لا شك أنَّ الغيبة هي من أسرار الله وهو أعرف بأسبابها وفوائدها الحقيقية ولكن هناك أسباب صرَّحت بها الأخبار والأحاديث نذكر بعضها : من تلك الأسباب أنّ حياة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف كانت مهدّدة بالقتل من قبل الحكّام العباسيين فكانوا يبحثون عنه في كل مكان حتى فتشوا دار الإمام العسكري عليه السلام ، ولذا كان الإمام العسكري عليه السلام يحاول إخفاء ولادة الإمام عليه السلام عن عامّة الناس ، تحفّظاً على حياة ولده من شرّ الحكّام العباسيين وهكذا استمر الخطر عليه من قبل سائر الحكّام كالعثمانيين وغيرهم ممّن حكموا بلاد الشرق لأنهم علموا بأنّ المهدي عليه السلام هو الذي يزلزل كراسي الظالمين ويدمِّر كيانهم ولا زال الخطر محدق بالإمام عليه السلام وهذا الأمر سبب طول غيبته ، لذا فإنّ شيعته دائماً يدعون له بالسلامة من الأعداء والتعجيل في ظهوره وفرجه. وثمة سبب آخر علل به غيبة الإمام عليه السلام ، وهو امتحان العباد واختبارهم ، وتمحيصهم ، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وآله انه قال : أما والله ليغيبنَّ إمامكم شيئاً من دهركم ، ولتمحصنَّ ، حتى يقال : مات أو هلك بأي وادٍ سلك ، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين (1) ولذا كان انتظار الفرج والظهور من أفضل العبادات كما صرحت بذلك الروايات. وهنا يطرح سؤال هو : ما الفائدة في وجود إمامٍ غائبٍ ؟ وكيف ينتفع الناس به ؟؟ لقد وردت أحاديث متعددة تذكر فوائد وجود الإمام الغائب عليه السلام ووجه الانتفاع به ، وفيما يلي نذكر بعضها : عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سأل النبي صلّى الله عليه وآله : هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته ؟ فقال صلّى الله عليه وآله : إي والذي بعثني بالنبوة ، إنهم لينتفعون به ، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته ، كإنتفاع الناس بالشمس وأن جللها السحاب (2) . فالشمس أمان للمجموعة الشمسيّة من الفناء والزوال وفيها فائدة عظيمة للإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء والجماد. ومن الواضح أن السحاب لا يغير شيئاً من تأثير الشمس ، وفوائدها ، وإنّما يحجب الشمس عن الرؤية ـ في المنطقة التي يخيم عليها السحاب ـ فقط. فالإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف الذي شُبِّه بالشمس وراء السحاب هو الذي بوجوده يتنعم البشر وتنتظم حياتهم وهو أمان لأهل الأرض ، لأنّ الأرض لا تخلو من الحجة ولو خلت لساخت بأهلها. وورد هذا المعنى في رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى إسحاق بن يعقوب : ... وإني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء ... (3) . وبالإضافة إلى هذا فانّ إمام العصر أرواحنا فداه يحضر في مواسم الحج كل عام ، ويتردد على المجالس والمحافل ، وما أكثر المشاكل التي يحلها بواسطة أو من دون واسطة لبعض المؤمنين ، ولعل الناس لا يرونه ولا يعرفونه ولكن الإمام عليه السلام يراهم ويعرفهم ، وقد ظفر كثير من الناس بلقائه خلال الغيبة الصغرى والكبرى ورأوا كثيراً من معاجزه وكراماته ، وحُلت على يديه مشاكل عدد من المؤمنين. فكم من مسألة في الأصول والفروع قد أجاب عنها ومشكلة في الدّين أو الدنيا قد أنقذ منها ، وكم من مريض قد شفاه ومضطر قد نجاه ومنقطع قد هداه وعطشان قد سقاه وعاجز قد أخذ بيده وذلك بلطف الله تعالى واستجابة لدعواته وتوسلاته المباركة بحق هؤلاء وأمثالهم فكيف جاز أن يقول القائل كيف ينتفع بالإمام الغائب ، هذا والإمام يرعى شيعته ، ويمدهم بدعائه الذي لا يحجب ، وقد أعلن ذلك في إحدى رسائله للشيخ المفيد ، فقد قال عليه السلام : إنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء (4) ، واصطلمكم (5) الأعداء ... . (6) الهوامش 1. بحار الأنوار 53 : 281. 2. كمال الدين 1 : 253 ط طهران سنة 1395 هـ. 3. كمال الدين 2 : 485 وكتاب الغيبة للطوسي : 177. 4. الأواء : الشدة ـ المصباح 2 : 256. 5. إصطلمه : استأصله ـ القاموس 4 : 140. 6. الاحتجاج للطبرسي 2 : 598. مقتبس من كتاب : [ الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف المصلح العالمي المنتظر ] / الصفحة : 44 ـ
لا تختصّ هذه العقيدة بالمسلمين فقط ، بل أنّ جميع الأديان والكتب الإلٰهيّة ـ حتّى بعض النظم ـ بشّرت بمنجي العالم في آخر الزمان ، والذي سيجعل الدنيا مليئة بالعدل والإنصاف. كما ورد في القرآن الكريم : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) . إختلف المفّسرون للقرآن الكريم في كلمة ( الذِّكْرِ ) ، فمنهم من قال : إنّها تطلق علي جميع الكتب السماويّة النازلة من قِبل الله عزّ وجلّ على الأنبياء (٢) . وقال آخرون : بأنّ المراد منها هو التوراة (٣) . وعلى كلّ حال ، فإنّ الكتب السماويّة بشّرت بأنّ الصالحين وأولياء الله في نهاية سيحكمون كلّ العالم. وكتب الاُستاذ محمّد رضا الحكيمي : بأنّ فكرة ظهور المصلح في آخر الزمان من الاُصول الأساسية منذ العصور القديمة ، وكانوا يذكرونها بشكل دائم ، ونحن اليوم وبعد مرور عدّة قرون نجد ما يدلّ على ذلك من خلال الآثار التي تركها الماضون (٤) . وكتب أحد العلماء المعاصرين يقول : الفتوريسم في الحقيقة تعني الإعتقاد بفترة آخر الزمان وانتظار ظهور المنجي ، عقيدة ثابتة ومسلّمة ومقبولة لدى الأديان السماويّة ، كاليهوديّة والزرادشتيه والمسيحيّة بمذاهبها الأصليّة الثلاثة ـ الكاثوليك والبروتستانت والارتذوكس ـ وكلّ الأديان السماويّة بشكل عام ، والدين الإسلامي بشكل خاصّ. وقد تمّ بيانها بشكل كامل ، وبسط البحث بهذا الصدد في أبحاث علم الأديان قسم دراسة الكتب السماويّة (5) . ويقول الاُستاذ الحكيمي : إنّ في الكتب وآثار زرادشت والزرادشتيّة ذكرت مسائل كثيرة حول آخر الزمان وظهور الموعود ، من جملتها : كتاب اوستا ، وكتاب زند ، وكتاب رسالة جاماسب ، وداتستان دينيك ورسالة زردشت. وهكذا ورد في الكتب المحرّفة لليهود والعهد القديم ومثل كتاب النبيّ دانيال عليه السلام ، وإنجيل لوقا ، وانجيل مرقس ، وإنجيل برنابا ، ومكاشفات يوحنّا ، فهي مع كونها محرّفة فقد ورد فيها أحاديث حول المنجي الموعود (6) . ولا شكّ هذه الكتب لو لم تحرّف لذكر فيها حقائق أوضح وأكثر من ذلك حول المصلح العالمي ، ورغم ذلك نقول : لو لم يذكر في الكتب السماويّة السابقة أي إسم وعلامة عن الموعود ، لقلنا أيضاً : إنّ الله عزّ وجلّ تحدّث عن المهدي المنتظر في كلّ الكتب السماويّة ؛ لأنّ القرآن الكريم صرّح بأنّ المصلح العالمي ومنجي البشريّة قد ذكر في الكتب السماويّة السابقة ، كما مرّ عليك. الهوامش 1. الأنبياء (٢١) : ١٠٥. 2. تفسير الميزان : ١٤ / ٣٣٧. 3. المصدر المتقدّم : ٣٢٩. 4. خورشيد مغرب : ٦٦. 5. خورشيد مغرب : ٦٦. 6. المصدر المتقدّم : ٦٧. مقتبس من كتاب : [ الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر ] / الصفحة : 13 ـ 15
في الأحاديث الشريفة انّ الإمام المعصوم عليه السلام الذي جعله الله حجّة على الخلق يعلم كل ما يحتاجون إليه ، و لا يُحجب عنه أخبار السماوات والأرض. وعلى هذا الأساس لابدّ أن يكون الإمام المهدي عج الله تعالى فرجه الشريف عالماً بوقت خروجه ، بتعليم من الله تعالى. قال الله عزّ وجلّ : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ) (1) . ففي أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً عالماً بشيء جاهلاً بشيء. ثمّ قال : الله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه. ثمّ قال : لا يحجب ذلك عنه. (2) وفي حديث ضريس الكناسي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وعنده اناس من أصحابه : عجبت من قوم يتولّونا و يجعلوننا أئمة ويصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلّى الله عليه و آله ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم ، فيقضونا حقّنا يعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسلّم لأمرنا ، أترون انّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يخفى عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينه ... (3) وفي حديث المفضل قال الصادق عليه السلام : الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثمّ يحجب عنه خبر السماء صباحاً و مساءً. الهوامش 1. الجن : 26 ـ 27. 2. أصول الكافي ج ۱ / ص ۲٦۲. 3. أصول الكافي ج ۱ / ص ۲٦۲.