فيهم ، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى وقف من


(168)
تصرفات البلاط السلطاني موقفا حازما ، فعارض تصرفات الشاه القاجاري المخالفة للشرع المقدس ، وحاسب الأمراء والحكام والولاة على مظالمهم مما قوى مركزه بين الأمة ، وحاولت السلطات عرض المناصب الهامة عليه فرفضها ، حتى توفي فجأة في طهران ، وقد اقترنت فترة وجود الشيخ في طهران بفترة سفارة المستشرق الفرنسي (كنت دوكو بينو) عام (1271 - 1274) فتكلم عن مقام الشيخ وبعض شؤونه الاجتماعية ، وإن خلطها ببعض التهم والأراجيف غير اللائق نقلها ، فلاحظها في كتاب (كربلاء في حاضرها وماضيها) . وذكر بعض قضاياه تلميذه في كتاب (قصص العلماء) فراجع .

4 - وصفه :
     بالغ المصنف في مدح كتابه ، فهو يقول (الورقة 2) : (إن جمعا من العلماء - وإن ألف في فن الرجال كتبا ورسائل - إلا أني لم أر إلى الآن ما يكون ألفاظه در السحاب أو أصفى قطرا . . . . وكيف لا ؟ فإن هذا شأن الكتاب الذي أخذ بمجامع الأصول المتقنة . . . . . . ثم إن هذا الكتاب الذي وصفه فيما ذكر قد سميته ب : القواميس في صناعة الأصول والكليات في علم الرجال . . . . . . ثم يا أخي ، أعرف قدر هذه القواميس فإنها في هذه الصناعة سفطة الأصول العامة ، وسند رقية الكليات والضوابط التامة ، فلها من الشأن العظيم نطاق ، ومن الشرف سباق . . . . . . وكيف لا ؟ فإن كل الصيد في جوف الفرا) . واعتذر عن ذلك بقوله : (وليس هذا من قبيل إعجاب المرء بنفسه وتزكيته إياها ، بل من قبيل بيان الواقع ، فإني ما مدحت أمة يوم شرائها ، ولا عروسا ليلة هدائها ، ولا شربت السم اتكالا على ما عندي من الترياق) . ويقول (الورقة 4) :


(169)
(من أنصف علم أن من أراد التمهر والحذاقة في هذه الأزمنة وما بعدها في علم أصول الحديث ، وعلم الإسناد ، وأراد أن يعد من فضلاء المحدثين وجهابذتهم ، فلا بد له أن يخوض في بحار مطالب هذا الكتاب ، ويسبح في قواميس مسائله ومباحثه ، ثم يذعن بأنه عيال عليه) . وهكذا نجد المؤلف يبالغ في مدح كتابه ، وما ذكره من العذر لا يكون - بنظرنا - مبررا لهذا العمل الذي يعد في عرف أهل العلم نوعا من المباهاة التي لا داعي لذكرها ، إذ سيرتهم على تقديم أفضل التحقيقات وأرشقها بلسان متواضع ، ولعل هذا الطراز من الحديث هو الموجب لبقاء مؤلفات هذا المحقق الفذ في زوايا الخمول والاهمال ، وليكن هذا عبرة لمن يرفل في أثواب العجب بجودة الطبع وكثرة التأليف ، ليعلم أن التاريخ له بالمرصاد .

5 - نسخة الكتاب :
     والنسخة التي اعتمدناها مصورة عن نسخة محفوظة عند العلامة الحجة السيد النجومي في كرمانشاه - إيران وهي نسخة كاملة تقع في 163 ورقة ، كتب ناسخها في آخر القسم الأول (فن الرجال) ما يلي : (إلى هنا نهاية خط المصنف دام ظله ، وقد تم هذا المجلد وإن وقع بخطوط مختلفة حرصا مني على استنساخه ، مع قلة البضاعة ، وفقد المال ، وتشتت البال ، حيث أني وجدته أجمع الجوامع وأعظم المنافع ، في هذا الفن ، وما سواه من النسخ (أي الكتب) المؤلفة في الرجال) كالتاريخ ، لا يجدي نفعا ، ولا يشفي غراما ، ولا يبين غث الأسانيد من سمينها . وقد استنسخ بعضها من النسخة الأصل ، التي هي بخط الأستاد المصنف دام ظله ، ولكن قوبل كله مع نسخة الأصل ، في غاية شدة الاهتمام منه - دام ظله - ومني . فهو : وإن كان ذا خطوط عديدة ، بعضها لا يقرأ ، إلا أنها نسخة صحيحة يليق


(170)
أن ينتفع بها . وقد وفقني الله لقرائتها كلها عند المصنف دام ظله ، إلا بابا واحدا أو بابين منه ، وجملة أخرى من الأصولين والحديث . اللهم انفعني به وعظم نفعي ، وأدم نعمتك علي ولا تفرن بيني وبينه أبدا ما أبقيتني ، فإنه والله ميزان الحق والعدل علما وعملا بعد الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين . إلا أن ريب الزمان ذو غير ، العقول مدخولة ، والآراء سخيفة ، والعقائد ضعيفة ، وقد ضاقت عليه الأرض من بعد رحبها . اللهم أحص أعداءه عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تدع على وجه الأرض منهم أحدا ، فإنهم خربوا بلادك ، وأفسدوا عبادك ، إنك أنت أحكم الحاكمين . وأنا المفتقر إلى عفو الله الكريم ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم القرميسيني مولدا وموطنا . وسيتلو ذلك - إن شاء الله - فن الدراية بيد الأستاد الأجل دام ظله) . وفي نهاية الصفحة ختم بيضوي منقوش عليه : (المتوكل على الله محمد بن إسماعيل) . وكتب الناسخ في نهاية القسم الثاني (فن الدراية) ما نصه : (إلى هنا نهاية خط المصنف الأستاد العلامة دام ظله ، وقد قو بلت هذه النسخة الشريفة على نسخته . وقد فرغت - وأنا العبد . . . . محمد بن إسماعيل القرميسيني موطنا ومولدا - في يوم الأربعاء ، رابع شهر ذي الحجة الحرام في سنة ثمانين بعد مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية) .

6 - رجاء المؤلف :
     ومن غير المألوف ما نجد المؤلف يذكره في الكتاب محافظة على كتابه من


(171)
السرقة والانتحال ، فيقول (الورقة 4) : (المرجو من العلماء الأنجاب ، ومن ارتضع ثدي الفطانة والآداب وقرط آذان الإيمان بأقراط المعارف والايقان ، وتجلبب بأشرف جلابيب الفضل والاحسان ، أن يمنعوا الجهال - ومن نجيرته طبعت على السوء والخيانة - عن الاستراق والانتحال ، من مطالب هذا الكتاب ، بأن ينسبوها إلى أنفسهم . فإن هذا الفعل الأشنع الأقبح قد شاهدته مرارا في طائفة وجمع من طلاب هذا العصر الذين لم يفتحوا عيون عقولهم بغير رقدة الغفلات وسنة الجهالات . وأما العالم العيلم . . . . فهو برئ من وصمة التدليس وسمة التلبيس ، ومتصف بالإنصاف والوفاء بالحقوق ونشر المساعي الجميلة لمن اعتزل في كسر بيت لا يرى إلا نفسه ، ولا يسمع إلا حسه ، ويستغرق أوقاته . . . . في التفكر في المسائل العويصة والمباحث المعضلة) . وكذلك يقول في آخر الكتاب ، في قسم الدراية (الورقة 38) : (ثم أوصيكم - أيها الاخلاء الروحانية - بالعدل والسداد والتقى والإنصاف ، كما أوصي نفسي بذلك . . . . وأن تمنعوا من ديدنهم كديدن الجهال ، من السرقة والانتحال من مطالب هذا الكتاب بأن ينسبوا جملة من مطالبه إلى أنفسهم) .

7 - أدبه :
     من الملاحظ في عبارة الكتاب ، أنها تتسم بقوة الأداء واستعمال الأساليب البلاغية من كناية ومجاز والاعتماد على السجع الجميل ، وأداء المعاني العلمية بألفاظ سلسة ، وجمل قصيرة واضحة ، بعيدا عن التعقيد . وهذه مزية يمتاز بها هذا الكتاب وسائر مؤلفات هذا المحقق الفذ .

8 - منهج هذا العرض :
     حاولنا إيراد فهرس مطالب أصل الكتاب برقم (145) بعنوان فهرس قسم


(172)
الرجال من القواميس وحاولنا انتخاب مواضيع متفرقة مما يعتبر للمؤلف فيه أثر بارز من إبداع أو عرض أو مناقشة أو شرح ، ولم نورد ما لا يمتاز من الآراء المعروفة . كما حاولنا ذكر رؤوس المطالب فقط ، من دون تعرض إلى الأمثلة والتفاصيل التي أوردها .
     والتزمنا ذكر مطالبه ، من دون تعرض للنقد ، فإن هدفنا توجيه الأنظار إلى قيمة الكتاب ، وأن يكون ما نورده باعثا للهمم على إحيائه ونشره ، والمراجعة إليه لمن أراد الوقوف على تفاصيل بحوثه .
     فالآراء المطروحة لا تمثل إلا عن رأي مؤلفها ، ولا تعني كونها خالية عن النقد بنظرنا . ونقلنا ما في الكتاب حرفيا ، وأشرنا إلى مواضع المنقول بأرقام الأوراق ، بين قوسين ، هكذا : (الورقة . . . .) . وفيما إذا رأينا حاجة إلى توضيح ، فإنا نضيفه بين المعقوفين ، هكذا : () . واكتفينا في هذا العرض على ما في قسم الرجال فقط ، بأمل أن نعود إلى عرض ما في قسم الدراية إن شاء الله . وقد رتبنا المواضيع المنتخبة على حروف الهجاء ، كما رقمناها بأرقام متسلسلة تسهيلا لتناولها . ونحمد الله على توفيقه لرضاه ، ونسأله العفو عنا بإحسانه ، والمزيد من النعم الظاهرة والباطنة بجلاله ، وصلى الله على خاتم المرسلين سيدنا محمد الأمين وعلى الأئمة المعصومين من آله ، وسلم تسليما .

وكتب السيد محمد الرضا الحسيني ا لجلالي




(173)

حرف الألف

1 - ابن نمير :
     قيل : إن توثيق ابن نمير ومن ماثله ربما يحصل منه اعتداد وقوة ما بملاحظة قوة اعتداد المشايخ بذلك . فقال المؤلف حول ذلك (الورقة 75) : إنه يطلق على عبد الله ، وابنه محمد ، وهما من علماء العامة ، وهما في قوة الحفظ والضبط كابن عقدة . وعن مختصر الذهبي : عبد الله بن نمير الهمداني ، أبو هشام ، عن هشام وعنه ابنه محمد ، وأحمد ، وابن معين ، حجة ، توفي سنة تسع وتسعين ومائة . ومحمد بن عبد الله بن نمير ، الحافظ ، أبو عبد الرحمن ، الخارقي الكوفي الزاهد ، عن المطلب بن زياد ، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة ، ومطين ، كان أحمد يعظمه تعظيما عجيبا . وقال أحمد بن صالح : (ما رأيت في العراق مثله ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين) . ولا يخفى أن المراد من ابن نمير في الكلام السابق هو محمد لا أبوه .
2 - الاختلاف في النسخ :
     قال (الورقة 15) : إعلم أنه كثيرا ما تختلف النسخ المقروءة على الأساطين ، وشيوخ الإجازة من الكتب الأربعة ، فهذا كما يكون في المتن فكذا يكون في السند ، وقد يكون فيهما ، فلا بد من إمعان النظر ليتميز الغث من السمين ، فإنه كثيرا ما ينبعث عن ذلك الاختلاف الآثار المختلفة ، وتترتب عليه الأحكام المتغايرة .


(174)
(ثم ذكر أمثلة ، ورجح فيها بعض النسخ على بعض اعتمادا على الأسس التالية :)
     1 - لكونه هو المعهود في الإسناد .
     2 - هكذا في أكثر النسخ موافقا للكافي .
     3 - إسماعيل بن مهران سهو ، لتكرر ابن مرار .
     4 - لأنه هو المعهود الموافق للقاعدة المطابق لما في الكافي .
     5 - وهو سهو لعدم النظير .
     6 - فيشكل الأمر ، والأقوى ترجيح ما في النجاشي .
     7 - لعدم الظفر بروايته عنه .
     8 - ولعله الصواب لأنه موافق لما في الرجال . ويقول (الورقة 17) : وجملة الكلام أن الأمر في ذلك الباب . . . . . إنما يدور مدار الأصول والقرائن والمرجحات والظنون الرجالية ومدار فقدها .

3 - الإجازات :
     قال (الورقة 43) : إن ضبط إجازات المشايخ عصرا بعد عصر ، وجمعا بعد جمع ، وجيلا بعد جيل ، والمداقة في ذلك ، ومراعاة شروط الإجازة ، والاستجازة ، وتحمل الأخبار وروايتها ، إنما هو شأن من شؤون المحدثين إلى زماننا . بل إن ذلك من الأمور الواجبة المؤكدة في غاية الوجوب والتأكد عندهم بخلاف المجتهدين ، إذ كم من مجتهد كامل بارع ليس له إجازة تحمل الأخبار من أحد من أهل الإجازات ومشايخها . بل إن ذلك مما لا يعبأون به أصلا ، وإنما يعدون ذلك من الأمور المستحسنة ، وما هو من باب التيمن والتبرك ! .


(175)
فإذا أقدم واحد منهم على ذلك اكتفى بأدون أنحاء الإجازة مرتبة وأقلها زمانا ، من الإجازة الإجمالية الكائنة بمقدار نصف سطر من الكتابة إما مشافهة أو كتابة ! . بل ربما يكتفون في هذا النحو من الإجازة بإجازة شخص واحد ، ويعدون التعدي عن ذلك من قبيل تضييع الأوقات ! . وقد يكون المجيز ممن ليس له الإجازة عن أحد أصلا من الطرق المتصلة بأصحاب الكتب الأربعة ! .

ثمرتها :
     (الورقة 73) :
     أورد على نفسه بقوله : أي فائدة في التفرقة بين تحسين المحقق الكركي وأمثاله من المشايخ المتأخرين ، وبين توثيقهم ؟ فإن ذلك إنما يثمر وينفع ، لو بني الأمر في نقل أخبار الكتب المصنفة من الإمامية على اشتراطه بالإجازة ، بعد زمن الشيخ الطوسي ، كاشتراطه بها قبله ، وليس الأمر كذلك ، فالتستري - شيخ المجلسي - كان يعتقد أنه لا حاجة إلى الإجازة في الكتب المتواترة ، كما هو المعروف الآن من تواتر الكتب الأربعة ؟ وأجاب بقوله : فيثمر في غير الكتب الأربعة سواء من المحمدين الثلاثة أو غيرهم من أي طبقة كان . ويثمر أيضا في مقام الأخذ من الأصول المصححة ، فإن الأخذ من الأصول المصححة أحد أركان تصحيح الرواية ، فهذا كما ترى لا يتمشى إلا في شأن من له الإجازة ويثمر أيضا بالنسبة إلى صدق اسم المحدث والراوي وعدم ذلك ، بمعنى أن من لم يكن نقله بشرائط تحمل الحديث من القراءة والإجازة ، لم يصدق على نقله - ولو كان من الكتب الأربعة المتواترة - اسم التحديث والرواية .


(176)

4 - الاختصاص والمشاركة :
     قال في الفصل السابع (الورقة 31) : إعلم أن قضية الاختصاص والمشاركة مما لا تجري فيه ضابطة تكون هي المرجع في مقام الاشتباه ، بل الأمر في ذلك يدور مدار تصريحات حذقة المحدثين من مشايخ الإجازات ، كما صرحوا بأن ابني سعيد الأهوازيين يشاركان في جميع مشايخ الإجازة إلا زرعة وفضالة ، فينفرد بالرواية عنهما الحسن .

5 - الاخراج :
     قال (الورقة 80) : . إخراج متن الحديث هو إخراجه بتمامه ، ويقابله التخريج للمتن ، وإخراج الحديث : هو النقل من المصادر كيف اتفق ، وليس للأصوليين في الاخراج اصطلاح .

6 - ارتباط الحديث بعلم الرجال :
     قال (الورقة 2) : إن من ادعى الحذاقة في علم الأحاديث وهو خال عن العلم بالقواعد المتقنة في صناعة الرجال فهو في دعواه غير صادق ، فإن المماسة والملاصقة بين هذين كالمماسة بين علمي الفقه والأصول .

7 - إسماعيل بن عباد الصاحب :
     قال (الورقة 69) : ذكر الشهيد الثاني رحمه الله : أنه حدث مدة وكان تلامذته مائة ألف وعشرين ألفا من المحدثين ، وكان يملي له ستة ، وكلما يذكر من العلم والفضل فهو فوقه . وإن ما قيل في شأنه لم يكن فيه تصريح بتعديله ، لكن القصة مسفرة ، بل


(177)
ظاهرة في كونه مجدد المذهب في وقته ، ومروج الأخبار وناشرها في عصره . فلا بد من حصول القطع ، ولا أقل من الظن القوي ، بأنه كان في درجة عليا من العدالة .

8 - أصحاب الإجماع :
     قال (الورقة 28) :
     العبارة المنقولة في قضية الإجماع :
     1 - في شأن جماعة كجميل ، هكذا : (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتعويلهم لما يقولون به ، وأقروا لهم) .
     2 - في شأن بريد بن معاوية ، هكذا : (أجمعت العصابة على تعديلهم وانقادوا لهم بالفقه) .

(المقصود منه)
     إن المقصود من العبائر المختلفة شئ واحد ، والمقصود من كلها شئ واحد ، والقرائن الدالة على ذلك غير عزيزة : فمنها : أنه لولا أن الأمر كذلك لزم إحداث قول ثالث في المسألة .

(رأي المجلسي)
     وقد صرح المجلسي المتقدم بأن المراد منها : أن هؤلاء - أي أهل الإجماع - عدول وثقات قبل قولهم من حيث إنه تولهم ، الإجماع . فهذا كما ترى مما لا تأثير له أصلا فيما وقع بعد واحد أو متعدد منهم ، فليس حال الأسانيد ألف وقع فيها واحد أو متعدد منهم إلا كحال سائر الأسانيد . وهذا الرأي يتراءى - أيضا - من طريقة جمع كثير في الكتب الفقهية الاستدلالية ، كما لا يخفى على من تتبع كتب المحقق ، والعلامة ، والشهيدين ، وصاحبي


(178)
المعالم والمدارك .

(رأي المؤلف)
     والمتبادر من العبارة هو ما فهمه متأخرو المتأخرين من أن أسباب الضعف من الإرسال ، والاضمار والتعليق ، والوقف ، ووجود من هو ضعيف بأي ، نحو كان ضعفه ، مما لا يؤثر بعد واحد أو متعدد من أصحاب الإجماع . بل إرادة هذا المعنى مما انعقد عليه إجماع متأخري المتأخرين . وهذا المسلك هو الأنسب الأولى . وقال (الورقة 29) : وأصحاب الإجماع - غير ابن أبي عمير - لا يفرق بين مراسيلهم وبين غيرها من الأقسام ، فكله مما في حكم الصحيح لا من قسم الصحيح حقيقة . (لاحظ : الصحيح الحقيقي وما بحكمه) .

(طبقاتهم)
     قال (الورقة 27) : إعلم أن مبدأ أصحاب الإجماع من الطبقة الثامنة ، وآخرهم من الطبقة الحادية عشر ، بل الثانية عشر على وجه (لاحظ : مبدأ الطبقات) . وآخر الأئمة عليهم السلام الذين أدركه بعضهم هو الجواد عليه السلام ، وذلك كما في صفوان بن يحيى ، فإنه من أصحاب الرضا عليه السلام ، وقد أدرك الجواد عليه السلام . وكذلك الحال في ابن أبي عمير والبزنطي . وأول الأئمة الذين أدركهم بعضهم هو علي بن الحسين السجاد عليه السلام ، وذلك كما في معروف بن خربوذ ، كما أنه من أصحاب الصادق والباقر عليهما السلام أيضا .


(179)
أما عثمان بن عيسى فهو من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام ، وكذا يونس بن عبد الرحمن . وأما جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عثمان ، وأبان بن عثمان ، فهم من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام بمعنى أنهم أحداث أصحاب الصادق عليهم السلام . وأما عبد الله بن المغيرة فهو من أصحاب الكاظم عليه السلام خاصة . وأما بريد بن معاوية ، وأبو بصير - أعني الليث بن البختري المرادي - ومحمد ابن مسلم ، وزرارة ، والفضيل بن يسار ، فهم من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام . ومن أهل الإجماع من لم يرو عن أحد من الأئمة عليهم السلام وهو فضالة ابن أيوب . . . . . . وقيل بدل الحسن بن محبوب : الحسن بن علي بن فضال ، . . . . . وبدل أبي بصير المرادي : أبو بصير الأسدي علي بن قاسم ، ولكنه رد ببعد الطبقة .

(أصل الإجماع)
     قال (الورقة 27) : وأول من نقل الإجماع عن الأصحاب على ذلك - أي على تصحيح ما يصح عنهم - هو أبو عمرو الكشي ، وظني أنه قد سبقه في هذه الدعوى غيره وأنه اعتمد في ذلك على قول أستاده أبي النضر العياشي ، وكيف كان : فإن أكثر من تأخر عن الكشي قد أذعنوا بما قال ، وقد صرح جمع بأنه (عدل) وقد نقل الإجماع ، فيجب قبول قوله .
     بل أقول : إن ظني أن كل من هم بعد الكشي قد أجمعوا على حقية ما نقله ، وبعبارة أخرى : إن الإجماع - بجملة من طرقة ، من البرهاني والحدسي واللطفي - قد


(180)
انعقد على حقية ما قال به الكشي ونقله .

(القدح في بعضهم)
     إن قلت : إن ذلك ينافي ما صرح به جمع في شأن جمع من أهل الإجماع من القدح فيهم والتصريح بعدم قبول روايتهم ممن ليسوا على طريقتنا الاثني عشرية ، كأبان بن عثمان ، وعبد الله بن بكير ، فإن الأول من الناووسية ، والثاني من الفطحية . فمن جملة المصرحين بذلك : العلامة ، حيث قال في أبان : الأقرب عدم قبول روايته ، لقوله تعالى : (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان .
     قلت : إن ذلك لا يضر بما قلنا ولا ينافيه جدا ، لأن الإجماع لا يقدح في انعقاده مخالفة معلوم النسب ، وإن بنينا الأمر في باب الإجماع على طريقة البرهان . على أن استدلال العلامة معارض بالمثل ، وأن كلمات العلامة ليست على نهج واحد ، بل متناقضة ، وذلك حيث قال في شأن عبد الله بن بكير : وأنا أعتمد على روايته وإن كان مذهبه فاسدا . وبعد الإغضاء عن كل ذلك نقول : إن الخلاف إنما هو في طائفة خاصة كأبان وابن بكير ، فلا يلزم من ذلك طرح الأصل المؤصل ، المأخوذ من الإجماع الذي نقله ا لعدل .
     وإن شئت فقل : إن الإجماع المنقول في المقام ليس بمتحد بالشخص بل هو في الحقيقة إجماعات منقولة بعدد أصحاب الإجماع ، فعدم قبول الإجماع المنقول في طائفة لوجود معارضي على زعم مدعيه ، لا يستلزم رفع اليد عن الكل .

(عمل الطائفة بروايات آخرين)
     قال (الورقة 30) :


(181)
واعلم أن الشيخ ذكر في (العدة) : (أن الطائفة عملت بما رواه بنو فضال ، والطاطريون ، وعبد الله بن بكير ، وسماعة ، وعلي بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى . فهذه العبارة - كما ترى - ظاهرة في دعوى الإجماع ونقله عن الأصحاب . والإنصاف قاض بأن المراد منها ما أراده الفرقة الأولى من عبارة الكشي (وهو وثاقة المذكورين بأسمائهم فقط ، بقطع النظر في أسانيدهم) . على أنه لم يعهد من أحد إلى الآن أن يقول إن مراسيل سماعة والبطائني والطاطريين وبني فضال ، ومرفوعاتهم وموقوفاتهم ومعلقاتهم ، مما في حكم الصحيح . وإن ذلك لو تمشى في هؤلاء لتمشى في النوفلي والسكوني ، لنقل بعض في شأنهما مثل هذه العبارة . وهذا كما ترى ، ينفيه الإجماع بسيطا ومركبا . . . . . ولا يخفى أن هذا الإجماع الذي نقله الشيخ ليس كالاجماع الذي نقله الكشي ، فإن ذلك كان المعظم على قبوله - وإن كانوا مختلفين في وجهه - وليس الأمر هنا كذلك . . . . . . والمراد من بني فضال خمسة رجال : علي بن فضال ، وابنه الحسن ، وأبناء الحسن الثلاثة . والمراد من الطاطريين : يوسف بن إبراهم ، وعلي بن الحسن بن محمد ، ويمكن أن يراد الأعم في المقامين .

(عددهم)
     قال (الورقة 28) : عن عددهم : (يترقى عددهم إلى عشرين) . وقال (الورقة 31) : إنه يبلغ عدد كل من ادعي الإجماع في شأنه - ولو على بعض الوجوه وبعض الأقوال غير المشهورة - واحدا وثلاثين .


(182)

(حجيته)
     وقال (الورقة 60) :
     (ظني أن ذلك في الدرجة العليا من التوثيق) .

9 - الأصول الأربعمائة :
     قال (الورقة 69) : قال المحقق في (المعتبر) : روى عن الصادق عليه السلام من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل ، وبرز بتعليمه من الفقهاء الأفاضل جم غفير ، كزرارة وإخوته ، وجميل بن دراج ، وجميل بن صالح ، ومحمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، والهشامين ، وأبي بصير ، والحلبيين ، وعبد الله بن سنان ، والكناني ، وغيرهم من أعيان الفضلاء ، حتى كتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف ، سموها (أصولا) .
     وقال (الورقة 73) :
     صنف الإمامية من عهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عهد أبي محمد العسكري عليه السلام أربعمائة كتاب تسمى (الأصول) ، فهذا معنى قوله : (له أصل) ، وكان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحدهم عليهم السلام حديثا بادروا إلى ضبطه في أصولهم من غير تأخير . . وقال (الورقة 79) : وأما الصحيفة الكريمة السجادية فأعلى رتبة وأجل من أن تعد وتدخل في الكتب المصنفة والأصول المدونة ، وكذلك الصحيفة الرضوية ، والرسالة الرضوية المعروفة بالذهبية (1) .

(1) أنظر عنوان (الفهرستات) في هذا العرض .


(183)

10 - الأصول والأخبار :
     قال (الورقة 43 - 44) : إنا ما صنعنا صنيعنا في الأصول إلا للتوسل بذلك إلى تحصيل الأهلية والقابلية وحيازة الاستعداد للاعتكاف في الأبواب الوسيعة المنيفة العلية الشريفة العظيمة للكتاب الكريم والأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة والنبوة والخلافة صلوات الله عليهم أجمعين . بل : إنا ما وصلنا في العلوم الشريفة العظيمة : الفقه ، وتفسير كتاب الله الكريم والأصولين ، إلى ما توصلنا إليه ، إلا بالتمسك بأذيال الأحاديث بعد الكتاب الكريم ، فقد تمسكنا بالعروة الوثقى لا انفصام لها . فكل ما حققنا في الأصولين : أمول الأديان وأصول الفقه ، وما ذكرنا من التدقيقات في فن التمرينيات من المباحث . . . . . إنما هو ما وصلنا إليه بالتأمل في جملة من الأحاديث ، مع أن فوق ما وصلنا إليه سهما الرقيب والمعلى . فهذا إذا كان حال جملة يسيرة منها فكيف بقواميسها التيارة ، وبحارها المواجة ؟ ؟ فمهما لم يتصف العالم الأصولي بكونه عوام بحار الأحاديث وسياح قواميسها ، لم يعده أكامل الصناعة الأصولية - الذين بلغوا الغاية القصوى - من حزب الأصوليين ، بل يحسبونه دخيلا في الصناعة . فإذا كان الحال كذلك ، فمن ذا الذي يقول ، ومن ذا الذي يحكم من العلماء وأولي النهى ، بأن الصناعة الرجالية التي أخذت - كصناعة الأصول - من تصريحات الأخبار ودلالاتها الفحوائية والالتزامية ، وارتكب لضبط أحوال الرجال الرواة علماء الصدر الأول من فضلاء أصحاب الأئمة عليهم السلام وفقهائهم ، إن معاشر الأصولية لا يعتدون بشأنها ولا يعدونها من الأمور الواجبة ؟ ! - كلا ثم كلا ، إن هذا إلا مرية صرفة ، وفرية محضة .


(184)

11 - الأغسال (كتاب لابن عباس)
     قال (الورقة 56) :
     وجه عدم الاعتداد بكتاب (أغسال ابن عباس) فلعله لأجل القدح في ذلك الكتاب ، نظرا إلى عدم ثبوت الانتساب إلى ابن عباس ، لا لأجل القدح فيه ، فإن الشيخ الحر رحمه الله قد ذكر في ترجمته : إن حاله في الجلالة والاخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى . وكيف كان ، فإن الأقوى عندي هو الاعتماد على حديثه .

12 - ألفاظ التعديل والتوثيق :
     قال (الورقة 59) : من كلمات التعديل ، بل أعلى درجة في التزكية : كون الرجل (محدثا) أي من يسمع صوت الملك ولا يرى شخصه . كما ورد في بعض الأخبار في شأن سلمان رضي الله عنه ، وهذا من قبيل الكلي المنحصر في فرد (وأنظر الورقة 73) . وقال (الورقة 61) : وقد يتراءى - أيضا - من جمع أن كون الرجل من (مشايخ الإجازة) دليل توثيقه . وكذا كونه لا يخبر الثقة إلا عن ثقة . وكذا كونه في سند مقدوح من غير جهته ، أو في سند لم يقدح أصلا ، بمعنى أنه لو كان مقدوحا لكان مقدوحا من جهته . وكذا كونه ممن يكثر الكليني - رحمه الله - أو من يضاهيه الرواية عنه . وكذا كونه ممن اعتمد عليه القميون . وكذا كونه وصي عدل ممن يقول الثقة في شأنه : (أخبرني الثقة) .


(185)
وكذا كونه ممن يقال في شأنه أنه (أسند عنه) (1) . أو أنه مضطلع في الرواية . . . . .

الأوجه والأصدق :
     قال (الورقة 61) : قيل : إنهما مما يدل على التوثيق ، لكن لا مطلقا ، بل إذا أضيفا إلى العلماء أو الفقهاء أو المحدثين أو نحو ذلك ، أو ذكر بعدهما المفضل عليه العدل . وقيل : إنهما يفيدان التوثيق مطلقا .

الأورع والأتقى والورع والتقي :
     قال : قيل : إنهما مما يدل على التوثيق أيضا . وقال (الورقة 75) : إن من جملة الأمارات الاجتهادية (أي في مقام الاعتداد بقول الراوي) : أن يكون للصدوق - رحمه الله - طريق إليه ، وهذا مما قد عده بعض المحققين من قسم التحسين . وهو ليس أنقص درجة من توثيق ابن فضال وابن عقدة ، وقد حكم بذلك بالعدالة . ونقل عن بعض المحققين أن قولهم : (وكيل) يقتضي العدالة ، بل ما فوقها .

13 - ألفاظ المدح :
     قال (الورقة 63) :

(1) أنظر بحثنا : (المصطلح الرجالي : أسند عنه) - الطبعة الأولى - نشرة تراثنا - السنة الأولى - العدد الثالث (ص 98 - 154) وقد استدركنا عليه بجملة وافرة من المطالب ، ومنها رأي المصنف المحقق الدربندي رحمه الله ، واستغنينا بذلك عن إعادته هنا .


(186)
ميزان المدح هو بناء الأمر على ما يفيد مدحا عرفيا ولو كان بمثل : الاتصاف بكون الراوي صاحب كتاب أو أصل . أو ترحم الإمام عليه السلام عليه . أو من ذكر الرحمة والترضية بعد ذكر اسمه حيا أو ميتا شيخ من الأصحاب ، أو عدل منهم . أو أنه كان من أصحابنا المتكلمين .
     وله ألفاظ تقرب به إلى الصحة . ومن علامة كون الرجل ممدوحا ذكره على الاهمال والاطلاق الخالي عن الغمز في كتاب الشيخ النجاشي . وكذا قولهم : (لا بأس به) بل قيل : إنه دال على التوثيق ، لوقوع النكرة في سياق النفي .


(187)
حرف التاء
14 - التخريج :
     قال (الورقة 80) : تخريج متن الحديث في اصطلاح المحدثين : نقل موضع الحاجة فقط من متن الحديث ، أخذا من تخريج الراعية المرتع ، وهو أن تأكل بعضه وتترك بعضه ، ويقابله الاخراج للمتن . وتخريج الحديث بتمامه سندا ومتنا من الأصول والكتب ، هو : أن يستخرج منها المتفق عليه بينهما ، أي الأصح طريقا . والأجدى متنا ، أو الأهم الأوفق للغرض من كل باب ، ويقابله الاخراج للحديث . وقال (الورقة 81) : والتخريج الأصولي يستعملونه في باب الأقيسة ، فيقولون : (تخريج المناط) في مقابل (تحقيق المناط وتنقيحه) . وفي اصطلاح الرجاليين ، هو أن يكون الشيخ هو الأخير من مشيخة التلميذ ، بمعنى أنه إذا تم الاستكمال بالتلمذ عليه قيل : (إنه خرجه) وهو (تخرج عليه) ، أي ألحقه بالشيوخ في زمانه : (لاحظ : الاخراج) .

15 - التصحيح والتضبيب :
     قال (الورقة 33) :
     التصحيح : كتابة لفظة (صح) على كلام صح رواية ومعنى ، ولكنه عرضة للشك أو الخلاف والتضبيب - ويسمى التمريض - : أن يمد خطا أوله كرأس الضاد ، ولا يلزق بالممدود عليه ، يمد على ثابت نقلا فاسد لفظا ، أو معنى ، أو ضعيف أو ناقص ، ومن


(188)
الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع . وربما اقتصر بعضهم على (الصاد) في علامة التصحيح فأشبهت الضبة .

16 - التصحيف :
     قال (الورقة 13) :
     لا يخفى عليك أن التأمل التام في الطبقات وإمعان النظر في مقالات علماء الرجال مما قد يقضي أيضا بوقوع الغلط والتصحيف في السند ، وإن كان قاطبة النسخ متوافقة عليه . (وذكر تصحيفات كثيرة وقعت في الأسانيد ، واستند لتصحيحاته لها إلى أمور منها :) .
     1 - المتكرر في الأسانيد .
     2 - ما في طريق النجاشي وفهرست الطوسي .
     3 - ما يعطيه كلمات علماء الرجال .
     4 - لوجوده في سندي الكافي والتهذيب ، وتكرره في الإسناد .
     5 - لشهادة التتبع .
     6 - ما لا يخفى على الحاذق الممرن في صناعة الرجال . ثم قال : ولا يخفى عليك أن هذا الأمر - أي السهو والغلط بحسب الزيادة والنقصان والتصحيف والتغيير - مما لا حصر لوقوعه ، لكنه لا يطلع عليه إلا الحاذق الممرن في صناعة الرجال ، بل لا يعد من علماء الرجال من ليس له يد طولى في معرفة هذا الأمر وكيف كان ، فإن من أعظم ثمرات علم الرجال هذا . إن الكامل في هذه الصناعة يعرف أن قضية السهو مما يجري في كل الكتب ، أي من الطهارة إلى الديات بمعنى أنه لا يكون كتاب إلا أنه قد وقع فيه سهو إلا القليل . بل أقول : قلما يوجد باب خال عن السهو فيه . . . .


(189)
ثم إن هذا ليس على نمط واحد بل على أنماط مختلفة : من وقوع ذلك في أسانيد معينة في جميع الكتب الأربعة ، وذلك في غاية القلة . ومن وقوع ذلك في بعضها دون البعض وذلك في غاية الكثرة وقد عرفت أن السهو الواقع في التهذيب في غاية الكثرة . ومن وقوع ذلك على نهج يحصل الجزم واليقين به فيه ، نظرا إلى القواعد والقرائن المفيدة للقطع (وذكر أن طريق إصلاحه هي الطرق السابقة) . ومن وقوع ذلك على نهج يحكم فيه على نمط الرجحان ، (وذكر القرائن المؤدية إلى إصلاح التصحيف على الرجحان (الورقة 14) كما يلي :)
     1 - لاستفادة الصواب من بعض أسانيد ذلك الباب .
     2 - استفادة ذلك عن طريق الفهرست للطوسي .
     3 - مما هو متكرر .
     4 - لأنه لا يروي الراوي عنه مشافهة .
     5 - لأنه لم تعهد له رواية الراوي عنه .
     6 - لبعد اتصال الراوي به .
     7 - لتكرر الفصل بينهما .
     8 - لتكرره في مثل السند .
     9 - لثبوت مكانه في الإسناد .
     10 - لثبوته في طريق النجاشي .
     11 - لأن الراوي غير موجود في كتب الرجال .
     وفرق بين موارد القطع بالتصحيف ، وبين موارد ترجيح التصحيف ، بقوله (الورقة 14) : إن الأمثلة للقسم الرجحاني ليس من موارد الظن القوي ، ووجهه واضح عند العالم بالأصول والقواعد ، والحاذق الذي يمعن النظر في الموارد . . . . . إن العمل بطبق القسم الرجحاني إنما يكون في صورة انفراد التهذيب


(190)
والاستبصار بما فيهما ، إما بسبب مغايرة ما فيهما لما في الكافي ، وإما بسبب عدم وجود هذا السند المفروض في الكافي . وأما في صورة التطابق بين ما في الكافي وما في التهذيب فلا اعتداد بالقسم الرجحاني ، بل يبنى الأمر حينئذ على الأصل والظاهر بالحكم بصحة ما فيهما .

17 - التضييق في الجرح :
     قال (الورقة 70) :
     ينبغي أن لا تعتبر دائرة الجرح والتوهين على نمط الاتساع وإلا لزم رفع اليد عن أكثر الأخبار ، وينبعث من ذلك تضييع مساعي السابقين ، ثم ينبعث من ذلك انقطاع أكثر آثار الشريعة . فالعمل الضابط وما يجب مراعاته في ذلك هو : أن لا تسارع إلى توطين نفسك على مسارعات الغضائري في الجرح ، ولا سيما إذا كان منفردا في ذلك ، ولا على مسارعات القميين مطلقا ، ولا سيما إذا كان الصدوق وشيخه ابن الوليد على خلافهم أو اطلعت على تعليلاتهم من الأمور التي لا تعد من الأسباب الطاعنة والقادحة . وقال (الورقة 71) : إن ديدن القميين والغضائري ومن يحذو حذوهم في باب الجرح مما لا اعتداد به ، نظرا إلى عدم تمهرهم في الصناعة الرجالية ، مضافا إلى عدم بذلهم مجهودهم في الفحص والتفتيش .

18 - ا لتعديل :
     قال :
     إن العمدة أولا في باب التوثيق والتعديل ، وهكذا في باب معرفة درجات العدالة ، هو تتبع الأخبار والتأمل فيها . وقد وجدنا جملة من الأخبار الناطقة بتزكية الأئمة عليهم السلام وتوثيقهم جمعا


(191)
من أصحابهم .
     مثل ما نقل ابن طاوس في (كشف المحجة) من كتاب (المسائل) للكليني عن علي بن إبراهيم بسنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام : أنه دعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال : أدخل علي عشرة من ثقاتي . فقال : سمهم لي ، فسماهم عليه السلام . ومثل ما روى الصدوق في (عيون الأخبار) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه ، وذكر الصحابة الذين مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيروا ولم يبدلوا . ومثل ما ورد في بعض التوقيعات . قال (الورقة 60) : وظني أن العمدة في باب توثيق جمع من المخالفين من الزيدية والفطحية والواقفية والعامة هو تتبع الأخبار أيضا .

19 - تعليق الشيخ للأحاديث :
     قال (الورقة 47) : كم من رجل قد ذكرهم (يعني الشيخ الطوسي في الفهرست) لكن لم يذكر في ترجمتهم طريقه إليهم ، بل إنه يجري في جمع من فضلاء الرواة ومشاهير المشايخ . أما ترى ما ذكره في الفهرست في (ليث) حيث قال : ليث المرادي يكنى أبا بصير ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهم السلام له كتاب . فلعله إنما صنع ذلك ، لعدم ظفره بكتب هؤلاء ، أو عدم تحقق الإجازة له بالنسبة إليها من مشايخه حين تصنيفه الفهرست ، وقد تحقق له ذلك حين تصنيف التهذيب . ولا مانع من القول بأن زمن تصنيف التهذيب متأخر عن زمن تصنيف الفهرست ، إلا ما يتراءى منه في الفهرست من ذكره في ترجمة نفسه كتبه ومنها


(192)
التهذيب ؟ ! وأنت خبير بأن الأمر في مثل ذلك سهل ، لأنه يمكن أن يكون من الملحقات بالفهرست بعد الفراغ عنه ، وأمثال ذلك غير عزيزة فيه ، كما لا يخفى على الناظر فيه . (وأشار إلى موارد كثيرة ذكرها الفاضل الأردبيلي في جامع الرواة وصحح بها الطرق على هذا الأصل ، الورقة (49 - 55) .

20 - التقارض :
     قال (الورقة 20) : (إن رواية كل من المتعاصرين عن الآخر أمر واقع) ، (وهذا معنى التقارض عنده) . قال (الورقة 25) : إن المقارضة مما تمس به الحاجة في كثير من الطبقات فلا وجه لعدها - بعد وقوعها - من الأمور المرجوحة في الإسناد . وقال : اعلم أن لزوم المقارضة في الإسناد مما يستبعده الحذقة في صناعة الرجال ، فكل موضع يقع فيه التقارض أو يتوهم ، يرتكبون فيه فتح أبواب التأويلات . وقال (الورقة 21) : وأنت خبير بأن هذه الاستيحاشات التي تتراءى منهم في باب التقارض مما لا أرى له وجها ، فإنه كما تشتد الحاجة إلى رواية أحد المتعاصرين عن الآخر إما مشافهة وإما بالواسطة ، فكذا تشتد الحاجة إلى أن يتقارض المتعاصران في الروايات فهذا كما لا مانع منه عقلا ، فكذا لا مانع منه عرفا وعادة . . . . . . والحاصل : إنهم إن أرادوا أن المقارضة ممتنعة ، أو غير واقعة في الإسناد ، فهذا كما ترى مما يرده وقوعه مرارا كثيرة كما علمت . وإن أرادوا أنها ليست في التدوال والكثرة على نمط رواية أحد المتعاصرين عن الآخر مشافهة أو بالواسطة ، فهذا كما ترى من القضايا الصادقة ، إلا أنه لا ينبعث


(193)
منه مرجوحية المقارضة ولزوم فتح باب التأويلات البعيدة خوفا من لزوم المقارضة . فإن قلت : لعل إجماعهم قد قام على مرجوحية المقارضة فلهذا لا يصيرون إليها مهما أمكن التأويل . قلت : إن درن إثبات ذلك الإجماع خرط القتاد ، بل لم يعهد في ذلك الإجماع المنقول فضلا عن الإجماع المحقق .

21 - تمييز المشتركات :
     قال (الورقة 11) : ملاك الأمر في ذلك تحقق القرائن ، فكلما ازدادت القرائن قوي الظن . بل قد يترقى الأمر إلى درجة العلم واليقين وأقل ما يكتفى به هي قرينة واحدة . وبالجملة : فلا بد من أن تنصب بين عينيك حين ملاحظتك الأسانيد طبقات الرجال ، ومراتب المشيخة ، وهكذا وقوع التصريح بالمطلقات ، ولو كان ذلك في موضع واحد ، وفي غير الكتاب الذي أنت تلاحظ السند فيه من الكتب المعتبرة في الأخبار . ومن جملة أقوى الدلائل والشواهد في ذلك الباب ، ما في طريق النجاشي ، والفهرست ، والفقيه ، ونحو ذلك . فقد بان أن تحصيل الأصول والضوابط ، وإتقانها في باب تمييز المشتركات - سواء كان في سلاسل مشايخ الإجازة وطبقات رجالهم ، أم كان فوقها - غير مختص بباب المقترنات كموارد الأصول المذكورة ونحوها ، بل يجري في المنفردات والمتعاطفات .

22 - توثيقات الفقهاء :
     قال (الورقة 67) : إن كل ما فيه سبيل الاستنباط والترجيح والاجتهاد لمجتهد - سواء كان ممن


(194)
صنف في علم الرجال كتابا أم لا - ليس لمجتهد آخر أن يحتج به ويتكل عليه ، ويتخذه مأخذا ومدركا .
     فما يذكره الفقهاء في كتبهم الاستدلالية من الحكم بصحة حديث ، مما لا يجوز لمجتهد آخر التعويل عليه ، على الأقوى . إذ ليس ذلك في قوة التزكية والتعديل لكل من رواته على التنصيص والتعيين فلا يعد - عند التحقيق - لا من الشهادة ، ولا من النقل ، إذ يمكن أن يكون ذلك بناء على ما ترجح عندكم في أمر كل من الرواة من سبيل الاجتهاد ، فلا يكون حكمهم حجة على مجتهد آخر . وكذلك الكلام في التحسين والتوثيق والتقوية والتضعيف . نعم ، يمكن أن يقال : إذا كان بعض الرواة غير مذكور في كتب الرجال ، أو غير معلوم الحال ، ولا هو بمختلف في أمر ، فحينئذ يقرب من الحق أن يعتبر ذلك الحكم من جانبهم من قبيل الشهادة المعتبرة .

23 - التوثيق العام :
     قال (الورقة 59) :
     إن أصحاب الأصول والكتب في الأخبار من الثقات ، وإن كان قد ذكر جمع كثير منهم في كتب الرجال على نمط الاهمال بالمعنى الأعم . وبعد الإغضاء عن ذلك ، فلا أقل من كونهم بمنزلة من صرح بمدحه . ولعل جمعا من أصحابنا المحدثين قد التفتوا إلى ما أشرنا إليه كما صدر من الشيخ المفيد وابن شهرآشوب والطبرسي ، حيث تضمن كلامهم لتوثيق أربعة آلاف رجل من أصحاب الصادق عليه السلام . وأنت خبير بأن هذا لا يلائم إلا لما أشرنا إليه ، لأن المذكور الآن من أصحابه عليه السلام في كتب الرجال والحديث لا يبلغ هذا العدد فضلا عن الزيادة ، فلا تغفل . وقد يستفاد من كلام الشهيد الثاني توثيقه جميع رواة حديثنا الذين كانوا في


(195)

زمن الكليني - رحمه الله - والذين من بعده إلى زمان الشهيد الثاني - رحمه الله - .



(196)

حرف الحاء
24 - الحسن كالصحيح :
     قال (الورقة 63) :
     درجة من الممدوحية تقرب من إفادته الصحة ، وذلك . كالوصف عند المشهور بأنه صحيح الحديث ، أو كثير الرواية ، أر أنه أول من نشر الأحاديث ، إلى غير ذلك من الأوصاف . أو الوصف بأنه كان مقدما في العلوم ، ووجها أو عينا من أصحابنا ، إلى غير ذلك .

25 - الحواريون :
     قال (الورقة 59) :
     (من كلمات التعديل وهو الثاني (منها) في الشأن والعظمة) : فالخبر الدال على قضية الحواريين وعظم شأنهم خبر معتبر يساعده النقل القطعي على بعض الوجوه بل العقل . وبعبارة أخرى : إنه من الأخبار المحفوفة بالقرائن المفيدة للقطع ، فلا أقل من إفادته الظن القوي الذي في أقصى درجات القوة . وقال (الورقة 66) : الأصل في قضية الحواريين هو الخبر القوي المحفوف بالقرائن والمساعدات الكثيرة المفيدة للعلم وذلك ما رواه الكشي .


(197)

حرف الخاء

26 - الخبر المعتبر :
     قال (الورقة 76 - 77) : .
     الذي يعد قسيما للصحيح والموثق والحسن ، وكثيرا ما يستعمله المجلسي الثاني في باب الأدعية ، المراد منه - إذا وقع قسيما لما ذكر - : هو الخبر الذي اتصف سنده بالضعف ، ولكن وقع في كتاب معتبر من كتب الأخبار ، مثل الكافي ، وكتب الصدوق ونحو ذلك من القرائن الموجبة للاعتبار ، وهي :
     1 - كون الراوي ثقة يؤمن منه الكذب ، وإن كان فاسد المذهب صرح به الشيخ وصاحب المدارك وجمع .
     2 - كون الحديث موجودا في كتاب من كتب الأصول المجمع عليها ، أو كتاب أحد الثقات ، ذكره الحر .
     3 - كون الحديث موجودا في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المتواترة اتفاقا والمشهود لها بالصحة .
     4 - كونه منقولا من كتب أحد من أصحاب الإجماع .
     5 - كون بعض رواته من أصحاب الإجماع ، وقد صح - أي ثبت - نقله عنه .
     6 - كونه من روايات من وثقه الأئمة وأمروا بالرجوع إليه .
     7 - كونه موافقا للقرآن أو السنة المعلومة أو الضروريات ، أو موافقا للاحتياط ، أو لإجماع المسلمين ، أو الدليل العقلي القطعي ، أو للمشهور بين الطائفة ، أو لفتوى جماعة .
     8 - عدم وجود معارض .
     9 - تعلقه بالاستحباب .
     10 - كون الراوي غير متهم في روايته لمخالفته لمذهبه ، كروايات العامة للفضائل


(198)

حرف السين

27 - السادات :
     قال (الورقة 93) :
     نعم ما قيل : إنه ليس سلالة النبوة والطهارة كأحد من الناس إذا ما آمن واتقى ، وكان عند آبائه الطاهرين مرضيا مشكورا . هذا ، وأنت خبير بأن لازم هذا الكلام ، كلوازم جملة من الأخبار ، استنهاض تأسيس أصل في أجلة السادات ، ولا سيما في العلماء منهم وذلك بأن نقول : الأصل فيهم الثقة والعدالة . ونظير ذلك تأسيس أصل في مشيخة المحدثين .

28 - سر العالمين ، كتاب للغزالي :
     قال (الورقة 85 - 86) :
     الغزالي حاله في التسنن والتصوف أظهر من الشمس ، ومع ذلك كان متصلبا في مذهبه ، ومتعصبا لما عليه ، نعم إن كتابه (سر العالمين) يستفاد منه أنه قد اهتدى إلى الحق واستبصر ويقال : إنه آخر تصنيفاته . وقد حكي عن تلميذه محمد بن أبي القاسم أنه ذكر في كتاب (المحاكمات) لقاءه مع الشريف المرتضى الرازي في طريق مكة ، وانتقاله عن التسنن إلى التشيع ، فلما اعترض عليه أخوه أحمد ، بعد قدومه أجابه بهذا البيت : يار بر ما عرض إيمان كرد ورفت * پيركبري را مسلمان كرد ورفت

29 - السفارة للإمام :
     جعل من كلمات التعديل في الدرجة الثالثة : السفارة للإمام عليه السلام وقال :


(199)
ودلالة ذلك على الدرجة العليا من العدالة مما لا يشك فيه ذو مرية . وقد وجد فيهم جمع يمكن أن يقال : إن درجتهم تضاهي درجة الحواريين ، لغاية قربهم بالحجة عليه السلام (وهو الأبواب الأربعة رضي الله عنهم . وأما الألفاظ الواقعة في جملة من الأخبار مثل (إن جمعا من أصحاب الأئمة عليهم السلام أمناء الله وأركان دين الله) .
     وهكذا الألفاظ التي تؤدي هذا المؤدى مثل (إن فلانا أحد الأركان الأربعة) ونحو ذلك ، في أيضا مما يدل على التعديل جدا . والظاهر أن التنصيص بهذه الصفة في أخبار الأئمة عليهم السلام لا تنقص درجته في العدالة عن درجة التنصيص بالسفارة والوكالة .


(200)


حرف الشين

30 - شرطة الخميس :
     قال (الورقة 60) :
     إن الأخبار الواردة في شأن المتصفين بكونهم من شرطة الخميس مما يفيد عدالتهم ، بل شيئا فوق العدالة كما لا يخفى على المتدبر في فقه تلك الأخبار . بل يمكن أن يقال : إن شأن هؤلاء لا ينقص عن شأن جمع من الوكلاء والسفراء . وقال (الورقة 66) : إن الأخبار الواردة في شرطة الخميس في غاية الاستفاضة ، بل في حد التواتر المعنوي ، وهم - على ما ذكره الكشي - ستة آلاف رجل .

31 - الشهداء مع الإمام الحسين عليه السلام :
     قال (الورقة 66) : إن كتب علم الرجال لم يصرح فيها بتوثيق الحواريين المستشهدين بين يدي الإمام عليه السلام . ولا بد أن نقول بأن علماء الرجال لم يهملوا الأمر إلا للاتكال على الظهور والضرورة . وعلى قاعدة الحواريين ، فإن كل شهداء كربلاء كانوا من الحواريين للإمام عليه السلام .


(201)

حرف الصاد

32 - صحة الحديث وضعفه باعتبار متنه :
     قال (الورقة 3) :
     قولهم : (إن صحة الحديث وضعفه مما يعلم من متن الحديث) من التخيلات الفاسدة .

33 - الصحيح وما بحكمه :
     (قال في أثناء كلامه على أصحاب الإجماع) :
     إن هاهنا دقيقة تجب الإشارة إليها ، وهي أنه يمكن الفرق بين المراسيل لابن أبي عمير وبين الأسانيد التي فيها التعليق أو الوقف بعد ابن أبي عمير ، والأسانيد التي فيها رجل ضعيف بعد ابن أبي عمير بأي سبب كان ضعفه . وذلك بأن تكون المراسيل منه من قسم الصحيح المشهوري ، وذلك لما علم من القرينة الدالة على أنه لا يرسل إلا عن العدل . وأما سائر الأقسام فتكون كلها مما في حكم الصحيح ، لا من قسم الصحيح حقيقة . فهذا هو الحق الذي لا محيص عنه ، واعرف ثمرة هذا في باب التعارض لأن احتمال أنه لا يفرق بين الصحيح وما في حكمه احتمال ضعيف ، فتأمل .


(202)

حرف الضاد

34 - ضعف السند دون المتن :
     قال (الورقة 94 - 95) :
     إعلم أنك إذا وجدت حديثا ضعيفا بإسناد ضعيف فلا يسوغ أن تقول : إنه ضعيف المتن ، بالتصريح ، ولا أن تقول : هذا الحديث ضعيف ، بقول مطلق ، وتعني بالاطلاق ضعف الإسناد والمتن جميعا ، بل إنما لك أن تصرح بأنه ضعيف الإسناد ، أو تطلق القول وتعني بالاطلاق ضعف الإسناد فقط . إذ ربما يكون ذلك المتن قد روي بسند آخر يثبت به الحديث وأنت لم تظفر به .


(203)

حرف الطاء

35 - الطبقات :
     (إن اهتمام المؤلف انصب - بصورة كبيرة وجدية - في تعيين طبقات الرجال ، وقد أكد على ذلك تأكيدا بليغا ، كما توسع في ذلك بشكل ينفرد به ، فلذلك آثرنا إيراد معلومات أكثر حولها ، وقد مر أن شيخنا الطهراني سمى هذا الكتاب باسم (طبقات الرواة) ولعله لأجل التوسع المذكور) .

فائدتها :
     قال : إن فائدة معرفة الطبقات هي الأمن من تداخل المتشابهين ، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس ، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة من السماع أو اللقاء أو الإجازة أو نحوها ، فإن العنعنة تحتملها . وكذا معرفة مواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأوطانهم . ثم إن جمعا منهم قد عرفوا الطبقة قائلين : إن الطبقة في اصطلاحهم عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين . وأنت خبير بأن ما ذكر لا يتميز كثيرا بالنسبة إلى أخبارنا ، وما ذكر في تعريف الطبقات مما لا يخلو من مدخولية . (قسم الدراية ، الورقة 21) .

منهجه في تحديد الطبقة :
     (الورقة 2 ، 23) .
     قال سائلا : الكلام الوافي في التمييز بين أصحاب طبقة معينة ، وبين أصحاب طبقتين متصلتين ، بمعنى أن المعيار ماذا ؟


(204)
وبماذا يعرف الميزان المستقيم في ذلك ؟ ؟
فإن الأمور المتصورة المحتملة في ذلك :
     1 - من إناطة الأمر في ذلك على إمام الزمان أو رئيسه .
     2 - ومن إناطته على الأزمنة والأعصار المتغايرة العرفية .
     3 - ومن إناطته على عد كل عصر ثلاثين سنة وما يقرب منها .
     4 - ومن إناطته على التقدم في الولادة والوفاة .
     5 - ومن إناطته على التلميذية والأستاذية .
     6 - ومن غير هذه الاحتمالات ! ؟ وقال في الجواب - بعد أن نقض جميع الاحتمالات طردا وعكسا - (الورقة 24) : إفهم أن التحقيق أن ما يناط الأمر عليه ، وما يعرف به التفرقة بين المقامين هو العرف ، بمعنى أن المعيار في ذلك هو العرف . مثلا : إن المفيد ، والغضائري ، وابن أبي جيد ، وابن عبدون ، كانوا ممن لم يرو بعضهم عن البعض .
     وكانوا في زمانهم من المشهورين الذين يرجع إليهم طلاب الأخبار ويستجيزون منهم . فيكون الذين استجازوا عنهم وأخذوا الأخبار منهم من أهل طبقة لاحقة بطبقتهم ، وإن كان أهل هذه الطبقة اللاحقة قد روى بعضهم عن البعض أيضا ، نظرا إلى أن هذا الراوي لم يعاصر بعض مشيخة المروي عنه ، أو عاصره ولم يلقه ، أو لقيه ولم يرو عنه شيئا لعذر ، أو روى عنه ولكنه لم يرو كل ما روى عنه ذلك الشخص الذي يعد من أهل طبقة هذا البعض . فهذه طريقة واضحة في التفرقة بين أصحاب طبقة معينة من الطبقات وبين أصحاب طبقتين متصلتين .


(205)

تداخل الطبقات :
     قال (الورقة 5) : إن جمعا من أصحاب هذه الطبقة (الأولى) كما يمكن أن يدخلوا فيها ، نظرا إلى كون جمع من أساتيدهم ومجيزيهم من جملة المجيزين والأساتيد لأصحابها ، فكذلك يمكن أن يدخلوا في الطبقة التي فوقها أي الثانية ، نظرا إلى . . . إجازتهم - جمعا من أصحاب هذه الطبقة واستجازتهم من جمع من أصحاب الطبقة الثالثة . وذلك كالسيد المرتضى : فإنه كما أجاز جمعا ممن هم دون أهل هذه الطبقة الأولى ، كالداعي الحسني ، والسيد ذي الفقار ، والقاضي ابن البراج ، ومحمد بن المرتضى ولده ، وتقي ابن نجم الحلبي ، وعبد العزيز الطرابلسي . . . . . . فكذلك ، قد أجاز جمعا من أهل هذه الطبقة ، كالشيخ الطوسي ، والكراجكي وسلار الديلمي . . . . . وكما أن من مشايخه جمعا من أهل الطبقة الثانية ، وذلك كالمفيد ومن في مرتبته . وكذلك من مشايخه جمع من أهل الطبقة الثالثة كالحسين بن علي ابن بابويه ، والتلعكبري ، وغير ذلك . قال : أن يكون جمع داخلين في الطبقتين ، نظرا إلى اعتبارين ، غير مختص بهذه الطبقات .
     بل كثيرا ما يوجد في غيرها ، فلا بد من الدقة والنظر وإمعان التأمل في أمثال ما ذكر .

الطبقات الخمس عشر :
     احتوى الفصل الأول من الكتاب على ذكر الطبقات التي رتبها فقال :
الأولى : (من أساطين حملة الأخبار ومشايخ الإجازة) وعد منهم : أولهم الشيخ الطوسي ، والشيخ النجاشي ، وأحمد بن الغضائري ، والمرتضى ،


(206)
والرضي ، والكراجكي ، وجعفر الدوريستي ، وغيرهم .
الثانية : وأصحابها في غاية الكثرة إلا أن الأهم مما ذكر معظم مشايخ شيخ الطائفة ممن له الإجازة منهم في تحمل الأخبار ، وعد منهم : الشيخ المفيد ، والحسين بن الغضائري ، وابن أبي جيد القمي ، وابن الحاشر ابن عبدون ، وابن أبي الصلت الأهوازي ، والشريف المحمدي .
الثالثة : وأصحابها - أيضا - في غاية الكثرة ، ومنهم : الشيخ الصدوق محمد ، وأخوه الحسين ، وأحمد بن محمد بن يحيى ، وأحمد بن الوليد والتلعكبري ، وجعفر بن قولويه ، وأبو محمد الطبري الحسن بن حمزة وابن عقدة الحافظ ، وأحمد البزوفري ، وابن الزبير ابن الكوفي ، وأبو المفضل الشيباني ، وغيرهم . والحاصل أن مشيخة الإجازة في هذه الطبقة من الأثبات العدول وغيرهم في غاية الكثرة .
الرابعة : وذكر من أصحابها الكليني ، ووالد الصدوق علي بن الحسين القمي ، وابن بطة ، وجميع مشيخة الصدوق وهم كثيرون .
الخامسة : فأصحابها - أيضا - لا يحصون كثرة ولا يستقصون كسعد بن عبد الله ، ومحمد بن الحسن الصفار ومحمد بن يحيى العطار ، ومحمد بن مسعود العياشي أبو النضر . ويكفي في صدق عدم إمكان استقصاء سلسلة هذه الطبقة ملاحظة مشيخة الكليني فقط . (الورقة 24) : ولم يكن فيهم من عاصر الأئمة عليهم السلام لأنهم كانوا في الغيبة الصغرى .
السادسة : أصحابها أيضا في غاية الكثرة : كأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، وأحمد البرقي ، وابن أبي الخطاب ، ومحمد بن عبد الجبار ومحمد بن عبد الحميد ، وسهل بن زياد ، وإبراهيم بن هاشم وغيرهم .
السابعة : وأصحابها وإن لم يكونوا بمنزلة أصحاب الطبقات المذكورة إلا أنهم


(207)
مع ذلك كثيرون .
     والمعيار في ذلك - أي ما هو ضابط على نمط الغالب - أن يكون أصحابها في مرتبة العباس بن معروف القمي ، والعباس بن عامر القصباني ، وهذان العباسان لم يرويا عن المعصوم أصلا ، وإن كانا في زمن الأئمة عليهم السلام . والحسين والحسن ابنا سعيد الأهوازيان . ويمكن أن يعد من هذه الطبقة زكريا بن آدم ، وزكريا بن إسحاق ، القميان ، وآدم بن إسحاق ، ومحمد بن البرقي ، وابن عيسى الأشعري ، وابن عبيد اليقطيني ، وغيرهم .
الثامنة : وأصحابها : صفوان بن يحيى ، وابن أبي عمير ، والنضر بن سويد ، ومحمد بن سنان ، وحماد بن عيسى ، والحسن الوشاء ، والحسن ابن فضال ، والحسن بن علي بن يقطين ، وابن محبوب إلى غير ذلك .
التاسعة : لأصحاب الكاظم عليه السلام .
العاشرة : لأصحاب الصادق عليه السلام .
الحادية عشرة : لأصحاب الباقر عليه السلام .
الثانية عشرة : لأصحاب السجاد عليه السلام .
الثالثة عشرة : لأصحاب الحسين عليه السلام .
الرابعة عشرة : لأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام .
الخامسة عشره : لصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال (الورقة 7) : إعلم أن سر التفصيل فيما دون الطبقة التاسعة : الإشارة إلى جملة من أصحاب كل طبقة .
     ووجه الاجمال في التاسعة وما فوقها هو أن أصحاب كل طبقة مما دون التاسعة كانوا يروون عن من فوقهم أصولهم وكتبهم وكتب غيرهم على نمط من أنماط الإجازة ، وإن كان جمع كثير من هؤلاء الرواة في حد أنفسهم ممن لقي إماما أو إمامين أو جمعا من الأئمة عليهم السلام ورووا عنه .


(208)
ألا ترى إلى صفوان بن يحيى ، أنه - مع كونه من أصحاب الرضا عليه السلام وممن لقي الكاظم عليه السلام - قد روى عن أربعين رجلا من أصحاب الصادق عليه السلام ، وله ثلاثون كتابا .
     والنضر بن سويد قد أخذ الأخبار عن يحيى بن عمران الحلبي من أصحاب الصادق عليه السلام .

الطفرة بين الطبقات :
     قال (الورقة 8) : إن ما قدمناه من الطبقات إنما هو الضابط الذي على نمط الغلبة لا الكلية ، إذ رواية جمع من أهل الطبقة السادسة عن جمع من أهل الطبقة الثامنة ليس بعزيز . وهكذا الكلام في غيرها من الطبقات . فلا بد من التدقيق الكامل والتأمل التام . وقال : بل لا يستبعد أن أقول : إن رواية أهل السادسة من أهل العاشرة مما يوجد في أخبار الكتب الأربعة بعد كون المروي عنه من الثامنة والتاسعة ، ونظرا إلى الحيثيات التي قدمناها . وإن شئت بيان ذلك لشدة مس الحاجة إليه مع كونه من الأمور العجيبة الغريبة ، فاعلم أن ابن أبي عمير قد روى عنه بعض أهل الطبقة السادسة وهو أحمد ابن محمد بن عيسى وابن أبي عمير من الثامنة والتاسعة وإن شئت فأضف إليهما الطبقة السابعة فإنه - على ما ذكره علماء الرجال - أدرك من الأئمة عليهم السلام ثلاثا : الكاظم عليه السلام ولم يرو عنه ، وروى عن الرضا والجواد عليهما السلام . ولكن المتتبع الخبير لا يخفى عليه أنه قد روى أيضا عن الصادق عليه السلام ، فيتصف بكونه من الطبقة العاشرة . قد تحقق من جميع ذلك أن رواية أهل الطبقة السادسة من أهل العاشرة ، أمر واقع .


(209)

36 - الطرق المتعددة :
     إن للشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال طرقا عديدة مستفيضة ، فوجود طريق صحيح واحد فيها ، مما يكفي في الحكم مطلقا بأن طريق الشيخ إليه صحيح ، فلا يتفاوت الحال في ذلك بالنسبة إلى وقوع التخالف والتغاير في الأسانيد . . . . . فوجود الضعف في طريق واحد من الطرق لا يقدح في طريقه الصحيح . وطريق الفهرست إلى علي بن فضال قالوا فيه : إنه لا ضعيف لجهالة علي بن محمد بن الزبير عندهم ، ولا طريق إليه في المشيخة . لكن في التهذيب في (باب الحيض) الحديث الخامس ، هكذا : أخبرني جماعة عن التلعكبري عن ابن عقدة ، عن ابن فضال هذا .
     وهذا طريق موثق بابن عقدة . إن ما ذكره الشيخ في الفهرست إلى ابن فضال إنما كان طريقا تفصيليا مسموعا عن شيخه بقراءة الشيخ كتب ابن فضال عنده ، وبإجازته إياه نقلها ، وإن شئت قل : طريقا تصريحيا ابتدائيا حقيقيا وبلا واسطة ، لا طريقا ضمنيا واستيلاديا ، وبالواسطة . وأما ما في التهذيب فمن الطرق الضمنية الاستيلادية .


(210)

حرف الظاء

37 - الظن الرجالي :
     قال (الورقة 63) : إن الدليل على التعديل هو الظن الاجتهادي ، بمعنى أن كل واحد من تلك الأمور مما يفيد الظن بثبوت العدالة في الراوي الموصوف به ، ولو كان الثابت فيه العدالة أدون درجة منها . وبعبارة أخرى : إن هذا كما يخرج الراوي عن المجهولية ، فكذا يدخله في الممدوحية ، فلا ضير أن نصف هذه العدالة بالفرد الخفي غير الظاهر من أفراد العدالة ، والدليل على اعتبار مثله هو جريان العمومات ، لصدق الاسم .
     وقال (الورقة 20) : إن قلت : ما الدليل على حجية الظن (في القرائن المذكورة في تمييز المشتركات) ، على أن الظن لا يحصل (في كثير منها) إلا على نمط الضعف ، وأن الأصل الأصيل هو عدم حجية الظن ، لا سيما في الموضوعات الصرفة التي ما نحن فيه منها ؟ . قلت : إن الأصل الأصيل مما في محله ، لكن الإجماع والسيرة قد قاما على حجية الظنون الرجالية مطلقا ، فهي ما يفيدها الأصول والقواعد المشار إليها في هذا الكتاب . وإن شئت أن تعبر بنمط آخر فسم هذا الإجماع ب‍ (الإجماع اللبي) وتلك السيرة ب‍ (السيرة اللبية) ، فهما مما يرد على الأصل ، ورود المنجز على المعلق ، والخاص على العام . فهذا هو المقصود من كلمات الأساطين من أن الظنون الرجالية حجة معتبرة . وقد توهم جهال هذا العصر أن المقصود من ذلك أن تصحيح الغير واجتهاده حال الإسناد مما يكتفى به لإفادة الظن ؟ !


(211)

فهذا كما ترى جهل محض ، واستقصاء من الجهل المحض بالجهل المحض .



(212)

حرف العين

38 - العدالة :
     قال (الورقة 61) :
     هي عبارة عند الكل عن (الملكة) بناء على التحقيق ، وأن الاختلاف فيها - بين العلماء - إنما هو بحسب الكواشف عنها . وقال (الورقة 76) : القول بأن العدالة عبارة عن حسن الظاهر يوجب اتساع الدائرة فيكون الأخبار الصحيحة في غاية الكثرة (لدخول الحسن فيها) وقد سمعت ممن أثق به أن هذا ما اختاره السيد الأجل السيد المحسن الكاظمي . وهذا - مع قطع النظر عن كونه خلاف التحقيق - مما يمكن أن ينزل إطلاقه على التقييد ، بمعنى أن يكون مقصوده أن جملة من الألفاظ الدالة على المدح مما يؤدي هذا المعنى لا كل ما يدل عليه .

39 - علم الرجال :
     تعريفه : قال (في قسم الدراية 1) : هو علم يقتدر به على معرفة أحوال الرواة من حيث أنهم رواة ، أي من حيث اتصافهم بالعدل والموثقية والمدح وحسن الحال ، أو الضعف والذم والقدح ونحو ذلك . وأيضا : على معرفة الأصول الكلية والضوابط التامة التي بها يعرف تمييز المشتركات وخلو الأسانيد من وقوع الغلط ونحوه فيها واتكالها عليه وما يتعلق به .

وجه التسمية :
وجه تسمية ذلك مع كون جماعة منهم نساء وأطفالا مميزين ، هو : أن الأوائل


(213)
كانوا يصدرون كلامهم بمقالة : إن فلانا أو فلانا من أصحاب الباقر عليه السلام وأن الفلاني والفلاني من أصحاب الصادق عليه السلام .
الحاجة إلى علم الرجال :
     قال : بالتأمل فيما أشرنا إليه يعلم أن معاشر العلماء الإمامية بأجمعهم تشتد حاجتهم غاية الاشتداد إلى العلم بالصناعة الرجالية ، فيجب عليهم تحصيله وإن افترقوا - نظرا إلى جملة من الجهات - إلى عشرين فرقة ، بل أزيد : من حزب المتكلمين ، والحكماء والعرفاء الإمامية . - ومن أحزاب الأخباريين المفترقين إلى فرق عديدة نظرا إلى جملة من المباحث والمقامات . ومن أحزاب المجتهدين الأصوليين : حزب المقتصرين بالعلم في الأحكام الشرعية . ومن أحزاب المبتعدين عنه إلى العمل بالظنون الخاصة ، والمفترقين نظرا إلى جملة من الجهات والحيثيات إلى فرق عديدة .
     وقد نبهنا في محله إلى وجه شدة احتياج الكل إلى العلم بهذه الصناعة وسر وجوب تحصيله عليهم ، ببيانات شافية ودلائل كافية . فلا تصغ بعد ذلك إلى مقالات شرذمة من أحزاب الأخباريين ، فإن أولئك لم يأخذوا في شئ بضرس قاطع ، وقد اشتبهت عليهم أيضا طريقة الأسلاف الأكامل من المحدثين فخرجت هذه الطائفة عن سيرة الكل ، حتى عن سيرة أكامل الأخباريين . والحاصل أن المجتهدين الأصوليين بأجمعهم يعدون معرفة علم الرجال من شرائط الاجتهاد ، ولا خلاف في ذلك بينهم ، وأن الخلاف في ذلك إنما صدر من شرذمة من الأخباريين ممن لا اعتداد بقولهم .


(214)
ثمرة علم الرجال :
     قال (الورقة 13) : من أعظم ثمرات علم الرجال هذا (أي الاطلاع على التصحيف) .


(215)

حرف الغين

40 - الغرر والدرر للآمدي :
     قال (الورقة 86) :
     وأما عدم الاعتداد بكتاب (الغرر والدرر) فمعلوم وجهه لأن مؤلفه - أي الآمدي - من العامة . ويمكن أن يقال : إن كتاب (الغرر والدرر) مما له شواهد ظنية دالة على أن ما فيه من الحكم الكاملة ، والمواعظ الشافية ، والنصائح الوافية والأحكام البليغة ، مما صدر من معدن العلوم الصافية ولي الله أمير المؤمنين عليه السلام ، هذا بعد الإغضاء عن أن نقول : إن تلك الشواهد شواهد قطعية ، وإلا فالأمر أوضح . على أنه قد مرت - فيما سبق - الإشارة إلى دعوى الشيخ إجماع الطائفة على العمل بها روته العامة عن أئمتنا عليهم السلام . اللهم إلا أن يقال : إن ذلك إنما كان فيما كانت الرواية عن الإمام عليه السلام بلا واسطة لا على التعميم حتى يشمل المرسل ، والمرفوع ، ونحو ذلك .


(216)
حرف الفاء

     41 - فرات بن إبراهيم :
     قال (الورقة 83) :
     قال بعض متأخري المتأخرين : إن فرات بن إبراهيم من المشايخ ، الكوفي له تفسيره المعروف ، وهو حسن ، روى عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني . وقال شيخنا المجلسي في (بحار الأنوار) : إن تفسير فرات وإن لم يتعرض الأصحاب لمؤلفه بمدح ولا ذم ، لكن كون أخباره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة وحسن الضبط في نقلها ، مما يعطي الوثوق بمؤلفه وحسن الظن به . وقد روى الصدوق عنه أخبارا بتوسيط الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي . وروى عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني في (شواهد التنزيل) وغيره . فهو مجهول على المشهور ، حسن كالصحيح على التحقيق . فقد علم أن فرات بن إبراهيم ، كان من المشايخ العظام وكتابه معتمد .

42 - فضالة بن أيوب الأزدي :
     قال (الورقة 29) :
     قال الكشي في ترجمة فضالة الأزدي : روى عنه الحسين بن سعيد ، لم ، إنتهى . وهو معارض بما في النجاشي من أنه روى عن الكاظم عليه السلام على أن ما في الكشي من أنه روى عنه الحسين بن سعيد يخالف ما هو المشهور من أن الحسين يشارك أخاه في جميع المشايخ إلا زرعة وفضالة . وبالجملة ، فإن كل ما تراه - بعبارة (الحسين عن فضالة) فهو غلط مشهور صادر عن جمع من محققي المحدثين .


(217)

43 - الفقه الرضوي :
     قال (الورقة 86) : ظهوره في زمن العلامة المجلسي - رحمه الله - وقصته مشهورة قد ذكرها المجلسي ، فلا حاجة إلى نقلها هنا . والوجوه المستنهضة لكونه حجة ، بكونه من المعصوم عليه السلام : قاصرة عن درجة ما يدل على خلاف ذلك .
     وفيه في (باب الصلاة) ما يحتج به أعاظم الصوفية على لزوم استحضار صورة المرشد على البال في الصلاة والتوجه إليه ، وذلك : إذا قمت إلى الصلاة فانصب بين عينيك واحدا . فقولنا بعدم حجيته لا لأجل ذلك فقط ، فإنه غير ظاهر في مراد المتصوفة ، وله معنى صحيح . بل لوجوه واعتبارات أخر . ومع ذلك كله ، يمكن أن نحتج بأخبار هذا الكتاب من باب التأكيد والتسديد والترجيح . والحال في كتاب (طب الرضا عليه السلام) كالحال في (الفقه الرضوي) ، إلا أن هذا الكتاب أنقص درجة من ذلك ، لأنه كم من مجتهد ومحدث يدعي ثبوت الفقه الرضوي من المعصوم - ولو كان هذا الثبوت على نمط الظن ، كما هو الشأن في أكثر الأخبار - . وهم مع ذلك لم يدعوا هذا الثبوت في شأن كتاب (الطب) . نعم ، إن العلامة المجلسي نقل اعتباره في جلد (السماء والعالم من بحاره) .

44 - الفهرستات :
     قال (الورقة 31) :


(218)
الفهرستات التي صنعت لبيان أصحاب الأصول والكتب في الأخبار من جملة الأحاديث ، ومشايخ الإجازات ، وغيرهم من الباب إلى المحراب . وأصحاب الفهرستات لم يذكروا إلا أصحاب الكتب والأصولي من أصحاب الأئمة عليهم السلام ومعاصر بهم ومن يحذو حذوهم . ولم يذكروا في الأغلب حال المروي عنه الذي روى عنه المحدث مشافهة رواية أو روايتين أو روايات ، بمعنى أنهم ما ذكروا في الأغلب أن ذلك المروي عنه من مشيخة إجازة هذا المحدث . على أن أصحاب الفهرستات لا يذكرون كل الطرق المسندة إلى شيخ ذلك المحدث ، حتى يذكر اسم هذا المحدث في تضاعيف تلك الطرق :
     والأسانيد ، ويتبين الأمر غاية التبين . بل ، إنما يذكرون الطرق التي لهم إلى ذلك الشيخ ، بل طريقا أو طريقين أو طرقا متعددة من طرقهم الكثيرة غير المحصاة . وقال (الورقة 32) : إن علماء الرجال قد تركوا ذكر جملة كثيرة من أصحاب الأصول من أصحاب الأئمة عليهم السلام ، وهكذا ذكر جملة من أصحاب الكتب المصنفة في تلك الأزمنة . إن الشيخ الطوسي مع طول ، باعه ووفور علمه ، وشدة حرصه في ذكر أصحاب المصنفات من أصحاب الأصول من أصحاب الأئمة عليهم السلام لم يذكر في فهرسته إلا نيفا وستين أصلا .

45 - فهرست قسم الرجال من كتاب القواميس (1) :
     (الورقة 3 - 4) :

(1) هذا الفهرس من وضع المؤلف رحمه الله ، وقد نقلناه بتوضيح ما . وقد لخصنا أهم مطالب هذا القسم كله في هذا التلخيص والعرض ورتبناه على حروف المعجم ، كما يلاحظه القارئ .


(219)
يشتمل على فصول :
الفصل الأول : في بيان المشاهير من الأوائل من طبقات الرجال وهي خمسة عشر طبقة وفيه تذييل لجملة من القواعد والفوائد .
والفصل الثاني : فيه إشارة إلى أصول محكمة في باب تمييز المشتركات من مشيخة الإجازات وهو في الطبقات ، وحمل المطلقات على المقيدات : في كليات الأسماء ومحاملها العامة ، مثل (كل أحمد بن محمد) بعد المفيد فهو (ابن الوليد) وهكذا .
الفصل الثالث : فيه إشارة إلى أدلة تلك الأصول ، ووجوه ذلك المجمل ، بأخذ مجامع جملة من الأبواب من الكافي والتهذيب والفقيه . وفيه إشارة إلى تأسيس الأصول وتقنين القوانين في كل باب من الأبواب الثلاثة ، أي باب المقترنات ، وباب المنفردات ، وباب المتعاطفات .
الفصل الرابع : في أخذ مجامع الكلام بالنسبة إلى الأصل المؤصل من الأصول المتقنة ، والقرينة المعتبرة من القرائن الرجالية المحكمة ، وهي القاعدة في القبلية والبعدية .
الفصل الخامس : في تحقيق الحال في التقارض .
الفصل السادس : في أصحاب الإجماع ، وبيان طبقاتهم ومن في عصرهم من الأئمة عليهم السلام ، ومعنى ذلك الإجماع ، وأجلة من صدر منه ادعائه ، وبيان هل هو على نمط واحد ، أو فيهم من وقع فيه الخلاف ؟
الفصل السابع : في تنقيح الكلام في أمر الطبقات ، ومشايخ الإجازات بذكر أمر به يعرف الوجه في اختصاص جمع من أهل طبقة سابقة بالرواية من أهل طبقة أو من أهل طبقة عالية ، والمشاركة في جميع مشايخ الإجازة وفيه تعرض لمصنفات تمييز المشتركات ، كجامع الأردبيلي ، والبحث حوله .
الفصل الثامن : في الإشارة إلى جملة من المسائل النافعة مثل كثرة الأحاديث في الزمن السابق .
الفصل التاسع : في الإشارة إلى ما ذهبت إليه من الألفاظ الدالة على التوثيق


(220)
مما وقع في الأخبار والآثار وكلمات الفضلاء إلى مراتب التعديل ومطالب أخرى .
الفصل العاشر : فيه الإشارة إلى الألفاظ الدلة على الجرح والتوهين ، وفي تضييق دائرة الجرح وتوسعة دائرة التعديل . وإلى توثيق جمع من مشيخة الإجازة وأصحاب الأئمة عليهم السلام ، وملاك الأمر في الإجازة . وفيه تذييل متضمن لجملة من المطالب المهمة من بيان حال جملة من الكتب ، وحال ابن عباس ، وما يجب على المحدث مراعاته ، وتأسيس أصالة التوثيق في أجلة السادات العلوية .
وتذنيب : متضمن لجملة من الأمور كعدم إطلاق الضعف في الحديث الضعيف السند ، ونقل روايات العامة في مناقب أهل البيت عليهم السلام ، وغير ذلك .
الفصل الحادي عشر : في الذكر الاجمالي للرواة من شيوخ الإجازة .
الفصل الثاني عشر : في بيان أمور كثيرة ، وفي الوصية لاستحكام أمر الطبقات ، وكون بعض من أصحاب طبقتين ، أو ثلاث أو أكثر ، ومعنى (أسند عنه)


(221)

حرف القاف

46 - قرينتا القبلية والبعدية :
     قال (الورقة 17) :
     اعلم أن القرينتين (القبلية) و (البعدية) قد تجامعان معا أصلا من الأصول في باب تمييز المشتركات ، في باب مشايخ الإجازة . فهذا أقصى الأمارات وأشدها في البين ، بل ما يفيده يسمى عند أهل الصناعة (علما) . ويزيد القوة إذا وجد في المقام ما يفيد الحصر ، حصرا مستفادا من نبو الطبقات . ويدانيه في القوة ما يتحقق فيه القرينتان (القبلية والبعدية) المتكررتان ، خاليتين من اجتماعهما مع أصل من الأصول المذكورة . ويقع التفاوت في إفراد هذا القسم بحسب وقوع التفاوت بحسب كثرة التكرار وقلته ، فيقدم في صورة الاحتمال ما هو أكثر تكرارا ، على ما هو أقل تكرارا .
     ويمكن أن يقال : إن بعد تحقق التكرار ، لا يتحقق المرجح ، لأن كثرة التكرار ليس من المرجحات . وفيه ما فيه . ثم إن ما تحققت فيه القرينتان معا ، ولو مرة واحدة أقوى مما فيه القبلية والبعدية المتعارضتان مما لا مرجح فيه إلا في صورة وجود التكرار في إحداهما وعدمه في الأخرى . وما هو أكثر دورانا وتكرارا يقدم على الأقل ، ولا ريب في تقديم واجد إحدى القرينتين ولو مرة على فاقدهما . فاعلم أن ما هو أوسع دائرة وأعظم نفعا وأوفر فائدة في باب تمييز المشتركات ، وتعيين المحتملات إنما هو هذا النوع من الأمارات أي أمارة القبلية والبعدية .


(222)
وقال (الورقة 18) :
     وأظن أن كثيرا ما ينبعث التفاضل والتفاوت والأفضلية والمفضولية بين علماء الرجال من التفاوت في الدراية والحذاقة في هذا الباب . وقال (الورقة 19 - 20) : إن صورة تحقق القرينتين على أقسام : تحققهما مع أصل من الأصول المتقدمة .
     وتحققهما مع عدم الجامعة مع أصل منهما . فعل التقادير : إما أن يتحقق على نمط التكرر والكثرة ، أو لا .
     وعلى الثاني : إما أن لا يتحقق التكرر والكثرة أصلا ، أو يتحقق ذلك في إحداهما دون الأخرى . وعلى كل التقادير : إما أن يتحقق ذلك بالنسبة إلى ملاحظة الكتب الأربعة أو ملاحظة غيرها . وعلى الأول : إما أن يضاف إلى ذلك طرق الكشي والنجاشي والفقيه ، والفهرست والفقيه ، أو لا يضاف إليه . وعلى صورتي الإضافة وعدمها : إما أن يضاف إلى ذلك ما في الكتب الأربعة ، أو لا . وعلى التقادير - غير الصورة الأخير - إما أن يوجد المعارض في البين بحسب تحقق القبلية والبعدية في مقابلة أو لا . وعلى الأول : إما المحتمل المقابلة واحد ، أو ما فوقه إلى الثلاثة ، بل الأربعة . وعلى تقادير تحقق المعارضة : إما المعارضة بحسب الأمرين معا في الكل ، أو بحسبهما في طائفة ، وبحسب أحدهما في أخرى أو بحسب إحداهما في الكل . وعلى الأخير وبعض ما قبله : إما القرينة الواحدة من صقع واحد ، أو صقعين . وعلى أكثر التقادير : إما أن يتحقق القبلية والبعدية مع اتحاد السند أو تحقق مع التلفيق من الإسناد .


(223)
وعلى التقادير : إما أن يعلم القبلية والبعدية معا ، أو أحدهما بالنسبة إلى الرجل أو بالنسبة إلى من في درجته باعتبار المشاركة في المشايخ . فهذه هو الصور المتصورة في تحقق القرينتين .
     وأما المتصورة في تحقق قرينة واحدة فعددها في غاية الكثرة أيضا . (واعتبار هذه الصور يبتني علي (الظن الرجالي) فلاحظه) .


(224)

حرف الكاف

47 - كثرة الحديث :
     قال : قولهم (كثر الحديث) يدل على المدح لقولهم عليهم السلام : اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا .

48 - الكليني وأبو داود :
     قال (الورقة 12) : قد يشكل الأمر في باب العطف (المتعاطفات) في جملة مواضع : منها : ما في سند خبر في (باب صفة الوضوء) والسند هكذا : (محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، وأبي داود جميعا ، عن الحسين بن سعيد) . فالأمر في ذلك مردد بين أن يعطف (أبو داود) على عدة أو على (أحمد بن محمد) .
     ويبعد الأول : أن الكليني لم يلق أبا داود المنشد ، لأن بين وفاتيهما على ما في النجاشي والفهرست : (سبعا أو ثماني وتسعين سنة) . ويبعد الثاني : وقوع الابتداء بأبي داود في أسانيد الكافي ، وعطفه على العدة في مواضع . . .
     (كأول باب الصلاة وباب قراءة القرآن) . والتقريب في غاية الوضوح : إذ احتمال التعليق في الأول ، والذهول عن الإعراب في الثاني ، أو الحكاية بناء على وضع الكنية على الرفع : من التمحلات المحضة والتكلفات البعيدة . على أن كثرة العطف بالرفع ينفي الذهول ، وثبوت العطف بالجر ينفي الوضع على الرفع . فمقتضى ذلك ثبوت رواية الكليني عن أبي داود وبذلك جزم الشيخ في


(225)
التهذيب في (باب المياه) . . . .
     فقد اتضح من ذلك كله أنه قد انبعثت من ذلك عويصة عضلاء . وكيف كان ، فإن أبا داود - وهو : سليمان بن سفيان - هو المنشد المسترق . وفي الفهرست : يروي عنه الحسن بن محبوب ، و عبد الرحمن بن أبي نجران .
     فقد اتضح أن رواية الكليني عنه مشافهة في حيز الامتناع بحسب العادة . فقد تبين لك صدق ما ادعيناه من صعوبة الأمر في باب العطف في جملة من المواضع . وقال بعض الحذقة في صناعة الرجال : (إن محمد بن يعقوب قد روى عن أبي داود ، عن الحسن بن سعيد ، وليس بالمسترق قطعا ، وإلى الآن لم يتبين لي من هو ؟ ولم أجد من أصحابنا من يحتمله ، ولا يبعد أن يكون أبا داود السجستاني !) . وأنت خبير أن ما نفي عند البعد ليس ببعيد . . . .
     لإمكان الملاقاة عادة بين الكليني وأبي داود السجستاني . وقال (الورقة 13) : ولا يخفى عليك أن الحق - وإن كان بحسب بادئ النظر - قد أبلج ، ولكن عند التدقيق في الصدور شئ يتلجلج ، وهو أن الأمر لو كان كما ذكر لاشتهر اشتهار الشمس كون السجستاني من مشيخة الكليني . على أن في البين وجوها مبعدة أخرى لا تخفى على المتأمل .


(226)

حرف اللام

49 - لم يرو :
     قال (الورقة 29) : إعلم أن التعارض بين قول علم من علماء الرجال : (إن فلانا روى عن الإمام عليه السلام) وبين قول علم آخر (إن هذا لم يرو عن الإمام عليه السلام أصلا) ، مما يفيد ثمرة عظيمة ، فلا بد من الترجيح حتى يبنى الأمر على منواله . وقد يؤدي الترجيح إلى الحكم بوقوع ما في السند مما حذف فيه الواسطة .
     وذلك الترجيح إنما يحصل من تتبع الأسانيد والقرائن القبلية والبعدية ، ونحو ذلك . وهكذا من ملاحظة حال المخبر بذلك من حذاقة في الحديث والرجال ، وعدم انفراده في ذلك الخبر ، وملاحظة ضد ذلك . إن رمز (لم) في كتب الرجال إنما يذكر في شأن من عاصر الإمام عليه السلام ، إلا أنه لم يرو عنه عليه السلام ، ولا يذكر في شأن من لم يعاصر الإمام أصلا ، بل إن هذا مما جرى عليه ديدنهم .
     وبهذا لم يعهد من علماء الرجال أن يثبتوا في أصحاب الطبقة الأولى إلى الخامسة رمز (لم) (أنظر عنوان : الطبقات) ومن هنا ، فإن ما وقع من الفاضل الحاذق الأسترآبادي في جملة من المواضع مما لم يعلم له وجه (1) .

(1) لقد تحدثنا عن مشكلة الجمع بين عد الراوي في الرواة وعده في من لم يرو عنهم ، وعن استعمال الرجاليين لرمز (لم) في كتبهم في بحث مفصل ، نشر في نشرة (تراثنا) السنة الثانية 1407 ، العدد 7 - 8 الصفحات 45 - 149 .


(227)

حرف الميم

50 - مالك الأشتر :
     قال (الورقة 60) : قول أمير المؤمنين عليه السلام : (مالك ! ما مالك ؟ ! لو كان صخرا لكان صلدا ولو كان جبلا لكان فندا ، كان مني كما كنت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) . وقوله عليه السلام - بعد جزعه عليه ثلاثة أيام : (ما قامت النساء عن مثل مالك) . وما يؤدي هذا المعنى من كلماته عليه السلام : ولا يخفى أن مثل تلك الأخبار تثبت لمالك شأنا عظيما فوق العدالة . هذا كله بعد الإغضاء عن كونه منصوبا من قبل أمير المؤمنين عليه السلام للمناصب الثلاثة : منصب الافتاء ، ومنصب الولاية الشرعية ، ومنصب الخلافة . وبعد قطع النظر عن كونه عينا من عيون شرطة الخميس ووجها من وجوههم .

5 - المتعاطفات :
     قال (الورقة 11) :
     مثال ذلك ما في الكليني (باب الأحداث الموجبة) : محمد بن يعقوب ، عن محمد ابن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، وأحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبد الجبار ، جميعا ، عن صفوان بن يحيى) . فأحمد بن إدريس عطف على محمد بن إسماعيل ، وجميعا إشارة إلى الفضل بن شاذان ، ومحمد بن عبد الجبار ، والتقريب واضح . وانظر (تمييز المشتركات) و (الكليني وأبي داود) .


(228)

52 - محمد بن أبي بكر :
     قال (الورقة 65) :
     وردت في شأنه أخبار كثيرة ، من قبيل :
     1 - الأخبار الناطقة بأنه كان من الفائزين بمرتبة التشيع بالمعنى الأخص .
     2 - والأخبار الناطقة بشدة محبة أمير المؤمنين عليه السلام له .
     3 - والاخبار الناطقة بأنه كان من نوابه ، ووكلائه ، وعماله ، وقد أمر عليه السلام جماعات كثيرة من أهل مصر برجوعهم إليه في أمر الدين .
     4 - والأخبار الناطقة بأنه كان من الحواريين . فإن أكثر تلك الأخبار مما وصلت إلى حد التواتر المعنوي ، وكل مجموعة منها مما يؤدي كونه في الدرجة العليا من العدالة بل فوقها !

53 - محمد بن أبي عبد الله الكوفي :
     قال (الورقة 74) : هو محمد بن جعفر الأسدي ، الذي هو من مشايخ الكليني ، ووالد الصدوق ، وهو يكنى أبا الحسين ، وكان أحد الأبواب ، قاله الشيخ وعده في كتاب (الغيبة) من الثقات الذين كانت ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل ، ونقل توقيعا في توثيقه . وقال النجاشي : إنه ثقة ، صحيح الحديث ، إلا أنه يروي عن الضعفاء ، وكان يقول بالجبر والتشبيه .

54 - محمد بن إسماعيل (في سند الكافي) :
     قال (الورقة 21 - 22) : قد اضطرب كلام الأصحاب في (محمد بن إسماعيل) غاية الاضطراب ، هل


(229)
هو ابن بزيع ؟ أو البرمكي القمي - وقم من الري - فيقال الرازي أيضا ؟ أو البندقي النيشابوري ؟ أو مشترك ؟ ويبعد ابن بزيع :
     1 - ببعد الطبقة ، لأن ابن يعقوب يروي عنه في كتابه بواسطة أو واسطتين ، وثلاث .
     2 - وباطراد تجريد محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه ابن يعقوب مشافهة عن قيد (ابن بزيع) في جميع رواياته عنه . وكونه اتفاقيا بعيد .
     3 - ولزوم التقارض ، لأن في ترجمة الفضل بن شاذان أنه يروي عن ابن بزيع .
     4 - وبأنه لو كان هو ابن بزيع لكان قد أدرك خمسة أئمة عليهم السلام ، لكونه من أصحاب الكاظم عليه السلام ، وهي مزية عظيمة تتوفر دواعي الرواة على نقلها .
     5 - وللزم أن ينقل ابن يعقوب عنه بعض ما رواه عن الأئمة عليهم السلام مشافهة ، لتكون بينه وبين الكاظم عليه السلام واسطة واحدة ، لوفور الرغبة في علو الإسناد ، والواقع خلاف ذلك . هذا ، وأنت خبير بأن هذه الاستيحاشات والاستبعادات التي تتراءى منهم في باب التقارض ، مما لا أرى له وجها فإنه كما تشتد الحاجة إلى رواية أحد المعاصرين عن الآخر إما مشافهة وإما بالواسطة ، فكذا تشتد الحاجة إلى أن يتقارض المتعاصران في الروايات ، هذا بالنسبة إلى المقارضة . ولا تتوهم أن لازم مقالنا أن حمل محمد بن إسماعيل على ابن بزيع مما لا غائلة فيه ، فإن ذلك الحمل مما يكفي في رده ما ذكر من الوجوه . وقال بعضهم : في صحة هذا السند قول لأن في لقاء الكليني لابن بزيع إشكالا ، فتضعف الرواية لجهالة الواسطة ، وإن كان كلاهما مرضيين معظمين . وظن ظان أن قضية التعليق كما تدفع الحمل على النيشابوري البندقي ، فكذا تدفع الحمل على البرمكي ، وقد صرح به بعضهم .


(230)
وكم من معتقد بأنه يجب الحمل على النيشابوري .
     والمستفاد من كلماتهم أنه لا سبيل إلى حمله على غير من ذكر من الثلاثة . فاعلم أن المسمى بهذا الاسم (ستة عشر رجلا) ممن هم مذكورون في كتب الرجال من أصحابنا ، ومن يحتاج إلى العلم بهم بالنسبة إلى الكتب الأربعة وما في درجتها . وإلا ، فإن أخذت الكلام على الإطلاق ، - بعد الاشتراط بكونهم من العلماء ومن جملة حاملي الحديث ومشايخ الإجازة - فذلك مما يقرب من (الثلاثين) . وكيف كان ، فإن ما يحتمله السند المذكور غير منحصر في الثلاثة بل إن ذلك مما يترامى إلى الستة ، وذلك : لأن من جملة هؤلاء المذكورين في كتب الرجال : محمد بن إسماعيل البلخي .
     ومحمد بن إسماعيل الصيمري . وهذان من أصحاب الهادي عليه السلام . وأيضا : محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليه السلام . وكان أسن شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعراق . فهؤلاء الرجال الثلاثة أيضا مما يحتمله السند المذكور ، كما لا يخفى . ومع ذلك نقول : إن الأرجح هو الحمل على النيشابوري .
     فإن الحمل على البرمكي وإن كان يؤيده كونه من أهل الري كابن يعقوب ، إلا أنه مما يزيفه أنه لم تعهد رواية ابن يعقوب عنه إلا بواسطة أو واسطتين كجعفر الأسدي ومحمد السياري وعدة .
     على أن التأييد المذكور ليس من التأييد السديد في شئ . وأما الحمل على أحد الرجال الثلاثة الذين ذكرناهم أخيرا مما لا يخلو عن مرجوحية ، كما لا يخفى . وكيف كان ، فإن القرائن الدالة على كون الرجل هو البندقي النيشابوري


(231)
غير عزيزة .
     وذلك لما ظهر من جملة القرائن أن البندقي كان من تلامذة ابن شاذان ، وذلك مثل حكاية البندقي جملة كثيرة من أحوال ابن شاذان . على أن ذلك مما صرح به جمع : أي كون البندقي من تلامذته . ونسدد ذلك بإكثار الكشي الروايات عن البندقي ، والتقريب ظاهر ، فإن الكشي كالكليني يتساويان في الطبقة . والحاصل أن في المقام قرينة مقبولة ، وهي القاعدة في القبلية والبعدية ، فهي كافية في إثبات المرام ، وتقوى إذا لوحظ ما بين المتأخرين من الإجماع على كون الرجل هو البندقي . فكل (عمد بن إسماعيل) بعد ابن يعقوب هو (البندقي) .

55 - محمد بن سنان الزاهري :
     قال (الورقة 72) :
     كثر فيه الجارح ، وتضيفه هو المشهور عند الطائفة ، إلا أن مقتضى الحق والتحقيق - مع ذلك - هو القول بتعديله ، كما صرح به المفيد ، والسيد ابن طاوس ، وجمع من متأخري المتأخرين ، كالحسن بن شعبة والمجلسي ، والحر العاملي ، ونظرائهم من أهل التدقيق . بل إني أصوب من ادعى القطع بعدالته وعظم جلالته من ملاحظة جملة من القرائن ، مثل :
     1 - كونه أستاذ جمع من الأعلام وشيخهم ، ومن يكثرون الرواية عنه - أصولا وفروعا - ويتلقونها بالقبول ، مثل الأحمدين الأشعري والبرقي ، ويونس والعبيدي ، وابن أبي الخطاب ، وابني سعيد ، وأيوب بن نوح ، وغيرهم من العدول الثقات .
     2 - وملاحظة ما أشرت إليها من الضابطة (أي أن المعتبر من الجرح أن لا يؤدي إلى رفع اليد عن الآثار .


(232)

     3 - وملاحظة عدم صدور قدح أصلا من الشيخين في شأنه .
     4 - وملاحظة الأخبار من ظهور المعجزة في حقه ، المروية في (عددية) المفيد .
     5 - ومن ملاقاته لثلاثة من الأئمة الكاظم ، والرضا ، والجواد عليهم السلام ورؤيته لهم .
     6 - وكونه من الوكلاء الممدوحين ، وقد صرح به الحر العاملي . وملاحظة ما رواه التلعكبري عن محمد بن همام قال : حدثنا الحسين بن أحمد المالكي قال : قلت لأحمد بن هلال الكرخي : أخبرني عما يقال في محمد بن سنان من الغلو ؟ فقال : معاذ الله ، هو والله علمني الطهور ، وحبس العيال ، وكان متقشفا متعبدا . وقال (الورقة 71) : من المواضع التي زلت فيها أقدام القميين حيث ضعفه رئيسهم ابن الوليد ، حتى قال بعضهم : (إنه كان غاليا) ! . والعجب من الطوسي حيث تبعهم ، والنجاشي قال في شأنه : إنه جليل في أصحابنا ، ثقة ، عين كثير الرواية ، حسن التصانيف . ومثل هذا يتراءى من الكشي ، والعلامة حكم في ترجمته بقبول روايته ، والجم الغفير من متأخري المتأخرين قد أذعنوا بأنه في الدرجة العليا من الجلالة والثقة والعدالة . فما عليه طائفة من المتأخرين كالشهيد الثاني من اتباعهم القميين في تضعيفه مما صدر عن قلة الفحص والتأمل .

56 - مشايخ الإجازة :
     قال (الورقة 22) : الأصل الأصيل في مشايخ الإجازة هو التوثيق ، بل إن هذا مما يتراءى من سيرتهم وتتبع الموارد في الإسناد ، والحاصل أنه لا يعدل عن مقتضى هذا الأصل إلا بدليل .


(233)
على أن إجماعهم على الحكم بصحة السند مما يكشف عن التوثيق الضمني ، وهو كالتوثيق الصريح من حيث الاعتداد به ، كما لا يخفى على الحاذق المتتبع . (وانظر الورقة 35) . وقال - (الورقة 62) : وقد يتراءى من جمع : أن كون الرجل من مشايخ الإجازة دليل توثيقه . وقال (الورقة 66) : ومن جملة الأمور التي اعتبرناها من علائم التوثيق وأمارات التعديل كون الرجل من مشيخة الإجازة . (ثم ذكر كلام السيد الداماد من قوله : إن لمشايخنا الكرام مشيخة يؤثرون ذكرهم (في الرواشح)) . قال : إن ما ذكر لا يختص بمن تصدر بهم الأسانيد ، بل إنه جار في كل المشايخ وأصحاب الإجازات ، وإن كانوا من أصحاب الأئمة لاتحاد الوجه في الكل . وقال : إن جمعا كثيرا من مشايخ الإجازة لم يذكروا في النجاشي والفهرست أصلا فكيف يجري فيهم قضية طرقهما . وإنما تعرض لذكرهم الشيخ في كتاب رجاله ، لا في الفهرست ، ثم تبعه المتأخرون في ذلك من العلامة وابن داود والأسترآبادي والتفريشي .

57 - محمد بن نصير :
     هو من أهل كش ، من مشايخ الإجازة وقد ذكره الشيخ في كتاب رجاله والعلامة في الخلاصة وقالا : إنه روى عنه أبو عمرو الكشي .
     فلما رجعنا إلى أسانيد الأخبار علمنا أن العياشي أيضا من تلامذته وممن روى عنه . وذلك كما في (العيون) بإسناده عن محمد بن مسعود العياشي ، عن محمد بن


(234)
نصير ، عن الحسن بن موسى .
     وفي (العلل) عن العياشي ، عن محمد بن نصير ، . عن أحمد بن محمد بن عيسى .

58 - موافقة الكتاب والسنة :
     قال (الورقة 88) :
     إن مقصود المعصوم من قوله عليه السلام في خبر يونس ، من موافقة الكتاب والسنة النبوية ، أو وجود شاهد من الأحاديث المتقدمة ، ليس اشتراط العمل به والاعتماد عليه بوقوعه في الكتاب الكريم أو السنة النبوية أو الأحاديث المروية عن الإمام السابق ! . لأن ذلك لا يعقل بوجه من الوجوه . بل المقصود من ذلك وجود ما في هذا الحديث في الكتاب والسنة أو الأحاديث المروية عن الإمام السابق ، وجودا على الاجمال والأصلية ، ولو كان على وجه الاستنباط الدقيق الرقيق ، أو الرمزية والتأويل المقبول . وهكذا من السنة النبوية ، ولكن على وجه أجلى وأفصح مما في الكتاب الكريم . وما لا يكون موافقا للكتاب ولا السنة ، فإما أن يكون بنحو المخالفة لهما أو على نهج لا يكون فيهما أصلا . وبعبارة جامعة : كل ما ينافي الأصول والقواعد الإمامية التي اتفقوا عليها ، سواء في مقامات الإثبات أو النفي ، وسواء كانت من الأصول أو الفروع .


(235)

حرف النون
59 - النجاشي :
     قال (الورقة 5) :
     فهو (أي الشيخ الطوسي) والشيخ النجاشي متشاركان في أكثر شيوخهما ، نعم . إن لكل منهما شيوخا ينفرد بالرواية عنهم دون صاحبه . ثم لا يخفى أن النجاشي يروي عن بعض مشايخ الإجازة بلا واسطة بخلاف الشيخ الطوسي ، وذلك أنه يروي عن الشيخ الأجل التلعكبري بلا واسطة ، والطوسي يروي عنه بواسطة عدة من مشايخه . وقال (الورقة 64) : قد علم من طريقة النجاشي التي التزم بها في كتابه أن كل من فيه مطعن ومغمز يلتزم إيراد ذلك البتة إما في ترجمته أو ترجمة غيره . فمهما لم يورد ذلك مطلقا واقتصر على مجرد ترجمة الرجل ، وذكره من دون إرداف ذلك بمدح أو ذم أصلا كان ذلك علامة أن الرجل سالم عنده عن كل مغمز ومطعن ، وداخل في قسم الممدوحين . وقد تنبه لهذه الطريقة الشيخ ابن داود ، فأورد مثل ذلك في الممدوحين ونسبه إلى النجاشي ، وقال (جش ، ممدوح) . وقد سبقني إلى ذلك السيد الأجل الداماد .
     وقال (الورقة 71) : من أخذ مجامع كلماتنا وتأمل فيها حق التأمل عرف سر طرحنا جرح النجاشي وعدم اعتدادنا بتوهينه ، في جملة كثيرة من المواضع ، وإن كان ذلك مسددا أيضا بموافقة جمع من علماء الرجال ، ومؤيدا في مواضع جرحه بجملة من الأخبار الصحيحة على ما هو عليه في الأغلب وفي أكثر المقامات من بذل الجهد وتمام البحث


(236)
وإكمال الفحص وإصابة التحقيق ومشاهدة الحق .
     مضافا إلى ذلك كله مقالة : أنه أعلم من الكل في الصناعة الرجالية ، كما تدور هذه المقالة على ألسنة المشهور . وذلك مثل جرحه المفضل بن عمر الجعفي ، وقد وافقه في ذلك الغضائري والعلامة والسيد الأسترآبادي . ولكن جرحه يؤدي إلى ما أشرنا إليه (من إفضائه إلى انقطاع آثار الشريعة ، وأدائه إلى تكذيب أعمدة المذهب كالكليني والصدوق في شهادتهم بصحة كتبهم) . وكيف لا ؟ ! فإنه هو الذي كتب هؤلاء ملاء بما أخذ منه في كل فن من الأخبار . وقدمنا تعديل الشيخ المفيد إياه في (إرشاده) معتضدا بها ذكره الطوسي في (الغيبة) من أنه من جملة الوكلاء المرضيين ، وقد وثقه الحسن بن شعبة في كتابه .

60 - نقد الطرق إلى الكتب :
     قال - نقلا عن بعض الأجلاء - :
     إعلم أن الشيخ الطوسي - رحمه الله - قد صرح في آخر التهذيب والاستبصار بأن هذه الأحاديث التي نقلناها عن هذه الجماعة قد أخذتها عن كتبهم وأصولهم . والظاهر أن هذه الكتب والأصول كانت عنده معروفة ، كالكافي والتهذيب وغيرهما عندنا في زماننا ، كما صرح به ابن بابويه في أول (من لا يحضره الفقيه) . فلو قال قائل بصحة هذه الأحاديث كلها ، وإن كان الطريق إلى هذه الكتب والأصول ضعيفا ، إذا كان مصنفو هذه الكتب والأصول وما فوقها من الرجال إلى المعصوم عليه السلام ثقات ، لم يكن مجازفا . وقال (الورقة 45) : إن الشيخ يروي الحديث عن طائفة معلقا (- التعليق) وليس له في الفهرست ولا في المشيخة إلى كتبهم طريق أصلا .


(237)

     وإنما صنع الشيخ كذلك ، تعويلا على ما عنده من كون الأصول والكتب عنده مشهورة بل متواترة ، وإنها يذكر الأسانيد لاتصال السند . ولهذا نراه لا يقدح عند الحاجة في أوائل السند بل إنما يقدح في من يذكر بعد أصحاب الأصول . لكن المتأخرين من فقهائنا يقولون : حيث أن تلك الشهرة لم تثبت عندنا فلا بد لنا من النظر في جميع السند .
     فبذلك أسقطوا كثيرا من أخبار الكتابين عن درجة الاعتداد والاعتبار . فإذا عرفت ذلك فاعلم : أن من أمعن النظر فيما قدمنا من أنه لا يمكن الاكتفاء بما في الفهرست والمشيخة ، بل لا بد من تتبع أسانيد الأخبار ، علم أنه كثيرا ما يوجد لكل من الأصول والكتب من أسانيد التهذيب والاستبصار طرق كثيرة غير مذكورة في الفهرست والمشيخة . بل يكون في الأغلب أكثر تلك الطرق الموجودة في أسانيد التهذيب والاستبصار مما يوصف بالصحة والاعتبار من الحسن والموثقية ونحو ذلك . (وتد أشار في الورقة 46 إلى أن الفاضل الأردبيلي في (جامع الرواة) قد صحح الطرق على هذا الأساس ، واستعمل هذه القاعدة) .
(سبحان ربك رب العزة عما يصفون)
(وسلام على المرسلين)
(والحمد لله رب العالمين)



شبکة رافد اتصل بنا www.rafed.net 1997-2007