حدّ الزاني المحصن والزانية المحصنة
الأحكام الإسلاميّة، ولا سيّما الجزائيّة، نزلت تدريجاً، وفقاً للظروف؛ فالمسلمون الأوائل لم يكونوا مكلّفين حتّى بالصلاة، حيث قال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: « قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا ». ثمّ نزل حكم وجوب الصلاة، ثمّ الصوم، ثمّ الزكاة، ثمّ الحجّ. وهكذا بالنسبة إلى المحرّمات.
ولذا نرى أنّ الآيات التي تحرم الخمر تراعي تدريجيّة الحكم؛ لأنّ الناس كانوا يشربون الخمر ويدمنون شربه، وكانوا يقامرون ويعتادون القمار وشرب الخمر، على نحو يصعب عليهم تركهما؛ فنزل أوّلاً قوله: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) [ البقرة: 219 ]، وهذا ليس صريحاً في الحرمة، بل بيان لضرر الخمر والقمار. ثمّ نزل قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ المائدة: 90 ]، فأمر المسلمين بالاجتناب عن الخمر والميسر. ولما لم يتركوا شرب الخمر والقمار، نزلت الآية الثالثة لتأكيد الحرمة: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) [ المائدة: 91 ].
وهكذا، لما كان الزنا متعارفاً في الجاهليّة، نزلت الأحكام الجزائيّة بالنسبة إلى الزاني والزانية على نحو التدريج، لذا نرى أن عقوبة الزانية في ابتداء الإسلام كان هو الحبس في البيت. قال الله تعالى: ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّـهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) [ النساء: 15 ـ 16 ].
لكن بعد ذلك، وحينما رسخت العقيدة الإسلاميّة في النفوس، أنزل الله تعالى حدّ الزاني والزانية؛ فقال: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ .. ) [ النور: 2 ].
وبناءً على ذلك نقول: يمكن أن تكون هناك مصلحة في عدم بيان حدّ الرجم « للزاني المحصن والزانية المحصنة » في القرآن الكريم، وأن يُذكر على لسان النبي صلّى الله عليه وآله، فاكتفى الله تعالى ببيانه في السنّة النبويّة التي هي المرجع في أكثر الأحكام الإلهيّة وتفاصيلها وشرائطها، حيث قال الله تعالى: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [ الحشر: 7 ]، وقال تعالى: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّـهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) [ النساء: 80 ]، وقال تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) [ النجم: 3 ـ 4 ].
والأحاديث من طرق أهل السنّة والشيعة تذكر بوضوحِ أنَّ الرجم هو حدّ للزاني المحصن والزانية المحصنة، ولا يمكن إنكار هذا الحكم بعد ثبوته في السنّة النبويّة الشريفة:
أمّا من طرق أهل السنّة: ففي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبدالله بن عبّاس قال: سمعت عمر وهو على منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله يخطب ويقول: إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ وأنزل عليه الكتاب، فكان مما انزل الله عليه: « آية الرجم »، فقرأنا ووعيناها، ورجم رسول الله صلّى الله عليه وآله ورجمنا بعده، فأخشى ان طال بالناس زمن ان يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فإنّ الرجم في كتاب الله حقٌّ على من زنا إذا أُحصن من الرجال والنساء اذا قامت البيّنة .. [ جامع الأصول، ج 4، 264 ].
ومن الطريف أن عمر بن الخطاب يدّعي وجود آية الرجم وهي غير موجودة في القرآن الموجود بين أيدينا؛ فعمر يدّعي وقوع التحريف والنقيصة في القرآن.
في صحيحي مسلم والترمذي، عن عبادة بن الصامت، انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: خذوا عني خذوا عني، قد جعل لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. [ جامع الأصول، ج 4، 264 ]
إلى غير ذلك من الأحاديث.
وأمّا من طرق الشيعة: ففي وسائل الشيعة للحرّ العاملي ج 18، ص 346 إلى 350 روايات تذكر حكم الرجم، وفي باب، ص 351 إلى 354 روايات تذكر معنى وحدّ الاحصان الموجب للرجم.
وروى الكليني في الكافي بسنده الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: الرجم حدّ الله الأكبر، والحدّ حدّ الله الأصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يجلد.
وروى بسنده عن محمّد بن قيس والرواية الصحيحة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة أن يُجلدا مائة، وقضى للمحصن الرجم وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفى سنة في غير مصيرهما.
وروى بسنده عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحرّ والحرّة إذا زنيا جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة، فأمّا المحصن والمحصنة فعليهما الرجم.
